Indexed OCR Text
Pages 341-360
أو الصيام(١) إنْ لم يجد هدياً. ٤٥١ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: الصيام (٢) لمن تمتّع بالعمرة إلى الحج ممن لم يجد هدياً ما بين أن يهلّ بالحج إلى يوم عرفة فإن (٣) لم يصم صام أيّام منى . ٤٥٢ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن سالم بن (١) أي ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع(١). (٢) أي صيام ثلاثة أيام قبل الحج. (٣) قوله: فإن لم يصم، أي في الأيام الثلاثة التي قبل يوم النحر، وهي السابع والثامن والتاسع من ذي الحجة صام أيام منى، وهي أيام التشريق التي يقوم الحجاج فيها بمنى أي اليوم الحادي عشر والثاني عشر - وهو يوم النفر الأول - والثالث عشر يوم النفر الثاني، وهذا مذهب عائشة وغيرها من الصحابة، وبه قال مالك وغيره وقال أصحابنا وغيرهم: لا يجوز في أيام منى الصوم مطلقاً، وقد ذكرنا تفصيله في كتاب الصيام . (١) قال ابن قدامة: ولكل واحد من صوم الثلاثة والسبعة وقتان: وقت جواز ووقت استحباب، فأما وقت الثلاثة فوقت الاختيار لها أن يصومها ما بين إحرامه بالحج ويوم عرفة، قال طاوس : يصوم ثلاثة أيام آخرها يوم عرفة، ورُوي ذلك عن عطاء والشَّعبي ومجاهد والحسن والنخعي وسعيد بن جبير وعلقمة وعمروبن دينار وأصحاب الرأي وإن صام منها قبل إحرامه بالحج جاز. وأما وقت جوازها فإذا أحرم بالعمرة وهذا قول أبي حنيفة، وعن أحمد أنه إذا حلّ من العمرة، وقال مالك والشافعي: لا يجوز إلا بعد إحرام الحج. انظر: المغني ٤٧٦/٣ و ٤٧٧ . ٣٤٢ عبد الله، عن ابن عمر مثل ذلك(١). ٤٥٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيّب يقول: من اعتمر في أشهر الحج في (٢) شوال أو في ذي القعدة أو في ذي الحجة(٣)، ثم أقام (٤) حتى يحجّ (٥) فهو متمتع قد وجب عليه ما استيسر من الهدي أو(٦) الصيام إن لم يجد هدياً، ومن رجع(٧) إلى أهله ثم حج(٨) فليس بمتمتّع . قال محمد: وبهذا(٩) كلِّه نأخذ وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا رحمهم الله تعالى . (١) أي مثل قول عائشة رضي الله عنها. (٢) بيان لأشهر الحج. (٣) أي العشرة الأولى منها. (٤) أي بمكة أو حواليها من غير رجوع إلى أهله. (٥) أي في تلك السنة. (٦) عطف على ما قبله. (٧) أي بعد تمام أفعال عمرته. (٨) أي في تلك السنة. (٩) قوله: وبهذا كله، إشارة إلى ما في هذا الأثر الأخير أو إلى جميع ما تقدَّم من الآثار في هذا الباب. وحينئذ يُستثنى منه حكم صوم أيام منى، وإنما لم يصرَّح به اكتفاءً بما ذكره في كتاب الصيام. ٣٤٣ -.. ٢٨ - (باب(١) الرَّمْل بالبيت) ٤٥٤ - أخبرنا مالك، حدثنا جعفر(٢) بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله الحَرَامي (٣): أن رسول الله ◌َ ﴿ رمل من الحَجَر (٤) إلى الحجر. (١) قوله: باب الرمل بالبيت، أي في طواف بيت الله، وهو بفتح الراء وسكون الميم، سرعة المشي مع تقارب الخطا، وقيل: هو شبيه بالهرولة، وأصله أن يحرك الماشي منكبيه في مشيه، واتفقوا على كونه مشروعاً، وسببه ما روي عن ابن عباس أن النبي صل وأصحابه لما قدموا مكة معتمرين في عمرة القضاء قال المشركون: يقدم عليكم قوم وهنتهم - أي ضعفتهم - حُمَّى يثرب، فأمرهم رسولُ اللهِ وَليل أن يرملوا الأشواط الثلاثة ولم يأمرهم به في جميع الأشواط شفقةً عليهم، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم. واختلفوا في أنه هل هو من السنن التي لا يجوز تركها