Indexed OCR Text

Pages 181-200

داود(١) لا يدري أقال خمسة أو فيما دون خمسة؟
قال محمد: وبهذا نأخذ. وذكر (٢) مالك بن أنس أن العرية إنما
= الرابع: تعديتها إلى كل ثمرة مدَّخرة وغير مدَّخرة، هذا قول محمد بن الحسن، وهو
قول للشافعي. ووقع في حديث أبي هريرة عند البخاري أنَّ النبيِنَُّ رخّص في
بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق أو خمسة أوسق، فاعتبر من قال بجواز العرايا
بمفهوم العدد، ومنعوا ما زاد عليه، واختلفوا في جواز الخمسة للشك المذكور،
والراجح عند المالكية الجواز في الخمسة فما دونها، وعند الشافعية فيما دونها لا في
خمسة وهو قول الحنابلة وأهل الظاهر. فمأخذ المنع أن الأصل التحريم، وبيع
العرايا رخصة، فيؤخَذ بما يتيقّن ويُلغَى ما وقع فيه الشكّ، والسبب فيه أن النهي عن
بيع المزابنة هل وقع متقدِّماً، ثم وقعت الرخصة في العرايا، أو النهي عن المزابنة
وقع مقروناً مع الرخصة، فعلى الأول لا يجوز في الخمسة للشك في رفع التحريم،
وعلى الثاني يجوز للشك في قدر التحريم، ويرجح الأول بما عند البخاري: قال
سالم: أخبرني عبد الله، عن زيد بن ثابت أنَّ النبي ◌َّ رخّص بعد ذلك لصاحب
العرية، قال ابن عبد البر: وقال آخرون لا يجوز إلّ في أربعة أوسق لوروده في
حديث جابر فيما أخرجه الشافعي وأحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم
قال: سمعت رسول الله وسلم يقول حين أذن لصاحب العرايا أن يبيعوها بخرصها
يقول: الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة. قال الحافظ: يتعيَّن المصير إليه، وأما
حدّاً، فلا يجوز تجاوزه فليس بالواضح. انتهى. وهذا كله عند غيرنا، وأما عند
أصحابنا الحنفية فذكر العدد في الحديث واقع اتفاقاً، وهو خلاف الظاهر.
(١) أي شيخ مالك: أيَّ ذلك قال أبو سفيان؟
(٢) قوله: وذكر مالك ... إلخ، تفصيل المقام وتنقيحه على ما في ((فتح
الباري)) وشرح ((مسند الإِمام)) للحصكفي وغيره أنهم اختلفوا في تفسير العربية
المرخّص بها على أقوال: الأول: أن العريَّة عطية تمر النخل دون الرقبة، وقد
، كانت العرب إذا دهمتهم سَنَة تطوّع أهل النخل بمن لا نخل معه، ويعطيهم من تمر =
١٨١

--...-
= النخلة، فإذا وهب رجل ثمرة نخله، ثم تأذّى بدخوله عليه رُخِّص للواهب أن
يشتري رطبها من الموهوب له بتمرٍ يابس بمثل كيله خرصاً. هذا هو المشهور من
مذهب مالك، وشرطه عنده أن يكون البيع بعد بدوِّ الصلاح، وأن يكون بثمن مؤجَّل
إلى الجُذاذ لاحالُّ لئلا يلزم الربا بالنسيئة، وأن لا تكون هذه المعاملة إلاّ مع
المُعرِي المالك خاصة. قال ابن دقيق العيد: يشهد لهذا التفسير أمران: أحدهما:
أن العربيَّة مشهورة في ما بين أهل المدينة متداوَلَة بينهم، وقد نقل مالك هكذا،
الثاني: ما وقع في بعض طرق رواية زيد رخّص لصاحب العربية، فإنه يُشعر
باختصاصه بصفة تميّزها عن غيره. القول الثاني: أن يكون لرجل نخلة أو نخلتان
في حائط رجل له نخل كثير، فيتأذى صاحب النخل الكثير من دخول صاحب
القليل، فيقول له: أنا أعطيك خرص نخلك تمراً، فرُخَّص لهما ذلك، وهذا رواية
عن مالك. والقول الثالث: أنها نخل كانت توهَب للمساكين فلا يستطيعون أن
ينتظروا بها، فرُخِّص لهم أن يبيعوها بما شاؤوا من التمر، رواه أحمد من حديث
زيد، وهو وإن خالف فيما ذكره مالك من أن المراد بصاحب العرية واهبها، لكنه
محتمل، فإن الموهوب له صار بالهبة صاحباً لها، وعلى هذا لا يتقيد البيع
بالواهب، بل هو وغيره سواء، وحُكي عن الشافعي تقييد الموهوب له بالمسكين
وهو اختيار المزني تلميذ الشافعي، ومستنده ما ذكره الشافعي في ((مختلف
الحديث))، عن محمود بن لبيد قال: قلت لزيد بن ثابت: ما عراياكم هذه؟ قال:
فلان وفلان وأصحابه شكّوْا إلى رسول الله وَّر أن الرطب يحضر، وليس عندهم
ذهب ولا فضة يشترون بها منه، وعندهم فضل تمر، فرخّص لهم أن يشتروا العرايا
بخرصها من التمر يأكلونها رطباً. قال الشافعي: قوله: يأكلونها رطباً، يدل على أن
مشتري العريَّة يشتريه ليأكلها رطباً، وأنه ليس له رطب يأكلها غيرها، ولو كان المراد
من صاحب العريَّة صاحب الحائط كما قال مالك لكان لصاحب الحائط في حائطه
رطب غيره، ولم يفتقر إلى بيع العرية، قال ابن المنذر: هذا لا أعرف أحداً ذكره
غير الشافعي، وقال السبكي: لم يذكر الشافعي إسناده وكل من حكاه إنما حكاه عن =
١٨٢

