Indexed OCR Text

Pages 61-80

61
حديث رابع الثور بن زيد مرسل
شركه فيه حميد بن قيس
مالك عن حميد بن قيس وثور بن زيد أنهما أخبراه عن
رسول الله صلى الله عليه، وأحدهما يزيد فى الحديث على صاحبه،
(( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائما فى الشمس
فقال : ما بال هذا ؟ قالوا نذر ألا يتكلم ولا يستظل ولا يجلس
ويصوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مروه فليتكلم ،
وليستظل، وليجلس، وليتم صيامه)). قال مالك ولم أسمع أن رسول
الله صلى الله عليه أمره بكفارة، وقد أمره أن يتم ما كان لله طاعة،
وان يترك ما كان لله معصية .
قال أبو عمر :
هذا الحديث يتصل عن النبى صلى الله عليه وسلم من
وجوه ، منها حديث جابر وابن عباس ، ومن حديث قيس بن
أبى حازم (920) عن أبيه (921) عن النبى صلى الله عليه، ومن
حديث طاووس عن أبى اسرائيل رجل من أصحاب النبى عليه
920) قيس بن أبي حازم البجلي الاحمسي أبو عبد الله الكوفي أحد كبار
التابعين وأعيانهم مخضرم عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي . وعنه
الحكم بن عتيبة مات سنة 98 .
(( الخلاصة )) .
أبو حازم المزني صحابي له عندهما حديث اسمه عقيل بن مقرن
(921
(( تقريب التهذيب )»

62
السلام ، وأظن والله أعلم ان حديث جابر هو هذا ، لان مجاهدا
رواه عن جابر ، وحميد بن قيس صاحب مجاهد ، وفيه دليل على
أن السكوت عن المباح أو عن ذكر الله ليس من طاعة الله ، وكذلك
الجلوس للشمس ، وفى معناه كل ما يتأذى به الانسان مما لا طاعة
فيه بنص كتاب أو سنة . وكذلك الحفا وغيره مما لم ترد الشريعة
بعمله ، لا طاعة لله فيه ولا قربة ؟ وانما الطاعة ما أمر الله به
ورسوله بالتقرب بعمله الى الله تبارك اسمه . وقد جاء عن مالك
فى هذا الباب مسألة ذكرها فى موطاه فى الرجل يقول للرجل انا
أحملك الى بيت الله . قال ان نوى أن يحمله على رقبته يريد بذلك
المشقة فليس ذلك عليه وليمش على رجليه وليهد ، وان لم يكن نوى
شيئا من ذلك فليحج وليركب وليحج به معه ان أطاعه وان أبى
فلا شىء عليه ، وقد انكر قوم على مالك ايجاب الهدى فى هذه
المسألة على الذى نوى أن يحمله على رقبته ، وقالوا ليس هذا
أصله فيمن ترك الوفاء بما لا طاعة فيه من نذره أن يكفر بهدى أو
غيره ، لان حمله على رقبته ليس لله فيه طاعة وهو يشبه نذر
الذى نذر ان لا يتكلم ولا يستظل. وقد سئل اسماعيل القاضى
عن هذا فقال : لو قدر أن يحمله لكان طاعة قال : ومن هنا وجب
عليه الهدى عند مالك ولم يجعله كالمستظل والمتكلم بعد نذره أن لا
يستظل ولا يتكلم .
قال أبو عمر :
أصل مالك الذى لم يخالفه فيه أحد من أصحابه ان من نذر ما
فيه لله طاعة بما لا طاعة فيه لزمه الوفاء بما فيه طاعة وترك ما
سواه ، ولا شىء عليه لتركه ، وذلك كمن نذر أن يمشى الى بيت
المقدس للصلاة فيه ، فينبغى له أن يقصد بيت المقدس ، لما فى ذلك
من الطاعة ، وليس عليه قصده ماشيا ، اذ المشى لا طاعة فيه ولا
هدى عليه ، وهذا يقضى على المسألة الأولى ويقضى على أن من