أم من السنن التي يخيَّر فيها، فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والجمهور إلى الأول، ورُوي ذلك عن عمر وابنه وابن مسعود. وذهب جمع من التابعين كطاوس وعطاء والحسن والقاسم وسالم إلى الثاني، وروي ذلك عن ابن عباس. وهذا للرجل، وأما المرأة فلا ترمل بالإجماع لكونه منافياً للستر، كذا في («عمدة القاري)). (٢) قوله: جعفر، هو جعفر الصادق فقيه، صدوق، إمام مات سنة ثمان وأربعين ومائة، وأبوه محمد الباقر بن علي زين العابدين بن حسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، ثقة فاضل، كذا في ((شرح الزرقاني)). (٣) قوله: الحَرَامي، بفتح الهاء المهملة نسبة إلى حرام بن كعب الأنصاري جَدّ جابر بن عبد الله، ذكره السمعاني . (٤) قوله: من الحَجَر، بفتحتين أي من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود يعني في تمام الدورة. وقد رُوي نحوه من حديث ابن عمر عند مسلم والنسائي ٣٤٤ قال محمد: وبهذا نأخذ، الرمل ثلاثة(١) أشواط(٢) من الحجر إلى الحجر. وهو وقول أبي حنيفة والعامّة من فقهائنا رحمهم الله تعالی . ٢٩ - (باب المكّي وغيره يحجّ أو يعتمر هل يجب عليه الرَّمْل) ٤٥٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه: أنه رأى عبد الله بن الزبير (٣) وأبي داود وابن ماجه، ومن حديث أبي الطفيل في مسند أحمد، وورد من رواية ابن عباس في الصحيحين في ذكر ابتداء الرمل أنه ط أمرهم أن يرملوا(١) في الأشواط الثلاثة ويمشوا بين الركنين أي الركن اليماني والحجر الأسود. وجُمع بأن ما في حديث ابن عباس كان في عمرة القضاء وما في حديث جابر كان في حجة الوداع فهو آخر الأمرين من رسول الله و ير فلزم الأخذ به. (١) أي في ثلاثة. (٢) جمع شوط بالفتح وهو عبارة عن دورة واحدة حول الكعبة. (٣) قوله: أنه رأى عبد الله بن الزبير، هو أبو حبيب، ويقال: أبو بكر عبد الله بن الزبير، أحد العشر المبشرة، الزُّبير - بالضم - بن العوام الأسدي وُلد أول سنة الهجرة ودعا له رسول الله وَله، وبرّك عليه، كان كثير الصيام والصلاة، وبويع له بالخلافة سنة أربع وستين في آخر عصر يزيد بن معاوية، واجتمع على = (١) معنى الرمل: إسراع الخطو من غير وثب. وهو سنة في الأشواط الثلاثة الأول من طواف القدوم، ولا نعلم فيه بين أهل العلم خلافاً. المغني ٣٧٣/٣. ٣٤٥ أحرم بعمرة من التنعيم (١)، قال(٢): ثم رأيته(٣) يسعى (٤) حول البيت حتى طاف الأشواط الثلاثة. قال محمد: وبهذا نأخذ، الرمل واجب على أهل مكة وغيرهم(٥) في العمرة والحج، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا . = طاعته أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان، وقتله الحجّاج الوالي من طرف عبد الملك بن مروان سنة ٧٢. ومن مآثره أنه بنى الكعبة على قواعد إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والتسليم، كذا في ((جامع الأصول)) وغيره. (١) قوله: من التنعيم، موضع خارج مكة في الحِلّ، وإنما أحرم منه اتباعاً لعمرة عائشة حيث أمرها النبي ولو بعد الفراغ من الحج أن تعتمر وتحرم من التنعيم، واستدل به الجمهور على أن ميقات المكي للعمرة الحل، وخصّه بعضهم بالتنعيم، وذكر الطحاوي أنه ليس بميقاتٍ معيّن كمواقيت الإحرام، بل ميقات المعتمر الحلّ أيّ جهة كانت. (٢) أي عروة بن الزبير. (٣) أي أخاه عبد الله بن الزبير. (٤) أي يدور سعياً ورملاً. (٥) من أهل الآفاق(١). (١) قال أحمد: ليس على أهل مكة رمل عند