Indexed OCR Text

Pages 361-380

رفعوا (١) شيئاً، أو أرادوا رَفْعَ شىءٍ وَضَعَه اللَّهُ(٢).
قال محمد: وبهذا نأخُذُ. لا بأس (٣) بالسَّبْقِ فِي النَصْل والحافرِ
والخُفِّ.
· رفعه، وأنهم لو اجتمعوا على شيء لم يقدِّره الله لم يقدروا عليه، ولم يصلوا إليه،
وإن كان من جملتهم الأنبياء والأولياء.
(١) أي في زعمهم.
(٢) أي خَفَضَه وأظهر فيه نقصاً.
(٣) قوله: لا بأس بالسبق، بالفتح والسكون: مصدر، أي المسابقة في
النّصْل هو بالفتح، حديدة السهم أي في المسابقة في السهام. والحافر، أي حافر
الخيل والبغال والحمير. والخُفّ، أي خفُّ الإِبل. وقد ورد: ((لا سبق إلا في نَصْل
أو خف أو حافر)) أخرجه الترمذي وحسّنه وابن حبان وصححه عن أبي هريرة
مرفوعاً. وبه قَصَر مالك والشافعي جواز المسابقة بهذه الأشياء، وخصّه بعض
العلماء بالخيل. وأجازه عطاء في كل شيء قاله الزرقاني.
٣٦١

(أبواب السِّيَرَ(١))
٨٦١ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه بلغه(٢)، عن
ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ما ظهر الغُلول(٣) في قوم قطّ إلَّ ألقي
في قلوبهم الرعب(٤)، ولا فشا(٥) الزنى في قوم قطّ إلَّ كَثُر فيهم(٦)
(١) قوله: أبواب السِّير، بالكسر فالفتح، جمع سِيْرة بالكسر فالسكون،
بمعنى الطريقة، ويُطْلَّق في عرف العلماء على أحوال المغازي، والجهاد وما يتعلق
به، المتلقّاة من طريقة النبي ◌َّ وأصحابه(١).
(٢) قوله: أنه بلغه عن ابن عباس، هذا موقوف في حكم المرفوع لأنه مما
لا يُدرك بالرأي، وقد أخرجه ابن عبد البرّ، عن ابن عباس موصولاً، وفي سنن
ابن ماجه، نحوه مرفوعاً من حديث ابن عباس.
(٣) بالضم وهو السرقة من الغنيمة قبل القِسْمة.
(٤) بالضم أي الخوف من العدوّ والجبن.
(٥) أي كَثُر.
(٦) كما في قصص بني إسرائيل.
(١) قال ابن عابدين: هذا الكتاب يعبِّر بالسِّيَر والجهاد والمغازي، فالسِّيّر جمع سيرة وهي فِعْلة
بكسر الفاء من السِّير، فتكون لبيان هيئة السير وحالته إلاّ أنها غلبت في لسان الشرع على
أمور المغازي وما يتعلق بها كالمناسك على أمور الحج. لا مع الدراري ٢٤٣/٧ .
٣٦٢

الموت، ولا نَقَصَ قومٌ المكيال والميزان إلَّ قُطِعٍ(١) عليهم الرزقُ،
ولا حَكَم قومٌ بغير الحقِّ إلَّ فشا فيهم الدمُ(٢)، ولا خَتَرَ (٣) قوم بالعهد
إلَّ سُلِّط (٤) عليهم العدوّ.
٨٦٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أن
رسول الله وَ﴾ بعث(٥) سرِيَّةً قِبَلَ نجد، فغَنِموا إِيلًا كثيرة، فكان
سُهمانُهم اثنيْ عَشَر بعيراً، ونُقُلُوا بعيراً بعيراً.
(١) أي قُطع بركته عنهم أو نقصه.
(٢) أي ظهر فيهم القتال وسَيْل الدماء.
(٣) أي غَدَر وخالف العهد.
(٤) جزاءً بما كسبوه.
(٥) قوله: بعث سَريّة، بفتح السين وتشديد الياء بعد الراء المكسورة، قطعة
من الجيش تبلغ أربع مائة ونحوها، سُمِّيت بها لأنَّها تسير في الليل ويخفى ذهابها
فهي فاعلة بمعنى مفعولة، قاله السيوطي، وذلك في شعبان سنة ثمان قبل فتح
مكة، قاله ابن سعد. وذكر غيره أنها كانت في الجمادى الأولى، وقيل: في
رمضان، وكان أميرها أبو قتادة، وكانوا خمسة عشر رجلاً. قِبَل، بكسر القاف وفتح
الباء أي جهة نجد، وأمرهم أن يَشُنُّوا الغارة، فقاتلوا فغنموا إبلا كثيرة، وعند
مسلم: فأصبنا إبلاً وغنماً، وذكر بعض أهل السِّيَر أنها مائتا بعير، وألفا شاةٍ. فكان
سُهمانهم، بضم السين جمع سهم أي نصيب كل واحد اثني عشر بعيراً، وفي ((موطأ
يحيى)): أو أحد عشر بعيراً بالشك، ونُقِّلوا بضم النون مبنيّ للمفعول، أي أُعْطِي
كلٌّ واحد منهم زيادةً على السهم المستحق بعيراً بعيراً، يقال: نَفَّل الإِمام الغازي،
إذا أعطاه زائداً على سهمه، ونَفَلَه نفلاً بالتخفيف، ونَفَّله تنفيلا مشدّداً، لغتان
فصيحتان، والنَّفَل بفتحتين الغنيمة، وجمعه أنفال، كذا ذكره الزرقاني والعيني.
٣٦٣

