Indexed OCR Text
Pages 101-120
وذكر كلاما فيه تغليظ على السائل اذا ملك ذلك ، وقد ذكرنا حديث أبى سعيد الخدرى بمثل ذلك أيضا . وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا تحل الصدقة لمن له مائتا درهم ، ولا بأس أن يأخذها من له أقل منها ، ويكرهون أن يعطى انسان واحد من الزكاة مائتى درهم ، فان اعطيها أجزأت عن المعطى عندهم ، ولا بأس أن يعطى أقل من مائتى درهم ، وهو قول ابن شبرمة وروى هشام عن أبى يوسف فى رجل له ( على رجل ) مائة وتسعة وتسعون درهما ، فيتصدق عليه من زكاة بدرهمين انه يقبل واحدا ويرد واحدا . ففى هذا اجازة أن يقبل تمام المائتين وكراهة أن يقبل ما فوقها . وحجتهم فى ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم ، وأردها فى فقرائكم . والغنى من له مائتا درهم ، لوجوب الزكاة عليه فيها ، لانها لا تؤخذ الا من غنى . وكان الثورى ، والحسن بن صالح ، وابن المبارك ، وأحمد ابن حنبل ، واسحق بن راهويه يقولون : لا يعطى من الزكاة من له خمسون درهما، أو عدلها من الذهب، واحتجوا فى ذلك بحديث عبد الله بن مسعود فى ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال: من سأل وهو غنى ، جاءت يوم القيامة مسئلته خدوشا ، وكموشا ، أو كدوحا فى وجهه، قيل: وما غناه، أو ما الغنى 8) على رجل : م - ب . - 101 - + يا رسول الله؟ قال: خمسون درهما أو عدلها من الذهب (1) وهذا الحديث انما يدور على حكيم بن جبير وهو متروك الحديث، هكذا رواه جماعة أصحاب الثورى ، منهم ابن المبارك وغيره ، عن الثورى عن حكيم (2) بن جبير عن محمد (3) بن عبد الرحمن بن يزيد ، عن ابن مسعود . (1) أخرجه الترمذي فى جامعه فى أبواب الزكاة ثم قال: حديث ابن مسعود حديث حسن وقد تكلم شعبة فى حكيم بن جبير من أجل هدا الحديث الخ . قال الشيخ المباركفوري فى تحفة الأحوذي وتكلم فيه غيره ايضا ، قال الذهبي فى الميزان : شيعي مغال ، قال أحمد : ضعيف ، منكر الحديث ، وقال النسائي: ليس بالقوى وقال الدار قطني : متروك ، وقال الجوزجاني : حكيم بن جبير كذاب، انتهى مختصرا . وقال الحافظ فى التقريب : ضعيف رمي بالتشيع هـ . ج : 2 من تحفة الاحوذي ، ص 19 . (2) حكيم بن جبير الاسدي ، ويقال مولى الحكم بن أبي العاص الثقفي الكوفي . روى عن أبي جحيفة، وأبي الطفيل، وعلقمة، ومحمد بن عبد الرحمن بن يزيد النخعي وجماعة . وعنه الاعمش ، والسفيانان ، وجماعة . قال أحمد : ضعيف الحديث ، مضطرب . وقال ابن معين : ليس بشيءٍ . وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه، فقال: كم روی انما روى شيئا يسيرا، قلت : من تركه ؟ قال : شعبة ، من أجل (( ينظر ما قيل فيه بتفصيل فى ج: 2 من تهذيب التهذيب)). حديث الصدقة . يعني : من سأل وله ما يغنيه . محمد بن عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي أبو جعفر الكوفي . (3) * روى عن أبيه، وعمه الاسود، وعم أبيه علقمة، وأرسل عن عائشة. روى عنه أبو اسحق السبيعي ، وسلمة بن كهيل ، وزبيد اليامي ، وحكيم بن جبير وجماعة . وثقه ابن معين ، وقال أبو زرعة : كان رفيع القدر من الجلة . ذكره ابن حبان فى الثقات . ( ج : 9 من تهذيب التهذيب)) ~ 102 - الا يحيى بن آدم فانه: جعل فيه مع حكيم بن جبير، زبيد الايامى (1) ولا يجوز عند الثورى، وأحمد بن حنبل والحسن بن صالح ، ومن قال بقولهم : ان يعطى أحد من الزكاة أكثر من خمسين درهما ، لأنه الحد بين الغنى والفقير عندهم ، والزكاة انما جعلها الله للفقراء والمساكين