Indexed OCR Text

Pages 421-440

رَقْماً(١) في ثوبٍ؟ قال: بلَى(٢)، ولكنه أطيب(٣) لنفسي.
قال محمد: وبهذا نأخذ. ما كان فيه من تصاوير من بساط يُبْسَط
أو فراش (٤) يُفرَش أو وِسادةٍ(٥) فلا بأس بذلك. إنما يُكره (٦) من ذلك في
الستر، وما يُنصب (٧) نَصْباً. وهو قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
(١) بالفتح أي نقشاً(١). قوله: إلَّ ما كان رقماً، ظاهره جواز الرقم في
الثوب مطلقاً وهو قول طائفة، وذهب جماعة إلى المنع مطلقاً، وقالت طائفة بالفرق
بين الممتهَن والمعلّق، وقالت جماعة: إن كانت ثابتة الشكل قائمة الهيأة حرم، وإن
تفرقت الأجزاء جاز، قال ابن عبد البر: إنه أعدل الأقوال.
(٢) أي قد قال ذلك وجوَّز إبقاء التصوير في البساط.
(٣) من التطبيب أي أطْهَر للتقوى واختيار الأولى.
(٤) حرف الترديد للتنويع والتوضيح .
(٥) بالكسر ما يُتَوَسَّد ويُتَّكى به.
(٦) لما فيه من تعظيم الصورة.
(٧) أي يُقام ويُعلَّق.
(١) نقشاً ووشياً. كذا في الأوجز ١٤٧/١٥.
٤٢١

٢٤ - (باب اللَّعِب(١) بالنَّرْد(٢))
٩٠٤ - أخبرنا مالك، عن موسى بن مَيْسرة، عن سعيد(٣) بن
أبي هندٍ، عن أبي موسى (٤) الأشعري(٥): أن رسول الله و الله قال: من
لَعِبَ بالنّرد فقد عصى الله ورسوله(٦).
(١) بالفتح .
۔
۔
(٢) قوله: بالنرد، بفتح النون وإسكان الراء، لعب معروف ويسمى الكعاب
والنردشير، قاله الدَّميري في ((حياة الحيوان)) عند ذكر العقرب، قال ابن خلِّكان في
ترجمة أبي بكر الصُّولي، الكاتب المشهور: إنه كان أوحد زمانه في لعب
الشطرنج، وزعم كثير من الناس أنه الذي وضعه، وهو غلط، وواضعه رجل يقال له
صِصَّة بصادين مهملتين الأولى مكسورة، والثانية مشددة مفتوحة، وضعه لملك الهند
((شِهرام)) بكسر الشين، وكان أردشيربن بابك أول ملوك الفرس قد وضع النرد، ولذا
قيل له نردشير نسبوه إليه، وجعله مثالاً للدنيا وأهلها، فجعل الرقعة اثني عشرة بيتاً
بعدد شهور السنة، وجعل القطع ثلاثين قطعة بعدد أيام الشهر، وجعل الفصوص
مثل القضاء والقدر، فافتخرت الفرس بوضع النرد، فوضع صِصَّة الهندي الحكيم
الشطرنج لملك الهند فقضت حكماء ذلك العصر بترجيح الشطرنج. انتهى.
والصواب أن الملك الذي وضع له الشطرنج بلهيت كما قاله شيخنا اليافعي وغيره.
(٣) قال السيوطي: سعيد بن أبي هند الفزاري المدني مولى سمرة، وثقه
ابن حبان، مات في أول خلافة هشام .
(٤) اسمه عبد الله بن قيس من أجِلَّة الصحابة، مات سنة أربع وأربعين،
ذكره في ((أسد الغابة)) وغيره.
(٥) نسبة إلى أشعر بالفتح قبيلة باليمن.
(٦) قوله: ورسوله، وفي رواية أبي داود وابن حبان والحاكم من حديث
أبي موسى ((من لعب بالنردشير فكأنما صَبَغ يده بدم خنزير)». ولمسلم وأبي داود
وابن ماجه: ((فكأنما غَمَسَ يده في لحم خنزير ودمه)). وعند أحمد وأبي يعلى
٤٢٢