قال محمد: كان النَّفَل لرسول اللهِوَّهِ يُنَفِّل من الخُمُس أهلَ
الحاجة، وقد قال الله تعالى(١): ﴿قُل الأنفالُ للَّهِ والرسولِ﴾، فأما اليوم
(١) قوله: وقد قال الله تعالى، ذكر أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في باب
الغنيمة حين تشاجروا يوم بدر في تقسيمها، فالمعنى ﴿قل الأنفال﴾ أي الغنائم
﴿اللَّهِ والرسول﴾ فقسمها بينهم رسول الله على السوية، يعني حكم الغنائم الله
والرسول، ونزل بعد ﴿واعلموا أنَّ ما غنمتم من شيء فإِنَّ لله خُمُسَه وللرسول
ولذي القُربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾. واتفقوا على أنَّ ذكر الله وقع
للتبُّك، وذهب الحنفية إلى سقوط سهم ذوي القربى بموت رسول الله (وَ ل*، وكذا
قالوا: أنْ لا سهم للرسول بعده، فعندهم يقسم خُمس الغنيمة على المحاويج من
اليتامى وابن السبيل والمساكين، وعند طائفة من العلماء: سهمُ الرسول باقٍ يصرفه
الخليفة حسبما رآه، وما بقي بعد الخُمُس يقسم على الغزاة حسب حصصهم
المقرَّرة شرعاً. وذهب بعض المفسِّرين إلى أن المراد من الآية كونُ الغنائم كلِّها لله
ولرسوله يصرفها إلى من يشاء ما يشاء، وقالوا: صار هذا الحكم منسوخاً بورود
المصارف، ولذا أسهم النبي 8 * يوم بدر بعض من لم يحضر غزوته. وقال
بعضهم: المراد بالأنفال هو الزيادات على سهم الغنيمة، وإنَّ المعنى الزيادات
حكمها لله وللرسول يعطيها من يشاء لا استحقاق لهم فيها. والروايات في كل
ما ذكرنا مبسوطة في ((الدر المنثور)) وغيره، وذكر أصحابنا في كتبهم أن للإِمام أن
ينقِّل حالة القتال فيقول: من قتل قتيلاً فله سَلَبه، أو يقول للسريَّة: قد جعلت لكم
الربع بعد الخُمس لأنه نوع تحريض على الجهاد ولا ينفّل بعد إحراز الغنيمة بدار
الإِسلام إلاّ من الخمس، لأنه لا حق للغانمين فيها فله الخيار فيه، وما سواه تعلّق
فيه حقهم على السواء، فلا يبطل حقهم. إذا عرفتَ هذا كلّه، فاعلم أنه لا يخلو إمّا
أن يكون المراد بالنَّفَل في قول صاحب الكتاب: (كان النفل لرسول اللّه ◌َا﴾):
الغنيمة، كما اختاره القاري، فهو بفتحتين، وحينئذٍ يكون المعنى: كانت الغنيمة
للرسول خاصة، يصرفها إلى من يشاء ويعطي من يشاء ما يشاء، ويكون الآية سنداً
٣٦٤

فلا نَفَلَ بعد إحراز الغنيمة إلاَّ من الخُمُس لمحتاج.
١ - (باب الرجل يعطي (١) الشيء في سبيل الله)
٨٦٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن
المسيّب: أنه سُئِل عن الرجل يُعطي الشيء في سبيل الله(٢)، قال:
فإذا بلغ (٣) رأسَ مَغزاته(٤) فَهو له .
- عليه على أحد الأقوال الواردة فيه. وحينئذٍ يكون قوله: يُنفِّل من الخمس أي خمس
الغنيمة الذي هو مصروف إلى الإِمام. أهل الحاجة، بياناً للتنفيل الزائد، لكن
لا يرتبط حينئذٍ قوله: فأما اليوم، أي بعد العصر النبوي فلا نَفْل بالفتح فالسكون أي
لا زيادة على السهام بعد إحراز الغنيمة بدار الإِسلام إلاّ من الخمس لمحتاج
لا لغنيّ لأنه خارج عن مصرفه بما قبله ارتباطاً مناسباً. وإمّا أن يكون المراد بالنفل
في قوله: (كان النفل) الزيادة، فحينئذٍ يكون المعنى كان إعطاء الزيادة موكولاً إلى
رسول الله وَر، وكان له الاختيار في أن ينفل بعد الإِحراز أو قبله بعد رفع الخمس
أو قبله، فأما اليوم فلا نفل بعد الإِحراز إلاّ من الخمس. وحينئذٍ يكون الآية سنداً
على تأويله الآخر، ويكون قوله: (ينفّل من الخمس أهلَ الحاجة) بياناً للتنفيل من
الخمس. فليحرر هذا المقام.
(١) أي يهب شيئاً لغازٍ.
(٢) أي في طريق الغزو.
(٣) أي المعطى له.
(٤) قوله: رأس مَغْزاته، بفتح الميم وسكون الغين المعجمة، موضع
الغزو، ومحل العدوّ فهو له، أي للمعطى له أي يملكه، وفي ((موطأ يحيى))
وشرحه: مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا أعطى شيئاً في سبيل الله يقول
لصاحبه: إذا بلغتَ وادي القُرَى - بضم القاف وفتح الراء مقصورة: موضع بقرب
المدينة، لأنه رأس المغزاة، فمنه يدخل إلى أول الشام - فشأنك به. يعني أنه =
٣٦٥