63
نذر المشى الى الكعبة حافيا أنه ينتعل ولا شىء عليه ، وان كان
مالك فى هذه كان يستحسن الهدى أيضا وليس بشىء . حدثنى
أحمد بن محمد بن أحمد قال أخبرنا أحمد بن الفضل الخفاف قال
حدثنا محمد بن جرير (922) قال حدثنا محمد بن حميد (923)
قال حدثنا سلمة بن الفضل (924) عن ابن اسحاق (925) عن ابان
ابن صالح عن مجاهد عن جابر بن عبد الله قال: كان أبو اسرائيل
رجلا من بنى فهر فنذر ليقومن فى الشمس حتى يصلى النبى عليه
السلام الجمعة ، وليصومن ذلك اليوم ، فرآه النبى عليه السلام
فقال ما شأنه ؟ فأخبروه فأمره أن يجلس ويستظل ويصوم ولم
يأمره بكفارة . وهذا الحديث يدل على أن كل ما ليس لله بطاعة
حكمه حكم المعصية فى انه لا يلزم الوفاء ولا الكفارة عنه فان
ظن ظان ان ايجاب الكفارة بالهدى أو غيره احتياط قيل له ، لا
مدخل للاحتياط فى ايجاب شىء لم يوجبه الله فى ذمة بريئة ، بل
الاحتياط الكف عن ايجاب ما لم يأذن الله بايجابه . وفى هذا
الحديث أيضا دليل على فساد قول من قال أن من نذر معصية كان
922) محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الامام العلم الفرد الحافظ أبو جعفر
الطبري سمع من محمد بن حميد الرازى مولده سنة 224 .
(( تذكرة الحفاظ )) .
923) محمد بن حميد بن حيان أبو عبد الله الرازي الحافظ عن يعقوب
القمي وابن المبارك حدث عنه أبو داود والترمذي ومحمد بن جرير .
((تذكرة الحفاظ ، الخلاصة)).
924) سلمة بن الفضل الانصاري مولاهم أبو عبد الله الرازي الابرش
الازرق القاضي عن ابن اسحاق . مات سنة 120 .
(( الخلاصة )) .
ابن اسحاق : هو محمد بن اسحاق بن سيار المطلبي مولى قيس
(925
ابن مخرمة أبو عبد الله المدني أحد الائمة الاعلام ولاسيما فى المغازي
مات سنة 151 .
((الخلاصة )) .

64
عليه مع تركها كفارة يمين . فان احتج محتج بحديث عمران بن
حصين وحديث أبى هريرة جميعا عن النبى عليه السلام أنه قال
لا نذر فى معصية الله وكفارته كفارة يمين ، قيل له هذان حديثان
مضطربان لا أصل لهما عند أهل الحديث ، لان حديث أبى هريرة
انما يدور على سليمان بن أرقم (926)، وسليمان بن أرقم متروك
الحديث ، وحديث عمران بن حصين يدور على زهير (927) بن
محمد عن أبيه ، وأبوه مجهول لم يرو عنه غير ابنه زهير ، وزهير
أيضا عنده مناكير ؟ وقد بينا العلة فى هذين الحديثتين فى باب
طلحة بن عبد الملك من كتابنا هذا ، ويدل هذا الحديث أيضا على
صحة قول من ذهب الى أن من نذر أن ينحر ابنه انه لا شىء عليه
من كفارة ولا غيرها وقد قاله مالك على اختلاف عنه وهو
الصحيح ان شاء الله لانه لا معصية أعظم من اراقة دم أمرىء
مسلم بغير حق . ولا معنى لايجاب كفارة يمين على من نذر ذلك،
ولا للاعتبار فى ذلك بكفارة الظهار فى قول المنكر والزور ، لان
الظهار ليس بنذر ، والمنذر فى المعصية قد جاء فيه نص عن النبى
صلى الله عليه قولا وعملا. فاما العمل فهو ما (١) فى حديث جابر
هذا ، واما القول فحديث عائشة عن النبى عليه السلام أنه قال
((من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه))
وقد ذكرنا فى كتابنا هذا فى باب طلحة بن عبد الملك .
(١) ماجاء في حديث: ب ، مافي حديث : ١
926) سليمان بن أرقم البصري أبو معاذ عن الحسن ، وعطاء ، وعنه
الثوري الخ قال الترمذي متروك ، له عندهم ثلاثة أحاديث .
((الخلاصة)) .
927) زهير بن محمد التميمي الخرقي بكسر المعجمة وفتح المهملة ثم
قاف أبو المنذر الخراساني نزيل الشام والحجاز قال البخاري: للشاميين
عنه مناكير وهو ثقة ليس به بأس مات سنة 162 .
(«الخلاصة)) .

65
أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد الجهنى قال حدثنا سعيد بن
السكن قال حدثنا محمد بن (928) يوسف قال حدثنا محمد بن اسماعيل
البخارى قال حدثنا موسى بن اسماعيل قال حدثنا (929) وهيب
قال حدثنا أيوب عن ابن عباس قال بينما النبى عليه السلام يخطب
اذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا : يا رسول الله أبو أسرائيل
نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم ، فقال النبى
صلى الله عليه: مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه . قال
البخارى وقال عبد الوهاب (930) حدثنا أيوب عن عكرمة عن
النبى عليه السلام .
قال أبو عمر :
سيأتى فى باب طلحة بن عبد الملك ما ينضاف الى هذا الباب
ويليق به ان شاء الله .
928) محمد بن يوسف هو الامام أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر
الفربري توفي فى شوال عام 320 عن 89 ذكر فى ترجمة ابن جوصاء
((تذكرة الحفاظ » .
وهيب بن خالد الباهلي أبو بكر البصري أحد الحفاظ الاعلام عن
(929
أيوب وجماعة ، مات سنة 165 .
(( الخلاصة)) .
عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت بن عبد الله بن الحكم بن أبي
(930
العاص الثقفي أبو محمد البصري احد الائمة عن حميد ، وأيوب ،
وجماعة ، مات سنة 194 .
(( الخلاصة)).
ة

