Indexed OCR Text

Pages 241-260

- 241 -
سنجر، قال : حدثنا حجاج بن منهال ، قالا : حدثنا سلمة ، عن يحيى بن
سعيد، وقالا فى حديث عفان، قال: (*) أخبرنا يحيى بن سعيد، عن (62 - وأ
محمد بن يحيى بن حبان ، عن أنس بن مالك ، عن أم حرام ، قالت : بينما
رسول الله صلى الله عليه (١) قائلا فى بيتى، فاستيقظ وهو يضحك، فقلت
بابى انت يا رسول اللّه، مم تضحك؟ قال: عرض على ناس من أمتى ، يركبون
ظهر البحر ، كالملوك على الأسرة ، فقلت يا رسول الله (ب) ادع الله ان
يجعلنى منهم ، قال : اللهم اجعلها منهم ، ثم نام ، فاستيقظ وهو يضحك ،
فقلت : بابى انت يا رسول الله ، مم تضحك ؟ قال : عرض على ناس من أمتى ،
يركبون ظهر البحر کالملوك على الأسرة ، فقلت ادع الله أن يجعلني منهم .
قال : أنت من الأولين ، فغزت مع زوجها عبادة بن الصامت فى البحر ، فلما
قفلوا وقصتها بغلة لها فماتت هكذا فى هذا الحديث ، فغزت مع زوجها
عبادة بن الصامت .
وروى هذا الحديث عبد الله (جـ) بن عبد الرحمن، عن أنس ، قال :
اتكأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند بنت ملحان ، فساق هذا الحديث ،
بنحو ما ذكرنا ، الا أنه قال فى آخره: فنكحت عبادة بن الصامت ، فركبت
مع ابنة قرطة ، فلما قفلت ، وقصت بها دابتها ، فقتلتها فدفنت ، ثم ذكره
أبوبكر ابن أبى شيبة ، قال : حدثنا حسين بن على، عن زائدة ، عن عبد الله (جـ)
بن عبد الرحمن ، عن أنس، وذكر ابن وهب، عن حفص بن مسيرة (587) ،
١) صلى الله عليه: ب ، - ١ (ب) يا رسول الله: ب، - ١ (جـ) عبد الله: ا، عبيد الله: ب.
587) حفص بن ميسرة العميل بالضم أبو الصنعانى نزيل عسقلان ثقة، ربما وهم ،
من الثامنة ، توفى سنة 181 ه . انظر التقريب ص 44 .

- 242 -
عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، هذا الحديث بمعناه ، وقال : قال عطاء
بن يسار : فشهدت أنا تلك الغزوة ، مع المنذر بن الزبير ، فكانت معه فى
غزوتنا ، فماتت بأرض الروم . وذكر خليفة بن خياط عن ابن الكلبى ، قال :
وفى سنة ثمان وعشرين ، غزا معاوية بن أبى سفيان فى البحر ، ومعه امرأته
فاختة بنت قرطة ، من بنى عبد مناف ، ومعه عبادة بن الصامت ، ومعه امرأته
أم حرام بنت ملحان الأنصارية، فأتى قبرص، فتوفيت أم حرام، فقبرها هناك .
قال أبو عمر : لم يختلف أهل السير فيما علمت ، أن غزاة معاوية
هذه المذكورة فى حديث هذا الباب ، اذ غزت معه أم حرام ، كانت فى خلافة
عثمان ، لا فى خلافة معاوية ، قال الزبير ابن أبى بكر : ركب معاوية البحر
غازيا بالمسلمين ، فى خلافة عثمان بن عفان ، إلى قبرس ، ومعه أم حرام بنت
ملحان ، زوجة عبادة بن الصامت ، فركبت بغلتها حين خرجت من السفينة ،
(62 - ظ) فصرعت عن دابتها فماتت (٥).
حديث رابع لاسحاق عن أنس مسند
مالك عن اسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة ، عن أنس بن مالك ، قال :
کنت اسقی أبا عبيدة ابن الجراح ، وابا طلحة الأنصاری ، وابی بن کعب شرابا ،
من فضيخ وتمر ، قال: فجاءهم آت ، فقال ، ان الخمر قد حرمت ،
فقال أبو طلحة : يا انس، قم الى هذه الجرار فاكسرها، فقال: فقمت الى
مهراس لنا ، فضربتها بأسفله ، حتى تكسرت .
هذا الحديث ، وما كان مثله ، يدخل فى المسند ، عند الجميع ،
فأما قوله فيه "شرابا من فضيخ"، فقد اختلف فى الفضيخ، فقال أكثر أهل
العلم ، الفضيخ نبيذ اليسر ، وقال أبو عبيد الفضيخ ما افتضخ من البسر ،

- 243 -
من غير أن تمسه النار ، قال : وفيه روى عن ابن عمر ، ليس بالفضيخ ،
ولاكنه الفضوخ ، قال أبو عبيد ، فان كان مع البسر تمر ، فهو الخليطان ،
و کذلك ان كان زبيبا فهو مثله .
قال أبو عمر : فى هذا الحديث دليل واضح ، على أن نبيذ التمر ،
اذا أسكر خمر، وهو نص لا يجوز الاعتراض عليه لأن الصحابة رحمهم الله ،
هم أهل اللسان ، وقد عقلوا أن شرابهم ذلك (١) خمر ، بل لم يكن لهم شراب
ذلك الوقت بالمدينة غيره ، أخبرنى (ب) أحمد بن عبد الله الباجى (جـ)،
أن أباه أخبره قال : أخبرنا محمد (د) بن فطيس، قال : أخبرنا يحيى بن ابراهيم،
قال : أخبرنا عيسى بن دينار (588) عن ابن القاسم ، عن مالك ، قال :
نزل تحريم الخمر وما بالمدينة خمر من عنب ، وروى شعبة عن محارب
ابن دينار عن جابر قال : حرمت الخمر يوم حرمت ، وما كان شراب الناس الا
البسر والتمر ، وقال الحكمى :
ولكن من نتاج الباسقات
لنا خمر ، وليست خمر كرم ،
وفات ثمارها أيدي الجناة
كرام في السماء ذهبن طولا
وقد اختلف أهل اللغة فى اشتقاق اسم الخمر ، على ألفاظ قريبة
المعانى ، متداخلة ، كلها موجودة المعنى ، فى الخمر .
١) ذلك: ب ، - ١ (ب) أخبرنى: ١، أخبرنا : ب (جـ) الباجى: ب ، - ١ (د) محمد : ١ ،
أحمد: ب:
588) عيسى بن دينار الخزاعى مولاهم أبو على، الكوفى ، المؤذن ثقة ، من السابعة ،
ا نظر التقريب ص 166 .