قال محمد: هذا قول سعيد بن المسيّب، وقال ابن عمر: إذا بلغ
وادي القُرى فَهو له، وقال أبو حنيفة وغيره من فقهائنا: إذا دفعه(١) إليه
صاحبه فهو له.
٢ - (باب إثم الخوارج(٢)
وما في لزوم الجماعة(٣) من الفضل)
٨٦٤٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن
إبراهيم، عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن: أنه سَمِعَ أبا سعيد الخُذري
يقول: سمعت رسول الله وَل﴿ يقول: يخرج فيكم (٤) قوم ◌ُحقِّرُون (٥)
= ملَّكه له، وإنما قال ذلك خيفةً أن يرجع المعطي فتتلف العطية ولم يبلغ صاحبه
مراده فيها، فإذا بلغ الوادي كان أغلب أحواله أن لا يرجع حتى يغزو.
(١)) أي دفعه المعطي إلى المعطى له أو قبضه فهو له، كما في سائر الهِبَات
والعطيّات(١).
(٢) هم الخارجون(٢) عن طاعة الإِمام بشبهة ضعيفة، وأوَّلُّهم الخوارج على
عثمان، والخوارج على عليّ رضي الله عنه.
(٣) أي جماعة المسلمين.
(٤) أي في ما بينكم أيها الأمة.
(٥) قوله: تُحَقِّرُوْن، من التحقير. صلاتكم مع صلاتهم وأعمالكم مع :
(١) أوجز المسالك ٢٤٤/٨.
(٢) هم الذين خرجوا على عليّ، رضي الله عنه يوم النهروان فقتلهم، فهم أصل الخوارج وأول
خارجة خرجت إلَّ أن طائفة منهم كانت ممن قصد المدينة يوم الدار في قتل عثمان
رضي الله عنه. سُمّوا خوارج من قوله يخرج، قاله في التمهيد، كذا في الأوجز ١٣٤/٤.
٣٦٦

صلاتكم مع صلاتهم، وأعمالَكم مع أعمالهم، يقرءون القرآنَ لا يجاوزُ
حَتَاجِرَهم، يمرُقون(١) من الدِّين مروقَ السَّهم من الرميَّة، تنظر في
النصل فلا ترى شيئاً، تنظر في القِدْح فلا ترى شيئاً، تنظر في الرّيش
فلا ترى شيئاً، وتَتَمارى في الفُوق.
أعمالهم، أي تظنون عباداتكم حقيرة قليلة بالنسبة إلى عباداتهم لكمال جهدهم في
تحسين الأعمال الظاهرة، واهتمامهم في أدائها وإتيان آدابها من غير مبالاة بفساد
الأعمال الباطنة والأمور القلبية وخبثها. يقرءون القرآن لا يجاوز، أي القرآن
أو ثواب جميع أعمالهم. حَتَاجِرهم، بفتح الأوَّلين وكسر الرابع، جمع الحَنْجرة، بفتح
الأول وسكون الثاني، بمعنى الحلقوم، يعني أنَّ الله لا يرفعها ولا يقبلها فكأنها
لا تجاوز حناجرهم، وقيل: إنهم يقرءون القرآن مع غير علم بما فيه ولا عمل بما
فيه فلا يحصل لهم إلاَّ مجرد القراءة ولا يترتَّب عليها آثارها.
(١) قوله: يمرقون، بضم الراء أي يخرجون من الدين، أي طاعة الإِمام
أودين الإِسلام. مُرُوق، بضمتين أي كخروج السهم من الرميَّة، بفتح الراء وكسر
الميم وشدِّ الياء، أي الصيد المرمي إليه السهم. تنظر، أنت أيها الرامي، أو ينظر
بالغائب. في النصل، بالفتح هو الحديدة التي على رأس السهم. فلا ترى، عليه
شيئاً من آثار الدم. تنظر في القِدْح، بكسر القاف أي أصل السهم فلا ترى عليه
شيئاً. تنتظر في الريش، أي ريش السهم المركَّب عليه، فلا ترى شيئاً. وتتمارى، أي
تشكك(١) في الفُوق بالضم موضع الوتر من السهم، هل فيه شيء من أثر الدم،
والحاصل أنه ليس لهم من قبول العبادات وقراءة القرآن نصيب، كذا في ((شرح
القاري» وغيره.
(١) هكذا في الأصل والظاهر تشك.
٣٦٧