قال محمد: لا خير(١) باللعب كلِّها من النَّرْد(٢) والشِّطْرنج (٣) وغير
ذلك .
والبيهقي وغيرهم: أنه س قال: ((مثل الذي يلعب النرد ثم يقوم يصلي مثل الذي
يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي)). وعند البيهقي، عن يحيى بن
أبي كثير: مَّ رسولُ اللهِ وَّر على قوم يلعبون بالنرد، فقال: ((قلوب لاهية وأيدٍ عاملة
وألْسِنة لاغية)) وبهذه الأحاديث ذهب أكثر العلماء إلى كون اللعب بالنرد حراماً(١)،
تُرَدُّ به شهادة اللاعب. وهناك أقوال لبعض الشافعية مخالِفَةً لهذا القول قد ردَّها
ابن حجر المكي في ((الزواجر)».
(١) قوله: لا خير باللعب كلِّها، فإنه إن كان مقامراً به فهو مَيْسِر محرَّم
بالكتاب، وإن لم يكن مقامراً فهو عبث باطل لحديث: ((كل لهو يُكره إلَّ ملاعبةً
الرجل زوجته ومشیته بین الهدفین - أي هدف السهم المرمي - وتعلیم فرسه))،
أخرجه ابن حبان في ((كتاب الضعفاء)) بسند ضعيف. وفي الباب عن عقبة بن عامر
بلفظ: ((ليس من اللهو إلَّ ثلاث: تأديب الرجل فرسَه، وملاعبته مع أهله، ورميه
بقوسه ونّبْله)» أخرجه أصحاب السنن الأربعة وأحمد والطبراني. وعند النسائي
وإسحاق بن راهويه ومعجم الطبراني من حديث جابر بن عبد الله، والبزار
وابن عساكر من حديث جابر بن عميرة مرفوعاً: ((كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو
ولعب إلَّ أربعة: ملاعبة الرجل أهله، وتأديب الرجل فرسَه، ومشي الرجل بين
الغرضين، وتعلُّم الرجل السباحة)). وعند الحاكم بسند ضعيف من حديث
أبي هريرة نحوه، ذَكَرَ ذلك كلَّه الزيلعي في ((نصب الراية)) والعيني في ((البناية)).
(٢) لما مر فيه من الأخبار.
(٣) قوله: والشِّطرنج، بكسر الشين المعجمة، وقد يقال بكسر السين =
(١) وفي المحلى: وبتحريم النرد قالت الأئمة الأربعة والجمهور، وقال أبو إسحاق المروزي من
الشافعية: يُكره ولا يحرم. الأوجز ٩٠/١٥.
٤٢٣

٢٥ - (باب النظر إلى اللعب (١))
٩٠٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النَّضْر، أنه أخبره من سمع
المهملة، ولا يُقال بالفتح كذا في ((القاموس)) وغيره، واختلفوا فيه على أقوال:
==
قيل: مباح لما فيه من تشحيذ الخواطر. وقيل: مكروه تنزيهاً ما لم يُقامَر به أو يُفضي
إلى تضييع الصلوات، وهو الأصح عند الشافعية، وذكر الدَّميري في ((حياة الحيوان)»
أنَّ تجويزه مرويّ عن عمر وأبي هريرة وأبي اليسر والحسن البصري والقاسم بن
محمد وأبي مجلز، وعطاء وسعيد بن جبير وغيرهم. وقيل: هو مكروه تحريماً إن
خلا عن القمار وتضييع الصلوات، وإلاّ فحرام، وهو مذهب أصحابنا، ونسبه
الدميري إلى أحمد ومالك أيضاً. وذكر ابن حجر المكي في ((الزواجر)) أنَّ المنع منه
مأثور عن أبي موسى الأشعري، فإنه قال: لا يلعب بالشطرنج إلّ خاطىء، وعن
ابن عمر قال: إنه شرٌّ من الميسر، وابن عباس والنخعي ومجاهد وإسحاق بن راهويه
وغيرهم. ويؤيدهم ما أخرجه الأثرم في ((جامعة)) بسند ضعيف من حديث واثلة
مرفوعاً: إن لله في كل يوم ثلاث مائة وستين نظرة إلى خلقه ليس لصاحب الشاه
فيها نصيب، والمراد به صاحب الشطرنج لقوله شاه. وأخرج أبو بكر الآجُرِّي من
حديث أبي هريرة: إذا مررتم بهؤلاء الذين يلعبون بهذه الأزلام النرد والشطرنج
وما كان من اللهو فلا تسلّموا عليهم. وفي رواية: أشد الناس عذاباً يوم القيامة
صاحب الشاه(١). وهذه الروايات على تقدير ثبوتها دالَّة على الكراهة التحريمية
أو الحرمة(٢). وفي المقام نظر.
(١) أي اللعب المباح الذي لم يَرِدْ فيه منع شرعي.
(١) انظر كنز العمال ٤٠٦٤٤/١٥.
(٢) وقد ذهب جمهور العلماء إلى تحريم الشطرنج وعليه الأئمة الثلاثة، وحكى البيهقي إجماع
الصحابة على ذلك. وذهب الشافعي إلى كراهته تنزيهاً على الصحيح المشهور عنه
ما لم يواظب عليها. انظر أوجز المسالك ٩٣/١٥.
٤٢٤

عائشة تقول: سمعت(١) صوتَ أناس يلعبون(٢) من الحَبَش(٣) وغيرهم
يومَ عاشوراء، قالت: فقال رسول الله وَلِّ: أَتَّحِبِّين(٤) أن تري(٥)
لَعِبّهم؟ قالت: قلت: نعم، قالت: فأرسل إليهم رسول الله وَلقوله
فجاؤوا(٦)، وقام رسول الله وَ يَ(٧) بين الناس فوضع كفّه على الباب،
ومَدَّ يده(٨)، ووضعتُ ذَقني (٩) على يده، فجعلوا يلعبون (١٠) وأنا
أنظر (١١)، قالت: فجعل رسول الله وَ ﴾ يقول: حسبك(١٢)، قالت:
(١) قوله: سمعت صوت أناس، وفي رواية: صبيان من الحبشة. وفي
الحديث دليل على إباحة اللعب المباح والنظر إليه تطبيباً وتشريحاً بشرط أن لا ينجرَّ
إلى أمر مكروه، وشذٍّ من استند لإِباحة الغناء لا سيما مع المزامير والرقص للنساء
والأمارد بهذا، وتفوّه بأن النبي وَل# نظر إلى رقص الحبشة، وهو قول باطل قد قام
لردِّه حملة الشريعة قديماً وحديثاً. ومن أراد تفصيل المرام فليرجع إلى كتاب
((السماع)) من إحياء العلوم وغيره.
(٢) بالحربة وغيرها.
(٣) بفتحتين جنس من السودان.
(٤) بهمزة الاستفهام .
(٥) فى نسخة: ترين.
(٦) أي قريب الدار.
(٧) أي خارج باب حجرة عائشة.
(٨) لزيادة الحجاب.
(٩) أي من داخل الحجرة.
(١٠) في المسجد النبوي.
(١١) إلى لعبهم.
(١٢) أي يكفيك، أي هل كفاكٍ؟
٤٢٥