البيت ولا بين الصفا والمروة. المغني ٣٧٦/٣ ٣٤٦ ٣٠ - (باب المعتمر أو المعتمرة(١) ما يجب عليهما من التقصير والهدي(٢)) ٤٥٦ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر(٣)، أن مولاةً لَعَمْرةٍ(٤) ابنة عبد الرحمن (٥) يقال لها رُقَيّة أخبرته(٦): أنها كانت(٧) خرجت(٨) مع عَمْرة ابنة عبد الرحمن إلى مكة،. (١) قوله: أو المعتمرة، قال القاري: أو للتنويع وجمع بينهما ليكون نصاً على اتحاد حكمهما إلا أن التقصير يتعيّن في حق المرأة، ويجوز في حق الرجل، وإن كان الحلق أفضل بالنسبة إليه. (٢) عطف على المعتمر أو على ما يجب أو على التقصير وهو الأظهر. (٣) ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري. (٤) بفتح العين. (٥) ابن سعد بن زرارة. (٦) أي عبد الله . (٧) في نسخة: قالت. (٨) أي من المدينة . وفي هامش بذل المجهود ١٤٧/٩ : وفيه أربع مسائل، الأول: حكاه الترمذي عن بعضهم أنه ليس على أهل مكة رمل، وبه قال أحمد، وعند الثلاثة لا فرق في المكي وغيره. والثاني: الرمل في ثلاثة جوانب كما قاله جمع من التابعين وهو قول للشافعي ضعيف والجمهور منهم الأربعة على الاستيعاب. والثالث: مذهب الجمهور الرمل في الجوانب الأربعة سنة وقال بعضهم: واجب وهو مؤدَّى قول مالك إذ قال بوجوب الدم بتركه. الرابع: أنه في طواف القدوم لا غير عند الحنابلة وهو قول للشافعي والصحيح عنده وبه قلنا إنه في كل طواف يعقبه سعي، وقال مالك في طواف القدوم فإن لم يطف للقدوم ففي طواف الزيارة. انظر حجة الوداع: ص ٧٥. ٣٤٧ قالت(١): فدخلت عَمْرة مكة يوم التروية(٢) وأنا معها. قالت: فطافت بالبيت وبين (٣) الصفا والمروة ثم دخلت (٤) صُفّة(٥) المسجد، فقالت(٦): أمعكِ (٧) مِقَصّان(٨)؟ فقلت: لا، قالت: فالْتَمِسِيه (٩) لي، قالت: فالتمستُه حتى جئت به(١٠)، فأخذتْ من. (١) أي رقية . (٢) قوله: يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمِّي به لأن التروية الفكر والتردد، وقد وقع فيه التردد لإِبراهيم على نبينا وعليه السلام حين رأى في منامه في ليلة الثامن ذبح ولده في أن هذا المنام رحماني، أو شيطاني، وحصل له العرفان بأنه رحماني يوم التاسع، فسُمِّي عرفة، كذا قيل. وذكر القاري في ((شرح منسك رحمة الله السندي)) أنه إنما سُمِّ به لأنهم كانوا يروون إبلهم فيه، أي يسقونها الماء استعداداً لوقوف يوم عرفة إذ لم يكن في عرفات ماء جارٍ كزماننا. (٣) أي سعت بين الصفا والمروة. (٤) أي عَمْرة. (٥) قوله: صُفّة المسجد، قال الزرقاني: بضم الصاد مفرد صُفَف كغُرفة وغُرَف، قال ابن حبيب: مؤخر المسجد، وقيل: سقائف المسجد. (٦) أي لرقية. (٧) بهمزة استفهام . (٨) قوله: مِقَصّان، بكسر الميم وفتح القاف والصاد المشدّدة، قال الجوهري : المقص المقراض، وهما مقصان . (٩) أي اطلبيه لي من عند شخص ههنا. (١٠) أي بالمقص عند عَمْرة. ٣٤٨ قرون(١) رأسها، قالت(٢): فلما كان يوم النحر ذبحت(٣) شاة . قال محمد: وبهذا نأخذ للمعتمر والمعتمرة، ينبغي أن يقصِّر من شعره إذا طاف (٤) وسعى (٥)، فإذا كان يومُ النحر ذَبَح (٦) ما استيسر من الهدي. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا رحمهم الله تعالى. ٤٥٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا جعفر بن محمد، عن أبيه: أن عليّاً(٧) كان يقول: ما استيسر(٨) من الهدي شاة. (١) قوله: من قرون، جمع قرن أي من ضفائر رأسها، قاله الزرقاني. وقال القاري: أي فقطعت من رؤوس شعر رأسها قدر أنملة من جميعها. (٢) أي رقية. (٣) قوله: ذبحت شاة، أي ذبحت عَمْرة يوم العاشر من ذي الحجة بمنى شاة لتمتّعها لكونها اعتمرت في أشهر الحج، ثم حَلّت من إحرامها بتقصير الشعر، ثم أحرمت بالحج وحجت. (٤) بالبيت. (٥) بين الصفا والمروة. (٦) بعد الرمي قبل الحلق. (٧) ابن أبي طالب. (٨) قوله: ما استيسر، أي المراد من قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾(١) شاة وهو أدناه. وهذا هو قول الجمهور من الصحابة والتابعين، رواه الطبراني وأبو حاتم عنهم بأسانيد صحيحة، ورووا بأسانيد قوية عن عائشة وابن عمر أنهما كانا لا يريان ﴿ما استيسر من الهَدْي﴾ إلا من الإبل والبقر، = (١) سورة البقرة: الآية ١٩٦. ٣٤٩ ٤٥٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر كان يقول: ما استيسر من الهدي بعير (١) أو بقرة. قال محمد: وبقول عليّ نأخذ، ما استيسر من الهدي شاة. وهو قول أبي حنيفة(٢) والعامة من فقهائنا. ٣١ - (باب دخول مكة بغير إحرام) ٤٥٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع: أنَّ ابن عمر اعتمر، ثم أقبل (٣) حتى إذا كان بقُديد (٤) جاءه خبر (٥) من المدينة، فرجع فدخل مكّة بغير (٦) إحرام . = ووافقهما القاسم وطائفة، وقد أخرج الطبري بإسناد صحيح إلى عبد الله بن عبيد بن عمير قال: قال ابن عباس: الهدي شاة، فقيل له في ذلك؟ أي إنه لا يقع اسم شاة على الهدي، فقال: أنا أقرأ عليكم من كتاب الله ما تقوون به؟ ما في الظبي؟ قالوا: شاة. قال: فإن الله يقول: ﴿هدياً بالغ الكعبة﴾ كذا في ((ضياء الساري))(١). (١) قوله: بعير أو بقرة، محمول على الاستحباب فإنه قد مرّ عنه أنه قال لو لم أجد إلا أن أذبح شاة لكان أحب إلي من أن أصوم. (٢) وبه قال الأئمة الثلاثة الباقية. (٣) أي من مكة يريد المدينة. (٤) مصغّراً: موضع بين مكّة والمدينة قرب مكة. (٥) أي خبر مانعٌ من توجّهه إلى المدينة، وهو خبر وقوع الفتنة في المدينة کما صُرِّح به في رواية عبد الرزاق. (٦) قوله: بغير إحرام، قال الزرقاني: احتج به ابن شهاب والحسن البصري = (١) وانظر فتح الباري ٥٣٥/٣، وأوجز المسالك ٢٤٨/٧ . ٣٥٠ قال محمد: وبهذا نأخذ، من كان (١) في المواقيت أو دونها إلى مكة ليس بينه وبين مكة وقت من المواقيت التي وُقّتت فلا بأس أن = وداود وأتباعه على جواز دخول مكة بلا إحرام، وأبى ذلك الجمهور(١). قال ابن وهب عن مالك: لست آخذ بقول ابن شهاب وكرهه، وقال: إنما يكون ذلك على مثل ما عمل ابن عمر من القرب. وقال إسماعيل القاضي: كره الأكثر دخولها بغير إحرام، ورخصوا للحطّابين ومن يكثر دخولهم، ولمن خرج منها يريد بلده ثم بدا له أن يرجع كما صنع ابن عمر، وأما من سافر إليها في تجارة أو غيرها فلا يدخلها إلا محرماً. (١) قوله: من كان في المواقيت، المقررة للإِحرام أي في أنفسها أو دونها أي أسفل منها وأقرب إلى جهة مكة ليس بينه وبين مكة وقت أي ميقات من المواقيت التي وُقّتت - بصيغة المجهول - أي عُيِّنت، وفيه احتزار عمّن بين ذي الحليفة والجُحفة فإنهم وإن كانوا داخل ميقات ذي الحليفة لكن بينهم وبين مكة ميقات آخر، فلا يجوز لهم مجاوزته بغير إحرام، فلا بأس أن يدخل مكة بغير إحرام كما صنع ابن عمر، وهذا إذا لم يُرد أحد النسكين، وإلا فالإِحرام لازم. وأما من كان خلف المواقيت أي في جهة مخالفة لجهة مكة أيّ وقت من المواقيت التي بينه وبين مكة فلا يدخلنّ مكة - سواء قصد نسكاً أو لم يقصد - إلا بإحرام لأحد النُّسُكين، وأما