66
باب الجيم
جعفر بن محمد بن على بن حسين ابن على
ابن أبى طالب رضى الله عنهم
يكنى أبا عبد الله وأمه فروة بنت القاسم بن محمد بن أبى
بكر الصديق وهو جعفر المعروف بالصادق ، وكان ثقة ماموما
عاقلا حكيما ورعا فاضلا . واليه تنسب الجعفرية وتدعيه من
الشيعة الامامية (١) وتكذب عليه الشيعة كثيرا ، ولم يكن هناك
فى الحفظ ذكر ابن عيينة انه كان فى حفظه شىء . توفى بالمدينة
سنة ثمان وأربعين ومائة . فى خلافة أبى جعفر هذا قول الواقدى
والمدائنى . وروى على بن الجعد عن زهير بن محمد قال : قال أبى
لجعفر بن محمد ان لى جارا يزعم انك تتبرأ من أبى بكر وعمر،
فقال برىء الله من جارك والله انى لارجو أن ينفعنى الله بقرابتى
من أبى بكر ولقد اشتكيت شكاة فأوصيت الى خالى عبد الرحمان
ابن القاسم (931) . ومن كلامه وكان أكثر كلامه حكمة ، أوفر
١) وتكذب : ١، ويكلب : ب
931) عبد الرحمان بن القاسم بن محمد بن أبي بكر التيمي أبو محمد المدني
الامام عن أبيه وأسلم مات سنة 126 .
((الخلاصة )) .

67
الناس عقلا أقلهم نسيانا لامر آخرته . وهو القائل أسرع الاشياء
انقطاعا مودة الفاسق . وذكر مصعب الزبيرى عن مالك رحمه الله
قال : اختلفت الى جعفر بن محمد زمانا وما كنت أراه الا على
ثلاث (١) خصال ، اما مصل ، واما صائم، واما يقرأ القرآن . وما
رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه الا على طهارة وكان
لا يتكلم فيما لا يعنيه وكان من العلماء العباد الزهاد الذين يخشون
الله . ولقد حججت معه سنة فلما أتى الشجرة أحرم فكلما اراد
أن يهل كاد يغشى عليه ، فقلت له لابد لك من ذلك . وكان يكرمنى
وينبسط الى فقال يا ابن أبى عامر انى أخشى أن أقول لبيك اللهم
لبيك ، فيقول لا لبيك ولا سعديك. قال مالك ولقد أحرم جده على
ابن حسين فلما اراد أن يقول (ب) اللهم لبيك أو قالها غشى عليه
وسقط من ناقته فهشم وجهه رضى الله عنهم أجمعين .
قال أبو عمر :
لمالك عن جعفر بن محمد فى الموطا من حديث النبى صلى الله
عليه تسعة أحاديث ، منها خمسة متصلة . أصلها حديث واحد وهو
حديث جابر الحديث الطويل فى الحج ، والاربعة منقطعة تتصل
من غير رواية مالك من وجوه .
ب) بيك : ب ـ : ١
ثلاث : ١ ، ثلاث خصاب : ب

68
حديث أول لجعفر بن محمد
مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أنه
قال رأيت رسول الله صلى الله عليه رمل من الحجر الاسود حتى
انتهى اليه (١) ثلاثة أشواط .
قال أبو عمر :
يعنى من الاشواط السبعة فى طواف الدخول ، وهذا ما لا
خلاف فيه ان الرمل وهو الحركة والزيادة فى المشى لا يكون الا
ثلاثة أشواط
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن جعفر بن
الورد حدثنا يوسف بن يزيد حدثنا عبد الله بن عبد الحكيم أخبرنا
مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال : كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمل من الحجر الاسود حتى
ينتهى اليه ثلاثة أطواف. فى هذا الحديث أن الطائف بالبيت
يبتدىء طوافه من الحجر وهو ما لا خلاف فيه أيضا . واذا بدأ من
الحجر مضى على يمينه وهو أيضا ما لا خلاف فيه ، فان لم يمض
على يمينه كان الطواف منكوسا ، وكان عليه اعادته عندنا . فاذا
مضى على يمينه جعل البيت عن يساره وذلك أن الداخل من باب
بنى شيبة أو من غيره أول ما يبدأ به أن يأتى الحجر يقصده
فيقبله ان استطاع أو يمسحه بيمينه ويقبلها ، فان لم يقدر قام
بحياله فكبر ثم أخذ فى طوافه يمضى على يمينه ، ويكون البيت
١) اليه : ١، الى : ب