وأسكتُ مرتين(١) أو ثلاثاً، ثم قال لي: حسبُكِ، قلت: نعم. فأشار
إليهم فانصرفوا .
٢٦ - (باب المرأة تصل (٢) شعرها بشعر غيرها)
٩٠٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن حُميد بن
عبد الرحمن: أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حَجَّ (٣) وهو على
المنبر(٤) يقول: يا أهلَ المدينة أين علماؤكم؟(٥) _ وتناول(٦) قُصَّةً(٧) من
(١) أي لم أقرّ بالكفاية.
(٢) لغرض ازدياد شعرها وتحصيل جمالها.
(٣) أي في السنة التي حجّ فيها.
(٤) أي منبر مسجد المدينة.
(٥) أي أين علماؤكم العارفون بالسنن حيث لا يمنعون مِنْ مثل هذا.
(٦) أي أخذ في يده.
(٧) قوله: قُصّة (١) من شعر، بضم القاف وتشديد الصاد، خصلة مجتمعة
من الشعور تزيدها المرأة في شعرها لتُظهر كثرتها، كانت في يد حَرَسيّ بفتحتين أي
واحد من الحرس أي الخدم الذين يحرسون وفي رواية للشيخين: أنه أخرج كُبّة من
شعر فقال: ما كنت أرى أحداً يفعله إلا اليهود، وأن رسول الله وَلم بلغه فسماه
الزور. وعند الطبراني بسند ضعيف: أن رسول الله وَلهُ خرج يوماً بقُصَّةٍ، فقال: إن ـ
(١) هي شعر الناصية والمراد قطعة من الشعر، كذا في الأوجز ٩/١٥. وحرسيّ قال الجوهري:
الحرس هم الذين يحرسون السلطان والواحد حرسي لأنه قد صار اسم جنس قُنُسِب إليه.
عمدة القاري ٦٣/٢٢.
٤٢٦

. ....
شعرٍ، كانت في يد حَرَسيّ - سمعت رسول الله ◌َلل ينهي عن مثل هذا،
ويقول: إنما هلكت(١) بنو إسرائيل حين اتخذ هذه(٢) نساؤهم.
قال محمد: وبهذا نأخذ. يُكره للمرأة أن تصل شعراً إلى شعرها(٣)
أو تتخذ قُصَّة شعر، ولا بأس بالوصل في الرأس (٤) إذا كان(٥) صوفاً(٦).
فأما الشعر من شعور الناس فلا ينبغي (٧). وهو قول أبي حنيفة والعامّة
من فقهائنا رحمهم الله تعالى.
: نساء بني إسرائيل كنّ يجعلن هذا في رؤوسهن، فلُعِنّ وحُرِّم عليهن المساجد. وفي
الصحيحين والسنن: قال رسول الله ◌َله: لعن الله الواصلة والمستوصلة. وفي الباب
أخبار كثيرة بسطها المنذري في كتاب ((الترغيب والترهيب)) وغيره دالّة على كون
الوصل كبيرة لا يحلّ بحال وإنْ أَمَرَها زوجُها.
(١) أي بالعذاب والبلاء.
(٢) أي القُصَّة.
(٣) وإن لم يكن قُصَّة مجتمعة بل طاقاً مفرداً.
(٤) أي في شعره.
(٥) أي الموصول.
(٦) أي شعر(١) الضأن، وكذا غيره من الحيوانات.
(٧) لحرمة استعمال جزء الآدمي لكرامته.
(١) مذهب الحنفية أن الوصل بشعر الآدمي حرام وبغيره يجوز وهو مذهب ابن عباس والليث،
وحكاه أبو عبيدة عن كثير من الفقهاء وهو مؤدَّى ما رواه أبو داود عن سعيد بن جبير والإِمام
أحمد، كذا في الأوجز ١٢/١٥.
٤٢٧