وحرمها على الاغنياء ، الا الخمسة الذين ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسياتى ذكرهم فى كتابنا هذا فى موضعه ان شاء الله تعالى . وقال عبيد الله بن الحسن : من لا يكون له ما يقيمه ويكفيه سنة ، فانه يعطى من الزكاة ، وما أعلم لهذا القول وجها الا أن يكون صاحبه عساه أخذه من حديث ابن شهاب عن مالك (2) بن أوس بن الحدثان ، عن عمر بن 1) قال : ب - م. عبد الله: ب ، عبيد الله: م . وهو الصواب . (8 (9 ما يقيمه: م ، ما لا يقيمه : ب . زبيد - بموحدة مصغر - اليامي ويقال : الأيامي ، أبو عبد الرحمن (1) ويقال : أبو عبد الله الكوفي . روى عن مرة بن شراحيل ، وابراهيم النخعي، وجماعة . وروى عنه ابناه عبد الله، وعبد الرحمن، والثوري، والحسن بن حي ، وجماعة . قال القطان : ثبت . وقال ابن معين وأبو حاتم والنسائى: ثقة . ((ج : 3 من تهذيب التهذيب) (2) مالك بن أوس بن الحدثان - بفتح المهملتين ، والمثلثة - بن سعد ابن بربوع النصري، أبو سعيد المدني ، مختلف فى صحبته . روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. وقيل : انه رأى ابا بكر وروى عن عمر وعثمان وعلي والعباس وغيرهم . وروى عنه الزهري وجماعـة . ذكره ابن سعد فى طبقة من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ورآه ولم يحفظ عنه شيئا . ( ج : 10 "من تهذيب التهذيب)) - 103 - الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخر مما أفاء الله عليه قوت (1) سنة ثم يجعل ما سوى ذلك فى الكراع ، والسلاح، مع قول اله عز وجل: ((ووجدك عائلا فأغنى)). وقال الشافعى : يعطى الرجل على قدر حاجته حتى يخرجه ذلك من حد الفقر الى حد الغنى كان ذلك تجب فيه الزكاة أو لا تجب فيه الزكاة ، ولا أحد حد فى ذلك حدا ، ذكره المزنى، والربيع جميعا عنه، ولا خلاف عنه فى ذلك . وكان الشافعى يقول أيضا : قد يكون الرجل بالدرهم غنيا مع كسبه ، ولا يغنيه الالف مع ضعفه فى نفسه ، وكثرة عياله . وقال الطبرى : لا يأخذ من الزكاة من له خمسون درهما ، أو عدلها ذهبا اذا كان على التصرف بها قادرا حتى يستغنى عن الناس ، فاذا كان كذلك حرمت عليه الصدقة . واما اذا صرف الخمسين درهما فى مسكن ، أو خادم ، أو ما لا يجد منه بدا ، وليس له سواها ، وكان على التصرف بها غير قادر حلت له الزكاة بحديث ابن مسعود ( عن النبى صلى الله عليه وسلم ) فى الخمسين درهما، وذكر حديث قبيصة بن المخارق : لا تحل المسئلة لمن له سداد من عيش أو قوام من عيش ، فكأنه جعل السداد الخمسين درهما المذكورة فى حديث ابن مسعود ، والله تعالى أعلم بهذا الظاهر من معنى قوله هذا . 16-15) عن النبي صلى الله عليه وسلم: م - ب. (1) أخرجه الإمام أحمد - مطولا - ج: 1 من المسند بتحقيق أحمد شاكر، ص : 228 - رقم الحديث : 171 . - 104 - قال أبو عمر : ليس عن النبى صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أصحابه فى هذا الباب شىء يرفع الاشكال ، ولا ذكر أحد عنه ولا عنهم فى ذلك نصا غير ما جاء عن النبى صلى الله عليه وسلم من كراهية السؤال ، وتحريمه لمن ملك مقدارا ما ، فى آثار كثيرة مختلفة الالفاظ والمعانى ، فجعلها قوم من أهل العلم حدا بين الغنى ، والفقير . وأبى ذلك آخرون وقالوا : انما فيها تحريم السؤال أو كراهيته . فأما من جاءه شىء من الصدقات عن غير مسألة فجائز له أخذه وأكله ، ما لم يكن غنيا الغنى المعروف عند الناس فتحرم عليه حينئذ الزكاة دون التطوع . ولا خلاف بين علماء المسلمين أن الصدقة المفروضة لا تحل لغنى الا ما ذكر فى حديث أبى سعيد الخدرى على ما ياتى ذكره ان شاء الله فى موضعه من كتابنا هذا. واختلفوا فى الصدقة التطوع هل تحل للغنى ؟ فمنهم من يرى التنزه عنها ، ومنهم من لم ير بها بأسا، اذا جاءت من غير مسألة، (لقوله صلى الله عليه وسلم لعمر: ماجاءك من غير مسألة فكله وتموله فانما هو رزق ساقه الله اليك )، مع اجماعهم على أن السؤال لا يحل لغنى معروف الغنى . 19 - 20) لقوله صلى الله عليه وسلم الى قوله: ساقه الله اليك» ما بين القوسين يوجد فى نسخة الخزانة الملكية . - 105 - جو وأكثر من كره صدقة التطوع انما كرهها من أجل الامتنان ، ورأوا التنزه عن التطوع من الصدقات ، لما يلحق قابضها من ذل النفس والخضوع لمعطيها ، ونزعوا أو بعضهم بالحديث : أن الصدقة أوساخ الناس يغسلونها عنهم ، فرأوا التنزه عنها ، ولم يجيزوا أخذها لمن استغنى عنها - بالكفاف - ما لم يضطروا اليها، حتى لقد قال سفيان - رحمه الله - جوائز السلطان، أحب الى من صلات الاخوان ، لانهم يمنون . قال أبو عمر : ويحتمل مع هذا أنه رأى أن له فى بيت المال حقا . والآثار المروية عن النبى صلى الله عليه وسلم فى كراهته السؤال مطلقا ، أو لمن ملك مقدارا ما، كثيرة جدا، منها حديث الأسدى المذكور فى هذا الباب لمالك عن زيد بن أسلم . ومنها حديث أبى سعيد على ما تقدم ، وفيها جميعا ذكر الأوقية أو عدلها . وحديث ابن مسعود فى الخمسين درهما، أو عدلها من الذهب . وحديث سهل بن الحنظلية أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سأل وعنده ما يغنيه فانما يستكثر من نار جهنم ، فقالوا يا رسول الله ، وما يغنيه ؟ (1) قال: ما 6-2) ((ورأوا التنزه عن التطوع الى قوله: حتى لقد قال سفيان رحمه الله)) هكذا فى نسخة الخزانة الملكية . أما النسخة العراقية ففيها: ((وما يلحق قابضها من ذل النفس ، والخضوع لمعطيها ، فرأوا التنزه عنها ما لم يضطروا اليها حتى يغنى، قال سفيان رحمه الله)). 14-10) ((والآثار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم الى قوله: أو عدئها)) هكذا فى نسخة الخزانة الملكية. أما نسخة العراق ففيها: ((وأما الآثار المروية فى هذا الباب حديث الاسدي ، وحديث أبي سعيد الخدري ، الأوقية، أو عدلها )) . (1) كتاب الزكاة من سنن أبي داود، ج: 2 من مختصر، وشرح ، وتهذيب السنن ، ص : 229 - رقم الحديث : 1562 . - 106 - يغذيه فى أهله، وما يعشيهم . وحديث عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن رجل من مزينة أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يخطب وهو يقول : من استغنى أغناه الله ، ومن استعف أعنه الله ، ومن سأل الناس وله عدل خمسة أوساق سأل الحافا . وحديث قبيصة (1) بن المخارق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : يا قبيصة: ان المسألة لا تحل الا لأحد ثلاثة : رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة ، فسأل حتى يصيبها ، أو يمسك ، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له المسألة ، فسأل حتى يصيب قواما من عيش ، أو قال : سدادا من عيش ، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوى الحجا من قومه : لقد أصابت فلانا الفاقة فقد حلت له المسألة ، فسأل حتى يصيب قواما أو سدادا من عيش ، ثم يمسك ، وما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت ، ياكلها صاحبها سحتا (2). وروى الفراسى أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أأسأل يا رسول الله؟ قال: لا ، وان كنت لابد سائلا فسل الصالحين (3) (وذكر الحديث). 16) وذكر الحديث : ٢ - ب . (1) قبيصة بن المخارق بن عبد الله بن شداد بن معاوية الهلالي البصري . وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه .. روى عنه ابنه قطن، وكنانة بن نعيم، وهلال بن عامر البصري ، وأبو عثمان النهدي ، وأبو قلابة الجرمي . وكنيته أبو بشر . وقال خليفة فى الطبقات : كانت له دار بالبصرة . (ج : 8 من تهذيب التهذيب)). (2) كتاب الزكاة من صحيح مسلم: ج : 3 من شرح الابي، ص : 173 . وكتاب الزكاة من سنن أبي داود ، ج : 2 من مختصر وشرح وتهذيب السنن ص : 237 - رقم الحديث : 1575 . (3) كتاب الزكاة من سنن أبي داود، ج : 2 من مختصر وشرح وتهذيب السنن، ص: 241 - رقم الحديث : 1581 . قال المنذري فى الاختصار : وأخرجه النسائي . - 107 - وروى عوف بن مالك الأشجعى : أنهم بايعوا رسول اللـه صلى الله عليه وسلم ( وهم سبعة أو ثمانية)، فأخذ عليهم أن يعبدوا الله ، ولا يشركوا به شيئا ، ويصلوا الصلوات الخمس ، ويسمعوا ويطيعوا، ولا يسألوا الناس شيئا (1). ( قال : فلقد كان بعض أولئك النفر ، يسقط سوطه ، فما يسأل أحدا يناوله ). وروى ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من تكفل لى أن لا يسأل الناس شيئا ، تكفلت له بالجنة (2) وروى عمر بن الخطاب ، وغيره ، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: اذا أعطيت شيئا من غير أن تسأله ، فكل وتصدق ) (3) وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: من آتاه الله شيئا من غير مسألة ، ولا استشراف فلياكل وليتمول ، فانما هو رزق سمة أو ثمانية : م _ ب . (2 4) هكذا فى نسخة الخزانة الملكية ، وهو الصواب . أما النسخة العراقية فعيها: ((ويسعوا ويطوفوا)). 5- 6) ((قال: فلقد كان بعض أولئك النفر الخ)» ما بين القوسين فى نسخة الخزانة الملكية . (1) كتاب الزكاة من صحيح مسلم، ج: 3 من شرح الابي، ص : 173. وكتاب الزكاة من سنن أبي داود، ج 2 من مختصر وشرح وتهذيب السنن، ص: 240 - رقم الحديث 1577. بلفظ ((ويسمعوا ويطيعوا)) بدل ((ويسعوا ويطوفوا)). قال المنذري فى الاختصار : وأخرجه أيضا النسائي وابن ماجه . (2) بنحوه فى كتاب الزكاة من سنن أبي داود، ج: 2 من مختصر وشرح وتهذيب السنن ، ص : 241 - رقم الحديث : 1578 . (3) أخرجه مسلم فى كتاب الزكاة - مطولا - ج : 3 من شرح الابي، ص : 175 . - 108 - ساقه الله اليه (1)، وهذا معناه أن يكون فقيرا ، أو يكون الشىء الذى جاءه من غير مسألة ليس من الزكاة ان كان غنيا ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: لا تحل الصدقة لغنى، ولا لذى مرةسوی، ويروى لذى مرة قوى (2). رواه (عبد الله ) بن عمرو بن العاص، ورواه أيضا عبيد (3) الله بن عدى بن الخيار عن رجلين من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ، عن النبى صلى الله عليه وسلم . وهذه كلها آثار مشهورة صحاح معروفة عند أهل الحديث، موجودة فى المسانيد، والمصنفات وأمهات الدواوين . ( ذكرها أبو داود وغيره ، كرهت الاتيان بأسانيدها ، لاشتهارها . والسؤال عند أهل العلم مكروه لمن يجد منه بدا على كل حال . 