--
= الشافعي ولم يجد البيهقي له سنداً، قال: ولعلَّ الشافعي أخذه من ((سِير الواقدي))،
وعلى تقدير صحته فليس قيد الفقير في كلام الشارع. واعتبرت الحنابلة هذا القيد
منضماً إلى ما اعتبره مالك فعندهم لا يجوز بيع العربية إلاّ لحاجة صاحب الحائط
إلى البيع أو لحاجة المشتري إلى الرطب. والقول الرابع: ما قاله الشافعي أن
العرايا أن يشتري الرجل ثمر النخلة أو أكثر بخرصه من التمر بأن يخرص الرطب
ويقدر كم ينقص إذا يبس، ثم يشتري بخرصه تمراً، فإن تفرَّقا قبل أن يتقابضا فسد
البيع. وللعرية صور، منها: أن يقول رجل لصاحب الحائط: بعني ثمر هذه النخلة
أو نخلات معينة، فيخرصها ويبيعه ويقبض منه الثمن ويسلّم إليه النخلات، فينتفع
برطبها. ومنها: أن يهب صاحب الحائط فيتضرَّر الموهوب له بانتظار صيرورة
الرطب تمرأً، أو لا يحب أكلها رطباً فيبيع ذلك الرطب من الواهب أو غيره بخرصه
بتمرٍ يأخذه معجَّلاً، وجميع هذه الصور صحيحة عند الشافعي والجمهور. ومنع
أبو حنيفة ومن تبعه صور البيع كلها، وقصر العرية على الهبة، وهي أن يعري الرجل
رجلاً ثمر نخل من نخيله ولا يسلّمه، ثم يظهر له ارتجاع تلك الهبة، فرخص له أن
يحبس ذلك، ويعطيه بقدر ما وهب له من الرطب بخرصه تمراً. وحمله على ذلك
أخذاً لعموم النهي عن المزابنة وعن بيع الثمر بالتمر، قال ابن نجيم في ((البحر
الرائق)»: أصحابنا خَرَجوا عن الظاهر بثلاثة أوجه: الأول: إطلاق البيع على الهبة،
والثاني: قوله رخّص خلاف ما قرروه لأن الرخصة إنما تكون بعد ممنوع، والمنع
إنما كان في البيع دون الهبة، الثالث: التقييد بخمسة أوسق أو مادونها، لأنه على
مذهبنا لا فائدة له، فإن الهبة لا تتقيد، وقيل: لأنهم لم يفرِّقوا في الرجوع بالهبة بين
ذي رَحِم وغيره، وبأنه لو كان الرجوع جائزاً فليس إعطاؤه التمر بدل الرطب، بل هو
تجديد هبته، لأنَّ الهبة الأولى لم تكمل بعدم القبض. ومنهم من قال: إذا تعارض
المُحرِّم والمبيح قُدِّم المحَرِّم، وهو مردود بأنَّ الرخصة متصلة بالنهي، وقد ثبت في
البخاري: أنه نهى عن بيع المزابنة ثم رخّص بعد ذلك في بيع العرايا، فبطل القول
بالنسخ .
١٨٣

تكون أن الرجل يكون له النخل، فيُطْعِمُ (١) الرجلَ منها ثمرة نخلة
أو نخلتين يلقُطُها(٢) لعياله، ثم يثقُل(٣) عليه دخولُه حائطَه، فيسأله(٤)
أن يتجاوز له عنها على أن يعطيه بمكيلتها تمراً عند (٥) صرام النخل،
فهذا(٦) كلَّه لا بأس به عندنا، لأن التمرّ كلَّه كان للأول(٧) وهو يعطي
(١) أي فيهب رجلاً ثمرة واحدة فما فوقها.
(٢) بضم القاف يأخذها الرجل الموهوب له لعياله.
(٣) أي يشق على مالك النخل دخول الموهوب له الثمر في بستانه مرة بعد
أخرى لصرم الثمر الموهوب .
(٤) قوله: فيسأله، أي فيسأل الواهب الموهوب له أن يتجاوز الموهوب له
عن تلك الثمرة للواهب على أن يعطيه الواهب بقدر كيلها ثمراً عند الصِّرام
- بالكسر - أي قطع ثمر النخل.
(٥) قوله: عند، متعلق بالإِعطاء وهذا قيد احترازيّ، فإنه لو أعطى من التمر
مقدار كيلها في الحال لا يجوز.
(٦) قوله: فهذا كله لا بأس به عندنا، حمل كلام مالك على ما اختاره
. أبو حنيفة أن العربية ليس ببيع، بل هو من فروع الهبة(١)، وليس كذلك فإن مذهب
مالك في ذلك معروف من أنه قائل بالرخصة في بعض صور المزابنة وهو بيع
العربية، وهو بيع عنده حقيقةً لا مجازاً، والدليل عليه تقييده بقوله عند صرام النخل،
فإن صورة العطية غير مقيدة عنده بهذا القيد ولا عند غيره.
(٧) أي لصاحب النخلة.
(١) مما لا شك فيه أن مذهب الحنفية في ذلك قريب من مذهب الإمام مالك، لأن كونها موهوبة
شرط عند مالك أيضاً، وكذا يُشترط جواز بيعها بالوهب، وحاصل الاختلاف أنها رجوع
الواهب في هبته بالبدل عند الحنفية، وشراء الواهب هبته عند المالكية، وقال الشافعي =
١٨٤