٢٧ - (باب الشفاعة (١))
٩٠٧ - أخبرنا مالك، حدّثنا ابن شهاب، عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول الله وَ لّ قال: لكلِّ نبيِّ
دعوة (٢)، فأريد إن شاء الله أن .
.. ...-
. (١) قوله: باب الشفاعة(١)، أي الشفاعة المحمدية يوم القيامة، وهي
لأصحاب الكبائر والصغائر وغيرهم من المسلمين، وقد قسمها السبكي في ((شفاء
السقام في زيارة خير الأنام))، وبسط فيها الكلام، منها الشفاعة العامة التي يعجز
عنها النبيُّون، ويحتاج فيها إليه الأولون والآخرون وهي المقام المحمود الذي
يحمده فيه السابقون والآخرون وهي للإراحة من طول الموقف. ومنها الشفاعة
لإدخال قوم في الجنة بغير حساب، وهم سبعون ألفاً مع كلُّ سبعون ألفاً. ومنها
الشفاعة عند الحساب والميزان. ومنها الشفاعة بإخراج الموحِّدين من النار. ومنها
الشفاعة لأهل الجنة في رفع درجاتهم. وذكر بعضهم لها نوعاً آخر وهو شفاعته
لبعض الكفار كأبي طالب في تخفيف العذاب.
(٢) قوله: دعوة، أي دعاء مستجاب لإهلاك قومه أو هدايتهم، أو رفع البلاء
عنهم إلى غير ذلك مما ورد أن الأنبياء دعَوْا به فاستجيب لهم. وفيه إشعار بأنه
لا يلزم أن يكون كل دعاء نبيّ مستجاباً.
(١) قال القاري: الشفاعة خمسة أقسام: أولها: مختصة بنبينا وفر وهي الإِراحة من هول
الموقف، وتعجيل الحساب. الثانية: في إدخال قوم الجنة بغير حساب، وهذه أيضاً وردت
في نبينا *. الثالثة: الشفاعة لقوم استوجبوا النار فيشفع فيهم النبي ول* ومن شاء الله.
الرابعة: فيمن دخل النار من المذنبين فقد جاءت الأحاديث بإخراجهم من النار بشفاعة نبينا
والملائكة وإخوانهم من المؤمنين. الخامسة: الشفاعة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها،
وهذه لا تُنكرها. انتهى أي هذه الأخيرة لا ينكرها المعتزلة وغيرهم أيضاً. الكوكب الدرّي
٢٨١/٣.
٤٢٨

أختبىء(١) دعوتي شفاعةً لأمّتي يومَ القيمة .
٢٨ - (باب الطيب للرجل (٢))
٩٠٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد: أن عمر بن
الخطاب كان يتطيّبُ بالمِسك الْمُفَتَّت(٣) اليابس.
قال محمد: وبهذا نأخذ. لا بأسَ (٤) بالمسك للحَيّ وللميّت أن
(١) قوله: أن أختبيء، أي أختفي وأدخّر دعائي لأمتي يوم القيامة فإنّ
احتياجهم عند ذلك أكثر، وفقرهم إلى دعائي في ذلك اليوم أظهر.
(٢) وكذا للمرأة.
(٣) بتشديد التاء الأولى أي المكسَّر.
(٤) قوله: لا بأس بالمسك، بل يُستَحَبّ استعماله، بل استعمال الطيب
مطلقاً حياً وميتاً لاستعماله من النبي وَله وأصحابه حيّاً وميّتاً، بل قد ورد أن الطيب مما
لا يُرَدُّ. وفي ((المقامة المسكية))، لجلال الدين السيوطي: قد طَيِّب به رسول الله (وَل﴾ في
حنوط عند وفاته وفَضَلت منه فضلة، فأوصى عليّ أن يُخَنَّط به تبرّكاً بفضلاته،
وأوصى سلمان رضي الله عنه عند احتضاره أن يُرَشَّ به البيت في أثر الصحيح،
وقال: إنه يحضرني ملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولكن يجدون الريح، وکم روینا
حديثاً صحيحاً جاء فيه ذكر المسك صريحاً، من ذلك أنه شبّه به دم الشهيد وخلوف
فم الصائم، وجعل له عليه المزيد، وقد أمر به وسي﴿ل الحائض إذا تطهّرت واغتسلت.
انتهى. وفي ((حياة الحيوان)) حقيقته دم يجتمع في سُرَّة الغزال أي الظبي بإذن الله
في وقت معلوم من السنة بمنزلة الموادّ التي تنصبّ إلى الأعضاء، وهذه السُرّة
جعلها الله معدناً للمِسك فهي تثمر في كل سنة. انتهى. وقال النووي في ((شرح
صحيح مسلم)) عند حديث ((المسك أطيب الطيب)): دل الحديث على أنه طاهر،
يجوز استعماله في البدن، والثوب، ويجوز بيعه، وهذا كله مُجْمَع عليه ونقل =
٤٢٩

يتطيّب. وهو قول أبي حنيفة والعامة رحمهم الله تعالى.
٢٩ - (باب الدعاء)
٩٠٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن
أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: دعا رسولُ الله وَلّر على الذين
قَتلوا(١) أصحاب بئر معونة ثلاثين غداً، يدعو على رِعْلٍ وذَكْوان
وعُصَيَّة: عصتِ الله ورسوله. قال أنس: نزل في الذين قُتلوا ببئر مَعُونَة
قرآنٌ قرأناه حتى نُسخ: بلِّغوا قومنا أنَّا قد لَقِينا ربَّنا ورضي الله عنا
ورضينا عنه .
= أصحابنا عن الشيعة مذهباً باطلاً وهم محجوجون بإجماع المسلمين وبالأحاديث
الصحيحة في استعمال النبي ◌ّلر وأصحابه. انتهى.
-٠
(١) قوله: على الذين قتلوا، أي من المشركين. أصحاب بئر مَعُوْنة بفتح
الميم وضمّ العين المهملة وسكون الواو بعدها نون، موضع بين مكة وعُسْفان،
وذلك في صفر على رأس ستةٍ وثلاثين شهراً من الهجرة. ثلاثين غداةًأَي صباحاً
يدعو على رِعْل - بكسر الراء وسكون المهملة - بطن من بني سُلَيم، وذَكْوَان
- بفتح المعجمة - بطن من بني سليم أيضاً، وعُصَيَّة - بالتصغير - عَصَتِ الله
ورسوله: أي هذه الطوائف. والحديث مروي في ((صحيح مسلم)) وغيره، وكان
السرِيَّة تُعرف بسرية القُرّاء(١)، وكانوا سبعين، وقيل: أربعين، وقيل: ثمانين. قال
أنس: نزل في الذين قُتلوا أي في حق المقتولين قرآن أي بعض منه قرأناه أولاً ثم
نُسخ أي تلاوته وهو قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿بلّغُوا قومنا أنا قد لقينا ربنا﴾،
يحتمل فاعلاً ومفعولاً ورضي عنا ورضينا عنه، كذا ذكره القاري.
(١) وكانت مع بني رعل وذكوان فتح الباري ٢٧٩/٧. وكانت هذه السرية في أوائل سنة أربع،
كذا في اللامع ٣٦٤/٨.
٤٣٠

