Indexed OCR Text

Pages 241-260

المشتري(١): قد اشتريتُ بكذا وكذا فله (٢) أن يرجع ما لم يقل البائع
قد بعت. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
١٧ - (باب الاختلاف في
البيع (٣) بين البائع والمشتري)
٧٨٥ - أخبرنا مالك، أنه بلغه (٤) أنَّ ابنَ مسعود كان يحدِّث (٥)
أنَّ رسول الله وَّمِ قال: أَيًُّا(٦) بَيِّعان (٧) تبايعا، فالقولُ قولُ البائع
أو يترادان.
(١) أي ابتداءً.
(٢) أي للمشتري .
(٣) أي في الثمن وغيره مع الاعتراف بأصله.
(٤) قوله: بلغه، وصله الشافعي والترمذيّ من طريق ابن عيينة، عن
محمد بن عجلان، عن عون بن عبد الله، عن ابن مسعود، وقال الترمذي: مرسل
وعون لم يدرك ابن مسعود، كذا في ((التنوير)).
(٥) قوله: كان يحدث ... إلخ، قال ابن عبد البر: جعل مالك حديث
ابن مسعود كالمفسِّر لحديث ابن عمر في الخيار، إذ قد يختلفان قبل الافتراق،
والترادّ إنما يكون بعد تمام البيع فكأنه عنده منسوخ لأنه لم يدْرِفْ العمل عليه، وقد
ذُكر له حديث ابن عمر، فقال: لعلَّه مما تُرك ولم يعمل، لكن حديث ابن مسعود
منقطع لا يكاد يتصل، أخرجه أبو داود وغيره بأسانيد منقطعة. انتهى.
(٦) قال الكرماني: زيدت ((ما)) على ((أيّ)) لزيادة التعميم.
(٧) البِيِّع بفتح الباء وتشديد الياء المكسورة البائع، وفيه تغليب أي البائع
والمشتري .
٢٤١

قال محمد: وبهذا نأخذ. إذا اختلفا(١) في الثمن (٢) تحالفا (٣)
وترادًا (٤) البيع - وهو (٥) قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا - إذا كان
(١) أي البائع والمشتري.
(٢) أي في قدره.
(٣) قوله: تحالفا، لكون كلِّ منهما مدَّعياً من وجه، ومنكراً من وجه، فإن
نَّكَل أحدهما ثبت دعوى الآخر، وإن حلفا فُسخ البيع، وهذه الزيادة أي ذكر
التحالف وإن لم يقع في حديث ابن مسعود فيما أخرجه الشافعي والنسائي
والدارقطني، ولم يقع في روايتهم ذكر الترادّ أيضاً، ووقع عند الترمذي وابن ماجه
وأحمد ومالك والطبراني وأبي داود والحاكم والبيهقي والنسائي والدارقطني من
طريق آخر ذكر الترادّ دون التحالف، لكنه ورد في ما أخرجه عبد الله بن أحمد في
زيادات ((المسند)) من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن جَدِّه، والطبراني والدارمي
من هذا الوجه، فقال: عن القاسم عن أبيه عن ابن مسعود مرفوعاً: إذا اختلف
المتبايعان والسلعة قائمة ولا بيِّنة لأحدهما على الآخر تحالفا. قال الحافظ ابن حجر
في ((التلخيص)): تفرَّد بهذه الزيادة، وهي قوله: ((والسلعة قائمة)) ابن أبي ليلى.
وهو محمد بن عبد الرحمن الفقيه، وهو ضعيف سيِّىء الحفظ، وأما قوله: ((تحالفا)»
فلم يقع عند أحد منهم، وإنما عندهم: فالقول ما قال البائع أو يترادّانِ البيع.
انتھی .
(٤) في نسخة: ويرادًا.
(٥) قوله: وهو قول أبي حنيفة(١)، إذا اختلف المتبایعان، فادعى أحدهما
ثمناً، وادَّعى البائع أكثر منه أو ادَّعى البائع بقدر من المبيع وادَّعى المشتري أكثر =
(١) وبه قال الشافعي ومالك في رواية، وعنه القول قول المشتري مع يمينه وبه قال أبو ثور
وزفر، لأنَّ البائع يدَّعي زيادة ينكرها المشتري، والقول قول المنكر. انظر المغني
٢١١/٤.
٢٤٢

المبيع قائماً (١) بعينه، فإنْ كان المشتري قد استهلكه(٢)، فالقول ما قال
المشتري في الثمن في قول أبي حنيفة، وأما في قولنا فيتحالفان ويترادّان
القيمة(٣)
.
١٨ - (باب الرجل يبيع المتاع بنسيئة فيفلس (٤) المبتاع)
٧٨٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي بكر بن
= منه، وأقام أحدهما البيّنة قُضِي له بها، وإن أقاما البيّنة فالبيّنة المثبتة للزيادة أولى،
ولو لم يكن لأحدهما بيّنة قيل للمشتري: إما أن ترضى بالثمن الذي ادَّعاه البِّع وإلّا
فسخنا البيع، وقيل للبائع: إما أن تُسلِّم ما ادَّعاه المشتري وإلَّ فسخناه، فإن
لم يتراضيا استحلف الحاكم كلّ منهما على دعوى الآخر. وفسخ البيع. هذا إذا
كان المبيع قائماً، وإن كان هالكاً(١)، ثم اختلفا، لم يتحالفا عند أبي حنيفة
وأبي يوسف، والقول قول المشتري، لأن التحالف بعد القبض على خلاف القياس
ثبت بالنص، وقد ورد بلفظ: البيِّعان إذا اختلفا والمبيع قائم بعينه فالقول ما قال
البائع وترادًا، وعند محمد: تحالفا ويفسخ البيع على قيمة الهالك لوجود الدعوى
والإِنكار من الطرفين. والمسألة مبسوطة بدلائلها وتفاريعها في ((الهداية)) وشروحها.
(١) أي موجوداً بنفسه لا هالكاً.
(٢) أي لا يتحالفان، بل يُقضى بالبيِّنة على البائع وبالحَلِف على المشتري.
(٣) أي قيمة الهالك.
(٤) أي فيصير المشتري مفلساً فيعجز عن أداء الثمن.
(١) قال الموفق: وإن كانت السلعة تالفة، واختلفا في ثمنها بعد تلفها فعن أحمد روايتان:
إحداهما يتحالفان مثل لو كانت قائمة، وهو قول الشافعي وإحدى الروايتين عن مالك،
والأخرى: القول قول المشتري مع يمينه اختارها أبو بكر: وهذا قول النخعي والثوري
والأوزاعي وأبي حنيفة. الأوجز ٣٢٥/١١.
٢٤٣

عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن(١) رسول الله وَالر قال: أيُّما(٢)
رجلٍ (٣) باع متاعاً، فأفلس الذي ابتاعه(٤) ولم يقبض(٥) الذي باعه من
ثمنه شيئاً فوجده(٦) بعينه فهو(٧) أحقُّ به، وإنْ مات(٨)
(١) قوله: أنّ، قال ابن عبد البر: هكذا هو في جميع ((الموطآت)) مرسلاً،
وبجميع الرواة عن مالك، إلا عبد الرزاق فإنه وصله عن مالك عن ابن شهاب، عن
أبي بكر، عن أبي هريرة، وكذا رواية أصحاب الزهري عنه مختلفة في إرساله
ووصله، ورواية من وصله صحيحة، فقد رواه عمر بن عبد العزيز، عن أبي بكر،
عن أبي هريرة، وبشير بن نهيك وهشام بن يحيى، كلاهما عن أبي هريرة
مرفوعاً، الثلاثة في الفلس دون حكم الموت، والحديث محفوظ لأبي هريرة
لا یرویه غيره فیما علمت.
(٢) قوله: أيّما، مركّب من ((أيّ)) وهي اسم ينوب مناب الشرط، ومن ((ما)
المبهمة الزائدة، وهي من المقحمات التي يُستغنى بها عن تفصيلٍ غير حاضر،
أو تطويل غير مخلُّ، قاله الطيبي.
(٣) بالجر مضاف إليه لأيّ .
(٤) أي اشتراه .
(٥) أي من المشتري .
(٦) أي فوجد البائعُ متاعَه بعينه عند المشتري المفلس.
(٧) أي البائع أحقّ(١) بأخذ ذلك الشيء بدَيْنه من سائر الغرماء.
(٨) قوله: وإن مات ... إلخ، هذا الحديث صحيح ثابت من رواية
الحجازيين والبصريين، وهو نصّ في الفرق بين الحيّ والميت، وأجمع على القول
به فقهاء المدينة والحجاز والبصرة والشام، وإن اختلفوا في بعض فروعه، وهو =
(١) أي كائناً مَنْ كان وارثاً أو غريماً. فتح الباري ٦٣/٥.
٢٤٤

--
المشتري (١) فصاحب المتاع فيه أُسوةٌ(٢) للغُرماء(٣).
= مذهب مالك وأحمد، وسرّ الفرق أنّ ذمّة المشتري عيّنت بالفلس، فصار البيع
بمنزلة من اشترى سلعة فوجد بها عيباً فله ردّها، واسترجاع شيئه، ولا ضرر على
بقية الغرماء لبقاء ذمّة المشتري، وفي الموت وإن عُيِّنت الذمة أيضاً، لكنها ذهبت
رأساً، فلو اختص البائع بسلعة عظُم الضرر على سائر الغرماء لخراب ذمّة الميت،
ومذهب الشافعي أن البائع أحقُّ بمتاعه في الموت أيضاً لحديث أبي داود
وابن ماجه وغيرهما عن أبي المعتمر عمرو بن نافع عن عمر بن خلدة الزرقي،
قال: أتينا أبا هريرة في صاحب لنا أفلس، فقال: قضى رسول الله صل﴾ أيّما رجلٍ
مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه. ورُدَّ بأنّ أبا المعتمر
مجهول الحال فيكون حديث التفريق أرجح، وبأنه يحتمل أن يكون في الودائع
والمغصوب ونحو ذلك، فإنه لم يذكر فيه البيع، ومذهب الحنفية في ذلك أن
صاحب المتاع ليس بأحق لا في الموت ولا في الحياة لأن المتاع بعد ما قبضه
المشتري صار ملكاً خالصاً له والبائع صار أجنبياً منه كسائر أمواله، فالغرماء شركاء
البائع فيه في كلتا الصورتين، وإن لم يقبض فالبائع أحقّ لاختصاصه به، وهذا
معنى واضح لولا ورد النص بالفرق، وسلفهم في ذلك عليّ رضي الله عنه، فإنّ
قتادة روى عن خلّاس بن عمرو عن عليّ أنه قال: هو أسوة الغرماء إذا وجدها
بعينها. وأحاديث خلاس عن عليّ ضعيفة، ورُوي مثله عن إبراهيم النّخَعي، ومن
المعلوم أن كلَّ أحدٍ يؤخذ من قوله ويُردّ إلا الرسول ◌ِ ◌ّر، ولا عبرة للرأي بعد ورود
نصِّه، كذا حققه ابن عبد البر والزرقاني (١).
(١) أي المفلس الذي لم يردّ الثمن.
(٢) بالضم أي هو مساوٍ لهم، وأحد الشركاء معهم يأخذ مثل ما يأخذون
ويحرم عما يحرمون.
(٣) في نسخة: الغرماء.
(١) وبسطه شيخنا في الأوجز ٣٥٣/١١.
٢٤٥