:
منه ما شاء(١) فإن شاء سلَّم له(٢) تمر النخل وإن شاء أعطاها بمكيلتها من
التمر، لأن هذا(٣) لا يُجعل بيعاً، ولو جُعل (٤) بيعاً.
(١) أيْ أيّ قدرٍ شاء.
(٢) أي للموهوب له.
(٣) أي هذا العطاء ليس ببيع حقيقةً، بل مجازاً.
(٤) قوله: ولو جعل بيعاً ... إلخ، قد شيّد الطحاوي في ((شرح معاني
الآثار))(١) أركانه، فإنه بعدما خرَّج طرقه من حديث زيد بن ثابت وابن عمر وجابر
وسهل بن أبي حثمة وأبي هريرة النهي عن المزابنة، والرخصة في بيع العرايا،
قال: فقد جاءت هذه الآثار عن رسول الله وَ لافيه، وتواترت الرخصة في بيع العرايا،
وقَبِلها أهل العلم جميعاً، ولم يختلفوا في صحة مجيئها، وتنازعوا في تأويلها، فقال
قوم: العرايا أن الرجل يكون له النخل والنخلتان في وسط النخل الكثير لرجل آخر.
قالوا: وقد كان أهل المدينة إذا كان وقت الثمار خرجوا بأهليهم إلى حوائطهم،
فيجيء صاحب النخلة والنخلتين بأهله، فيضُرّ ذلك بأهل النخل الكثير، فرخّص
رسول الله ي لأهل النخل الكثير أن يعطي صاحب النخلة أو النخلتين خَرْص ماله
من ذلك تمراً لينصرف هو وأصحابه، ويخلص تمر الحائط كله لصاحب النخل
الكثير، وقد روي هذا القول عن مالك، وكان أبو حنيفة في ما سمعتُ أحمدَ بنَ
أبي عمران يذكر أنه سمعه عن محمد بن سماعة، عن أبي يوسف، عنه، قال:
معنی ذلك عندنا أن يعري الرجل ثمر نخلة من نخله، فلا يسلم ذلك إليه حتى يبدوَ
له، فرخّص له أن يحبس ذلك ويعطيه مكانه خرصه تمراً، وكان هذا التأويل أشبه =
وأحمد: خمسة أوسق مستثنى من نهي المزابنة، فيجوز بيعها من الواهب وغيره مع
=
اختلافهم في شروط الجواز. انظر لامع الدراري ١٢٨/٦.
(١) ٢١٣/١ - ٢١٥.
١٨٥

= وأولى مما قال مالك، لأن العرية إنما هي العطية. انتهى. وفيه ما لا يخفى، فإن
العربية وإن كان يستعمل بمعنى العطية إلاّ أنه ليس بمقتصر عليه، فقد ذكروا أن
العربية فعيلة بمعنى مفعولة، أو بمعنى فاعلة، فمن جعلها مفعولة، قال هي من عري
النخل إذا أفردها عن النخل ببيع ثمارها رطباً، وقيل: من عراه يعروه إذا أتاه، وتردد
إليه لأن صاحبها يتردد إليها، ومن جعلها فاعلة جعلها مشتقة من قولهم: عريت
النخلة، بفتح العين وكسر الراء، فكأنها عريت عن حكم أخواتها على أنه لوسلّم
أن العرية معنى العطية ليس إلا فهو لا يستلزم أن يكون بيع العرايا عبارة عن العطية
بل العربة بنفسها بمعنى العطية، وبيعها غير الهبة، كما مرَّ في القول الأول من
الأقوال المذكورة سابقاً، ثم قال الطحاوي: فإن قال قائل: ذكر في حديث زيد أن
النبي ◌َّ نهى عن بيع الثمر بتمر، ورخّص في العرايا، فصارت العرايا في هذا
الحديث أيضاً هي بيع ثمر بتمر، قيل له: ليس في الحديث من ذلك شيء، إنما
فيه ذكر الرخصة في العرايا مع ذكر النهي عن بيع الثمر بالتمر، وقد يقرن الشيء
بالشيء، وحكمهما مختلف. انتهى. وفيه أن هذا التقرير إن يمشي في خصوص
هذه العبارة، فماذا يقول فيما أخرجه عن جابر: أن رسول الله وَّ نهى عن بيع الثمر
حتى يطعم، وقال: لا يباع منه شيء إلَّ بالدراهم والدنانير إلَّ العرايا، فإن
رسول الله ﴿ه رخّص فيها، وما أخرجه عن عمرو بن دينار الشيباني قال: بعتُ ما في
رؤوس نخلي بمائة وسق، إن زاد فلهم، وإن نقص فعليهم، فسألت ابن عمر عن
ذلك؟ فقال: نهى رسول الله وَله عن بيع الثمر بالتمر إلاّ أنه رخّص في العرايا.
وما أخرجه عن جابر: نهى رسول الله وَّر عن المزابنة إلاّ أنه أرخص في العرايا.
وما أخرجه عن سهل: أن رسول الله وَّ نهى عن بيع الثمر بالتمر إلاّ أنه رخّص في
العربة أن يُباع بخرصها من التمر يأكلها أهلها رطباً. فهذه العبارات وأمثالها صريحة
في أن بيع العرايا داخل في المزابنة وبيع الثمر بالتمر، وأن الرخصة فيه بعد النهي
عن المزابنة مطلقاً، والتزام أن الاستثناء في هذه منقطع، فمع عدم صحته في
بعضها التزام أمر غير ملتزم، ومُفْضٍ إلى إخلال الكلم، ثم قال الطحاوي: فإن قال =
١٨٦

ما حلَّ (١) تمر بتمر إلى أجل.
= قائل: قد ذُكر التوقيف في حديث أبي هريرة على خمسة أوسق، وفي ذكر ذلك
ما ينفي أن يكون حكم ما هو أكثر من ذلك كحكمه، قيل له: ما فيه ما ينفي شيئاً،
وإنما يكون كذلك لو قال: لا يكون العربة إلَّ في خمسة أوسق، إنما فيه أنَّ
رسول الله ◌َ﴾ رخّص في خمسة أوسق وفي ما دون خمسة أوسق، فذلك يحتمل أن
يكون رسول الله رخّص فيه لقوم في عرية لهم هذا مقدارها، فنقل أبو هريرة ذلك،
وأخبر بالرخصة فيما كانت. انتهى. وفيه أنَّ مثل هذا الاحتمال المحض لا يُسمع
ما لم يدل عليه دليل، وإلَّ لفسدت الأحكام واختَلَّ النظام، ولا ريب في أن الظاهر
الذي يجب المصير إليه إلاّ إذا خالفه دليل معارض له ما قاله القائل، ثم قال: فإنْ
قال قائل: ففي حديث ابن عمر وجابر: أنه رخص في العرايا، فصار ذلك مستثنَّى
من بيع الثمر بالتمر، قيل له: قد يجوز أن يكون قصد بذلك إلى المُعْرِي فرخّص له
أن يأخذ تمراً بدلاً من الثمر في رؤوس النخل لأنه يكون في معنى البائع، وذلك له
حلال، فيكون الاستثناء لهذه العلة. انتهى. وفيه أن هذا عدول عن الحقيقة
الظاهرة من غير حجة، وأمثال هذه التأويلات قبولها كبناء بيت وهدم قصر، ثم قال:
فإن قال قائل: لو كان تأويل هذه الآثار ما ذهب إليه أبو حنيفة لما كان لذكر الرخصة
معنى؟ قيل له: قد اختلف فيه، فقال عيسى بن أبان: معنى الرخصة في ذلك أن
الأموال كلها لا يملك بها أبداً إلاّ من كان مالكها، لا يبيع رجل ما لا يملك ببدل،
فالمُعري لم يكن مَلَكَ العربة لأنه لم يكن قبضها، والتمر الذي يأخذه بدلاً منها قد
جُعل طيّباً له، فهذا هو الذي قصد بالرخصة إليه. انتهى. وفيه أن هذا تكلُّف
تستبشعه الطبائع السليمة، فإن ملك المعري للبدل على التقرير المذكور ليس على
سبيل البيع لا حقيقةً ولا حكماً، لا شرعاً ولا عرفاً، بل ليس له ملكه، لكون الهبة
مشروطة بالقبض، فلا يذهب وهم أحد إلى عدم جوازه، فضلاً عن أن يذكر لفظ
الرخصة فيه. هذا ما ظهر في الوقت وفي المقام كلام لا يسعه المقام.
(١) لدخول الربا فيه من جهة النسيئة واحتمال عدم التساوي.
١٨٧