٣٠ - (باب ردّ السلام)
٩١٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو جعفر القاري، قال: كنت مع
ابن عمر، فكان يسلّم (١) عليه، فيقول(٢): السلام عليكم، فيقول(٣)
مثلَ ما يُقال له .
قال محمد: هذا لا بأس به. وإن زاد الرحمة (٤) والبركة فهو
أفضلى (٥) .
٩١١ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن
أبي طلحة، أن الطفيل(٦) بن أَبَيّ بن كعب أخبره: أنه كان يأتي
(١) بصيغة المجهول أي يُسلِّم عليه الناس.
(٢) أي المسلِّم.
(٣) أي ابن عمر.
(٤) بأن قال: ورحمة الله وبركاته .
(٥) قوله: فهو أفضل، لقوله تعالى: ﴿وإذا حُيِّيْتُم بتحيةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ منها
أو رُدُوْهَا﴾(١) لما ورد في الأحاديث عند أصحاب السنن مما يدلّ على فضل
الزيادة .
(٦) قوله: أن الطَّفَيل، بضم الطاء وفتح الفاء ابن أُبَيّ بضم الألف وفتح
الباء وتشديد الياء، ابن كعب الأنصاري الخزرجي، من ثقات التابعين، ويقال: إنه
وُلد في العهد النبوي وهو عزيز الحديث، وكنيته أبوبطن بالفتح، كذا ذكره
ابن الأثير في «جامع الأصول)».
(١) سورة النساء: الآية ٨٦.
٤٣١

عبد الله بن عمر، فيغدُوْ معه(١) إلى السوق، قال: وإذا غَدَوْنا إلى
السوق لم يمرّ عبد الله بن عمر على سقَّاطٍ(٢)، ولا صاحب بيعٍ (٣)،
ولا مسكين(٤)، ولا أحدٍ(٥) إلّ سلّم عليه. قال الطفيل بن أَبَيّ بن
كعب: فجئت عبد الله بن عمر يوماً(٦) فاستتبعني (٧) إلى السوق، قال:
فقلت(٨) ما تصنع في السوق؟ ولا تقف(٩) على البيّع، ولا تسأل عن
السلع، ولا تساوم بها، ولا تجلس في مجلس السوق، اجلس بنا ههنا
(١) أي يذهب الطفيل مع ابن عمر صباحاً إلى السوق.
(٢) قوله: على سقّاط، قال الزرقاني: بفتح السين وشد القاف بائع رديء
الطعام، ويقال له سقطي أيضاً، والمتاع الرديء سقط والجمع أسقاط.
(٣) أي مطلقاً، أيَّ بائع كان، وفي ((موطأ يحيى)): صاحب بيته وهو
بمعناه .
(٤) أي محتاج في السوق.
(٥) تعميم بعد تخصيص.
(٦) أي في يوم من الأيام.
(٧) أي طلب مني أن أتبعه .
(٨) لابن عمر.
(٩) قوله: ولا تقف على البَيِّع، بفتح الباء وشد التحتية المكسورة مثل
البائع، أي لا تقف على البيع لتشتري أو تبيع. ولا تسأل عن السُّلَع ـ بكسر
ففتح - جمع سلعة: المتاع الذي في معرض البيع. ولا تساوم، من المساومة بها
أي لا تسأل عن قيمة السلعة، وما يتعلق بها. ولا تجلس في مجلس السوق، أي
لتنظر إلى من يمرّ بها، ويعامل فيها، وإذا كان كذلك فما يُخْرِجك إلى السوق؟ بل
هو عبث، اجلس بنا ههنا نتحدّث في أمور ديننا ودنيانا ولا نذهب إلى السوق.
٤٣٢