قال محمدٌ: إذا مات(١) وقد قبضه فصاحبه فيه أُسوةٌ للغرماء، وإن
كان لم يقبض المشتري فهو (٢) أحقُّ به من بقية الغُرماء حتى يستوفي حقه،
وكذلك إن أفلس المشتري ولم يقبض(٣) ما يشتري، فالبائع أحقُّ بما باع
حتى يستوفي حقّه .
١٩ - (باب الرجل يشتري الشيء أو يبيعه فَيُغْبَنُ (٤) فيه
أو (٥) يُسَعِّر(٦) على المسلمين)
٧٨٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن
(١) أي المشتري والحال أنه قبض المبيع.
(٢) أي صاحب المتاع وهو البائع .
(٣) وإنْ قَبَضَ فهو أسوة للغرماء.
(٤) بصيغة المجهول، يقال: غَبَنَه مغبون أي خدعه وحصل له نقصان.
(٥) قال القاري: أو لتوزيع الباب فهو عطف على (يشتري).
(٦) معروف غائب من التسعير (١)، وهو تقدير سَعّر على التجار.
(١) وفي الأثر: جواز العمل بالتسعير من الحاكم، وبه قال ابن عمر وسالم بن عبد الله
والقاسم بن محمد، وهو وجه للشافعية في حالة الغلاء، وفيما عدا قوت الآدميّ عند
الزيدية، ومن أجازه كمالك عمّه في حالات الغلاء والرخص، وفي طعام الآدميّ
والحيوان، وفي الإِدام وسائر الأمتعة. نيل الأوطار ١٨٦/٥. وفي ((الهداية)): لا ينبغي
للسلطان أن يسعرّ على الناس إلا إذا تعلّق به دفع ضرر العامة فحينئذ لا بأس به. انظر
هامش الكوكب الدري ٣٣٩/٢ .
٢٤٦

عمر: أن رجلاً (١) ذكر لرسول الله وَليل أنه يُخْدَعُ(٢) في البيع، فقال له
رسول الله وَله: من بايعتَه فقل: لا خِلاَبَةَ(٣). فكان الرجل إذا باع
فقال: لا خِلابَةً .
:
(١) قوله: أنّ رجلاً، لم يُسَمَّ الرجل في هذه الرواية، ولأحمد وأصحاب
السنن والحاكم، من حديث أنس أن رجلاً من الأنصار، كان يُبايع على عهد
رسول الله بَّه، وكان في عُقدته ـ- أي رأيه وعقله - ضعف، وكان يَبْتاع، فأتّوْا إلى
النبي ◌َّر، فنهاه عن البيع، فقال: إنّي لا أصبر عن البيع، فقال: إذا بايعتَ فقل:
لا خِلابَةَ. ووقع في رواية الحاكم والطبراني والشافعي والدارقطني: أن ذلك الرجل
حبَّان بالفتح وتشديد الباء ابن منقذ بذال معجمة بعد قاف مكسورة ابن عمرو
الأنصاري، ووقع عند ابن ماجه والبخاري في ((التاريخ)) أن القصة لوالده منقذ بن
عمرو، وجعله ابنُ عبد البَرّ أصح، كذا في ((التلخيص))(١).
(٢) مجهول، أي يُغْبَن في المبايعة.
(٣) قوله: فقل لا خِلابة(٢)، بالكسر أي لا نقصان ولا غَبْن، أي لا يلزم مني
خديعتك، زاد في رواية البخاري في ((التاريخ)) والحاكم والحُمَيدي وابن ماجه:
وأنت في كل سلعة ابتعتَها بالخيار ثلاثةَ أيام. وقال التوربشتي: لقّنه هذا القول =
(١) ٢١/٣.
(٢) بكسر المعجمة وتخفيف اللام: أي لا خديعة. وقد ذهب الشافعية والحنفية إلى أن الغبن
غير لازم، فلا خيار للمغبون، سواء قلّ الغبن أو كثر، وأجابوا عن الحديث بأنها واقعة
وحكاية حال، قال ابن العربي: إنه كله مخصوص بصاحبه، لا يتعدى إلى غيره. وقال
مالك في بيع المغابنة: إذا لم يكن المشتري ذا بصيرة كان له فيه الخيار، وقال أحمد في
بيع المسترسل: يُكره غبنه وعلى صاحب السلعة أن يستقصي له، وحُكي عنه أنه قال: إذا
بايع فقال: لا خلابة فله الردّ. انظر بذل المجهود ١٧٣/١٥. وبسط شيخنا الكلام على
هذا الحديث في الأوجز ٣٨٨/١١ فارجع إليه.
٢٤٧