- 244 -
فقال بعضهم ، انما سميت الخمر خمرا ، لأنها تخمر العقل ، أى تغطيه
وتستره ، وكل شىء غطى شيئا، فقد خمره، ومنه حديث أبي حميد الساعدى
أنه جاء بقدح من لبن، فقال له رسول اللهصلى الله عليه وسلم الا خمرته، ولو
أن تعرض عليه عوداً،(١) ومن ذلك خمار المرأة ، سمى خمارا ، لأنه يغطى
رأسها ، ومن ذلك الشجر الملتف ، يقال له الخمر ، لأنه يغطى ما تحته ويخمره.
وقال آخرون منهم ، انما (*) سميت الخمر خمرا، لأنها تركت حستى
أدركت ، كما يقال خمر الرأى واختمر ، أى ترك حتى تبين فيه الوجه ،
ويقال قد اختمر العجين أى بلغ ادراكه .
(63 - و)
وقال بعضهم ، انما سميت الخمر خمرا ، لأنها اشتقت من المخامرة ،
التى هى المخالطة ، لأنها تخالط العقل ، وهذا ماخوذ من قولهم ، دخلت فى
خمار الناس ، أى اختلطت بهم ، وهذا الوجه يقرب من المعنى الأول .
والثلاثة الأوجه (ب) كلها موجودة فى الخمر، لأنها تركت حتى أدركت
الغليان ، وحد الاسكار ، وهى مخالطة للعقل ، وربما غلبت عليه وغخطته ،
وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه قال : الخمر ما خمرته .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال :
حدثنا ابن وضاح ، قال : حدثنا يوسف بن عدى ، قال : حدثنا أبو الأحوص ،
عن أبى اسحاق، عن أبى بردة (589)، عن عمر، قال: الحُمر من خمسة ، من التمر،
والزبيب ، والعسل ، والحنطة ، والشعير ، والخمر ما خمرته .
١) ومنه حديث ابن حميد .
عليه عودا : ب، - ١ (ب) الأوجه: ١ ، أوجه : ب .
589) أبو بردة، هو ابن أبى موسى الاشعرى قيل اسمه عامر وقيل الحارث ثقة من الثالثة
مات سنة 104 هـ وقد جاوز 80 انظر التقريب ص 247 .
٢

- 245 -
وقد أجمع علماء المسلمين فى كل عصر ، وبكل مصر ، فيما بلغنا ،
وصح عندنا ، أن عصير العنب ، إذا رمى بالزبد ، وهدأ ، وأسكر الكثير
منه أو القليل ، أنه خمر ، وأنه ما دام على حاله تلك حرام ، كالميتة والدم
ولحم الخنزير ، رجبس نجس كالبول ، الا ما روى عن ربيعة ، فى نقط من
الخمر ، شىء لم أر لذكره وجها، لأنه خلاف اجماعهم ، وقد جاء عنه فى مثل
رؤوس الابر ، من نقط البول ، نحو ذلك .
والذى عليه عامة العلماء ، فى خمر العنب، ما ذكرت لك عنهم ، من
تحريم قليلها وكثيرها ، وأنها عندهم رجس كسائر النجاسات ، الا ان
تحريمها عندهم لعلة الشدة والاسكار ، وليس كذلك تحريم الميتة ، وما
جرى مجراها ، مما حرم لذاته وعينه ، ولهذا ما اختلف العلماء فى تحليل (١)
الخمر ، وفى طيبها ، عند زوال العلة المذكورة عنها ، وسنذكر اختلافهم
فى تحليل الخمر ، فى «آخر هذا الباب ان شاء الله.
وكخمر العنب عندهم نقيع الزبيب ، اذا غلا وأسكر ، قليله وكثيره
فى التحريم سواء ، لأنه عندهم ميت أحيى .
واختلف العلماء فى سائر الأنبذة المسكرة ، فقال العراقيون انما
الحرام منها السكر ، وهو فعل الشارب ، وأما النبيذ فى نفسه ، فليس
بحرام (*) ولا نجس، لأن الخمر العنب لا غيره، بدليل قول الله عز وجل: (63
انى أرانى أعصر خمراً . يعنى عنبا .
قال أبو عمر ليس فى هذا دليل على أن الخمر ما عصر من العنب
لا غير ، لما قدمنا ذكره ، من أن الخمر المعروفة عند العرب ، ما خمر العقل ،
وخامره ، وذلك اسم جامع للمسكر ، من عصير العنب وغيره ، وقال أهل
١) تحليل : ١، تحريم : ب .
--