قال محمد: وبهذا نأخذُ. لا خَيْرَ في الخروج(١)، ولا ينبغي إلّ
لزومُ الجماعة .
٨٦٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أن
رسول الله وَ﴾ قال: من حمل علينا(٢) السلاح فليس منا.
قال محمد: من حمل السلاح على المسلمين فاعترضهم به
لقتلهم(٣)، فمن قتله(٤) فلا شيء(٥) عليه، لأنه (٦) أحلَّ دمَه
باعتراض (٧) الناسٍ بسيفه.
٨٦٦ - أخبرنا مالك، أخبرني يحيى بن سعيد، أنه سمع
(١) أي عن طاعة الإِمام وموافقة أهل الإِسلام ومتابعة السلف الكرام(١).
(٢) قوله: من حمل علينا، أي على أهل الإِسلام إفساداً وعناداً. السلاح،
بالكسر أي آلات الحرب. فليس منا، أي من أهل طريقنا. والحديث مخرَّج في
الصحيحين والسنن.
(٣) أي لقتل المسلمين.
(٤) أي ذلك الحامل لدفع فساده وبقاء نفسه وأصحابه.
(٥) أي من الدية والقصاص.
(٦) أي مَنْ حَمَل السيف وقَصَد الفساد في الأرض.
(٧) في نسخة: باعتراضه.
(١) قد بسط الحافظ الكلام على الخوارج وعلى بَذْء خروجهم أشدّ البسط في ((فتح الباري))
٢٩٨/١٢.
٣٦٨

سعيد بن المسيّب يقول(١): ألا(٢) أُخْبِرُكُمْ أو (٣) أُحَدِّثُكم بخيرٍ من
كثير(٤) من الصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى (٥)، قال: إصلاحُ ذَاتٍ
البين (٦)، وإياكم والبِغْضَةَ(٧) فإنما هي الحالقة (٨).
(١) قوله: يقول ألا أخبركم، هذا موقوف على سعيد عند جميع رواة
((الموطأ)) إلَّ إسحاق بن بشر، وهو ضعيف فإنه رواه عن مالك، عن يحيى ، عن
سعيد، عن أبي الدرداء، عن النبي ◌َّه. ورواه الدارقطني، عن يحيى، عن
سعيد قال: قال رسول الله وَّل، مرسلاً. وأخرجه البزار من طريق أم الدرداء، عن
أبي الدرداء مرفوعاً. وأخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) وأحمد وأبو داود
والترمذي وصححه من حديث أبي الدرداء مرفوعاً، كذا ذكره ابن عبد البر وغيره.
(٢) حرف تنبيه .
(٣) شك من الراوي.
(٤) أي بأكثر ثواباً من كثير من العبادات النافلة.
(٥) أي أخبرنا.
(٦) قوله: إصلاح ذات البين، أي إصلاح الحال التي بين الناس، وأنها خير
من نوافل الصلاة وما ذُكر معها، قاله الباجي. وقال غيره: أي إصلاح أحوال البين
حتى تكون أحوالكم أحوال صحة وألفة، أو هو إصلاح الفساد والفتنة التي بين
الناس لما فيه من عموم المنافع الدينية والدنيوية. وفي ((المغرب)) قولهم: إصلاح
ذات البين أي الأحوال التي بينهم، وإصلاحها بالتعهُّد والتفقَّد، ولمّا كانت ملابِسَةً
للبین وُصفت به فقیل ذات البين.
(٧) بكسر الباء وسكون الغين تأنيث: شدَّة البغض.
(٨) قوله: فإنما هي الحالقة، في رواية يحيى: فإنها هي الحالقة أي
الخصلة التي شأنها أن تحلق أي تُهلك، وتستأصل الدين كما يحلق الموسى
الشعر. قال الباجي: أي أنها لا تُبقي شيئاً من الحسنات حتى تذهب بها.
٣٦٩

٣ - (باب قتل النساء(١))
٨٦٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أنَّ
رسول الله وَ﴿ رأى في بعض مغازيه(٢) امرأةً مقتولة، فأنكر ذلك، ونهى
عن قتل النساء والصبيان .
قال محمد: وبهذا نأخذ. لا ينبغي أن يُقتلَ في شيء من المغازي
امرأةٌ ولا شيخٌ (٣) فانٍ؛ إلَّ أنْ تُقاتِلَ المرأة فتُقتل.
(١) أي نساء الكفار والمرتدين.
(٢) قوله: رأى في بعض مغازيه، أي غزوة فتح مكة كما في ((أوسط الطبراني))
من حديث ابن عمر. والحديث مخرَّج في الصحيحين والسنن - إلَّ سنن
ابن ماجه ـ ومسند أحمد وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم، وفي بعض
رواياتهم: رأى امرأة مقتولة فقال: ها ما كانت هذه تقاتل فلم قُتلت؟ وبهذا الحديث
أجمع العلماء على عدم جواز قَتْل النساء والصبيان لضعفهن عن القتل، وقُصُورهم
عن الكفر، وفي استبقائهم منفعة بالاسترقاق أو الفداء. وحكى الحازمي قولاً لبعض
العلماء بجواز ذلك على ظاهر حديث الصعب بن جثامة عند الأئمة الستة: سئل
رسولُ الله عن أهل الدار يبيّتون من المشركين فُيُصاب من نسائهم وذراريهم؟ قال:
هم منهم. وأشار أبو داود إلى نسخ حديث الصعب بأحاديث النهي، كذا في ((فتح
الباري)) وغيره من شروح صحيح البخاري.
(٣) قوله: ولا شيخ فان، أي من كِبَر سِنّه وخرف عقله، وأما إن كان كاملَ
العقل ذا رأي في الحرب فيُقتل، وهو المراد من حديث: ((اقتلوا شيوخ المشركين)»،
وعند الشافعي: يُقتل الشيخ مطلقاً، وفي رواية: قوله كقولنا، وبه قال مالك، وكذا
لا يُقتل عندنا المُقْعَد والأعمى والزَّمِن ومقطوع الأيدي والأرجل إلاّ إذا كانوا ذوي
رأي. والمرأة إذا كانت مقاتلة أو مَلِكة ذا رأي ومشورة في الحرب تُقتل دفعاً للفساد
وإلَّ لا، كذا قال العيني.
٣٧٠