69
عن يساره متوجها ما يلى الباب باب الكعبة الى الركن الذى لا
يستلم ، ثم الذى يليه مثله ، الى الركن الثالث وهو اليمانى الذى
يلى الاسود من جهة اليمين ثم الى الحجر الاسود يفعل ذلك ثلاثة
أشواط يرمل فيها ثم أربعة لا يرمل فيها . وهذا كله اجماع من
العلماء فان لم يطف كما وصفنا كان منكسا لطوافه . واذا أخذ عن
يساره الى الركن اليمانى وجعل البيت عن يمينه لم يجزه ذلك
الطواف عندنا . واختلف الفقهاء فيمن طاف الطواف الواجب منكوسا
على ضد ما وصفنا بأن يمضى على يساره اذا استسلم الحجر ولم
يعده حتى خرج من مكة وأبعد ، فقال مالك والشافعى وأصحابهما
لا يجزئه الطواف منكوسا ، وعليه أن ينصرف من بلاده فيطوف
لانه كمن لم يطف ، وهو قول الحميدى وأبى ثور . وقال أبو
حنيفة وأصحابه يعيد الطواف ما دام بمكة فاذا بلغ الكوفة أو أبعد
كان عليه دم ويجزئه وكلهم يقول اذا كان بمكة اعاد . وكذلك القول
عند مالك والشافعى فيمن نسى شوطا واحدا من الطواف الواجب
أنه لا يجزئه وعليه أن يرجع من بلاده على بقية احرامه فيطوف.
وقال أبو حنيفة فى هذه (١) أن بلغ بلده لم ينصرف وكان عليه دم .
قال أبو عمر :
حجة من لم يجز الطواف منكوسا أن رسول الله لما استسلم
الركن أخذ عن يمينه فمن خالف فعله فليس بطائف . ويعضد ذلك
قوله صلى الله عليه ((من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد ))
يعنى مردودا وقال (( خذوا عنى مناسككم)) أخبرنا عبد الله بن
محمد قال أخبرنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا عبد الاعلى (932)
١) ان بلغ : ١، اذا بلغ : ب
932) عبد الاعلى بن واصل الاسدي الكوفي عن أبى أسامة ويحيى بن
آدم مات سنة 247 .
(( الخلاصة)).

70
ابن واصل بن عبد الاعلى قال حدثنا يحيى بن آدم عن سفيان عن
جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال : ((لما قدم رسول الله صلى
الله عليه وسلم مكة دخل المسجد فاستلم الحجر ومضى على
يمينه فرمل ثلاثا ومشى أربعة، ثم أتى المقام فقال ((واتخذوا من
مقام ابراهيم مصلى)) فصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت ، ثم
أتى البيت بعد الركعتين فاستلم الحجر ثم خرج الى الصفا ))
قال أبو عمر :
وأما الرمل فهو المشى خببا يشتد فيه دون الهرولة قليلا ،
وأصله أن يحرك الماشى منكبيه لشدة الحركة فى مشيه هذا حكم
الثلاثة الأشواط فى الطواف بالبيت ، واما الاربعة الاشواط فى
الطواف (١) تتمة الاسبوع فحكمها المشى المعهود بالرفق. وهذا
أمر مجتمع عليه انه كذلك ينبغى للحاج والمعتمر أن يفعلها فى طوافه
بالبيت يرمل ثلاثة ويمشى أربعة . الا أنهم اختلفوا فى الرمل فقال
قوم الرمل سنة من سنن الحج لا يجوز تركها ، روى ذلك عن عمر
ابن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر ، واختلف
فيه عن ابن عباس . وهو قول مالك وأصحابه والشافعى
وأصحابه (ب) وأبى حنيفة وأصحابه والثورى وأحمد بن حنبل
واسحاق بن راهوية وجماعة فقهاء الأمصار . وقال قوم ان شاء
رمل وان شاء لم يرمل قالوا وليس الرمل سنة قال ذلك جماعة من
كبار التابعين منهم عطاء ومجاهد وطاوس والحسن وسالم
والقاسم وسعيد بن جبير . وحجتهم على ما ذهبوا إليه من ذلك ما
روى عن ابن عباس قال أبو الطفيل قلت لابن عباس زعم
قومك أن رسول الله صلى الله عليه رمل بالبيت وان ذلك سنة
قال صدقوا وكذبوا قلت ما صدقوا وما كذبوا قال صدقوا ، قد رمل
أ) في الطواف : ١ - : ب
ب) وأصحابه : ١ - : ب