۔۔
قال محمد: نُرى(١) أن هذا كان لذلك الرجل خاصّة.
٧٨٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا يونس (٢) بن يوسف، عن
سعيد بن المسيّب: أنّ عمر بن الخطّاب مرّ على حاطب(٣) بن أبي بَلْتَعَةَ
وهو يبيع زبيباً له بالسوق (٤) فقال له عمر: إمّا أن تزيدَ(٥) في السعر،
= ليلفظ به عند البيع ليطلّع به صاحبه على أنّه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع
ومقادير القيمة، ليرى له ما يرى لنفسه. وكان الناس في ذلك الزمان إخواناً لا يغبنون
أخاهم المسلم، وينظرون له أكثر ما ينظرون لأنفسهم.
(١) قوله: نُرى، أي نظن أن هذا الحكم خاص به، وللنبي صير أن
يخصّ من شاء بما شاء. قال النووي: اختلف العلماء في هذا الحديث، فجعله
بعضهم خاصاً به: وأنه لا خيار بغبن، وهو الصحيح، وعليه الشافعي وأبو حنيفة،
وقيل: للمغبون الخيار لهذا الحديث بشرط أن يبلغ الغَبن ثلث القيمة. انتهى. وقال
ابن عبد البر: قال بعضهم: هذا خاصّ بهذا الرجل وحده، وجَعَل له الخيار ثلاثة
أيام اشترطه أو لم يشترطه لما كان فيه من الحرص على المبايعة مع ضعف عقله
ولسانه، وقيل: إنما جعل له أن يشترط الخيار لنفسه ثلاثاً مع قوله: لا خِلابة.
(٢) قوله: يونس بن يوسف بن حماس بالكسر، من عُبَّاد أهل المدينة،
ثقة، قال ابن حبان: هو يوسف بن يونس. ووهم من قَلَبه، كذا في ((التقريب)).
(٣) قوله: حاطب بن أبي بَلْتَعة، بفتح الموحّدة وسكون اللام وفتح الفوقية
والمهملة، عمرو بن عمير اللخمي حليف بني أسد، شهد بدراً، ومات في سنة
٣٠، قاله الزرقاني .
(٤) أي بالمدينة .
(٥) أي بأن تبيع بمثل ما يبيع أهل السوق، وقال القاري: إن (لا) ههنا
محذوفة أي بأن لا تزيد، ولا حاجة إليه.
٢٤٨

.. ....
وإما أن ترفع(١) من سوقنا.
قال محمدٌ: وبهذا نأخذ. لا ينبغي أن يُسَعَّر على المسلمين، فيُقال
لهم (٢): بِيْعُوا كذا وكذا بكذا وكذا، ويُخْبَرُوا(٣) على ذلك. وهو قول
أبي حنيفة والعامة من فقهائنا .
٢٠ - (باب الاشتراط في البيع وما يُفْسِده)
٧٨٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن عبيد الله بن
عبد الله بن عُتْبَة بن عبد الله ابن مسعود: اشترى من امرأته (٤) الثَّقَفِيَّةِ
جاريةً(٥) واشترطَتْ عليه (٦) أنك إن بِعْتها فهي لي بالثمن الذي تبيعُها(٧)
به، فاستفتى (٨) في ذلك عمر بن الخطّاب، فقال: لا تَقْرَبْها (٩) وفيها
(١) أي متاعه لئلا يضُرّ بأهل السوق وبغيرهم.
(٢) أي لا يجوز له التسعير بسعر معيَّن عليهم.
(٣) فإن قال ذلك على سبيل المشورة لا بأس به.
(٤) قوله: امرأته الثقفية، بفتحتين نسبة إلى ثقيف قبيلة، وهي زينب بنت
عبد الله بن معاوية بن عتّاب بن الأسعد بن غاضرة، صحابية لها رواية عن النبي وَلقر
وعن زوجها، وروى عنها ابنُ أخيها وبسر بن سعيد، كذا في ((استيعاب ابن
عبد البر)).
(٥) أي مملوكة لها.
(٦) أي على زوجها المشتري.
(٧) أي في ذلك الوقت، وإن كان زائداً على ثمنها في الحال.
(٨) أي سأل ابن مسعود عن حكم هذا العقد.
(٩) أي الجارية المشتراة.
٢٤٩

شرطٌ لأحدٍ(١).
قال محمد: وبهذا نأخذ. كلُ شرط(٢) اشترط البائع على المشتري،
أو المشتري على البائع ليس من شروط(٣) البيع، وفيه(٤) منفعةٌ للبائع
أو المشتري، فالبيع فاسد. وهو (٥) قول أبي حنيفة رحمه الله .
(١) أي من البائع والمشتري.
(٢) قوله: كل شرط ... إلخ، الضابط فيه على ما في ((الهداية)) وشروحها،
أن كل شرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لأحد المتعاقِدَيْن أو المعقود عليه وهو من
أهل الاستحقاق يفسد البيع إذا لم يكن متعارفاً، ولم يرد به الشرع كشرط الأجل في
الثمن والمثمن وشرط الخيار، ولم يكن متضمِّناً للتوثق كالشرط بشرط الكفيل بالثمن
فإنه جائز. وذلك كمن اشترى حنطة على أن يطحنها البائع أو ثوباً على أن يخيطه
أو عبداً على أن لا يبيعه المشتري بعد ذلك أو لا يبيعه إلا منه، ونحو ذلك. فإن كان
مقتضى العقد لا يفسد، كشرط الملك للمشتري وتسليم الثمن ونحو ذلك، وكذا إذا
لم يكن فيه نفع لأحد المتبايعين، أو فيه نفع للمعقود عليه وليس من أهل
الاستحقاق، كمن باع ثوباً، أو حيواناً سوى الرقيق، على أن لا يبيعه ولا يهبه، وكذا
إذا كان متعارفاً كما إذا اشترى نعلين بشرط أن يحذوه البائع، والفروع مبسوطة في
كتب الفروع(١).
(٣) أي ليس من مقتضياته.
(٤) أي والحال أن في ذلك الشرط.
(٥) قوله: وهو قول أبي حنيفة، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن
جده عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً: لا يحلّ سلف وبيع، ولا شرطان في
بيع، ولا ربح ما لم يُضمن، ولا بيع ما ليس عندك، أخرجه أبو داود والترمذي :
(١) بسط شيخنا بعضها في الأوجز ٨٣/١١.
٢٥٠