٢ - (باب ما یُکرہ من بيع الثمار
قبل أن يَبْدُوَ(١) صلاحها)
:
٧٥٨ - أخبرنا مالك، حدَّثنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أنَّ
رسول الله وَل﴿ نهى عن بيع الثمار حتى يبدوَ(٢) صلاحُها. نهى البائع
والمشتري .
٧٥٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الرجال(٣) محمد بن
عبد الرحمن، عن أمّه عَمْرة: أن(٤) رسول الله بَ له نهى عن بيع الثمار
حتى ينجو من العاهة(٥).
قال محمد: لا ينبغي (٦) أن يُباع شيء من الثمار على أن يُترك في
(١) أي يظهر صلاحها(١).
(٢) بأن يصلح لتناول الناس وعَلْف الدوابّ.
(٣) لُقِّب به لأنه كان له عشرة أولاد رجال وكنيته في الأصل أبو
عبد الرحمن، كذا قال الزرقاني .
(٤) هذا مرسل، وصله ابن عبد البرّ من طريق خارجة بن زيد بن ثابت، عن
أبي الرجال، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، ذكره السيوطي في
«التنوير».
(٥) أي الآفة.
(٦) قوله: لا ينبغي أن يُباع شيء ... إلخ، لا خلاف للعلماء في جواز بيع
الثمار بعد بدوّ الصلاح، واختلفوا في تفسيره، فعندنا هو أن يأمن العاهة والفساد، =
(١) ذكر في ((الأوجز)) فيها سبعة أبحاث فارجع إليه ٩٦/١١.
١٨٨

النخل حتى يبلغَ (١)، إلاّ أن يحمَرَّ أو يصفَرَّ أو يبلغَ بعضُه، فإذا كان
كذلك(٢) فلا بأس ببيعه على أن يُترك حتى يبلغَ (٣)، فإذا لم يحمرٌ أو يصفرٌ
أو کان أخضر أو کان کُفَرَّی(٤) فلا
= وعند الشافعي ظهور الصلاح بظهور النضج ومبادىء الحلاوة، وقيل: بدوّ الصلاح
إذا اشتراها مطلقة يجوز عندنا، وعند الشافعي ومالك وأحمد لا يجوز البيع بشرط
القطع قبل بدوّ الصلاح، يجوز فيما ينتفع به اتفاقاً، وبشرط الترك لا يجوز بالاتفاق.
والبيع بعد بدوّ الصلاح على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يبيعها قبل أن تصير منتَفَعاً بها
بأن لم يصلح لتناول بني آدم وعَلْف الدواب، فقال شيخ الإِسلام: لا يجوز، وذكر
القُدُوري والأسبيجابي يجوز. والثاني: ما إذا باعه بعدما صار منتفعَاً به، إلاّ أنه
لم يتناه عِظَّمُها فالبيع جائز إذا باع مطلقاً أو بشرط القطع، وبشرط الترك فاسد لأنه
شرط لا يقتضيه العقد، وفيه نفع لأحد المتعاقدين. والثالث: ما إذا باعه بعدما تناهى
عِظَمه، فالبيع جائز عند الكل إذا باعه مطلقاً أو بشرط القطع، وبشرط الترك لا يجوز
في القياس، وهو قولهما ويجوز في الاستحسان وهو قول محمد والشافعي
ومالك وأحمد. واختلف أصحابنا في البيع قبل بدوّ الصلاح، فعامَّة مشائخنا على
أنه لا يجوز، وهو قول شمس الأئمة السرخسي وخواهر زاده والجمهور، وقال
بعضهم: يجوز لكونه منتفعاً به في الحال أو المآل إلاّ أن يشترط تركه على الشجر.
والتفصيل في ((البناية)) وغيره.
(١) أي إلى أن يُدرك.
(٢) أي أحد من الصور المذكورة.
(٣) أي إلى كماله.
(٤) بضم الكاف والفاء المفتوحة وبالراء المشددة المفتوحة: طلع
النخل(١).
(١) والكُفَرَى: وعاء الطلع وقشره الأعلى، وقيل: هو الطلع حين ينشق. المنتقى ٢٢٢/٤.
١٨٩