71
رسول الله صلى الله عليه حين طاف بالبيت، وكذبوا ليس ذلك
بسنة . أن قريشا قالت زمن الحديبة ان به وباصحابه هزلا
وقعدوا على قعيقعان ينظرون اليهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله
عليه فقال لاصحابه ( أرملوا أروهم ان بكم قوة ) فكان رسول
الله صلى الله عليه يرمل من الحجر الاسود الى الركن اليمانى فاذا
توارى عنهم مشى. هكذا حدث به فطر (933) عن أبى
الطفيل (934). ورواه أبو عاصم الغنوى وابن أبى حسين (935)
عن أبى الطنيل نحوه . واحتجوا أيضا بما رواه حماد بن زيد عن
سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قدم رسول الله صلى الله عليه
وأصحابه مكة فقال المشركون انه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم
حمى يثرب. فلما قدموا قعد المشركون مما يلى الحجر فأمر النبى
صلى الله عليه أصحابه أن يرملوا الثلاثة وأن يمشوا ما بين
الركنين قال ابن عباس ولم يمنعه أن يرملوا الاشواط كلها إلا ابقاء
عليهم وبما رواه فضيل بن عياض عن ليث عن طاوس وعطاء
عن ابن عباس قال انما رمل رسول الله بالبيت وبين الصفا والمروة
لان المشركين رأو أن بأصحابه جهدا فرمل ليريهم ان بهم قوة .
933) فطر بن خليفة المخزومي مولاهم أبو بكر الحناط بالمهملة والنون
صدوق ، رمي بالتشيع ، من الخامسة مات بعد سنة 156 .
((تقريب التهذيب))
أبو الطفيل هو عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جحش
(934
الليثي أبو الطفيل ولد عام أحد ، وروى عن النبي صلى الله عليه
وسلم وعن أبي بكر الصديق . مات سنة 116 .
((تقريب التهذيب ))
ابن أبي حسين هو عبد الله بن عبد الرحمان بن أبي حسين بن
(935
الحرث عن أبي الطفيل وثقة أحمد .
(( الخلاصة)) .

72
وبما رواه الحجاج بن أرطاة (936) عن أبى جعفر وعكرمة عن
ابن عباس فال لما اعتمر رسول الله صلى الله عليه بلغ أهل مكة
أن بأصحابه هزلا فلما قدم مكة قال لاصحابه ( شدوا ميازركم
وارملوا حتى يرى قومكم أن بكم قوة ) ثم حج رسول الله فلم
يرمل .
قال أبو عمر :
اما من زعم أن الرمل ليس بسنة واحتج بقول ابن عباس
هذا ، فمغفل فيما اختاره . وقد ظن فى ذلك ظنا ليس كما ظن .
والدليل على ذلك ما رواه ابن المبارك (937) عن عبيد الله (938)
ابن أبى زياد عن أبى الطفيل عن ابن عباس قال رمل رسول الله
صلى الله عليه من الحجر الى الحجر. وروى حماد (939) بن
سلمة عن عبد الله بن عثمان (940) بن خثيم عن أبى الطفيل عن
ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه اعتمر من الجعرانة
936) الحجاج بن أرطأة النخعي أبو أرطأة الكوفي قاضي البصرة أحد
الاعلام مات سنة 147 .
((الخلاصة)).
937) ابن المبارك هو عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم أبو
عبد الرحمان المروزي أحد الائمة الاعلام وشيوخ الاسلام مات سنة
. 181
((الخلاصة)) .
عبيد الله بن أبي زياد هو عبد الله بن الحكم بن أبي زياد القطواني
(938
أبو عبد الرحمان الكوفي الدهقان قال أبو حاتم : صدوق قال مطين:
مات سنة 155 .
(( الخلاصة)) .
939) حماد بن سلمة بن دينار الربعي أو التميمي أو القرشي مولاهم أبو
سلمة البصري أحد الاعلام عن ثابت وجماعة توفي سنة 167 .
(( الخلاصة )) .
(940
عبد الله بن عثمان بن خثيم بضم المعجمة القارىء المكي عن صفية بنت
شيبة وأبي الطفيل .
(( الخلاصة)»

73
فرمل بالبيت ثلاثا ومشى أربعة أشواط . ففى هاتين الروايتين
أن رسول الله صلى الله عليه رمل الاشواط الثلاثة كلها وقد كان
فى بعضها حيث لا يراه المشركون وفى ذلك دليل على (١) انه ليس من
أجلهم رمل .
وبعد فلو كان رمل من أجل المشركين فى عمرته كما قال
ابن عباس ما منع ذلك من أن يكون الرمل سنة ، لان الرمل ماخوذ
عنه محفوظ فى حجته التى حجها وليس بمكة مشرك واحد يومئذ،
فرمل رسول الله صلى الله عليه فى حجته ثلاثة أشواط كملا،
ومشى أربعا فى حجة الوداع ولا مشرك ينظر اليه حينئذ . فصح
ان الرمل سنة، روى مالك واسماعيل (941) بن جعفر ويزيد بن
الهاد (942) وحاتم بن اسماعيل ويحيى القطان وغيرهم عن
جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه
طاف فى حجة الوداع سبعا . رمل منها ثلاثة ومشى أربعا وهذا فى
حديث جابر الحديث الطويل الذى وصف فيه حجة رسول الله
صلى الله عليه من حين خروجه اليها الى انقضاء جميعها رواه عن
جعفر بن محمد جماعة من العلماء (ب) فى وقتهم ، وقد حكى عبد الله
ابن رجاء أن مالكا سمعه بتمامه من جعفر بن محمد . ويدل على
صحة قوله ، أن مالكا قطعه فى أبواب من موطاه واتى منه بما
احتاج اليه فى أبوابه . روينا عن عبد الله بن رجاء أنه قال حضرت
عبد الملك بن جريج وعبيد الله وعبد الله العمريين وسفيان
ب) من العلماء : ١، من جملة العلماء : ب
١) على : ب ـ : ١
اسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الرزقي مولاهم أبو اسحاق المزي
(941
القارىء . أحد الكبار عن عبد الله ابن دينار . مات سنة 180.
((الخلاصة ، تذكرة الحفاظ، تقريب التهذيب »
يزيد بن الهاد ، هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي أبو
(942
عبد الله المدني ، توفي سنة 139 .
((الخلاصة ، تقريب التهذيب)).