٧٩٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر أنّه كان
يقول: لا يطَأ الرجل ولِيدَةً إلا ولِيدَته(١)، إن شاء باعها، وإن شاء
وهبها، وإن شاء صنع بها ما شاء.
= والنسائي، وبه قال الشافعي إلا أنه خصه بما سوى شرط العتق واستثنى البيع مع
شرط العتق منه وهو رواية عن أبي حنيفة بدليل حديث بَريرة في ((الصحيحين)): أن
النبي ولي أمر أن تشتريها عائشة، وتشترط الولاء لمواليها، فإنما الولاء لمن أعتق.
وسيجيء هذا الحديث مع ما له وما عليه، وبه تعلّق ابن أبي ليلى، فقال: البيعِ
جائز، والشرط باطل مطلقاً، وقال ابن شبرمة: البيع والشرط جائزان، مستدلاً
بما رُوي عن جابر: بعتُ من النبي ◌ِّرِ ناقةً وشرط لي حملانها إلى المدينة أخرجه
الحاكم وغيره. ونحن نقول شرط جابر لم يكن في صُلب العقد، وحديث النهي
العام يُقدَّم على حديث بَريرة الخاص لتقدُّم النافي على المبيح. وزيادة تفصيل هذه
المسألة في ((فتح القدير)).
(١) قوله: إلا وليدته، كأنه أراد أنه لا يطأ الرجل جارية إلا جارية له مملوكة
ملكاً صحيحاً إن شاء باعها أو وهبها، وإن لم يشأ لم يفعل، وصَنَعَ بها ما شاء من
العتق والتدبير وغير ذلك، والجارية التي ليست كذلك لا يحل وطؤها، فإنها إما
مملوكة للغير كجارية الزوجة والوالدين، أو مملوكة له ملكاً فاسداً كما إذا اشتراها
بالبيع بشرط أن لا يبيعها ولا يهبها ونحو ذلك، فلا يحل وطؤها لأنها مملوكة ملكاً
خبيثاً، ولا يجوز له بيعها وشراؤها والتصرف فيها، بل يجب الإقالة من العقد
السابق. وعلى هذا يطابق هذا الأثر ترجمة الباب مطابَقَةً ظاهرة، جعل صاحب
الكتاب هذا الأثر تفسيراً لقولهم: إن العبد لا يحل له أن يتسرى أي يأخذ جارية
ويطأها، وحمله على معنى أن لا يطأ الرجل إلا وليدته التي يملك فيها التصرفات
ما شاء، وهذا مختص بالحرّ، فإن العبد المملوك للغير إنْ مَلَكَ جارية كما إذا كان
مأذوناً، لا يجوز له هبتها، فلا يحل له وطؤها وإن أذن له المولى. وهذا المعنى وإن
كان يمكن استنباطه لكنه أجنبيّ عما ترجم به الباب إلا أن يكون غرضه منه مجرد =
٢٥١

قال محمد: وبهذا نأخذ. وهذا(١) تفسير: أنّ العبدَ لا ينبغي أن
يَتَسَرَّى (٢)، لأنه إن وهب لم يجز هبته، كما يجوز هبة الحُرّ، فهذا معنى
قول عبد الله بن عمر. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
= ذكر الإِشارة إليه. ثم وجدت في ((شرح معاني الآثار)) ما يوافق ما فهمته، ففيه: نا
فهد نا أبو غسان نا زهير، عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: لا يحلّ
فرْجُ إلا فرج إن شاء صاحبه باعه، وإن شاء وهبه، وإن شاء أمسكه، لا شرط فيه.
نا محمد بن النعمان نا سعيد بن منصور نا هشيم، أخبرنا يونس بن عبيد، عن نافع،
عن ابن عمر: أنه كان يكره أن يشتري الرجل الأمة على أن لا يبيع ولا يهب، فقد
أبطل عمر بيع عبد الله، وتابعه عبد الله على ذلك. انتهى. ثم وجدت في ((الدر
المنثور) للسيوطي في تفسير سورة المؤمنين، عند قوله تعالى: ﴿والذين هم
لفروجهم حافظون﴾ الآية (١)، أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة، عن ابن عمر: أنه
سُئل عن امرأة أحلّت جاريتها لزوجها؟ فقال: لا يحلّ لكَ أن تطأ فرجاً إلا إنْ شئتَ
بعت، وإن شئت وهبت، وإن شئت أعتقت. وأخرج عبد الرزاق، عن سعيد بن
وهب قال: قال رجل لابن عمر: إنّ أمّي كان لها جارية فإِنها أحلّتْها لي أطوف
عليها، فقال: لا يحلّ لك إلا أن تشتريها أو تهبها لك. انتهى. وعلى هذا يفيد الأثر
أمراً آخر هو إبطال تحليل الفروج وعاريتها، وهِبَتِها، وعدم جوازٍ الوطء، بنحو
ذلك .
(١) أي هذا القول من ابن عمر.
(٢) من التسرّي وهو أخذ الجارية للوطء.
(١) سورة المؤمنون: الآية ٥.
٢٥٢