- 246 -
المدينة ، وسائر أهل الحجاز ، وعامة أهل الحديث وأئمتهم ، ان كل مسكر
خمر ، حكمه حكم خمر العنب (١) فى التحريم والحد ، على من شرب شيئا من
ذلك كله، كما هو عند الجميع منهم على شارب خمر العنب .
ومن الحجة لهم ، أن القرآن قد ورد بتحريم الخمر مطلقا ، ولم يخص
خمر العنب من غيرها ، فكل ما وقع عليه اسم خمر من الأشربة ، فهو داخل
فى التحريم، بظاهر الخطاب، والدليل على ذلك ان الخمر نزل تحريمها بالمدينة ،
وليس بها شىء من خمر العنب .
قال أبو عمر : لا خلاف بين علماء المسلمين ، ان سورة المائدة ،
نزلت بتحريم الخمر ، وهى مدنية ، من آخر ما نزل بالمدينة ، وذلك قول الله
عز وجل «يايها الذين آمنوا انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس
من عمل الشيطان ، فاجتنبوه، ثم قالٌ فهل أنتم منتهون ؟ فنهى عنها ، وأمر
باجتنابها ، كما قال: "واجتنبوا الرجس من الأوثان".
ثم زجر وأوعد من لم ينته أشد الوعيد ، فى كتابه ، وعلى لسان
رسوله صلى الله عليه وسلم، وسماها رجسا ، وقرنها بالميتة والدم ولحم
الخنزير بقوله: "قل لا اجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه الا ان يكون
ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فانه رجس أو فسقا (ب) ، والرجس
النجاسة ، وقال فى الخمر رجس من عمل الشيطان ، فقرنها بلحم الخنزير .
وورد التحريم فى الميتة والدم ولحم الخنزير خبرا ، وفى الخمر نهيا
وزجرا، وهو أقوى التحريم وأوكده عند العلماء، وفى اجماع أهل الصلاة
على هذا التأويل ، ما يغنى عن الاكثار فيه ، وقد مضى فى باب اسماعيل بن
١) خبر العنب: ١، الخمر التى من العنب: ب (ب) أو غسقا : ب ، - ١.

- 247 -
ابى حكيم ، ذكر معنى التحريم فى اللغة، وأنه المنع ، وكل ما منعت منه فقد
حرم عليك ، دليل ذلك ، قول الله عز وجل ،«وحرمنا عليه المراضع من قبل،
أى منعناه من رضاع غير أمه ، وقال الله (١) عز وجل: يسئلونك عن الخمر
والميسر قل فيهما اثم كبير". (*) وقال تبارك اسمه (ب) 'قل انما حرم ربى (64 .
الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم" .. الآية
فحصل بهاتين الآيتين أيضا (جـ) تحريم الخمر ، نصا ، قرأت على
سعيد بن نصر ، فأقر به ، أن قاسم بن أصبغ ، حدثهم قال : حدثنا اسماعيل
بن اسحاق القاضى قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، (590) قال :
حدثنا أبو شهاب (591) عن الحسن بن عمرو (592) عن طلحة بن مصرف (593)
عن ابن عباس، قال: لما نزل تحريم الخمر ، مشى أصحاب النبى (د) صلى الله
عليه وسلم ، بعضهم إلى بعض وقالوا : حرمت الخمر ، وجعلت عدلا للشرك .
قال أبو عمر: يعنى والله أعلم ، أنه قرنها ، وعدلها بالذبح للأنصاب ،
وذلك شرك . وحدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ،
١) الله: ب ، - ١ (ب) اسمه: ١، وتعالى: ب (جـ) أيضا: ب ، - ١ (د) النبى : ١٠ ،
رسول الله : ب .
590)) احمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن قيس الكوفى التميمى اليربوعى ثقة
حافظ من كبار العاشرة توفى سنة 227 هـ عن 94 سنة انظر التقريب ص 5 والجرح والتعديل
I - I ص 57 .
591) أبو شهاب هو عبد ربه بن نافع الكنانى الحناط بمهملة ونون ، نزيل المدائن يلقب
بالأصغر صندوق يهم ، من الثامنة ، توفى سنة 271 هـ . انظر التقريب ص 118 والجرح والتعديل
3 .- I ص 42 .
592) الحسن بن عمر الفقيهى بضم الفاء وفتح القاف الكوفى ثقة من السادسة مات سنة
142 هـ انظر التقريب 39 والجرح والتعديل 1 /2/ ص 25 .
593) طلحة بن مصرف هو ابن سنان بن الحارث بن مصرف الايامى بالتحتانية الكوفى ثقة
قارىء فاضل من الخامسة انظر التقريب 92 والجرح والتعديل 1/2/ ص 484 .

- 248 -
قال : حدثنا أبو مسلم ابراهيم بن عبد الله الكجى قال : حدثنا أبو عاصم ،
عن عبد الحميد بن جعفر (594)، عن يزيد بن أبى حبيب، عن عمرو بن الوليد
(595)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم "من كلب على متعمدا، فليتبوأ مقعده من النارّ، وان الله ورسوله حرما
الخمر والميسر ، والكوبة والغبيرا .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال :
حدثنا بكر بن حماد ، قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يحيى ، عن شعبة ، قال
حدثنى سلمة بن كهيل ، قال سمعت أبا الحكم ، قال سألت ابن عباس ، عن
نبيذ الجر، فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن نبيذ الجر، والدباء،
وقال ابن عباس: من سره أن يحرم ما حرم الله، فليحرم النبيد . وذكر يحيى
ابن سلام ، عن شريك، عن سماك بن حرب (596)، عن عكرمة، قال :
ما أحلت الغنيمة لأحد قبلكم ، ولا حرمت الخمر على قوم قبلكم .
ولما اختلف العلماء فيما تقدم ذكرنا له من مسكر الانبذة ،
وجب (١) الرجوع عند تنازعهم فى ذلك، الى ما ورد به الكتاب ، أو قام دليله
منه ، أو ثبتت (ب) به سنة ، عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكرنا
ما يوجبه اطلاق اسم الخمر ، وما يعرفه أهل اللسان من اشتقاقها .
٠
١) وجب: ١، فوجب: ب (ب) أو ثبتت : ١، ثبتت : ب .
594) عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع الانصارى صدوق ومى بالقدر
وربما وهم ، من السادسة مات سنة 153 هـ انظر التقريب ص 116 والجرح والتعديل 3/1/ ص 10.
595) عمرو بن الوليد بن عبدة بفتحتين السهمی مولی عمرو بن العاص مصرى صدوق من
الثالثة توفى سنة 103 هـ انظر التقريب 161 والجرح والتعديل 3/1/ ص 266 .
596) سماك بن حرب بكسر اوله وتخفيف الميم ابن أوس بن خالد الذعلى البكرى الكوفى
أبو المغيرة صدوق، تغير بآخره، من الرابعة توفى سنة 123 هـ انظر التقريب ص 79 والجرح
والتعديل 279/1/2 .