74
الثورى وعلى بن صالح ومالك بن أنس عند جعفر بن محمد
يسألونه عن حديث الحج فحدثهم به ، ورووه عنه . ورواه أيضا
عن جعفر بن محمد بن اسحاق وعبد الرحمان بن زيد بن أسلم
وعبد الله بن عمرو (943) علقمة المكى وحاتم بن اسماعيل وسلام
القارىء وجماعة يطول ذكرهم . ولما ثبت هذا الحديث عن النبى
عليه السلام بعد عدم المشركين فى الاشواط الثلاثة ، علمنا أن ذلك
من سنة الطواف عند القدوم وانه لا ينبغى لأحد من الرجال تركه
اذا كان قادرا عليه ، وهو قول فقهاء الأمصار ، كلهم يقولون
بحديث جابر لانه الثابت فى ذلك والعلة التى حكاها ابن عباس
مرتفعة ، فبطل تاويل ابن عباس ان صح عنه ، وبطل أن يكون فى
قوله حجة على السنة الثابتة . وقد روى عطاء عن يعلى بن
أمية (944) قال لما حج عمر رمل ثلاثا ومشى أربعا. وروى
هشام (945) بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر أنه قال
فى الرمل لا ندع شيئا صنعناه مع رسول الله صلى الله عليه.
وروى منصور عن شقيق عن مسروق (946) عن ابن مسعود أنه
اعتمر فرمل ثلاثا ومشى أربعا . وروى نافع عن ابن عمر مثله فى
حجه وعورته . وقد ثبت الرمل عن النبى صلى الله عليه وعن
943) عبد الله بن عمرو بن علقمة الكناني الليثي عن عبد الله بن عثمان بن
خثيم وعنه ابن المبارك وثقه ابن معين .
(( الخلاصة )) .
يعلي بن أمية بن أبي عبيدة بن همام بن الحرث المكي بن مسلمة
الفتح وعنه صفوان ومجاهد وعطاء .
(944
(( الخلاصة)) .
٠
هشام بن سعد القرشي مولاهم . يتيم زيد بن أسلم روى عنه فأكثر
وهو أثبت الناس فى زيد بن أسلم مات سنة 160 .
(945
(( الخلاصة )) .
(946
مسروق ، هو مسروق بن الاجدع الامام أبو عائشة الهمداني الكوفي
الفقيه أحد الاعلام وكان أبوه فارس أهل اليمن عن عمر وعلي ومعاذ
وابن مسعود توفي سنة 63 .
. ((تذكرة الحفاظ - الخلاصة)).

75
أصحابه قصار سنة، واما ما رواه الحجاج بن أرطاة عن أبى
جعفر وعكرمة عن ابن عباس فى الحديث الذى ذكرناه عنه قال فيه
ثم حج رسول الله فلم يرمل فهذا يدلك على ضعف رواية الحجاج،
وأن ما قال أهل الحديث فيه أنه ضعيف مدلس لا يحتج بحديثه
لضعفه وسوء نقله عندهم حق . وقد ثبت عن النبى صلى الله عليه
انه رمل فى حجته فبطل ما خالفه . ولو كان ما حكاه الحجاج فى
روايته عن ابن عباس صحيحا لم يكن فيه حجة لانه ناف والذى
حكى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل وأخبر أنه عاينه
يصنع ذلك مثبت والمثبت أولى من النافى فى وجه الشهادات
والاخبار عند أهل العلم .
قال أبو عمر :
فان احتج بعض من لا يرى الرمل سنة من سنن الحج بما
رواه العلاء (947) بن المسيب عن الحكم عن مجاهد عن ابن عمر
أن رسول الله صلى الله عليه رمل فى العمرة ومشى فى الحج قيل
له هذا حديث لا يثبت لانه رواه الحفاظ موقوفا على ابن عمر ،
ولو كان مرفوعا كان قد عارضه ما هو اثبت منه وهو ما ذكرنا
من حديث عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبى صلى
الله عليه .
وأخبرنا أحمد بن عبد الله قال حدثنا الميمون بن حمزة
الحسينى قال حدثنا أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوى قال
حدثنا المزنى قال حدثنا الشافعى رحمه الله قال حدثنا أنس (948)
947) العلاء بن المسيب بن رافع الاسدي الكوفي عن أبيه ابراهيم النخعي
قال ابن معين : ثقة مأمون .
((الخلاصة)) .
أنس بن عياض الامام الثقة محدث المدينة النبوية أبو ضمرة الليثي
المدني مولده سنة 104 ، وتوفي سنة 200 .
(948
(( تذكرة الحفاظ - الخلاصة )»