٤ - (باب المرتد(١))
٨٦٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن(٢) بن محمد بن عبدٍ
القاريٌّ، عن أبيه، قال: قدم رجل على عمر بن الخطّاب رضي الله عنه
من قِبَل (٣) أبي موسى، فسأله (٤) عن الناس، فأخبره ثم قال: هل
عندكم من مُغْرِبَةٍ(٥) خبر؟ قال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه، فقال:
م
(١) هو الذي يرتدُّ أي يرجع إلى الكفر من الإِسلام.
(٢) قوله: عبد الرحمن(١) بن محمد بن عبد القاريّ، هو عبد الرحمن بن
محمد بن عبد الله بن عبد كما في ((موطأ يحيى)) ونسبته بتشديد الياء إلى قارة بطن
من العرب، وكان من أهل المدينة عامل عمر بن الخطاب على بيت المال، ثقة،
روى عنه عروة، وحميد بن عبد الرحمن وابناه إبراهيم ومحمد، مات سنة ٨٨ ثمان
وثمانين، ذكره السمعاني وأبوه، قال في ((التقريب)): محمد بن عبد الله بن
عبد الرحمن بن عبد - بغير إضافة - القاري بغير همز، المدني، مقبول.
(٣) بكسر القاف، أي من جانب أبي موسى الأشعري وجهته من اليمن.
(٤) أي سأل عمر عن أحوال الناس.
(٥) بضم الميم على صيغة الفاعل أي قصة مغربة وخبر غريب.
(١) بسط شيخنا الكلام عليه في الأوجز ١٧٩/١٢، وقال: وما ذكره صاحب ((التعليق الممجد))
من ترجمته التبس عليه من ترجمة أخي جَدّه، فإنَّ عامل عمر المتوفّي سنة ٨٨هـ هو
عبد الرحمن القاري، وولادة الإمام مالك بعد وفاته، فکیف یروي عنه، بل عبد الله بن عبدٍ
القاريّ أخو عبد الرحمن، وعبد الرحمن هذا كان عامل عمر رضي الله عنه، وجَدّ يعقوب بن
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري، أخرج له مالك في الموطأ، وكذلك
عبد الرحمن بن محمد هو الذي روى عنه مالك في هذا الحديث.
٣٧١

ماذا فعلتم به؟ قال: قرَّبناه(١) فضربنا عنقه، قال عمر رضي عنه:
فهلّاً(٢) طبقتم عليه بيتاً - ثلاثاً - وأطعمتموه كلَّ يومٍ رغيفاً،
فاستبتموه لعله يتوب ويرجع إلى أمر الله، اللَّهم إني لم آمُر، ولم أَحْضُر،
ولم أَرْضَ إذ بلغني.
قال محمد: إن شاء الإِمام (٣) أخر المرتدّ ثلاثاً(٤) إن طَمِع في
توبته، أو سأله(٥) عن ذلك المرتدُّ، وإن لم يطمع في ذلك ولم يسأله
المرتد(٦) فقتله فلا بأس بذلك.
(١) بتشديد الراء أي أحضرناه فقتلناه.
(٢) قوله: فهلّاً، حرف تحضيض. طبَّقتم، بتشديد الباء من التطبيق عليه،
أي أغلقتم عليه بيتاً وحبستموه فيه ثلاثاً، أي ثلاث ليال وأطعمتموه كل يوم رغيفاً أي
بقدر سد الرمق ليضيق عليه الأمر فيتوب، فاستبتموه أي طلبتم منه التوبة لعله يتوب
من كفره، ويرجع إلى أمر الله أي دينه الإِسلام، ثم قال عمر: اللَّهم إني لم آمر
ولم أحضر - أي هذه الوقعة ـــ ولم أرضَ به إذ بلغني خبره فلا تؤاخذني به.
والحاصل أن المرتد(١) يُستمهل ثلاث ليال ويُستتاب، فإن تاب تاب وإلاّ قُتل
لحديث: ((من بدل دينه فاقتلوه)).
(٣) هذا أولى وأحسن.
(٤) هذا التحديد من قوله تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا في داركم ثلاثة أيام﴾.
(٥) أي طلب المرتد المهلة.
(٦) أي لم يستمهله.
:
(١) قال ابن بطال: اختلف في استتبابة المرتد، فقيل: يُستتاب فإن تاب وإلاّ قُتل وهو قول
الجمهور، وقيل: يجب قتله في الحال، جاء ذلك عن الحسن وطاووس. وبه قال أهل
الظاهر. فتح الباري ٢٦٩/١٢ .
٣٧٢