-----
٢١ - (باب من باع نخلاً مؤبَّراً(١)
أو عبداً، وله مال)
٧٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أن
رسولَ اللهِ وَلّه قال: من باع(٢) نخلاً قد أُبِّرتْ، فثمرتُها(٣) للبائع إلا أن
(١) قوله: مؤبَّراً، من التأبير، وهو التشقيق والتلقيح(١)، يعني شقّ طَلْع
النخلة بشيء ليذر فيه شيئاً من طلع النخل الذكر، ليكون ذلك أجود، وهو خاص
بالنخل، وكان أهل المدينة يفعلونه فنهاهم رسول الله وب لر، ثم أجازه، قاله النووي
وغيره .
(٢) قوله: من باع نخلاً مؤبَّراً، خصّ النخل مع أن غيره في حكمه، لكثرته
في المدينة، وظاهر القيد بالتأبير يقتضي أنه لولم يكن مؤيَّراً فليس كذلك، على
طريق مفهوم المخالفة، وبه قال مالك والشافعي إن الثمرة للمشتري مطلقاً إذا
لم تؤيَّر، وعندنا القيد اتفاقي، والحكم غير مختلف. واستدل الطحاوي به في
((شرح معاني الآثار)) على جواز بيع الثمار قبل بدوّ صلاحها وقد مرّ تفصيله.
(٣) قوله: فثمرتها ... إلخ، لأن العقد إنما وقع على رقبة النخل،
والاتصال وإن كان خلقة لكنه ليس للقرار بل للقطع، بخلاف بيع العرضَة يدخل فيه
البناء.
(١) قال ابن عبد البر: إلا أنه لا يكون حتى يتشقق الطلع وتظهر الثمرة، فعبّر به عن ظهور
الثمرة للزومه منه، والحكم متعلق بالظهور دون نفس التلقيح بغير اختلاف بين العلماء.
لامع الدراري ١٣٨/٦. وفي الحديث عدة أبحاث بسط شيخنا الكلام عليه في الأوجز
٩٤/١١.
٢٥٣

يشترطها(١) المبتاع .
٧٩٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أن
عمر بن الخطاب قال: من باع(٢) عبداً وله مال(٣)، فمالُه للبائع إلا أن
يشترطه المبتاع .
قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة .
٢٢ - (باب الرجل يشتري الجارية
ولها زوج أو تُهدى إليه)
٧٩٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن: أنّ (٤) عبد الرحمن بن عوف اشترى من عاصم بن عدي
(١) قوله: إلا أن يشترطها المبتاع، أي المشتري بأن يقول: اشتريت النخلة
بثمرها، وكذا إذا قال اشتريت العبد بماله، فإنه يدخل فيه المال، لكن لا بد أن
يكون المال معلوماً عند الشافعي وأبي حنيفة للاحتراز عن الغَرَر، وظاهر مذهب
المالكية والحنابلة والظاهرية الإطلاق. ويُستفاد من أمثال هذه الأحاديث أنّ الشرط
الذي لا ينافي العقد لا يفسد، كذا في ((شرح المسند)).
(٢) قوله: قال من باع ... إلخ، هذا موقوف في رواية نافع، ورفعه سالم عن
أبيه، أخرجه البخاري ومسلم، ورواه النسائي من طريق سالم عن أبيه عن عمر
مرفوعاً وفيه ضعيف.
(٣) قوله: وله مال ... إلخ، استدل به المالكية على أن العبد يملك، قال
أحمد والشافعي في القديم: يملك إذا ملّكه سيّدُه مالاً، وقال أبو حنيفة والشافعي
في الجديد: لا يملك أصلا واللام للاختصاص والانتفاع، كذا في ((شرح المسند)).
(٤) في بعض النسخ: أنّ عبد الرحمن بن عوف قال: إنه اشترى.
٢٥٤

جاريةً، فوجدها(١) ذات زوج فردّها(٢).
قال محمد: وبهذا نأخذ. لا يكون(٣) بيعُها طلاقَها (٤)، فإذا كانت
ذات زوج فهذا(٥) عيب تُرَدُّ به. وهو قولُ أبي حنيفة والعامة من
فقهائنا .
٧٩٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب: أن عبد الله(٦) بن
عامر أهدى (٧) لعثمان بن عفان جاريةً من البصرة ولها زوج، فقال
عثمان: لن أَقْرَبَهَا(٨) حتى يفارِقَها زوجُها، فأَرْضیُ ابنُ عامر زوجَها
(١) أي ظهر له بعد الشراء أنها ذات زوج.
(٢) أي بخيار العيب.
(٣) أي لا يكون بيع الجارية المتزوِّجة طلاقاً وفُرقةً من زوجها، كما قاله
بعض العلماء.
(٤) في نسخة: طلاقاً.
(٥) قوله: فهذا عيب، قال في ((المحيط)) وغيره: النكاح والدَّيْن عيب في
العبد والجارية، وعند الشافعي إن كان الدَّيْن عن شراء أو استقراض بغير إذن
المَوْلى فليس بعيب لأنه يتأخر إلى ما بعد العتق.
(٦) قوله: أنّ عبد الله، قال الزرقاني: هو ابن عامر بن كريز بن حبيب بن
عبد شمس بن عبد مناف القرشي، وُلد في العهد النبوي، وأُتي به إليه فَتَفَل عليه،
قال ابن حبان: له صحبة، ولّه ابن خاله عثمان بن عفان البصرة سنة ٢٩هـ، وافتتح
خراسان وكرمان، مات بالمدينة سنة سبع أو ثمان وخمسين، وأبوه صحابي من
مُسْلمة الفتح .
(٧) أي وهب.
(٨) أي لن أطأها لحُرْمتها علي.
٢٥٥