76
ابن عياض عن موسى (949) بن عتبة عن نافع (950) عن ابن
عمر عن رسول الله صلى الله عليه انه رمل ثلاثة ومشى أربعة .
قال الطحاوى حدثنا يزيد بن سنان قال حدثنا أبو بكر الحنفى قال
حدثنا عبد الله (951) بن نافع عن أبيه عن ابن عمر أن رسول الله
صلى الله عليه رمل ثلاثة ومشى أربعة حين قدم فى الحج، وفى
العمرة حين كان اعتمر . وهذه الآثار كلها عن ابن عمر تدفع حديث
العلاء بن المسيب . وقد ذكر حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن
ابن عمر انه كان اذا قدم مكة رمل بالبيت ثم طاف بين الصفا
والمروة ، واذا أحرم (١) بمكة لم يرمل بالبيت وأخر الطواف بين
الصفا والمروة الى يوم النحر . ومالك عن نافعٌ عن ابن عمر نحوه.
ففى هذا الحديث عن ابن عمر انه كان يرمل فى الحجة اذا كان
احرامه بها من غير مكة ، وكان لا يرمل فى حجته اذا أحرم بها من
مكة . وهذا اجماع من أحرم بالحج من مكة لا رمل عليه أن طاف
بالبيت قبل خروجه الى منى . وعلى هذا يصح حديث مجاهد (ب)
ان كان موقوفا وكانت حجة ابن عمر فيه مكية . واما مرفوعا فلا
يصح لدفع الاثار الصحاح له فى ان رسول الله صلى الله عليه
وسطم رمل فى حجته ولم تكن له حجة غيرها صلى الله عليه.
أ) احرم : ١، لبى : ب
ب) أن : ١ ، لو : ب
949) موسى بن عقبة الاسدي المدني الحافظ مولى آل الزبير بن العوام
عن أم خالد بنت خالد الصحابية وو .. حدث عنه ابن جريج وأبوضمرة
هو أنس بن عياض توفي سنة 141 .
(( تذكرة الحفاظ - الخلاصة ))
نافع بن مالك بن أبي عامر الاصبحي أبو سهيل المدني عن ابن عمر
(950
وأنس الخ ..
« الخلاصة)).
(951
عبد الله بن نافع مولى ابن عمر عن أبيه وعنه عيسى ابن يونس قال
البخاري ، منكر الحديث .
((الخلاصة ))

77
واختلف قول مالك وأصحابه فيمن ترك الرمل فى الطواف والهرولة
فى السعى ثم ذكر ذلك وهو قريب ، فمرة قال يعيد ومرة قال لا
يعيد ، وبه قال ابن القاسم . واختلف قول مالك أيضا فيما حكاه
ابن القاسم عنه هل عليه دم مع حاله هذه اذا لم يعد أم لا شىء
عليه فمرة قال لا شىء عليه ومرة قال عليه دم وقال ابن القاسم هو
خفيف ولا نرى فيه شيئا وكذلك روى ابن وهب فى موطاه عن
مالك انه استخفه ولم يرفيه شيئا . وروى معن (952) بن عيسى
عن مالك ان عليه دما (١) قال ابن القاسم رجع عن ذلك وقال عبد
الملك بن الماجشون (953) عليه دم ، وهو قول الحسن البصرى
وسفيان الثورى . وذكر ابن حبيب بن مطرف وابن القاسم ان عليه
فى قليل ذلك وكثيره دما . والحجة لما حكاه ابن حبيب قول ابن
عباس من ترك من نسكه شيئا فعليه دم ، ومن جعله نسكا حكم
فيه بذلك . والحجة لمن استخف ذلك انه شيء مختلف فيه هل هو
سنة أم لا ، وايجاب الدم عليه ايجاب فرض واخراج مال من يده
وهذا لا يجب الا بيقين لاشك فيه . وقد جاء عن ابن عباس نصا(ب)
فيمن ترك الرمل انه لا شىء عليه وهو قول عطاء وابن جريج
والشافعى فيمن اتبعه وقول الأوزاعى وأبى حنيفة وأصحابه
وأحمد واسحاق وأبى ثور ، كلهم يقول لا شىء عليه فى ترك
١) قال : ١)، وقال : ب
ب) نصا : ١ ، ايضا : ب
952) معن بن عيسى بن يحيى الاشجعي مولاهم ، أبو يحيى القزاز المدني
أحد أئمة الحديث عن مالك مات سنة 198 .
((الخلاصة))
عبدالمالك بن الماجشون هو عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله
التيمي أبو مروان المدنى بن الماجشون عن أبيه وابراهيم بن سعد
مات سنة 212 .
(953
(« الخلاصة))

78
..
الرمل وهو أولى ما قيل به فى هذا الباب لما ذكرنا ولانه ليس
باسقاط نفس عمل انما هو سقوط هيئة عمل . واجمعوا أن ليس على
النساء رمل فى طوافهن بالبيت ولا هرولة فى سعيهن بين الصفا
والمروة .
!