5) عبد الله: م، عبد الرحمن: ب. والصواب: عبد الله. (1) بنحوه فى مجمع الزوائد، ج: 3، ص 101 بلفظ: ((ولا أشراف» بدل : ((ولا استشراف » . (2) كتاب الزكاة من سنن أبي داود ، ج : 2 من مختصر وشرح وتهذيب السنن ، ص : 233 - رقم الحديث : 1568 . عبيد الله بن عدي بن الخيار القرشي المدني . عن عمر ، وعثمان ، (3) وعنه عروة بن الزبير ، وعطاء بن يزيد ، وجماعة . وعلي ، وجماعة من الصحابة رضوان الله عليهم . قال أبو القاسم البغوي : بلغني أنه ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وذكره ابن سعد فى الطبقة الاولى من تابعي أهل المدينة . وقال العجلي : تابعي ثقة من كبار التابعين . (( ج : 7 من تهذيب التهذيب)) - 109 - روينا عن ابن عباس من وجوه أنه أوصاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فى وصيته له : اذا سألت فاسأل الله ، واذا استعنت فاستعن بالله . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب على ظهره خير له من أن يسأل الناس ، أعطوه أو منعوه. قال أبو عمـر : وما زال ذوو الهمم والأخطار من الرجال يتنزهون عن السؤال . ولقد أحسن أبو الفضل (1) أحمد بن المعذل بن غيلان العبدى الفقيه المالكى حيث يقول : التمس الارزاق عند الذى ما دونه ان سيل من حاجب من يبغض التارك عن سؤله جودا ومن يرضى عن الطالب ومن اذا قال جرى قوله بغير توقيع الى كاتب أبو الفضل أحمد بن المعذل بن غيلان العبدي . (1) يعتبر من الطبقة الأولى الذين انتهى اليهم فقه مالك ممن لم يره ولم يسمع منه من أهل العراق . وكان من العلماء، الادباء ، الفصحاء، النظار ، فقيها بمذهب مالك، ذا فضل، وورع، ودين، وعبادة ، نبيلا، له اشعار ملاح . قال القاضي عياض فى أول المدارك : كثير من يقول : أحمد بن المعدل ، بدال مهملة ، وصوابه بمعجمة . (( الديباج المذهب )) - 110 - قال أبو عمر : كان أحمد بن المعذل شاعرا فقيها ناسكا ، وكان أخوه عبد الصمد شاعرا ماجنا ، ولاحمد قصيدته المشهورة فى فضل الرباط . ومن أحسن ما قيل نظما فى الرضى والقناعة ونم السؤال قول بعض الأعراب : علام سؤال الناس والرزق واسع وأنت صحيح لم تخنك الأصابع وللعيش أوكار وفى الارض مذهب عريض وباب الرزق فى الارض واسع فكن طالبا للرزق من رازق الغنى وخل سؤال الناس فالله صانع وقال مسلم بن الوليد : أقول لمأفون البديهة طائر مع الحرص لم يغنم ولم يتمول سل الناس انى سائل الله وحده وصائن عرضى عن فلان وعن فل وقال عبيد بن الأبرص : من يسأل الناس يحرموه وسائل اللـه لا يخيب ~ 111 - ومن قصيدة للحسين بن حميد : وسائل الناس ان جادوا وان بخلوا فانه برداء الخل مشتمل وقال أبو العتاهية فأحسن : أتحرى أى ذل فى السؤال وفى بخل الوجوه الى الرجال يعز على التنزه من رعاه ويستغنى العفيف بغير مال تعالى الله يا سلم بن عمرو أذل الحرص أعناق الرجال وما دنياك الا مثل فى أظلك ثم آذن بالزوال اذا كان النوال ببذل وجهى فلا قربت من ذاك النوال معاذ الله من خلق دنى a يكون الفضل فيه على لالى توق يدا تكون عليك فضلا فصانعها اليك عليك عالى يد تعلو بجميـل غعـل كما علت اليمين على الشمال - 112 - وجوه العيش من سعة وضيق وحسبك والتوسع فى الحلال وتنكر أن تكون أخا نعيم وأنت تصيف فى فيىء الظلال وأنت تصيب قوتك فى عناف وريك ان ظمئت من الزلال متى تمسى وتصبح مستريحا وأنت الدهر لا ترضى بحال تكابد جمع شىء بعد شىء وتبغى أن تكون رخى بال وقد يجزى قليل المال مجزى كثير المال فى سد الخلال اذا كان القليل يسد فترى ولم أجد الكثير فلا أبالى هى الدنيا رأيت الحب فيها عواقبه التفرق عن تقال تسر اذا نظرت الى هلال ونقصك أن نظرت الى الهلال التمهيد ج٤ - 113 - حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا حفص بن عمر النمرى ، قال : حدثنا سعيد