٥ - (باب ما يُكره من لُبْس الحرير والدِّيباج(١))
٨٦٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه قال لرسول الله وَ﴾ ورأى حُلّةً سِيَراء(٢) تُباع عند
باب المسجد(٣)، فقال: يا رسول الله لو اشتريت(٤) هذه الحُلَّةَ
فلبستها(٥) يوم الجمعة .
(١) بكسر الدال ما رقَّ من الحرير.
م
(٢) قوله: حلة سيراء، روي بالإِضافة كما يُقال: ثوب حرير، وعن بعضهم
بالتنوين على الصفة أو البدل، والحُلَّة ثوبان إزار ورداء، والسِّيّراء قال في ((النهاية))
بكسر السين وفتح الياء نوع من البزّ يخالطه حرير كالسيور أي الخطوط، أو شرحه
بعضهم بالحرير الخالص، كذا ذكره السيوطي في ((شرح سنن ابن ماجه)) وغيره.
(٣) قوله: عند باب المسجد، أي المسجد النبوي، وعند مسلم: رأى عمر
عطارد التميمي يقيم حُلَّة في السوق وكان رجلاً يغشَى الملوك ويصيب منهم.
(٤) هو لمجرد التمنِّي أي لو اشتريتُه لكان أحسن.
(٥) قوله: فلبستَها يوم الجمعة وللوفود، وفي رواية للبخاري: فلبستها للعيد
والوفد. وللنسائي: وتجمَّلتَ بها للوفود والعرب إذا أُتّوْك، وإذا خطبتَ الناس يوم
عيد وغيره. والمراد بالوفود القاصدون الذين كانوا يجيئون إليه من قِبَل السلاطين
وغيرهم، ودلُّ الحديث(١) على أنه يُستَجَبّ لُبس أحسن الثياب في الجمعة =
(١) قال الباجي: الحديث يقتضي أن يوم الجمعة شُرع فيه التجمل. وأيضاً قد شُرع التجمل
للواردين والوافدين في المحافل التي تكون لغير آية مخوفة كالزلازل والكسوف وعند الحاجة
إلى التضرُّع والرغبة كالاستسقاء، لأن النبي # أقر عمر رضي الله عنه على ما دعا إليه من
التجمّل في هذين الموطنين، وإنما أنكر عليه لُبْس هذا النوع فثبت أنَّ التجمل إنما شُرع
بالجميل من المباح. المنتقى ٢٢٩/٧.
٣٧٣

وللوفود(١) إذا قَدِموا عليك؟ قال: إنما يَلْبَس(٢) هذه من لا خلاقَ(٣) له
في الآخرة. ثم جاء رسول الله وَّ﴾ منها حُلَلٌ(٤) فأعطى عمر منها
حُلَّة (٥)، فقال: يا رسول الله، كَسوتَينِيْها(٦) وقد قُلتَ(٧) في حُلَّةٍ
عُطَارِدٍ(٨) ما قلتَ؟ قال: إني لم أَكْسُكَها(٩)
= والعيدين، وأنه يجوز التجمّل إذا عَرِيَ عن الكِبْر والاحتقار والشهرة للأحباب
وأصحاب الملاقاة والمعارف ليكون أهْيَبَ وأعزَّ في نظرهم.
(١) أي الوفود جمع الوافد.
(٢) في رواية: إنما يلبس الحرير.
(٣) قوله: من لا خلاقَ له، بالفتح أي لا نصيب له من نعيم الجنة، وهذا
على سبيل التشديد وإلاّ فلا بد للمؤمن من نعيم الجنة، ولُبْس الحرير فيها، ولو بعد
مدة، وقيل: معناه من يلبسها في الدنيا يكون محروماً من لُبْسها في الآخرة، وإن
دخل الجنة. وقد مرَّ نظير ذلك في شرب الخمر.
(٤) أي من جنس تلك الحُلَّة السيراء.
(٥) أي واحدة.
(٦) قوله: كسوتنيها، أي أكسوتنيها؟ كما في بعض الروايات بهمزة
الاستفهام، سأله عنه لما حصل له التعجّب من إعطائه إياه مع تحريمه سابقاً.
(٧) أي والحال أنَّك قلت في مثلها ما قلت.
(٨) قوله: في حلَّة عُطارِد، بضم العين وكسر الراء، ابن حاجب بن زرارة بن
عدي التميمي الدارمي. وفد في بني تميم وأسلم وحسن إسلامه، وله صحبة وهو
صاحب الحُلَّة السِّيَراء، كذا في ((الإِصابة)) وغيره.
(٩) أي لم أُعطها لِلبسك بل للانتفاع.
٣٧٤

لَتَلْبَسها(١) فكساها عمر أخاً له من أمِّه(٢) مشركاً بمكة.
قال محمد: لا ينبغي للرجل المسلم أن يلبس الحرير والديباج
والذهب؛ كل ذلك مكروه للذكور من الصغار(٣) والكبار، ولا بأسَ به
للإِناثَ ولا بأس به (٤) أيضاً بالهديَّة إلى المشرك المحارب، ما لم يُهْدَ إليه
سلاحٌ(٥) أو درع. هو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
٠ ٦ - (باب ما يُكره(٦) من التختُّم بالذهب)
٨٧٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر
قال: اتخذ رسول الله وَلل خاتماً (٧) من ذهب، فقام (٨) رسول الله عَ ل
(١) قوله: لتُلْيَسَها، فيه دليل على جواز هبة ما يَحْرُم لُبْسه، وجواز بيعه
وشرائه لعدم انحصاره في اللبس.
(٢) قوله: أخاً له من أمه، سماه ابن الحذّاء: عثمان بن حكيم، ونقله
ابن بشكوال، قال الدمياطي: هو السلمي أخو خولة بنت حكيم بن أمية وهو أخو
زيد بن الخطاب لأمه فمن أطلق أنه أخو عمر لأمه لم يصب، وقيل: يحتمل أن عمر
رضع من أم أخيه فيكون أخاً له لأمه رضاعاً، كذا في ((شروح صحيح البخاري)).
(٣) قوله: من الصغار، الكراهة في حقهم للأولياء فلا يجوز لهم أن
يُلْبِسوهم لباساً محرَّماً لئلا يعتادوه.
(٤) في بعض النسخ: ولا بأس بالهديَّة أيضاً.
(٥) أي آلات الحرب أو درع الحديد فإن في هديته إليه إعانة له على فساد.
(٦) أي للرجال.
(٧) بفتح التاء ما يُخْتَم به.
(٨) أي خطيباً على المنبر كما في روايةٍ .
٣٧٥