خير (١) في شرائه على أن يُترك حتى يبلغ. ولا بأس بشرائه على أن يُقطع
(١) قوله: فلا خير في شرائه، أي لا يجوز شراؤه بهذا الشرط، وهذا
بالاتفاق. وإنما الخلاف في البيع قبل بدو الصلاح مطلقاً من غير اشتراط قطع
ولا تبقية، فمقتضى الأحاديث المذكورة البطلان(١)، وبه قال الشافعي وأحمد
وجمهور العلماء، وهو قولٌ لمالك، ووافق في قوله الثاني أبا حنيفة في جواز البيع،
قال في ((شرح المسند)): استدل أبو حنيفة فيما ذهب إليه بما أخرجه مرفوعاً: من
باع نخلاً مؤبَراً فثمرته للبائع إلّا أن يَشترط المبتاع. فجعله للمشتري بالشرط، فدلَّ
على جواز بيعه مطلقاً، وقال: لا يصلح لأصحاب الشافعي الاستدلال بأحاديث
الباب فإنهم تركوا ظاهرها في إجازة البيع قبل بدوّ الصلاح بشرط القطع ولم يُفهم
ذلك من الحديث مع أن له معارضات أخر، وحديث التأبير لا معارض له، فتعين
العمل به. ويقال في أحاديث النهي إنه للإرشاد على العزيمة بدليل ما في ((صحيح
البخاري)) عن زيد قال: كان الناس في عهد رسول الله (858* يبتاعون الثمار، فإذا
جَدِّ(٢) الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: إنه أصاب الثمر الدَّمَانُ(٣)، أصابه
مُراضٌ(٤)، أصابه قُشَام(٥)، عاهات يحتجُون بها، فقال رسول الله ﴿ لما كثرت
الخصومة عنده: لا تبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر كالمشُوْرَة.
(١) قال العيني: مذهب الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق عدم جواز بيع الثمار على الأشجار،
وبه قال مالك في رواية وأحمد في قول. لامع الدراري ١٣٢/٦ .
(٢) في الأصل أخذ، وهو تحريف، وسقطت كلمة (عاهات) بعد قشام فزدناها، أخرجه
البخاري في باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ٣٣/٣.
(٣) (الدَّمَان): بفتح الدال وتخفيف الميم: عفن يصيب النخل فيسوَدُّ ثمره، وجاء في غريب
الخطابي بالضم.
(٤) (مُراض): داء في الثمرة فتهلك.
(٥) (قُشام): هو أن ينتقص ثمر النخل قبل أن يصير بلحاً.
١٩٠

ويُباع(١). وكذلك بلغنا عن الحسن البصري أنَّه قال: لا بأس ببيع
الكُفَرَّى على أن يُقطع، فبهذا نأخذ.
٧٦٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد(٢)، عن خارجة بن
زيد بن ثابت، عن زيد بن ثابت: أنه كان لا يبيع ثمارَه حتى يطلع(٣)
الثُرَيًّا يعني بيع (٤) النخل.
٣ - (باب الرجل يبيعُ بعض الثمرَ (٥) ويستثني بعضه)
٧٦١ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، عن
(١) قوله: ويباع، قال القاري: هذا قيد اتفاقي لكثرة وقوعه.
(٢) عبد الله بن ذكوان.
(٣) قوله: حتى يطلع الثُرَيّا، بضم الثاء المثلثة وفتح الراء المهملة وتشديد
الياء المثناة التحتية النجم المعروف لأنها تنجو من العاهة حينئذٍ، وعند أبي داود
من حديث أبي هريرة مرفوعاً: إذا طلع النجم صباحاً رُفعت العاهة عن كل بلدة،
والنجم الثريًا. وعند أحمد والطحاوي والبيهقي، عن ابن عمر: نهى رسول الله الذ
عن بيع الثمار حتى يُؤْمَن عليها العاهة، قيل: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال:
إذا طلعت الثريًا(١). قال الزرقاني: طلوعها صباحاً يقع في أول فصل الصيف،
وذلك عند اشتداد الحرّ وابتداء نضج الثمار، وهو المعتبر في الحقيقة وطلوع النجم
علامة له .
(٤) أي بيع ثماره.
(٥) في نسخة: التمر.
(١) انظر جامع الأصول ٤٦٨/١.
١٩١

أبيه(١): أنّ محمد بن عمرو بن حزم باع حائطاً(٢) له يقال له الأفْراق(٣)
بأربعة آلاف درهم، واستثنى منه بثماني(٤) مائة درهم تمراً.
٧٦٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الرِّجال، عن أمّه عَمْرة بنت
عبد الرحمن: أنّها كانت تبيع ثمارها، وتستثني(٥) منها .
.... .
٧٦٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ربيعة بن عبد الرحمن، عن
القاسم بن محمد: أنّه كان يبيع(٦) ويستثني منها .
قال محمد: وبهذا نأخذ. لا بأس بأن يبيع الرجل ثمره، ويستثني
(١) قوله: عن أبيه، هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، وقد
مرت تراجم عمرو بن حزم وأبي بكر وابنه عبد الله وغيرهم في مواضع متفرقة.
وصاحب القصة محمد بن عمرو بن حزم جدّ عبد الله، قال ابن حبان في ((الثقات)):
كنيته أبو عبد الملك، وُلد سنة عشر في العهد النبوي، ومات يوم الحرّة سنة ثلاث
وستین، روى عنه ابنه أبو بكر وغيره.
(٢) أي بستاناً.
(٣) بفتح الهمزة وسكون الفاء(١).
(٤) أي بمقدارها تمر.
(٥) أي بعضاً معيّناً منها.
(٦) في نسخة: يبيع ثمارها.
(١) الأفراق: بفتح فسكون ورابعه ألف، وهو بغير الألف في ((شرح الزرقاني)) وهو تحريف، قال
البكري: الأفراق: بفتح أوله، وبالراء والقاف: على وزن أفعال: كأنه جمع فرق: وهو
موضع بالمدينة: فيه حوائط نخل، وذكر هذا الحديث عن مالك. معجم ما استعجم
١٧٦/١.
١٩٢