عن عبد الملك (1) بن عمير ، عن زيد (2) بن عقبة الفزارى ، عن سمرة بن جندب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه ، فمن شاء أبقى على وجهه ، ومن شاء ترك الا أن يسأل الرجل ذا السلطان ، أو فى أمر لا يجد منه (3) بدا . قال أبو عمر : حديث سمرة هذا من أثبت ما يزوى فى هذا الباب ، وهو أصل عندهم فى سؤال السلطان ، وقبول جوائزه ، وعمومه يقتضى كل عبد الملك بن عمير الفرسي - بفتح الفاء والراء - اللخمي ، (1) أبو عمر الكوفي ، القبطي . عن جرير ، وجندب البجليين ، وأم عطية ، وخلق . وعنه شهر بن حوشب ، وسليمان التيمي ، والسفيانان . قال ابن المديني : له نحو مائتي حديث وقال أحمد : مضطرب الحديث جدا ، مع قلة روايته، ما ارى له خمسمائة حديث ، وقد غلط فى كثير منها . وقال العجلي : ثقة ، وقال النسائي : ليس به بأس ، وقال ابن معين : اختلط، قيل: مات سنة ست وثلاثين ومائة ، وقد جاوز المائة . ((تهذيب التهذيب)) - ((الخلاصة)) زيد بن عقبة الفزاري الكوفي . (2) عن سمرة بن جندب، وعنه عبد الملك بن عمير، ومعبد بن خالد. وثقه النسائي . (( الخلاصـة ) (3) كتاب الزكاة من سنن أبي داود ، ج : 2 من مختصر وشرح وتهذيب السنن ، ص : 237 - رقم الحديث : 1574 . قال المنذري فى الاختصار : وأخرجه الترمذي ، والنسائي ، وقال الترمذي : حسن صحيح . ~ 114 - سلطان لم يخص من السلاطين صفة دون صفة ، وقد كان يعلم كثيرا مما يكون بعده ، ألا ترى الى قوله : سيكون بعدى أمراء - الحديث . فما لم يعلم الحرام عندهم بصفته ، جاز قبوله : حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا ابن وضاح ، قال : حدثنا عبد الله بن أبى حسان ، حدثنا مسلم ، حدثنا محمد بن مسلم الطائفى ، عن أيوب بن موسى ، عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقبل الجوائز من الامراء . وقبل جوائز الامراء جماعة منهم : الشعبى ، والحسن البصرى ، وابراهيم النخعى ، وابن شهاب الزهرى ، ويحيى بن سعيد ، ومالك بن أنس ، والأوزاعى . وكان يحيى بن سعيد فى ديوان الوليد ، وجماعة من العلماء كانوا فى ديوان بنى أمية ، وبنى العباس - فى العطاء . ذكر الحسن بن على الحلوانى فى كتاب المعرفة ، قال : حدثنا ابن عمير ، قال . حدثنا ضمرة، عن أبى جميلة ، قال: ذكر الوليد ابن هشام لعمر بن عبد العزيز القاسم (1) بن مخيمرة ، قال : فأرسل اليه ، فلما دخل عليه قال له عمر : سل حاجتك ، قال يا أمير المؤمنين : قد علمت ما جاء فى المسألة ، قال : ليس أنا ذلك ، انما أنا القاسم بن مخيمرة - بضم أوله ـ وفتح المعجمة ، بعدها تحتانية (1) ساكنة، ثم ميم مفتوحة - الهمداني ، أبو عروة ، نزيل دمشق ، أحد الاعلام . عن أبي سعيد ، وعلقمة بن قيس، وعنه سلمة بن كهيل ، والحكم ابن عتيبة . قال ابن معين وأبو حاتم ، والعجلي ، وابن خراش : ثقة . مـات سنـة مائـة . (تهذيب التهذيب)) - ((الخلاصة)) ( ج: 6 من الحلبة)). - 115 - قاسم غسل حاجتك ، قال: يا أمير المؤمنين : أخد منى ، قال : قد أمرنا لك بخادم ، فخذها من عند الوليد بن هشام ، هكذا قال الحسن الحلوانى . وحدثنا على بن حفص قال : حدثنا الأشجعى ، عن سفيان ، عن منصور ، قال : خرج ابراهيم النخعى ، وتميم بن سلمة الى عامل حلوان فأعطاهما ، قال : ففضل تميما على ابراهيم ، فوجد ابراهيم من ذلك فى نفسه . وذكر ابن أبى حاتم حديث أحمد (1) بن منصور الرمادى ، عن القعنبى ، قال سمعت يحيى (2) بن سليم الطائفى ، يحدث عن سفيان بن عينية أن محمد بن ابراهيم يعنى (الهاشمى)(3) واليا كان على مكة بعث الى سفيان الثورى مائتى دينار ، فأبى أن يقبلها ، فقلت له: يا أبا عبد الله، كأنك لا تراها حلالا، قال: بلى، ولكنى أكره أن أخل . وقال سفيان : جوائز السلطان أحب الى من صلة الاخوان لانهم لا يمنون ، والاخوان يمنون . أحمد بن منصور بن سيار الرمادي ، أبو بكر الحافظ البغدادي . (1) صنف المسند . عن يزيد بن هرون، وزيد بن الحباب ، وعبد الرزاق وخلق . وعنه ابن ماجه، وابن أبي حاتم ، وثقه الدار قطني، وطعن فيه أبو داود ، توفي سنة خمس وستين ومائتين عن ثلاث وثمانين سنة ( الخلاصة)) يحيى بن سليم الطائفي أبو محمد القرشي ، مولاهم المكي (2) الخراز ، عن أسمعيل بن أمية، واسمعيل ابن كثير، وابن جريج . وعنه أحمد ، واسحق ، وقتيبة . وثقه ابن معين ، وأبن سعد، والنسائي الا في عبيد الله بن عمر. (( الخلاصـة)) (3) بياض بالاصل أكملناه من نسخة د . - 116 - قال الحلوانى : وحدثنا عفان ، قال : حدثنا معاذ ، قال : حدثنا ابن عون ، قال : أمر عمر بن عبد العزيز بمال للحسن ومحمد، فلم يقبل محمد وقبل الحسن . سيرين، وثاب قال: وحدثنا زيد بن الحباب عن سلام (1) بن مسكين، قال : بعث عمر بن عبد العزيز الى الحسن ومحمد بن ثابت البنانى ويزيد الرقاشى ، ويزيد الضبى بثمانمائة،ثمانمائة ، وحلة ، حلة ، فقبلوا كلهم الا محمد بن سيرين . قال : وحدثنا دحيم ، قال: حدثنا الوليد بن مسلم ، قال : حدثنا ابن حاتم ، قال : قدم علينا سليمان بن يسار فى زمن الوليد بن عبد الملك فدعاه الوليد الى منزله فصنع حماما ودخله ، فاطلى بنورة ، ثم خرج، وانصرف الى المنزل فتغذى معه . أخبرنا محمد بن زكرياء ، قال : أخبرنا أحمد بن سعد ، قال: حدثنا أحمد بن خالد ، قال : حدثنا مروان بن عبد الملك ، قال : حدثنا المفضل بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا عبد الله بن داود ، عن الأعمش ، عن حبيب بن أبى ثابت ، قال : رأيت هدايا المختار تأتى ابن عباس ، وابن عمر ، فيقبلانها . سلام بن مسكين بن ربيعة الازدي ، أبو روح البصري ، محدث،امام. (1) من الحسن، وقتادة، وثابت . وعنه يحيى القطان ، وابن مهدي ، وأبو الوليد الطيالسي ، وأبو سلمة التبوذكي . وثقه أحمد، وابن معين . مات سنة سبع وستين ومائة . (تهذيب التهذيب)) - ((الخلاصة ) - 117 - قال مروان : وحدثنا محمد بن يحيى الازدى ، قال : حدثنا أبو نصر التمار (1)، قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز التنوخى ، قال : قال الحسن : لا يرد عطاياهم الا أحمق أو مراء. حدثنا محمد بن عبد العزيز ، وكان فاضلا ، قال سمعت ابن عيينة. حدثنا أحمد بن زهير ، حدثنا يحيى بن أيوب ، قال : حدثنا محمد بن عبدالعزيز ، وكان فاضلا ، قال : سمعت ابن عيينة يقول : من زعم أن سفيان لم يأخذ من السلطان ، أنا أخذت له منهم. قال أبو عمر : كان الثورى يحتج بقول ابن مسعود : لك المهنأ ، وعليه المأثم. وهذا لولا خروجنا بذكره عن معانى هذا الباب لذكرنا من ذلك ما يطول به الكتاب ؛ فقد جمعه (2) منهم أحمد بن خالد وغيره . وروى عن بكير بن الأشج أنه كان يقبل هدية امرأة سوداء تبيع المزر بمصر ، قال : لانى كنت أراها تغزل . وقال الليث . ان لم يكن له مال سوى الخمر ، فليكف عنه. قال : وأكره طعام العمال من جهة الورع من غير تحريم ، وقال القاسم بن محمد : لو كانت الدنيا كلها حراما لما كان بد من العيش فيها . أبو نصر التمار هو عبد الملك بن عبد العزيز القشيري النسوي (1) الحافظ . عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي، وحماد بن سلمة، ومالك، وخلق. وعنه مسلم ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم ، وقال : ثقة ، يعد من الابدال. وقال ابن سعد : كان ثقة فاضلا ، ورعا ، خيرا . مات سنة ثمان وعشرين ومائتين . ((تهذيب التهذيب)) - ((الخلاصة)) لعل فى العبارة سقطا . (2) - 118 - وقال مالك : فكل من عمل للسلطان عملا ، فله رزقه من بيت المال ، قال : فلا بأس بالجائزة يجاز بها الرجل يراه الامام بجائزته أهلا لعلم ، أو دين عليه ، ونحو ذلك . قال أبو عمر: اما من حد فى الغنى حدا : خمسین درهما ، أو أربعين درهما، أو مائتى درهم، وزعموا أن المرء غنى، بملكه هذا المقدار على اختلافهم فيه ، ومن قال : انه لا يعطى أحد من الفقراء أكثر من مائتى درهم أو أكثر من خمسين درهما من الزكاة فانه يدخل على كل واحد منهم ما يرد قوله من حديث سهل بن أبى حثمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ودى الانصارى (1) المقتول بخيبر بمائة ناقة من أبل الصدقة ودفعها إلى أخيه عبد الله بن سهل . قد نزع لهذا بعض أصحابنا وفى ذلك عندى نظر ، فأما من جعل المرء بملكه ما تجب فيه الصدقة غنيا ، لقوله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم ، فانه يدخل عليه الاجماع على أن من ملك خمسة أوسق من شعير قيمتها خمسة دراهم أو نحوها مما لا يكون غنى عند أحد ، وكان ملكه اياها بزرعه لها فى أرضه ولم يملك من حصاده غيرها ، ان الصدقة عليه فيها ، وان لم يملك شيئا سواها ، وهذا عند جميعهم فقير مسكين ، غير غنى ، وقد وجبت عليه الصدقة وهذا ينقض ما أصلوه ، وما ذهب اليه مالك والشافعى أولى بالصواب فى هذا الباب والله أعلم . (1) بنحوه فى سنن أبي داود - كتاب الزكاة - ج : 2 من مختصر وشرح وتهذيب السنن ، ص :236 - رقم الحديث : 1573. قال المنذري : وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه . مختصرا ومطولا . - 119 - أخبرنا محمد بن عبد الملك ، قال : حدثنا أبو سعيد الأعرابى، قال : حدثنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عن عبيد الله بن عدى بن الخيار عن رجلين قالا : أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم نعم الصدقة ، فسألناه ، فصعد فينا البصر وصوب ، وقال : ما شئتما ؟ فلا حق فيها لغنى ولا لقوى مكتسب . ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تحل الصدقة لغنى ولا لذى مرة"، وبعضهم يقول فيه : ولا لذى مرة قوى . ومن أحسن ما رأيت ( من أجوبة ) (1) فى معانى السؤال وكراهيته ومذاهب أهل الورع فيه ، ما حكاه الأثرم عن أحمد بن حنبل ) : أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن ، قال : حدثنا عبد الحميد بن أحمد الوراق ، قال : حدثنا الخضر بن داود ، قال : حدثنا أبو بكر الاثرم ، قال: سمعت أبا عبد الله يعنى أحمد بن حنبل يسأل عن المسألة متى تحل ؟ فقال: إذا لم يكن عنده ما يغذيه ، ويعشيه ، على حديث سهل ابن الحنظلية . قيل لأبى عبد الله: فان اضطر الى المسألة ، قال : هى مباحة له إذا اضطر . 11) («ذكرها أبو داود، وغيره إلى قوله : فى معاني السؤال ، وكراهيته، ومذاهب أهل الورع فيه ما حكاه الأثرم عن أحمد بن حنبل)) . كل ما بداخل القوسين - وهو نحو عشر صفحات من هذا المطبوع - اعتمدت فيه على نسخة الخزانة الملكية . أما نسخة العراق فلا يوجد فيها مما بداخل القوسين الا شيء يسير غير مرتب لا يكاد يذكر . (1) بياض فى الاصل أكملناه من نسخة د . - 120 -