- 249 -
وأما السنة فالآثار (١) الثابثة كلها فى هذا الباب ، تقضى على صحة
قول أهل الحجاز ، وقد روى أهل العراق ، فيما ذهبوا اليه آثارا لا يصح
شىء منها ، عند أهل العلم بالحديث ، وقد أكثر الناس فى تعليل تلك
الأحاديث، وفى الاستظهار بتكرير الآثار فى تحريم (*) المسكر (ب)، (24 .
ونحن نذكر منها فى هذا الباب ، ما يغنى ، ويكفى ، عن التطويل .
وقد مضى فى هذا الباب عن عمر ، رضى الله عنه ، أن الخمر من خمسة
أشياء، وحسبك به عالما باللسان والشرع ، وروى يحيى بن أبى كثير، (597) ،
عن أبى كثير الغبرى السحيمى ، واسمه يزيد بن عبد الرحمن (598) ،
عن أبى هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «الخمر من هاتين
الشجرتين ، النخلة والعنبةٌ، وفى هذا ما يبين لك ان الخمر من غير العنب ،
رواه عن يحيى جماعة من أصحابه ، وقد جاء عن النبى صلى الله عليه وسلم ،
وعن عمر بن الخطاب أيضا فى تأويل الخمر حديثان ، مبينان موضع الصواب
فيما اختلف فيه ، هما جميعا عند الشعبى ، أحدهما عن النعمان بن بشير ،
عن النبى صلى الله عليه، والآخر عن ابن عمر عن عمر قوله: أخبرنا عبد الله
ابن محمد بن عبد المومن ، قال : أخبر نا محمد بن بکر ، قال : حدثنا أبو داود ،
قال : حدثنا الحسن بن على ، قال : حدثنا يحيى بن آدم ، قال : حدثنا
١) وأما السنة فالآثار: ١، فأما السنة والآثار: ب (ب) المسكر: ١، الخمر: ب .
597) يحيى بن أبى كثير الطاءى مولاهم أبو نصر اليمنى ثقة ثبت ، لكنه يدلس ويرسل ،
من الخامسة، توفى سنة 132 هـ انظر التقريب 236 والجرح والتعديل 2/4/ ص 141 .
598) أبو كثير السحيمى بمهملتين مصغرا الغبرى بضم المعجمة وفتح الموحدة اليمامى
الأعمى قيل اسمه يزيد بن عبد الرحمان وقيل ابن عبد الله ابن المزنية أو عفيله بفاء موحدة مصغرة
ثقة من الثانية انظر التقريب: 264 والجرح والتعديل 2/4/ 276 .

- 250 -
اسرائيل (599)، عن ابراهيم بن مهاجر (600)، عن الشعبى ، عن النعمان
ابن بشير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ان من العنب خمرا،
وان من العسل خمراً ، وان من البر خمراً ، وان من الشعیر خمرا ، وان من
التمر خمراً، قال أبو داود : وحدثنا مالك عن عبد الواحد المسمعى (60)،
قال : حدثنا معتمر (602)، قال: قرأت على الفضيل، عن أبي جرير،
أن عامرا أخبره، أن النعمان بن بشير، قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم ، يقول: " ان الخمر من العصير، والزبيب، والتمر ، والحنطة ،
والشعير ، والذرة ، وانی انهاکم عن كل مسكر».
حدثنا عبد الرحمن بن مروان ، قال : حدثنا أحمد بن عمرو بن
سليمان البغدادى ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد البغوى ، قال : حدثنا أحمد
ابن حنبل ، قال : حدثنا اسماعيل بن ابراهيم ، قال : حدثنا أبو حيان
التيمى (603) ، قال : حدثنا الشعبى ، عن ابن عمر ، قال : سمعت عمر يخطب
على منبر المدينة قال : يا أيها الناس ، ألا انه قد نزل تحريم الخمر يوم نزل ،
وهى من خمسة ، من العنب ، والتمر ، والعسل ، والحنطة ، والشعير ،
والخمر ما خامر العقل .
599) اسرائيل بن يونس بن أبى إسحاق السبيعى الهمدانى أبو يوسف الكوفى ثقة من
السابعة مات سنة 260 وقيل بعدها انظر التقريب 15 والجرح والتعديل 1/1/ 330 .
600) ابراهيم بن مهاجر بن جابر البجل الكوفى صدوق لين الحفظ ضعفه يحيى بن معين
والقطان انظر التقريب ص It والجرح والتعديل 1/1/ 132 .
601) مالك بن عبد الواحد أبو غسان المسمعى البصرى ثقة من العاشرة مات سنة 130 هـ
انظر التقريب 200 والجرح والتعديل 1/4/ ص 213 .
602) معتمر بن سليمان التيمى أبو محمد البصرى يلقب بالطفيل ثقة من كبار التاسعة مات
سنة 287 هـ وقد نيف على 80 انظر التقريب 211 .
603) أبو حيان يحيى بن سعيد بن حيان بمهملة وتحتانية التيمى الكوفى ثقة عابد من
السادسة مات سنة 145 هـ انظر التقريب 234 والجرح والتعديل 2/4/ ص 149 .