بعضَه إذا استثنى شيئاً(١) من جملته ربعاً أو خمساً أو سدساً.
٤ - (باب ما يُكره من بيع التمر بالرطب)
٧٦٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا(٢) عبد الله بن يزيد مولى
(١) قوله: شيئاً، معيّناً من جُملته بأحد من الكسور كالثلث ونحوه، وأما إذا
استثنى شيئاً مجهولاً فلا يجوز لجهالة المبيع بجهالة المستثنی، وقد ورد نھي
رسول اللّه ◌َ﴿ عن الثُّنْيَا في البيع إلا أن تُعْلَمَ، أخرجه الترمذي وغيره. ويجوز أيضاً
إذا استثنى نخلاً معيّنة معدودة لأن الباقي معلوم مشاهدةً فلا تُفضي الجهالة إلى
المنازعة. وأما إذا باع ثماراً واستثنى أرطالاً معلومة، فإن كانت مجذوذً جاز، فإن
الباقي يُعرف بكيله على الفور، وإن كانت على الشجر فعند الشافعي وأحمد
لا يجوز، خلافاً لمالك وأبي حنيفة في رواية الحسن عنه، وعلى ظاهر الرواية عند
الحنفية يجوز، لأن الأصل أن ما يجوز إيراد العقد عليه انفراداً يصح استثناؤه
بخلاف استثناء الحمل وأطراف الحيوان فإنه لا يجوز بيعه فكذا استثناؤه، كذا في
«الهداية» وشروحها.
(٢) قوله: أخبرنا عبد الله بن يزيد ... إلخ، قد أخرجه الشافعي وأحمد
وأصحاب السنن الأربعة وابن خزيمة والحاكم والدارقطني والبيهقي والبزار كلهم من
حديث زيد بن عيَّاش أنه سأل سعد بن أبي وقاص، الحديث. وذكر الدارقطني في
((العلل)) أن إسماعيل بن أمية وداود بن الحسين والضحاك بن عثمان وأسامة بن زيد
وافقوا مالكاً على إسناده. وذكر ابن المديني أن أباه حدّثه عن مالك، عن داود بن
الحصين، عن عبد الله بن يزيد، عن زيد بن عياش أبي عياش، وسماع أبي، عن
مالك قديم، قال: فكأن مالكاً كان علّقه عن داود، ثم لقي شيخه عبد الله بن يزيد،
فحدّثه به، فحدّث به مرة عن داود، ثم استقر رأيه على التحديث، ورواه البيهقي
من حديث ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن
سلمة، عن النبي صل# مرسلاً، هو مرسل قويّ، كذا ذكره الحافظ ابن حجر في
((التلخيص الحبير)).
١٩٣

الأسود بن سفيان، أنّ زيداً(١) أبا عيَّاش مولى لبني
(١) قوله: أن زيداً، قد أعلّ أبو حنيفة هذا الحديث من أجله، وقال: مداره
على زيد بن عيّاش وهو مجهول، وكذا قال ابن حزم، وتعقّبوهما بأن الحديث
صحيح، وزيد ليس بمجهول، قال الزرقاني : زيد كنيته أبو عيّاش واسم أبيه عيّاش
المدني، تابعي، صَدوق، نقل عن مالك أنه مولى سعد بن أبي وقاص، وقيل: إنه
مولى بني مخزوم، وفي ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر العسقلاني: زيد بن عياش
أبو عياش الزُرْقي، ويقال: المخزومي روى عن سعد وعنه عبد الله بن يزيد
وعمران بن أبي أنيس، ذكره ابن حبان في ((الثقات)) وصحح الترمذي وابن خزيمة
وابن حبان حديثه المذكور، وقال الدارقطني: ثقة، وقال الحاكم في ((المستدرك)):
هذا حديث صحيح لإجماع أئمة النقل على إمامة مالك، وأنه محكم في كل
ما يرويه إذا لم يوجد في روايته إلا الصحيح خصوصاً في رواية أهل المدينة،
والشيخان لم يخرجاه لما خَشِيا من جهالة زيد. انتهى.
وفي ((فتح القدير شرح الهداية)): قال صاحب ((التنقيح)): زيد بن عيّاش أبو عيّاش
الزرقي المدني ليس به بأس، ومشائخنا ذكروا عن أبي حنيفة بأنه مجهول، ورُدَّ
طعنه بأنه ثقة، وروى عنه مالك في ((الموطأ)) وهو لا يروي عن مجهول، وقال
المنذري: كيف يكون مجهولاً، وقد روى عنه ثقتان عبد الله بن يزيد وعمران بن
أبي أنيس، وهما مما احتجّ بهما مسلم في ((صحيحه)) وقد عرفه أئمة هذا الشأن،
وأخرج حديثه مالك مع شدّة تحريه في الرجال، وقال ابن الجوزي في ((التحقيق)):
قال أبو حنيفة: إنه مجهول، فإن كان هو لم يعرفه فقد عرفه أئمة النقل. انتهى.
وفي ((غاية البيان شرح الهداية)): نقلوا تضعيفه عن أبي حنيفة ولكن لم يصح ضعفه
في كتب الحديث، فمن ادّعى فعليه البيان. انتهى. وفي ((البناية)) للعيني عند قول
صاحب ((الهداية)) زيد بن عيّاش ضعيف عند النقلة: هذا ليس بصحيح، بل هو ثقة
عند النقلة. انتهى. وفي ((التلخيص الحبير)): قد أعلّ هذا الحديث جماعة منهم
الطحاوي والطبري وابن حزم وعبد الحق بجهالة زيد، والجواب أن الدارقطني قال:
إنه ثقة ثبت، وقال المنذري: روى عنه اثنان ثقتان، وقد اعتمده مالك مع شدة :
١٩٤

زهرة(١)، أخبره أنّه سأل سعد بن أبي وقاص عمّن اشترى البيضاء(٢)
بالسُّلت(٣)؟ فقال له سعد: أيُّهما أفضل؟ قال: البيضاء، قال:
فنهاني عنه(٤)، وقال: سمعتُ رسول اللهِ وَّ سُئِل عمّنْ اشترى التمر
بالرطب؟ فقال(٥): أ(٦) ينقص الرُّطَبُ إذا يبس؟ قالوا: نعم، فنهى
عنه(٧)
٠
= تحريه، وصححه الترمذي والحاكم وقال: لا أعلم أحداً طعن فيه. انتهى.
وبالجملة فالجهالة عن زيد مرتفعة، جهالة العين وجهالة الوصف كلاهما بتصريح
النُّقاد(١).
(١) بضم الزاء قبيلة: يُنسب إليها الزهري.
(٢) أي الشعير كما في رواية، ووهم وكيع، فقال: عن مالك الذُّرَة ولم يقله
غيره، والعرب تطلق البيضاء على الشعير، والسمراء على البُرّ، كذا قال
ابن عبد البر.
(٣) بضم السين وسكون اللام: ضرب من الشعير لا قشر له يكون في
الحجاز، قاله الجوهري .
(٤) أي عن بيع أحدهما بالآخر للتفاوت في المنفعة(٢).
(٥) أي لمن حوله من الصحابة كما في رواية.
(٦) بهمزة الاستفهام.
(٧) لعدم التماثل.
(١) وفي بذل المجهود ١٩/١٥: والأصل أنه وقع الاختلاف في جرح زيد بن عيّاش وتعديله
بين أبي حنيفة ومالك - رحمهما الله - فرواية مالك تقتضي تعديله ضمناً وتبعاً، وثبت
الجرح عن أبي حنيفة صراحةً فلا يُقاوم تعديل مالك بجرح أبي حنيفة خصوصاً لم يخالف
الإِمام في زمانه أحد فلا عبرة بمن بعده في ذلك والله أعلم.
(٢) ونهيُ سعد عن التفاضل في السلت بالبيضاء يقتضي أنهما عنده جنس واحد، ولذلك أخذ
حكمهما من منع التفاضل في الرطب بالتمر، وهذا مذهب مالك أن السلت والحنطة =
١٩٥

!
قال محمد: وبهذا (١) نأخذ. لا خير في أن يشتري الرجل
(١) قوله: وبهذا نأخذ، وبه قال أحمد والشافعي ومالك وغيرهم، وقالوا:
لا يجوز بيع التمر بالرطب لا متفاضلاً ولا متماثلاً يداً بيد كان أو نسيئة، وأما التمر
بالتمر والرطب بالرطب فيجوز ذلك متماثلاً لا متفاضلاً يداً بيد لا نسيئة، وفيه خلاف
أبي حنيفة حيث جوّز بيع التمر بالرطب متماثلاً إذا كان يداً بيد لأن الرطب تمر،
وبيع التمر بالتمر جائز متماثلاً من غير اعتبار الجودة والرداءة، وقد حُكي عنه أنه لما
دخل بغداد سألوه عن هذا، وكانوا أشداء عليه بمخالفته الخبر، فقال: الرطب إما
أن يكون تمراً أو لم يكن تمراً، فإن كان تمراً جاز، لقوله وله: التمر بالتمر مثلاً
بمثل، وإن لم يكن تمراً جاز، لحديث: إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم.
فأوردوا عليه الحديث، فقال: مداره على زيد بن عياش وهو مجهول، أو قال: ممن
لا يقبل حديثه، واستحسن أهل الحديث هذا الطعن منه حتى قال ابن المبارك:
كيف يُقال إن أبا حنيفة لا يعرف الحديث، وهو يقول: زيد ممن لا يُقبل حديثه، قال
ابن الهمام في ((الفتح))(١): رُدّ ترديده بأنّ ههنا قسماً ثالثاً، وهو أنه من جنس التمر
ولا يجوز بيعه بالآخر كالحنطة المقلية بغير المقلية لعدم تسوية الكيل بهما فكذا
الرطب والتمر لا يسوّيهما الكيل، وإنما يسوّي في حال اعتدال البدلين، وهو أن
يجفّ الآخر، وأبو حنيفة يمنعه، ويعتبر التساوي حال العقد، وعُرُوض النقصِ بعد
ذلك لا يمنع من المساواة في الحال إذا كان موجبه أمراً خلقياً، وهو زيادة الرطوبة =
=
والشعير جنس واحد في الزكاة وفي منع التفاضل. المنتقى ٢٤٣/٤. وأما عند أبي حنيفة
والشافعي وأحمد فهما صنفان انظر لا مع الدراري ١١٧/٦. وفي البذل ١٩/١٥: أما بيع
البيضاء بالسلت فما قال فيه سعد رضي الله عنه من النهي إن كان محمولاً على البيع يداً بيد
فهو على الورع والاحتياط، لمشابهته بالحنطة أوقعت الشبهة فيه فنهاه احتياطاً لكن الحكم
فيه أنهما نوعان مختلفان فيجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً إذا كان يداً بيد، وأما إذا حمل
على النسيئة فذلك لا يجوز انظر الأوجز ١٣٧/١١.
(١) فتح القدير ١٦٨/٦ - ١٦٩.
١٩٦

قَفِيز(١) رطب بقفيزٍ من تمرٍ، يداً بيد(٢)، لأن الرُّطَب يَنْقُصُ إذا جفّ
فيصير أقلّ(٣) من قفيز، فلذلك فسد البيع فيه .
= بخلاف المقلية بغيرها، فإنه في الحال يُحكم بعدم التساوي لاكتناز أحدهما،
وتخلخل الآخر. ورُدَّ طعنه في زيد بأنه ثقة كما مرّ، وقد يُجاب أيضاً بأنه على
تقدير صحة السند، فالمراد النهي نسيئة، فإنه ثبت في حديث أبي عياش هذا زيادة
((نسيئة)) أخرجه أبو داود عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن يزيد أنّ أبا عيّاش
أخبره أنه سمع سعداً يقول: نهى رسول الله وَله عن بيع الرطب بالتمر نسيئة، وأخرجه الحاكم
والطحاوي في ((شرح معاني الآثار))، ورواه الدارقطني، وقال: اجتماع هؤلاء
الأربعة أي مالكٍ وإسماعيل بن أمية والضحاك ابن عثمان وآخر على خلاف ما رواه
يحيى بن أبي كثير يدل على ضبطهم للحديث وأنت تعلم أن بعد صحة هذه
الرواية يجب قبولها، لأن المذهب المختار عند المحدثين هو قبول الزيادة وإن لم يروها
الأكثر إلا في زيادة تفرد بها بعض الحاضرين في المجلس، فإن مثله مردود كما
كتبناه في ((تحرير الأصول)) وما نحن فيه لم يثبت أنه زيادة في مجلس واحد، لكن
يبقى قوله في تلك الرواية الصحيحة: أينقص الرطب إذا جفّ، عرياً عن الفائدة إذا
كان النهي عنه للنسيئة. انتهى كلام ابن الهمام. وهذا غاية التوجيه في المقام مع
ما فيه الإِشارة إلى ما فيه وللطحاوي كلام في ((شرح معاني الآثار))(١) مبنيّ على
ترجيح رواية النسيئة وهو خلاف جمهور المحدثين وخلاف سياق الرواية أيضاً،
ولعل الحق لا يتجاوز عن قولهما وقول الجمهور.
(١) القفيز مكيال يسع اثني عشر صاعاً، كذا في ((المنتخب)).
(٢) أي وإن كان قبضاً بقبض وإن كان أحدهما نسيئة، فظاهر عدم جوازه
لحرمة النسأ في الأموال الربوية .
(٣) أي فيدخل فيه الربا.
(١) ١٩٩/٢ وبسط شيخنا على هذا الحديث في الأوجز ١٣٧/١١ فارجع إليه.
١٩٧