نتحدّث، فقال عبد الله بن عمر: يا أبا بطن وكان الطفيل ذا بطن(١) إنما
نَغْدُوْ(٢) لأجل السلام، نسلّم(٣) على من لَقِينَا.
٩١٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن
عمر قال: قال رسول الله وَ لجر: إن اليهود (٤) إذا سلّم عليكم أحدهم
فإنما يقول: السام عليكم، فقولوا(٥) : عليك.
(١) أي كان بطنه عظيماً وبه كُنِّي بأبي بطن.
(٢) أي نذهب إلى السوق.
(٣) قوله: نسلّم على من لَقينا، أي لإِدراك هذه الفضيلة المتضمِّنة لإِنشاء
السلام، وقد ورد به الترغيب الوافر، فأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي
عن ابن مسعود مرفوعاً والبخاري في ((الأدب المفرد)) موقوفاً: السلام اسم من
أسماء الله وضعه في الأرض فأفشوه بينكم، وإذا مرّ الرجل بالقوم فسلّم عليهم فردُوا
عليه كان له عليهم فضل درجة، وإن لم يردوا عليه ردّ عليه من هو خير منهم
وأفضل. ونحوه عند البيهقي من حديث أبي هريرة. وفي ((الأدب المفرد)) من
حديث أنس، وعند الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة: ألا أدلكم على أمر إذا
أنتم فعلتم تحاببتم: أفشوا السلام بينكم. وقال: وفي الباب عن عبد الله بن سلام
وشريح ابن هانىء عن أبيه وعبد الله بن عمرو والبراء وأنس وابن عمر.
(٤) قوله: إن اليهود، وعند البخاري: إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا:
وعلیكم.
(٥) قوله: فقولوا عليك، بلا واو لجميع رواة الموطأ، وعند البخاري بالواو،
وجاءت الأحاديث في صحيح مسلم بحذفها وإثباتها وهو أكثر. واختار ابن حبيب
المالكي الحذف لأن الواو تقتضي إثباتها على نفسه حتى يصح العطف، فيدخل
معهم في ما دَعَوْا بِه، وقيل: هي للاستئناف لا للعطف، وقال القرطبي: كأنه قال:
والسام عليك، والأولى أن يقال: إنها للعطف غير أنّا نُجاب فيهم ولا يُجَابون كما =
٤٣٣

٩١٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو نعيم وهب بن كيسان، عن
محمد(١) بن عمرو بن عطاء، قال: كنت جالساً عند عبد الله بن عباس،
فدخل عليه رجل يمانيّ(٢) فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم
زاد(٣) شيئاً مع ذلك أيضاً (٤) قال(٥) ابن عباس رضي الله عنهما: من (٦)
هذا؟ وهو يومئذ(٧) قد ذهب بصره قالوا: هذا اليماني الذي يَغْشَاك(٨)،
م
= روي عن رسول الله وَله. وقال النووي: الصواب جواز الحذف، والإِثبات، وهو
أجود، ولا مفسدة فيه لأن السام هو الموت، وهو علينا وعليهم، وقال عياض: قال
قتادة: مرادهم بالسام السأمة أي تسأمون دينكم مصدر سئمت سامة وسآمة وسأماً
مثل رضاعاً، وجاء هكذا مفسَّراً مرفوعاً، وعلى هذا فرواية حذف الواو أحسن.
(١) قوله: عن محمد بن عمرو بن عطاء، بن عباس بن علقمة العامري،
القرشي، المدني، من ثقات التابعين، روى عن أبي حميد، وأبي قتادة،
وابن عباس، كذا في («جامع الأصول».
(٢) بفتح الياء وكسر النون وشد الياء أي من أهل اليمن.
(٣) أي ذلك المسلم اليمانيّ.
(٤) أي مع ذكر الرحمة والبركة.
(٥) أي للناس الحاضرين في مجلسه.
(٦) أي هذا المسلِّم الذي زاد على بركاته من هو؟
(٧) قوله: وهو يومئذ، هذا كلام أحد من الرواة، والظاهر أنه محمد بن
عمرو يعني أن ابن عباس كان قد ذهب بصره، وصار أعمى في ذلك الوقت.
فلذلك سأل الناسَ عن ذلك الرجل وإلا لرآه بعينه ولم يسأل عن تشخيصه.
(٨) أي يأتيك ويتردّد في مجلسك.
٤٣٤

.........
فعرّفوه(١) إياه حتى عرفه، قال ابن عباس: إن السلام انتهى إلى البركة .
قال محمد: وبهذا نأخذ. إذا قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فليكفف(٢)، فإن اتباع السُّنَّة أفضل(٣).
(١) أي ذكروا نَعْته ووصفه حتى عرفه.
(٢) أي ليمسك عن الزيادة.
(٣) قوله: فإن اتباع السنة أفضل، لأن العمل الكثير في بدعة ليس خيراً من
عمل قليل في سُنّة، وظاهره أن الزيادة على وبركاته خلاف السُّنّة مطلقاً كما يفيده
ظاهر قول ابن عباس ويوافقه ما في ((موطأ يحيى)): مالك عن يحيى بن سعيد أن
رجلاً سلّم على ابن عمر فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، والغاديات
والرائحات(١)، فقال ابن عمر: وعليك ألفاً، ثم كأنه كره ذلك. ويطابقه ما أخرجه
البيهقي على ما ذكره في ((الدر المنثور)) عن عروة بن الزبير أن رجلاً سلّم عليه
فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال عروة: ما ترك لنا فضلاً إن السلام
انتهى إلى البركة. لكن قد ورد في بعض الأخبار المرفوعة تجويز الزيادة فعند
أبي داود والبيهقي: جاء رجل إلى رسول الله وَليّة، فقال: السلام عليكم، فردّ عليه،
فجلس، فقال النبي ◌ّ: عشرة، ثم جاءه آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله،
فردّ عليه، فجلس، فقال: عشرون ثم جاء آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته، فردّ عليه فقال: ثلاثون ثم أتى آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته ومغفرته، فقال: أربعون، وقال: هكذا تكون الفضائل. وفي كتاب ((عمل
اليوم والليلة)) لابن السُنّي - قال النووي: في ((الأذكار)) إسناده ضعيف - عن أنس:
كان رجل يمر بالنبي ◌َّه يرعى دوابٌ أصحابه، فيقول: السلام عليك يا رسول الله،
فيقول رسول الله وَّ ر: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه، فقيل
يا رسول الله تسلِّم عليّ هذا سلاماً ما تسلّمه على أحد من أصحابك، قال : =
(١) النعم الآتية غدوة وروحة. انظر الأوجز ١١٩/١٥.
٤٣٥