ففارقها(١).
٢٣ - (باب (٢) عُهْدة الثلاثِ والسَّنَةِ)
٧٩٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، قال:
(١) أي طَلَّقها فحلَّتْ لعثمان بعد العدة.
(٢) قوله: باب عهدة الثلاث والسنة، قال مالك: ما أصاب العبد أو الوليد
في الأيام الثلاثة من حين يُشْتَريان، حتى تنقضي الثلاثة فهو من البائع، وإنّ عهدة
السَّنَة من الجنون والجذام والبرص، فإذا مضت السَّنَة فقد برىء البائع من العهدة
كلَّها. قال الزرقاني(١): إنّما يُقضى بهما إن شُرطا أو اعتيدا في رواية أهل مصر عن
مالك، وروى المدنيون عنه يُقضى بهما مطلقاً. انتهى. وفي كتاب ((الحجج)) وهو
من تصانيف عيسى بن أبان القاضي، من تلامذة المؤلّف وصاحبه على ما ذكره
الكفوي في ((طبقات الحنفية)) - وقيل من تأليفات المؤلف محمد عن
أبي حنيفة -: إذا اشترى العبد أو الوليدة بغير البراءة فقبض ما اشترى فأصاب
العبد شيء، أو حدث به عيب في الأيام الثلاثة، أو بعد ذلك من جنون أو جذام
أو برص أو غير ذلك، لم يقدر المشتري على أن يردّ العبد، بما حدث عنده لأنه
حدث عنده فكيف يردّه بأمر حدث عنده. وقال أهل المدينة: ما أصاب العبد
أو الجارية عند المشتري في الأيام الثلاثة يرّده، فإذا مضت الأيام الثلاثة لم يردّه من
شيء إلا من ثلاث خصال، الجنون والجذام والبرص، فإذا أصابه شيء من هذه
الثلاثة في السنة من حين يشتريه ردّه بذلك، فإذا مضت السنة، فقد برىء البائع من
(١) شرح الزرقاني ٢٥٤/٣.
٢٥٦

سمعت أبانَ بن عثمان وهشام(١) بن إسماعيل يُعلّمان الناس عُهدةً
الثلاث والسَّنَةِ، يخطبان(٢) به على المنبر.
قال محمد: لسنا نعرف(٣) عهدة الثلاث، ولا عهدة السنّةِ إلا أن
العهدة كلها(١). انتهى.
(١) قوله: وهشام، هو ابن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة
المخزومي، والي المدينة لعبد الملك بن مروان، ذكره ابن حبان في كتاب
((الثقات)).
(٢) قوله: يخطبان به على المنبر، قال الزرقاني: فالعمل به أمر قائم
بالمدينة، قال الزهري: والقضاة منذ أدركنا يقضون بهما. وروى أبو داود عن
الحسن البصري عن عقبة مرفوعاً: عهدة الرقيق ثلاث . ولم يسمع الحسن من عقبة،
وروى ابن أبي شيبة، عن الحسن، عن سمرة مرفوعاً: عهدة الرقيق ثلاثة أيام. وفي
سماع الحسن من سَمُرة خلاف.
(٣) قوله: لسنا نعرف، يعني في الشرع بالطريق الذي يجب به العمل، فإن
عهدة الثلاث والسنة إن كان من فروع خيار العيب، فليس بمنكّرٍ وإلا فلم يثبت إلا
خيار الشرط، أو خيار العيب، أو خيار الرؤية، أو خيار التعيين، أو نحو ذلك، قال
في كتاب ((الحجج))(٢): لو كان عندكم في ذلك حديث مفسَّر عن رسول الله اله
أو عن أحد من أصحابه لاحتججتم به، وإنما هذا رأي منكم اصطلحتم عليه،
(١) وكان الشافعي لا يعتبر الثلاث والسنة في شيء منها، وينظر إلى العيب فإن كان حدث مثله
في مثل تلك المدة التي اشتراه فيها إلى وقت الخصومة فالقول قول البائع مع يمينه، وإن
كان لا يمكن حدوثه في تلك المدة رُدّ على البائع، وضعّف أحمد حديث العهدة وقال:
لا يثبت في العهدة حديث، كذا أفاده الشيخ في ((البذل)). أوجز المسالك ٦٤/١١.
(٢) ص ٢٠١.
٢٥٧

يشترط (١) الرجلُ خيارَ ثلثة أيام، أو خيارَ سَنَةٍ فيكون ذلك على
ما اشترط(٢)، وأما في قول أبي حنيفة فلا يجوز الخيار (٣) إلا ثلاثة أيام.
وليس يقبل هذا منكم إلا بالحجة والبرهان، وكيف فرّقتم بين الرقيق في هذا وبين
الدوابّ، وهو حيوان يحدث فيهما شيء، كما يحدث في الحيوان.
(١) قوله: إلا أن يشترط، يشير إلى أن العهدة المنقولة إن كانت بالشرط
يدخل في خيار الشرط، فُيُعتبر بما شرطا، لكن لا تخصيص له بالثلاث والسنة،
وإلا فلا.
(٢) قوله: على ما اشترط، سواء كان خيار شهر أو سنة أو أكثر، وبه قال
أبو يوسف ومحمد، واستدل لهما بحديث «المسلمون على شروطهم)): وذكر
صاحب ((الهداية)) في دليلهما: أن ابن عمر أجاز الخيار إلى شهرين، وقال في
((العناية)): لهما حديث ابن عمر أن النبي #﴿ أجاز الخيار إلى شهرين، وقال
الأنزاري: روى أصحابنا في شروح ((الجامع الصغير)) أن ابن عمر أجاز الخيار إلى
شهرين، وكذا ذكره فخر الإسلام وقال العتابي: إن ابن عمر باع بشرط الخيار
شهراً، وقال في ((المختلف)) رُوي أنه باع جارية وجعل للمشتري الخيار إلى شهرين
وهذا كله لم يثبت بإسناد صحيح، كذا في ((البناية)) وقد يُسْتَدلّ لهما بأن الخيار إنما
شُرع للحاجة إلى الفكر والتأمل وقد تمس الحاجة إلى الأكثر فصار كالتأجيل في
الثمن.
(٣) قوله: فلا يجوز الخيار إلا إلى ثلاثة أيام، وبه قال زُفَر والشافعي
وأحمد، وحجتهم حديث حبَّان بن منقذ، وقد مرّ ذكره من قبل.
٢٥٨