79
حديث ثان لجعفر بن محمد مسند
مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول حين خرج من المسجد وهو يريد
الصفا وهو يقول ((نبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا)).
قال أبو عمر :
فى هذا الحديث أن الخروج الى الصفا من المسجد ، لان الحاج
أو المعتمر اذا دخل احدهما مكة أول شىء يبدأ به اذا لم يكن
الحاج مراهقا يخشى فوت الوقوف بعرفة أول ما يبدأ به الطواف
بالبيت يبدأ بالحجر فيستلمه ثم يطوف منه بالبيت سبعا ، فاذا
طاف به سبعا صلى فى المسجد عند المقام أو حيث أمكنه ركعتين
باثر اسبوعه ، يخرج من باب الصفا ان شاء الى الصفا فيرقى
عليها ، ثم يبتدىء السعى منها بين الصفا والمروة لا بد من ذلك .
وهذا كله منصوص فى حديث جابر عن النبى صلى الله عليه وبعض
الناس أحسن سياقة له من بعض .
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد
ابن يزيد الحلبى القاضى قال حدثنا محمد بن
معاذ بن المستهل ابن أبى جامع البصرى يعرف بدران حدثنا عبد
الله بن مسلمة حدثنا مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر ان
النبى صلى الله عليه طاف بالبيت فرمل من الحجر الاسود حتى
انتهى اليه ثلاثا ، ومشى أربعة ، ثم صلى ركعتين فقرأ فيهما بقل
يأيها الكافرون وقل هو الله أحد ، ثم خرج يريد الصفا والمروة
فقال نبدأ بما بدأ الله به فبدا بالصفا، فرقا عليه فكبر ثلاثا، وأهل

80
واحدة ، ثم هبط فلما انصبت قدماه سعى حتى ظهر من طريق
المسيل . وفى هذا الحديث دليل على أن النسق بالواو جائز ان يقال
فيه قبل وبعد ، لقوله صلى الله عليه نبدأ بما بدأ الله به فقد أخبر
أن الله بدأ بذكر الصفا قبل المروة وعطف المروة عليها انما كان بالواو.
واذا كان الابتداء بالصفا قبل المروة سنة مسنونة وعملا واجبا
فكذلك كل ما رتبه الله ونسق بعضه على بعض بالواو فى كتابه من
آية الوضوء. وهذا موضع اختلف فيه العلماء وأهل الامصار وأهل
العربية . فمذهب مالك فى أكثر الروايات عنه وأشهرها ان الواو لا
توجب التعقيب ولا تعطى رتبة . وبذلك قال أصحابه وهو قول أبى
حنيفة وأصحابه والثورى والأوزاعى والليث بن سعد المزنى صاحب
الشافعى وداود بن على . قالوا فيمن غسل ذراعيه أو رجليه قبل
أن يغسل وجهه أو قدم غسل رجليه قبل غسل يديه أو مسح برأسه
قبل غسل وجهه ان ذلك يجزئه . الا أن مالكا يستحب لمن نكس
وضوءه ولم يصل أن يستأنف الوضوء على نسق الآية ، ثم
يستأنف صلاته ، فان صلى لم يأمره باعادة الصلاة ، لكنه يستحب
له استئناف الوضوء على النسق لما يستقبل ، ولا يرى ذلك واجبا
عليه . هذا هو تحصيل مذهب مالك وقد روى على بن زياد عن
مالك قال من غسل ذراعيه ثم وجهه ثم ذكر مكانه اعاد غسل
ذراعيه ، وان لم يذكر حتى صلى اعاد الوضوء والصلاة . قال على
ثم قال بعد ذلك لا يعيد الصلاة ويعيد الوضوء لما يستقبل . وذكر
أبو مصعب عن مالك وأهل المدينة ان من قدم فى الوضوء يديه على
وجهه ولم يتوضأ على ترتيب الآية فعليه الاعادة لما صلى بذلك
الوضوء . وكل من ذكرناه من العلماء مع مالك يستحب أن يكون
الوضو نسقا . والحجة لمالك ومن ذكرنا من العلماء ان سيبويه
وسائر البصريين من النحويين قالوا فى قول الرجل أعط زيداوعمرا
دينارا ان ذلك انما يوجب الجمع بينهما فى العطاء ولا يوجب تقدمة