٣١ - (باب الدعاء(١))
٩١٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، وقال: رآني
ابن عمر وأنا أدعو(٢) فَأُشير بأصبعيّ أصبع من كلِّ يدٍ فَنَهَانِيْ.
قال محمد: ويقول ابن عمر نأخذُ. ينبغي أن يُشير بأصبعٍ
واحدة(٣). وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله .
. ٩١٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع
= وما يمنعني من ذلك وهو ينصرف بأجر بضعة عشر رجلاً(١). فالأولى القول بتجويز
ذلك أحياناً والاكتفاء على ((بركاته)) أكثرياً.
(١) في بعض النسخ باب الإِشارة في الدعاء.
:
(٢) قوله: وأنا أدعو فأشير بأصبعيّ، أي بكلا الأصبعين فنهاني عن ذلك،
الظاهر أنه كان عند الإشارة في التشهد، فإنه يستحب فيه التوحيد، فمعنى أدعو
أتشهد، ويوافقه ما أخرجه ابن أبي شيبة، عن بشربن حرب أنه سمع ابن عمر
يقول: إنّ رفعكم أيديكم في الصلاة لبدعة، والله ما زاد رسول الله * على هذا،
يعني الإِشارة بأصبعه. وعن أبي هريرة: أن رجلاً كان يدعو بأصبعيه فقال له
رسول الله وَله: أحدٌ أحدٌ، أي أشِر بواحدة، أخرجه الترمذي والنسائي والبيهقي. وعلى
هذا فلا يناسب إيراد هذا الأثر في هذا الباب ويحتمل أن يكون المراد الدعاء
حقيقة .
(٣) قوله: بأصبع واحدة، قال القاري: أي حالة الدعاء مطلقاً، وكذا في
التشهد عند قوله أشهد أن لا إله إلا الله. انتهى. ولا نعرف رفع الأصبع في حالة
الدعاء مطلقاً فلْيُتأمل.
(١) لكن الحديث أيضاً ضعيف، فالمعروف في السنّة هو الانتهاء إلى البركة وإليه أشار الإِمام
محمد، كذا في الأوجز ١٠٤/١٥.
٤٣٦

... ..
سعيد بن المسيّب يقول: إن الرجل ليُرفَعُ(١) بدعاءِ وَلَده من بعده. وقال
بيده فرفَعَها إلى السماء.
٣٢ - (باب الرجل يهجر (٢) أخاه)
٩١٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد،
عن أبي أيوب الأنصاري صاحب رسول الله وَّ قال: لا يحلّ(٣) لمسلم
أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ (٤)، يلتقيان (٥)، فُعرض(٦) هذا ويُعرض
هذا، وخيرهم(٧) الذي يبدأ بالسلام .
(١) قوله: إن الرجل ليُرفَعُ، أي في درجاته ومنزله - وإن لم يكن بالغاً إليها
بعمله - بدعاء ولده له بقوله: اللّهم اغفر لي، ولوالديّ، ونحو ذلك. من بعده، أي
بعد موته كما ورد: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، وعلم
يُنتَفَع به، وولد صالح يدعو له. أخرجه ابن ماجه وغيره. وقال بيده، أي أشار
ابن المسيب بيده فرفعها إلى السماء تفهيماً لعلو درجات الرجل. ولعليّ القاريّ في
تفسير هذه الكلمة ما لا ينبغي ذكره كما لا يخفى على من راجع شرحه.
(٢) قوله: يهجر، أي يترك من الهجرة بمعنى الترك بترك السلام والكلام
والملاقاة ونحو ذلك. أخاه، حقيقياً كان بالنسب أو حُكْمياً بالإِسلام والسبب.
(٣) هكذا وجدنا في نسخ هذا الكتاب، والذي في ((موطأ يحيى)) وغيره عن
أبي أيوب: أن رسول الله قال: لا يحل ... إلخ.
(٤) قوله: فوق ثلاث ليال، قال القاضي: ظاهره إباحة ذلك في الثلاث لأن
البشر لا بد له من غضب وسوء الخُلُق فسومح تلك المدة.
(٥) جملة مستأنفة لبيان الهجر.
(٦) من الإِعراض.
(٧) قوله: وخيرهم، أي أفضلهما وأكثر ثواباً منهما الذي يبدأ أخاه بالسلام =
٤٣٧