فقال: إني كنتُ(١) أَلْبَس هذا الخاتم، فنبذه(٢)، وقال: والله لا أَلْبَسُه
أبداً (٣)، قال: فنبذ الناس خواتيمهم (٤) .
قال محمد: وبهذا نأخذ. لا ينبغي للرجل أن يتختّم بذهب
ولا حديد ولا صُفْر(٥) ولا يتختم (٦) إِلَّ بالفضَّة. فأما النساء فلا بأس
بتختُّم الذهب هُنَّ(٧).
(١) أي كونه مباحاً قبل ذلك.
٨
(٢) أي طرحه وألقاه(١).
(٣) قوله: والله لا ألبسه أبداً، أي لتحريمه، زاد في رواية الصحيحين: ثم
اتخذ خاتماً من فضَّة فاتخذ الناس خواتيم الفضَّة، قال ابن عمر: فلبس الخاتم
بعده /* أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان وقع منه في بئر أريس.
(٤) أي من ذهب، كما في شمائل الترمذي.
(٥) قوله: ولا صُفْر، قال القاري: بضم فسكون هو النحاس، وقيل:
أجوده، لما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن بُرَيْدة، عن أبيه:
جاء رجل إلى رسول الله و لي﴿ وعليه خاتم من حديد، فقال: ما لي أراك عليكَ حلية
أهل النار؟ ثم جاءه وعليه خاتم من شَبه(٢)، فقال: ما لي أجد عليك ريح الأصنام؟
فقال: يا رسول الله من أي شيء أتخذه؟ قال: من ورقٍ ولا تُتِمَّه مثقالاً .
(٦) حصر إضافي لا حقيقي فإنه يجوز بالعقيق وغيره.
(٧) لِحِلَّة الذهب لهن.
(١) إن الخاتم الذي طرحه النبي # إنما هو خاتم الذهب. قال الباجي: وروى ابن شهاب،
عن أنس بن مالك أن النبي 8# اتخذ خاتماً من ورق ثم نبذه ونبذ الناس. وهذا وهم،
والله أعلم بالصواب. المنتقى ٢٥٤/٧ .
(٢) بفتح المعجمة والموحدة، ضرب من النحاس يُشبه الذهب. بذل المجهود ١١٢/١٧.
٣٧٦

٧ - (باب الرجل يُمُرّ على ماشية(١) الرجل
فيحتلبها(٢) بغير إذنه)
٨٧١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر أنَّ
رسول الله وَل قال: لا يحتلبَنَّ أحدُكم ماشية امرىء(٣) بغير إذنه، أيُحبّ
أحدُكم أن تُؤتى مُشْرَبته فتُكسَرِ خِزانتُه فينتقل (٤) طعامُه؟ فإنما تَخْزُن لهم
ضُرُوعُ مواشيهم أطعمتَهم، فلا يحلَبَنَّ (٥) أحدٌ ماشية امرىءٍ بغير إذنه.
قال محمد: وبهذا نأخذُ. لا ينبغي لرجل مرَّ على ماشية رجل أن
(١) أي دوابِّه كالغنم والإِبل والبقر.
(٢) أي يستخرج اللبن من الضرع بغير إذن المالك.
(٣) قوله: ماشية امرىء، أي دوابٌ رجل: من البقر والغنم والإِبل وغيرها.
بغير إذنه، أي صراحةً أو دلالةً. أيحبُّ، بهمزة الاستفهام بمعنى الإِنكار. أحدكم
أن تؤتى، أي يأتي آتٍ. مُشْرِبته، بضم الميم وفتح الراء، الغرفة أي البيت الفوقاني
الذي يوضع الطعام فيه. فتُكْسَر، بالمجهول. خِزانته، بكسر الخاء، ولا تُفتّح
الخزانة كما لا تكسر القصعة. فينتقل طعامه، أي المجموع في الغرفة، أي فكما
لا يحب أحدكم ذلك بل يحزن به، فكذلك ينبغي أن لا يحلب ماشية غيره بغير
إذنه. فإنما تخزُن، بضم الزاء أي تحفظ لهم أي ملاك المواشي. ضُروع، بالضم
جمع ضرع: الثدي الذي فيه اللبن. مواشيهم أطعمتَهم، مفعول تخْزُن. والمراد
بالأطعمة الأشربة على سبيل التمثيل والتوسيع فالضروع كالخزانة في الغرفة لا يجوز
کسرها وأخذ ما فيها.
(٤) في نسخة: فينقل.
(٥) إعادةً للحكم بعد ضرب المثل تأكيداً.
٣٧٧