٥ - (باب ما لم
يُقبض من الطعام وغيره)
٧٦٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن حكيم (١) بن حزام
ابتاع(٢) طعاماً أمر به(٣) عمر بن الخطاب للناس، فباع حكيم الطعامَ
قبل أن يستوفِيّه(٤)، فسمع بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فردّ
عليه(٥)، وقال: لا تبع طعاماً ابتعتَه حتى تستوفِیه.
٧٦٦ - أخبرنا مالك، حدّثنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أنّ
رسول الله وَ﴾ قال: من ابتاع(٦) طعاماً فلا يبعه(٧) حتى يَقْبِضَه.
(١) قوله: أن حكيم بن حزام، قال الزرقاني: بمهملة وزاء معجمة بن
خويلد بن أسد ابن عبد العُزّى القرشي الأسدي، ابن أخي خديجة أم المؤمنين،
أسلم يوم الفتح، وصحب وله أربع وسبعون سنة، وعاش إلى سنة أربع وخمسين
أو بعدها.
(٢) أي اشترى.
(٣) أي بشرائه.
(٤) أي يقبضه من البائع .
(٥) أي بيعه.
(٦) أي اشتری.
(٧) بصيغة النهي، وفي رواية: فلا يبيعه.
١٩٨
:

قال محمد: وبهذا(١) نأخذ. وكذلك(٢) كلَّ شيء بِيْع من طعام
أو غيره فلا ينبغي أن يبيعَه الذي اشتراه حتى يقبضه، وكذلك(٣) قال
عبد الله بن عباس، قال (٤): أما الذي نهى عنه رسول الله صل فهو
الطعام أنْ يُباع حتى يُقْبَض. وقال ابن عباس (٥): ولا أحسب كل شيء
إلا مثل ذلك. فبقول ابن عباس نأخذ، الأشياء كلها مثل الطعام،
(١) قوله: وبهذا نأخذ، اختلفوا في هذه المسألة، فقال مالك: يجوز جميع
التصرفات في غير الطعام قبل القبض لورود التخصيص في الأحاديث بالطعام،
وقال أحمد: إن كان المبيع مكيلاً أو موزوناً لم يجز بيعه قبل القبض، وفي
غيره يجوز، وقال زفر ومحمد والشافعي: لا يجوز بيع شيء قبل القبض طعاماً كان
أو غيره لإطلاق الأحاديث. وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى جواز بيع غير المنقول
قبل القبض، لأن النهي معلول بضرر انفساخ العقد لخوف الهلاك، وهو في العقار
وغيره نادر، وفي المنقولات غير نادر، كذا في ((البناية)).
(٢) أي لا يجوز بيعه قبل القبض.
(٣) قوله: وكذلك قال عبد الله بن عباس ... إلخ، قال السيد مرتضى في
((عقود الجواهر المُنيفة في أدلة الإِمام أبي حنيفة)): أبو حنيفة عن عمرو بن دينار،
عن ابن عباس قال: نُهينا عن بيع الطعام حتى يُقبض، قال ابن عباس وأحسب كل
شيء مثل الطعام(١)، لا يجوز بيعه حتى يقبض، كذا أخرجه الحارثي من طريق
إسماعيل بن يحيى عنه، وأخرجه الأئمة الستة بلفظ: الذي نهى عنه رسولُ الله فهو
الطعام أن يُباع حتى يُقْبَض، قال: ولا أحسب كل شيء إلا مثله.
(٤) أي صاحب الكتاب.
(٥) أخرجه البخاري وغيره.
(١) أي في عدم جواز بيعه قبل القبض، وهذا من اجتهاده. بذل المجهود ١٧١/١٥.
١٩٩

لا ينبغي أن يبيع المشتري شيئاً اشتراه حتى يقبضه، وكذلك قول
أبي حنيفة رحمه الله إلا أنه رخّص في الدُّور(١) والعَقّار(٢) والأرضين التي
لا تُحوّل أنْ تُباع قبل أنْ تُقبض، أما نحن فلا نُجيز(٣) شيئاً من ذلك حتى
یُقبض .
٧٦٧ - أخبرنا مالك، حدّثنا نافع، عن عبد الله بن عمر أنه
قال: كنا نبتاع(٤) الطعام في زمان رسول الله وَل، فبعث(٥) علينا مَنْ
يأمرنا بانتقاله من المكان الذي نبتاعه فيه إلى مكان سواه قبل (٦) أنْ
نبيعه .
قال محمد: إنما کان(٧) يُراد بهذا
(١) بالضمّ جمع دار.
(٢) بالفتح: كل ملك ثابت كالدار والنخل، كذا في ((المصباح)).
(٣) لعموم الروايات.
(٤) أي نشتري .
(٥) أي بعث إلينا رجلاً يأمرنا بانتقال المشتَرَى من المكان الذي اشتري
فيه .
(٦) متعلَّق بالانتقال.
(٧) قوله: إنما كان، يعني ليس المقصود من هذا عدم جواز البيع في مكان
الشراء، فإن الأمكنة كلها سواسية في ذلك، بل المقصود منه تحصيل القبض التام
حتى لوجوز البيع هناك تسارع الناس إلى البيع قبل القبض في ذلك المكان(١).
(١) قال الباجي: معناه - والله أعلم - أنه اشتراه جزافاً، وقد ورد ذلك مفسّراً وقال النووي: في
الحديث جواز بيع الصبرة جزافاً وهو مذهب الشافعي، قال الشافعي وأصحابه: بيع الصبرة =
٢٠٠