- 251 _
وهذا أبين ما يكون ، فى معنى الخمر ، يخطب به عمر بالمدينة ،
على المنبر ، بمحضر جماعة الصحابة ، وهم أهل اللسان ، ولم يفهموا من
الخمر الا المعنى الذى ذكرنا ، وبالله توفيقنا.
" وحدثنا عبد الرحمن بن مروان ، قال : حدثنا أحمد بن عمرو قال :
حدثنا البغوى ، قال : حدثنا أحمد (*) ابن حنبل، وجدى أحمد بن منيع (604)،
قالا : حدثنا عبد الله بن ادريس (605)، قال: سمعت المختار بن فلفل (606) ،
قال : قال أنس : الخمر من العنب ، والتمر ، والعسل ، والحنطة ، والشعير ،
والذرة ، فما خمرت من ذلك فهو الخمر .
1 - 65)
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال : حدثنا محمد بن يحيى
ابن عبد العزيز ، قال : حدثنا أحمد بن خالد ، قال : حدثنا على بن عبد العزيز ،
قال : حدثنا حجاج ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن على بن زيد ،
عن صفوان بن محرز (607)، قال: سمعت أبا موسى الأشعرى (608) ،
يخطب فقال : خمر المدينة من البسر ، والتمر ، وخمر أهل فارس من العنب ،
وخمر أهل اليمن من البتع ، وهو من العسل ، وخمر الحبش السكركة ،
604) أحمد بن منيع بن عبد الرحمان أبو جعفر البغوى نزيل بغداد الأصم ثقة حافظ من
العاشرة توفى سنة 244 هـ عن 84 سنة انظر التقريب 7 والجرح والتعديل 1/1/ ص 77 .
605) عبد الله بن ادريس بن يزيد بن عبد الرحمان الاودی بسكون الواو أبو محمد الكوفى
ثقة عابد من الثامنة توفى سنة 192 هـ انظر التقريب 98 .
606) المختار بن فلفل بفائين مضمومتين ولامين مولى عمرو بن حريث صدوق ، له اوهام ،
من الخامسة ، انظر التقريب 203 .
607) صفوان بن محرز بن زياد المازنى أو الباهلى ثقة عابد، من الرابعة ، توفى سنة
174 هـ انظر التقريب 89 والجرح والتعديل 1/2/ ص 423 .
608) أبو موسى الأشعرى عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بفتح المهملة وتشديد
الضاد المعجمة صحابى مشهور احد الحكمين بصفين توفى سنة 50 انظر التقريب ص 109 .

- 252 -
من الذرة ، وثبت عن النبى عليه السلام ، أنه قال : ((كل مسكر خمر (١)،
وکل خمر حرام)، وقوله كل شراب اسكر فهو حرام، وما أسكر كثيره
فقليله حرام».
وأصح شىء فى ذلك وأثبته ، وأشده استقامة فى الاسناد : حديث
مالك وغيره، عن ابن شهاب، عن أبى سلمة ، عن عائشة ، أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، سئل عن البتع، فقال: ((كل شراب أسكر فهو حرام}،
والبتع شراب العسل ، لا خلاف فى ذلك ، فدل على أن الخمر المحرمة ،
قد تكون من غير العنب، وحديث ابن عمر ، عن النبى صلى الله عليه وسلم .
فى ذلك صحيح ثابت .
حدثنا محمد بن ابراهيم بن سعيد ، قال : حدثنا محمد بن معاوية
الأموي، قال : حدثنا أحمد بن شعيب النسائي ، قال : حدثنا سويد بن
نصر (609)، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن حماد بن زيد، عن أيوب،
عن نافع، عن ابن عمر، عن النبى صلى الله عليه وسلم ، قال : كل مسكر خمر،
وكل خمر حرام .
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن ، قال : حدثنا محمد بن
بكر التمار ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا سليمان بن داود ، ومحمد
بن عيسى ، فى آخرين ، قالوا : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ،
عن ابن عمر، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، کل مسكر خمر ، و کل
مسكر حرام ، ومن مات وهو يشرب الخمر فى الدنيا ، لم يشربها فى الآخرة .
(١) خبر: ١، حرام: ب ، والصواب الأول .
609) سويد بن نصر بن سويد المروزى أبو الفضل يلقب بالشاء يروى عن ابن المبارك ،
ثقة من العاشرة، توفى سنة 240 هـ عن 90 سنة انظر التقريب 82 والجرح والتعديل 1/2/ 239 .

- 253 -
حدثنا عبد الرحمن بن مروان ، قال : حدثنا أحمد بن عمرو بن
سليمان البغدادى ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد البغوى ، قال : حدثنا أحمد
ابن حنبل : قال : حدثنا روح بن عبادة ، قال حدثنا ابن جريح ، قال : أخبر نى
موسى بن عقبة، عن نافع ، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
كل مسكر خمر ، وكل خمر حرام . حدثنا اسماعيل بن عبد الرحمن القرشى ،
قال : حدثنا محمد بن القاسم (*) بن شعبان (١)، قال: حدثنا أحمد بن شعيب (65 - ظـ
قال : حدثنا الحسن بن منصور (610) قال : حدثنا أحمد بن حنبل ، قال :
حدثنا عبد الرحمن بن مهدى قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ،
عن ابن عمر ، قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : كل مسكر حرام ،
وكل مسكر خمر. قال الحسين بن منصور ، قال أحمد بن حنبل ؛
هذا حديث صحيح .
قال أبو عمر : هكذا روى هذا الحديث أبو حازم بن دينار وليث
وأبو معشر (611)، وإبراهيم الصائغ (612)، والأحلج وعبد الواحد بن
١) شعبان: ١، سفيان: ب .
610) الحسن بن منصور بن ابراهيم البغدادى الشطوى بفتح المعجمة والطاء المهملة ابو
على صدوق من العاشرة له فى البخارى حديث واحد انظر التقريب 40 .
611) أبو معشر زياد بن كليب الحنظل الكوفى، ثقة، من السادسة، توفى سنة 119
انظر التقريب 63 والجرح والتعديل 2/1/ص 542 .
612) ابراهيم الصائغ هو ابن ميمون أبو اسحاق المروزى روى عن عطاء ونافع ، وعنه
داود بن أبى الفرات وعيسى بن عبيد، وثقه يحيى بن معين انظر الجرح والتعديل 1/1 / 134
والتقريب ض 8 .