٢٤ - (باب بيع(١) الولاء)
٧٩٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن
عمر: أن رسول الله وَ﴾(٢) نهى(٣) عن بيع الولاء وهبته.
قال محمد: وبهذا(٤) نأخذ. لا يجوز بيع الولاء، ولا هبته، وهو
قول أبي حنيفة، والعامَّة من فقهائنا .
(١) قوله: بيع الولاء، قال القاري: بفتح الواو والمدّ لغة، بمعنى المقاربة
والمناصرة، وشرعاً: عبارة عن عصوبة متواخية عن عصوبة النسب يرث منها
المعتق، وقد ورد: ((الولاء لمن أعتق))، رواه أحمد والطبراني عن ابن عباس، وفي
رواية: ((الولاء لحمة كلحمة النَّسَب، لا يُباع ولا يُوهب))، رواه الطبراني عن
عبد الله بن أبي أَوْفى والحاكم والبيهقي عن ابن عمر.
(٢) قوله: أن رسول الله ... إلخ، هكذا أخرجه أبو حنيفة عن عطاء بن
يسار، عن ابن عمر، وعند الشيخين وغيره من طريق ابن دينار، عن ابن عمر، وقال
الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، واعتنى أبو نعيم بجمع طرقه، عن عبد الله بن
دينار، فأورده عن خمسةٍ وثلاثين نفساً عنه، وأخرجه أبو عوانة في ((صحيحه)) من
طريق عبيد الله بن عمرو بن دينار وعمرو بن دينار كلهم عن ابن عمر، وعند
· الدارقطني في ((غرائب مالك)) عن عبد الله بن دينار، عن حمزة بن عبد الله بن عمر،
عن أبيه، وظاهره أن ابن دينار لم يسمع هذا الحديث من ابنٍ عمر وليس كذلك
ففي ((مسند الطيالسي)) أن شعبة قال له: أسمعتَ ابن عمر يقول هذا؟ فحلف
بسماعه، وفي الباب أخبار كثيرة، والتفصيل في ((شروح المسند)).
(٣) لکونه ليس بمال.
(٤) قوله: وبهذا نأخذ، وبه قال الجمهور سلفاً وخلفاً، إلَّ ما رُوي عن
ميمونة أنها وهبت سليمان بن يسار لابن عباس، وروى عبد الرزاق عن عطاء جواز
أن يأذن السيِّد لعبده أن يوالي من شاء، وجاء عن عثمان جواز بيع الولاء، وكذا عن =
٢٥٩

٧٩٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، عن
عائشة زوج النبي وَله: أرادت أن تشتري وليدة(١) فتُعتقها، فقال
أهلها (٢).
= عروة وابن عباس. ولعلهم لم يبلغهم الحديث وقد أنكر ذلك ابن مسعود في زمان
عثمان، وقال: أيبيعُ أحدُكم نسبه؟ أخرجه عبد الرزاق، كذا في ((فتح الباري))
وغيره.
(١) قوله: وليدة، أي جارية، هي بَرِيرة، بفتح الباء وكسر الراء الأولى، كما
صرَّح به أبو حنيفة في روايته عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة،
وكانت مكاتبة لقوم من الأنصار، وقيل لبني هلال، والحديث مرويّ في الصحيحين
والسنن وغيرها، وفي بعض الروايات: أنها جاءت إلى عائشة تستعين بها في
كتابتها، وفي بعضها عن عائشة: جاءت بريرة فقالت: كاتب أهلي على تسع
أواقٍ (١)، في كل عام أوقية فأعينيني، فقالت: إنْ أحَبُّوا أن أعدَّها لهم ◌ُدَّة واحدة،
وأعتقك، فعلت، ويكون ولاؤك لي فأبوا ذلك إلاّ أن يكون الولاء لهم. وظاهره
يدل على جواز بيع المكاتب إذا رضي بذلك، ولو لم يعجز نفسه، وهو قول
الأوزاعي والليث ومالك وابن جرير وابن المنذر، ومنعه أبو حنيفة والشافعي في
أصح القولين وبعض المالكية، وأجابوا عن قصة بريرة بأنها عجزت نفسها،
واستعانتها بعائشة يدل على ذلك، وهو يحتاج إلى دليل، وذهب جمع من العلماء
إلى جواز بيع المكاتب إذا وقع التراضي بذلك، كذا في ((شرح المسند)).
(٢) أي مالكوها المكاتبون.
(١) قد اختلفت الروايات في قصة بريرة وجمع بينها شيخ شيخنا في البذل ٢٦١/١٦، فارجع
إليه.
٢٦٠