قال محمد: وبهذا نأخذ. لا ينبغي (١) الهجرة بين المسلمين.
= الذي هو جالب للمحبة، ودافع للنفرة وعند أبي داود: فإن مرت به ثلاث فلقيه
فليسلم عليه، فإن ردّ فقد اشتركا في الأجر وإن لم يردّ عليه فقد باء بالإِثم، وخرج
المسلم من الهجرة.
(١) قوله: لا ينبغي الهجرة(١) بين المسلمين، أي إذا كان الأمر غير ديني،
وأما إذا كان كذلك فهو جائز، قال ابن عبد البر: العموم مخصوص بحديث
كعب بن مالك ورفيقيه(٢)، حيث أمر رسول الله وَلقر بهجرهم، وأجمع العلماء على
أن من خاف من مكالمة أحد وصلته ما يفسد عليه دينه أو يدخل عليه مضرة في دنياه
أنه يجوز له مجانبته وبعده، ورب هجر جميل خير من مخاطبة(٣) مؤذية. انتهى .
وقال النووي: وردت الأحاديث بهجران أهل البدع والفسوق ومنابذي السنّة وأنه
يجوز هجرانهم دائماً، والنهي عن الهجران فوق ثلاث ليال إنما هو لمن هجر لحظّ
نفسه ومعائش الدنيا، وأما هجران أهل البدع ونحوهم فهو دائم.
(١) والسلام يخرج من الهجران عند مالك والأكثرين، وعند أحمد: لا بد من عودته إلى الحالة
التي كان عليها أولاً. شرح الزرقاني ٢٦١/٤.
(٢) في الأصل رفيقه هو تحريف.
(٣) هكذا في الأصل والظاهر مخالطة، كما في الأوجز ١٤٣/١٤.
٤٣٨

٣٣ - (باب الخصومة في الدِّين(١)
والرجل يشهد(٢) على الرجل بالكفر)
٩١٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أن عمر بن
عبد العزيز قال: من جَعَل دينه غَرَضاً(٣) للخصومات أكثر التنقُّل(٤).
قال محمد: وبهذا نأخذ. لا ينبغي(٥) الخصومات في الدين.
(١) قوله: باب الخصومة في الدين، قال حجة الإِسلام العزالي في ((إحياء
العلوم)): الخصومة وراء الجدال والمِراء، فالمِراء طعن في كلام الغير بإظهار خلل
فيه من غير أن يرتبط به غرض سوى تحقير الغير وإظهار مزيّة الكياسة، والجدال:
عبارة عما يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها، والخصومة لجاج في الكلام ليستوفي به
مال أو حق مقصود ، وذلك تارة يكون بالابتلاء، وقد يكون بالاعتراض، والمراء
لا يكون إلَّ بالاعتراض على كلام سبق. انتهى. وفيه أيضاً في بحث المِراء
والجدال: ذلك منهيٌّ عنه، قال وَّهُ: لا تُمارِ أخاك ولا تمازِحْه ولا تَعِدْه موعداً
فتخلفه. وقال ◌َ﴾: من ترك المِراء وهو مُحِقٌّ بُني له بيت في أعلى الجنة، ومن
تركه وهو مبطلٍ بُني له بيت في ربض الجنة. وقال أيضاً: ما ضلَّ قوم بعد أنْ
هداهم الله إلّ أوتوا الجدل. وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه عُرضة
للخصومات أكثر التنقل. انتهى ملخصاً.
(٢) من الشهادة .
(٣) ((نشانه))(١). بفتحتين أي هدفاً لسهم الخصومة .
(٤) في نسخة النقل، أي الانتقال من شيء إلى شيء.
(٥) قوله: لا ينبغي، قال القاري: لعله أراد المجادلة في أصول الدين
بالأدلة العقلية مخالفاً لقواعد المجتهدين الذين مدار أمرهم على الأدِلَّة النقلية، إما =
(١) بالأردية.
٤٣٩

٩١٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر
قال: قال رسول الله گالت: أيما امرىء قال لأخيه: كافر، فقد باء(١) بها
أحدهما .
قال محمد: لا ينبغي لأحد من أهل الإِسلام أن يشهد على رجل
من أهل الإِسلام بذنب (٢) أذنبه بكفرٍ، وإنْ عَظُم جُرمه(٣)، وهو قول
أبي حنيفة والعامة من فقهائنا .
= بالطرق القطعية وإما بالشواهد الظنية. انتهى. وهذا تخصيص من غير مخصص فإن
المجادلة في فروع الدين أيضاً كذلك.
(١) قوله: فقد باء بها أحدهما، قال الباجي: إن كان المقول له كافراً فهو
كما قال، وإن لم يكن خيف على القائل أن يصير كذلك. انتهى. ومعنى باء به:
رجع به أي بالكفر(١).
(٢) قوله: بذنب أذنبه، أي ارتكبه، وإن كان كبيرةً أو أكبر الكبائر أو كان
ذنب عقيدة ما لم يبلغ إلى حدّ الكفر، فإن انجرَّ سوء اعتقاده إلى الكفر جاز تكفيره.
ومن ثَمَّ نُقل عن السلف - منهم إمامنا أبو حنيفة - أنا لا نكفّر أحداً من أهل القبلة،
وعليه بنى أئمة الكلام عدم تكفير الروافض والخوارج والمعتزلة والمجسِّمة وغيرها
من فِرَق الضلالة سوى من بلغ اعتقاده منهم إلى الكفر، وأما ما وشح به متأخّرو
الفقهاء كتبهم من أنَّ سبّ الشيخين كفر ونحو ذلك فهو من تخريجاتهم مخالفاً
لسلفهم فإن لم یکن مؤولاً فهو مردود.
(٣) بالضمّ أي كبُرَ ذنبه.
(١) كذا في الأوجز ٢٦٦/١٥.
٤٤٠