- 254 -
قيس (613)، وأبو الزناد، ومحمد بن عجلان (614)، ومعبيد الله بن عمر
العمرى (615)، كلهم عن نافع عن ابن عمر، عن النبى صلى الله عليه وسلم،
مرفوعا . كما رواه أيوب السختياني ، وموسى بن عقبة، وكان عبيد الله بن
عمر، ربما وقفه ، وكان يقول أحيانا، لا أعلمه الا عن النبى صلى الله عليه.
ورواه مالك عن نافع ، عن ابن عمر ، موقوفا ، والحديث ثابت مرفوع ،
لا يضره تقصير من قصر فى رفعه ، لرفع الحفاظ الأثبات له ، ولاجتماع (١)
الجماعة من رواة نافع على رفعه ، منهم أيوب ، وموسى ، وسائر من ذكرنا .
ومما يدل على صحة رفعه ، رواية محمد بن عمرو له عن أبى سلمة ، عن ابن
عمر ، عن النبى عليه السلام مرفوعا ، وكذلك رواه زيد بن أسلم ، وعبد الله
بن دينار عن ابن عمر مرفوعا وكذلك رواه جماعة عن سالم ، عن ابن عمر ،
مرفوعا ، فكيف يحل لأحد أن يتأول فى الأنبذة المسكرة أنها حلال ؟ !و النبى
عليه السلام ، قد بين أن كل مسكر خمر ، وكل خمر حرام ! نعوذ بالله من
الخذلان ، ومن سلوك سبيل الضلال .
وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال : أخبرنا محمد بن بكر ، قال :
حدثنا سليمان بن الأشعث ، قال : حدثنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا
(١) ولاجتماع: ١ ، واجتماع : ب .
613) عبد الواحد بن قيس السلمى أبو حمزة الدمشقى الافطس النحوى صدوق له أوهام
ومراسيل ، من الخامسة انظر التقريب 133 والجرح والتعديل 1/3/ 23 .
614) محمد بن عجلان المدنى صدوق الا أنه اختلطت عليه احاديث أبى هريرة ، من
الخامسة، مات سنة 148 هـ انظر التقريب 191 والجرح والتعديل 3/4/ 49 .
615) عبيد الله بن عمر العمرى !بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب المدنى أبو عثمان،
ثقة، ثبت، من الخامسة، توفى سنة نيف واربعين ومائة، انظر التقريب 136 .

- 255 -
اسماعيل يعنى ابن جعفر، عن داود بن بكر (616)، بن (١) أبى الفرات، عن
محمد بن المنكدر ، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"ما أسكر كثيره، فقليله حرام"، وأخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا
محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا محمد بن رافع
النيسابورى (617)، قال: حدثنا إبراهيم بن عمر الصنعانى (618)، قال:
سمعت النعمان (619) يعنى ابن المنذر الصنعانى ، يقول : عن طاوس عن
ابن عباس ، عن النبى صلى الله عليه وسلم ، قال: كل مخمر خمر ، وكل
مسكر حرامٌ، وذكر تمام الحديث .
وهذه كلها نصوص فى موضع الخلاف لمن (*) أراد الله فى المسكر، (66 -
أن يهديه ويشرح صدره .
والآثار فى تحريم ما أسكر كثيره كثيرة جدا، يطول الكتاب بذكرها ،
وقد ذكرها جماعة من العلماء ، منهم ابن المبارك وغيره ، وقال أحمد بن
شعيب فى كتابه ، ان أول من أحل المسكر من الأنبذة ، ابراهيم النخعى ،
وهذه زلة من عالم ، وقد حذرنا من زلة العالم ، ولا حجة فى قول أحد مع السنة .
١) بن أبى : ١، عن أبى : ب.
616) داود بن بكر بن ابى الفرات الاشجعی مولاهم المدنی صدوق ، من السابعة ، وثقه
يحيى بن معين انظر التقريب 55 والجرح والتعديل 407/2/1 .
617) محمد بن رافع القشيرى النيسابورى ثقة عابد من الحادية عشرة توفى سنة 245 هـ
انظر التقريب 182 والجرح والتعديل 2/3 / 254 .
618) ابراهيم بن عمر الصنعانى ابن كيسان أبو اسحاق صدوق، من السابعة انظر
التقريب ص 10 .
619) النعمان بن المنذر الغسانى أبو الزبير الدمشقى صدوق ومى بالقدر من السادسة
مات سنة 132 هـ انظر التقريب 222 .