يحلب منها شيئاً(١) بغير أمر أهلها(٢)، وكذلك إن مرَّ على حائط(٣) له فيه
نخل أو شجر(٤) فيه ثمر فلا يأخُذَنَّ من ذلك شيئاً، ولا يأكلُه إلاّ بإذن
أهله إلاَّ أن يُضْطَرَّ(٥) إلى ذلك؛ فيأكل ويشرب ويغرم(٦) ذلك لأهله.
وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى .
٨ - (باب نزول أهل الذمة مكة والمدينة
وما يُكره من ذلك)
٨٧٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أن عمر
.
رضي الله عنه ضَرَبَ(٧) للنصارى واليهود
(١) أي ولو قلَّ.
(٢) أي مالكها.
(٣) أي بستان .
(٤) تعميم بعد تخصيص.
(٥) قوله: إلَّ أن يضطر، فإن حالة الاضطرار تبيح المحرمات لقوله تعالى:
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غيرَ باغٍ ولا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيْمٍ﴾(١)، فتبيح أكل الحلال مملوك
الغير بالطريق الأولى إلَّ أنه يضمِّنه قيمته أداءً لحقه نظراً للجانبين.
(٦) أي يضمن قدر قيمته.
(٧) قوله: ضرب، أي عيّن لهم حين أراد إخراجهم من جزيرة العرب إقامة
ثلاث ليال على سبيل المُهلة. يتسوقون، أي يذهبون إلى السوق، ويقضون
حوائجهم فيه وغيره ثم يخرجون.
(١) سورة البقرة: الآية ١٧٣.
٣٧٨

والمجوس(١) بالمدينة إقامة ثلاث ليال يَتَسوَّقُون ويقضُون حوائجهم،
ولم يكن أحدٌ منهم يقيم (٢) بعد ذلك(٣).
قال محمد: إن مكة والمدينة وما حولهما (٤) من جزيرة العرب((٥)،
وقد بلغنا عن النبي وَر أنه لا يبقى (٦) دينان في جزيرة العرب. فأخرج
(١) هم عبدة النار.
(٢) أي في المدينة وما حولها.
(٣) أي بعد ثلاث ليال.
(٤) كجُدَّة وخيبر وغيرهما.
(٥) قوله: من جزيرة العرب(١)، قال القاري: هي ما أحاط به بحر الهند،
وبحر الشام، ثم دجلة والفرات، أو ما بين ساحل البحر إلى أطراف الشام طولاً،
ومن جدة إلى ريف العراق عرضاً كذا في ((القاموس)). وقال الأصمعي: من أقصى
عدن إلى ريف العراق طولاً، ومن جدَّة وساحل البحر إلى أطراف الشام عرضاً، قال
الأزهري: سُمِّيت جزيرة، لأن بحر فارس وبحر السودان أحاط بجانبها، وأحاطها
بالجانب الشمالي دجلة والفرات.
(٦) أي لا يجتمع(١) دين الإِسلام وغيره.
(١) قال صاحب المحلى بعد حديث الباب: فلا يمكن للكافر مشركاً كان أو يهودياً أو نصرانياً
من السكنى في أرض العرب، ويجب إخراجهم منه، وبه أخذ أبو حنيفة ومالك، وهو قول
للشافعي غیر أنه خصَّ المنع بالحجاز خاصة، ثم قال في الهداية وشرحه: إنهم لا يمكّنون
من السكنى في أرض اليمن ويمنعون أن يتخذوا أرض العرب مسكناً ووطناً بخلاف سائر
الأمصار. أوجز المسالك ٥٩/١٤.
(١) قال الزرقاني: خبر بمعنى النهي للرواية قبله: لا يبقينَّ. شرح الزرقاني ٢٣٤/٤.
٣٧٩

عمر رضي الله تعالى عنه من لم يكن مسلماً من جزيرة العرب لهذا
الحديث.
٨٧٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسماعيل بن حكيم(١)، عن
عمر بن عبد العزيز قال: بلغني (٢) أن النبي وَ ل قال: لا يبقينَّ دينان
بجزيرة العرب.
قال محمد: قد فعل(٣) ذلك(٤) عمر بن الخطاب رضي الله تعالى
عنه، فأخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب.
٩ - (باب الرجل يُقيم الرجلَ من مجلسه
لیجلس فيه وما يُکره من ذلك)
٨٧٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر رضي الله
عنهما: أن رسول الله وَ﴿ل كان يقول: لا يُقيم(٥) أحدُكم الرجلَ من
(١)، قوله: أخبرنا إسماعيل بن حكيم، هكذا في نسخة عليها شرح القاري
وغيرها، والصحيح إسماعيل بن أبي حكيم كما في ((موطأ يحيى)).
(٢) قوله: قال بلغني، هذا مرسل في ((الموطأ)) وموصول في الصحيحين
وغيرهما عن عائشة وغيرها من طرق، وفي بعضها قالت: كان من آخِرٍ ما تكلّم به
رسول الله وَّر أن قال: قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقين
دينان بأرض العرب. وفي رواية من حديث ابن عباس وابن عمر وغيرهما في
الصحيحين وغيرهما: لا يجتمع دينان في جزيرة العرب.
(٣) في زمان خلافته في سنة عشرين، كما ذكره السيوطي في ((تاريخ
الخلفاء)) .
(٤) أي ما أشار إليه رسول الله والله .
(٥) لأن فيه إضراراً به.
٣٨٠
----.