- 256 -
وقد زعمت طائفة ، أن أبا جعفر الطحاوى ، وكان امام أهل زمانه ،
ذهب الى اباحة الشرب من المسكر ، ما لم يسكر ، وهذا لو صح عنه لم يحتج
به على من ذكرنا قولهم ، من الأيمة المتبعين فى تحريم المسكر ، ما ثبت من
السنة، وأنا أذكر ما حكاه الطحاوى ليتبين لك أن الأمر ليس كما ظنوا ، قال
أبو جعفر ، فى كتابه الكبير ، فى الاختلاف : اتفقت الأمة أن عصير العنب اذا
اشتد وغلا ، وقذف بالزبد ، فهو خمر ، ومستحله كافر ، واختلفوا فى نقيع
التمر اذا غلا وأسكر ، قال فهذا يدل على أن حديث يحيى بن أبى كثر عن أبى
كثير عن أبى هريرة ، عن النبى عليه السلام ، أنه قال الخمر من هاتين
الشجرتين ، النخلة والعنبة" غير معمول به عندهم ، لأنهم لو قبلوا الحديث ،
لكفروا مستحل نقيع التمر ، فثبت أنه لم يدخل فى الخمر المحرمة غير عصير
العنب ، الذى قد اشتد وبلغ أن يسكر، قال: ثم لا تخلو (١) الخمر، من أن
يكون التحريم معلقا بها فقط ، غير مقيس عليها غيرها ، أو يجب القياس
عليها ، فوجدناهم جميعا قد قاسوا عليها نقيع التمر ، اذا غلا وأسكر كثيره ،
وكذلك نقيع الزبيب ، قال : فوجب قياسا على ذلك ان يحرم كل ما أسكر من
الأشربة ، قال : وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : كل مسكر
حرام، واستغنى عن ذكر سنده ، لقبول الجميع له ، وانما الخلاف بينهم
فى تأويله، فقال بعضهم أراد به ما يقع السكر عنده، كما لا يسمى قاتلا
الا مع وجود القتل ، وقال آخرون أراد به جنس ما يسكر ، قال : وقد روى
١) تخلو : ١، يغلو : ب.

- 257 -
أبو عون الثقفى (620)، عن عبد الله بن شداد (621)، عن ابن عباس قال:
"حرمت الخمر بعينها القليل منها والكثير، والسكر من كل شراب"، قال فى
هذا الحديث ان غير الخمر لم يحرم عينه، كما حرمت الخمر بعينها . هذا
آخر قوله ، وفيما مضى كفاية ، والحمد لله .
أخبرنا عبد الرحمن بن مروان ، قال: أخبرنا (*) أحمد بن عمرو بن (66 - ط)
سليمان ، قال: حدثنا عبد الله بن محمد البغوى، قال: حدثنا أحمد بن حنبل:
قال : حدثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن أبى عدى (622) جميعا ، عن حميد ،
عن أنس قال : كنت فى بيت ابى طلحة ، وعنده ابى بن كعب وابو عبيدة بن
الجراح ، وسهيل بن بيضاء ، وانا اسقیهم شرابا،حتى اذا اخذ فيهم ، اذا رجل
من المسلمين ينادى ، ألا أن الخمر قد حرمت، فواته ما انتظروا ، حتى
يعلموا، أو يسئلوا عن ذلك، قال: فقالوا يا أنس أكفا ما فى انانك، قال :
فكفاته، قال : فما عادوا فيها حتى لقوااله، وشرابهم يومئذ خليط البسر والتمر.
قال أبو عمر : هذا يبين لك أن الفضيخ المذكور ، فى حديث اسحاق
عن أنس أنه خليط البسر والتمر ، وهذا على نحو ما فسره أهل اللغة ،
والله أعلم .
620) ابن عون هو محمد بن عبد الله بن انسان الثقفى الطاءى، لين الحديث ، من السادسة
انظر التقريب 187 والجرح والتعديل 2/3/ 294 .
621) عبد الله بن شداد بن الهادى الليثى أبو الوليد المدنى ولد على عهد النبى صلى الله
عليه وسلم وذكره العجل من كبار التابعين الثقات، معدود فى الفقهاء ، مات بالكوفة مقتولا سنة
81 نظر التقريب 104 .
622) محمد بن أبى عدى هو محمد بن إبراهيم بن أبى عدى وقد ينسب الى جد، وقيل هو
ابراهيم أبو عمرو البصرى، ثقة، من التاسعة، توفى سنة 294 انظر التقريب 177.
المهه ١

0
- 258 -
وقد روى هذا الحديث عن أنس ، جماعة يطول ذكرهم ، منهم سليمان
التيمى، وقتادة ، وعبد العزيز بن صهيب (623) ، والمختار بن فلفل ، وثابت
البنانى (624)، وأبو التياح (625)، وأبو بكر بن أنس (626) ، وخالد بن
الغزر (١)، لم يذكر واحد منهم كسر الجرار، الا اسحاق بن عبد الله بن أبى
طلحة وحده ، وانما فى حديثهم ، أنه كفأها ، ولا بأس بالاستمتاع بظروف
الخمر ، بعد تطهيرها ، وغسلها بالماء وتنظيفها . الا أن الزقاق التى قد بالغتها
الخمر وداخلتها ، ان عرف ان الغسل لا يبلغ منها مبلغ التطهير لها ، لم ينتفع
بشىء منها .
وفى هذا الحديث أيضا ، قبول خبر الواحد ، لأنهم قبلوا خبر المخبر
لهم ، وهو رجل من المسلمين ، ولا شك أنهم قد عرفوه، ولذلك قبلوا خبره ،
وعملوا به ، وأراقوا شرابهم ، وقد كان ملكا لهم قبل التحريم .
وفيه أن المحرم لا يحل ملكه ، وان الخمر لا يستقر عليها ملك مسلم
بحال ، وفيه أنها كانت مباحة معفوا عنها ، حتى نزل تحريمها ، قال سعيد
ابن جبير رحمه الله: كان الناس على أمر جاهليتهم ، حتى يومروا ، أو يتهوا .
١) الغزر : ١ الجدار : ب وهو خطأ :
623) معبد العزيز بن صهيب البنانى بموحدة وتونين البصرى كان أعمى روى عن أنس وابى
نضرة وعنه شعبة وحماد بن زيد وعبد الوارث من الرابعة مات سنة 130 هـ انظر التقريب 129
والجرح والتعديل 2/2/ 384 .
624) ثابت بن اسلم البنانى بضم الموحدة ونونين مخففتين أبو محمد البصرى ثقة عابد ،
من الرابعة، روى عن ابن عمر، وابن الزبير، وأنسى، وعنه الحمادان ، من الرابعة ، توفى سنة نيف
وعشرين ومائة ، عن 86 سنة انظر الجرح والتعديل 1/1/ 149 .
625) أبو التياح يزيد بن حميد الضبعى بضم المعجمة وفتح الموحدة والتياح بمثناة فوقية
ثم تحتانية ثقيلة آخره مهملة بصرى مشهور بكنيته ، ثقة ثبت ، من الخامسة ، توفى سنة 128 هـ
انظر التقريب 239 .
626) أبو بكر بن أنس بن مالك الانصارى ثقة من الرابعة انظر التقريب ص 247 .
:

- 259 -
وقد كانت الشدة والاسكار موجودين فى الخمر قبل تحريمها ، ولم يكن
ذلك بموجب لتحريمها ، لأن العلة فى التحريم ، ما يقرع السمع من الكتاب
والسنة ، وانما كانت الشدة وصفا من أوصاف الخمر ، فلما ورد الشرع
بتحريم المسكر ، صار الاسكار والشدة فيها علما للتحريم ، بدليل الاعتبار
فى ذلك ، وهذا موضع تنازع فيه من نفى القياس ومن أثبته، والكلام فيه يطول .
(67 - و)
وفى هذا الحديث أيضا، ما كان (٥) القوم عليه من البدار إلى الطاعة ،
والانتهاء عما نهوا عنه .
وفيه حجة لمن قال : ان الخمر لا تخلل ، لأنه لو جاز تخليلها والانتفاع
بها لكان فى اراقتها إضاعة المال ، وقد نهى عن اضاعة المال ، ولا يقول أحد
فيمن أراق خمرا (١) لمسلم ، انه أتلف له مالا ، وقد آراق عثمان بن أبى العاصى
خمر اليتيم ، وأريقت بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومن حديث أنس ، أن أبا طلحة ، سأل النبى صلى الله عليه وسلم ،
عن ايتام ، ورثوا خمرا، يجعله خلا ، فكرهه. وروى مجالد بن سعيد (627) ،
عن أبى الوداك جبر بن نوف (628) ، عن أبى سعيد الخدرى (629) ، قال :
١) خمرا : ١، الخمر : ب .
627) مجالد بضم أوله وتخفيف الجيم ابن سعيد بن عمير الهمدانى بسكون الميم أبو عمر
الكوفى ، تغير فى آخر عمره ، من صغار السادسة، مات سنة 144 هـ انظر التقريب 202 والجرح
والتعديل 1/4/ ص 361 .
(628) ابو الوداك جبر بن نوف الهمدانى بسكون الميم البكالى بكسر الموحدة وتخفيف
الكاف والوداك بواو مفتوحة ودال مشددة آخره كاف كوفى صدوق، من الرابعة، وربما وهم انظر
التقريب ص 28 .
629) أبو سعيد الخدرى ، سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الانصارى له ولأبيه صحبة
استصغر بأحد، وشهد ما بعدها، من المكثرين فى رواية الحديث، مات بالمدينة سنة 64 وقيل
74 هـ انظر التقريب 68 .
.'

- 260 -
كان عندى خبر لأيتام، فلما نزل تحريم الخمر أمرنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن نهرقها . وروى سفيان الثورى ، عن السدى (630) ، عن أبى
هبيرة (631)، واسمه يحيى بن عباد ، عن أنس بن مالك ، قال : جاء رجل الى
النبى صلى الله عليه فى حجره يتيم ، وكان عنده خمر له، حين حرمت الخمر ،
فقال يا رسول الله، نصنعها خلا؟ قال لا. وسنذكر آثار هذا الباب باسانيدها
فى باب زيد بن أسلم ، عن أبى وعلة (632) ، من هذا الكتاب ، فبهذا احتج من
كره تخليل الخمر ، ولم يبح أكلها ، اذا تخللت . وقالوا : لو جاز تخليلها ، لم
يامر رسول الله باراقتها . وقد استؤذن فى تخليلها ، فقال : لا . ونهى عن ذلك .
ذهب الى هذا طائفة من العلماء ، من أهل الحديث والرأى ، واليه مال
سحنون بن سعيد .
وقال آخرون ، لا بأس بتخليل الخمر ، ولا بأس بأكل ما تخلل منها ،
بمعالجة آدمى ، وبغير معالجته ، على كل حال ، وهو قول الثورى ، والأوزاعى ،
والليث بن سعد ، والكوفيين .
ومن حجة هؤلاء اجماع العلماء على أن العصير من العنب قبل ان يسكر
حلال ، فأذا صار مسكرا حرم ، لعلة ما حدث فيه من الشدة والاسكار، فاذا
زال ذلك ، عادت الاباحة ، وزال التحريم ، وسواء تخللت من ذاتها ، أو تخللت
بمعالجة آدمى ، لا فرق بين شىء من ذلك ، اذا ذهب منها حال الاسكار .
630) السدى هو اسماعيل بن عبد الرحمان بن ابى كريمة السدى بضم المهملة وتشديد
الدال أبو محمد الكوفى ، صدوق ، ولكنه يهم رمى بالتشيع ، من الرابعة توفى سنة 127 هـ انظر
التقريب 17 والجرح والتعديل 1/1 / 148 .
631) يحيى بن عباد بن شيبان الانصارى الكوفى ثقة من الرابعة توفى بعد 120 هـ انظر
التقريب 235 والجرح والتعديل 2/4/ ص 172 .
632) ابن وعلة هو عبد الرحمان بن وعلة بفتح الواو وسكون المهملة المصرى صدوق
انظر التقريب 126 والجرح والتعديل 2/2/ 296 .