إن لم يُرد دخول مكة بل أراد حاجة فيما سواها فلا إحرام عليه بلا خلاف، فإن النبي ◌َّل﴿ وأصحابه أتّوْا بدراً مارِّين بذي الحليفة ولم يحرموا وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، وبه قال الجمهور. وقال العيني في ((عمدة القاري)): وهو قول عطاء بن أبي رباح والليث والثوري ومالك في رواية، وهو قوله = (١) إن من أراد أن يدخل مكة يجب أن يدخلها محرماً إذا كان آفاقياً يمرّ على الميقات سواء كان أراد الحج أو العمرة أو لا عند أبي حنيفة ومالك وأحمد وهو أشهر القولين عند الشافعية كما في شرح المهذّب ١١/٧ . ٣٥١ يدخل مكة بغير إحرام وأما من كان خلف المواقيت أيّ وقت من المواقيت التي بينه وبين مكة فلا يدخلنّ مكّة إلا بإحرام. وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى والعامة من فقهائنا. ٣٢ - (باب فضل الحَلْق (١) وما يُجزىء(٢) من التقصير) ٤٦٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب قال: من ضَفَر(٣) فليحلِقْ، ولا تُشبِّهوا بالتلبيد. = الصحيح، والشافعي في المشهور عنه، وأحمد وأبي ثور، وقال الزهري والحسن البصري والشافعي في قول ومالك في رواية، وداود بن علي وأصحابه من الظاهرية: لا بأس بدخول الحرم بغير إحرام. انتهى. وقد مرّ بعض ما يتعلق بهذا البحث غير. مرة وسيجيء ذكرُ ما استَدلّ به المخالفون مع جوابه إن شاء الله تعالی . (١) أي حَلْق الرأس عند التحلل من الإِحرام. (٢) أي يكفي . (٣) قوله: من ضفر، بالضاد المعجمة والفاء(١)، أي جعل شعر رأسه ضفائر كل صغيرة على حدة. فليحلق، ظاهره الوجوب. ولا تُشبِّهوا، بالضم أي تلبّسوا علينا. فتفعلوا ما يشبه التلبيد. وروي بفتح التاء أي لا تتشبهوا بالتلبيد، هو أن يجعل على رأسه قبل الإِحرام لزوقاً كالصمغ ونحوه ليتلبّد شعره أي يلتصق بعضه ببعض، فلا ينتشر ولا يقمل، ولا يصيبه الغبار. وظاهر هذا الأثر أنّ الحلق واجب عند عمر لمن ضفَر. ويجوز القصر لمن لّد لأنه أشد منه، وفي رواية عنه كما في ((موطأ يحيى)): من عقص رأسه أو ضفر أو لبّد فقد وجب عليه الحلاق. وإنما جعله واجباً لأن هذه الأشياء تقي الشعر من الشعث، فلما أراد حفظ شعره وصَوْنه ألزمه حلقَه مبالغةً في عقوبته، وإلى هذا ذهب مالك والثوري وأحمد والشافعي في (١) مخففة ومثقلة، كذا في الأوجز ٣٣٠/٧. ٣٥٢ ٤٦١ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر: أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قال (١): اللَّهمّ ارحم المحلَّقين، قالوا(٢): والمقصّرين يا رسول الله؟ قال: اللَّهم ارحم المحلّقين، قالوا: والمقصِّرين يا رسول الله؟ قال: اللَّهم ارحم المحلّقين، قالوا: والمُقَصِّرِين يا رسول الله؟ قال: (٣) والمُقَصِّرِين. قال محمد: وبهذا نأخذ، من ضفر فليحلِقْ (٤)، والحلق أفضل = القديم، وقال في الجديد كالحنفية: لا يتعيّن الحلق مطلقاً إلا إنْ نَذَره أو كان شعره خفيفاً لا يمكن تقصيره، كذا في ((شرح الزرقاني)) والقاري. (١) قوله: قال، أي في حجة الوداع كما ورد في رواية أحمد وابن أبي شيبة ومسلم والبخاري، أو في الحديبية كما ورد عند الطبراني وغيره. ورجّح ابن عبد البرّ الثاني. وقال النووي في الأول: إنه الصحيح المشهور، وجمع القاضي عياض وابن دقيق العيد بوقوعه في الموضعين. (٢) قوله: قالوا والمقصرين، أي قل: وارحم المقصرين، فإن بعض الأصحاب كانوا عند ذلك مقصِّرين، فأرادوا شمولهم في دعاء النبي ◌َّ ، قال الحافظ: لم أقف في شيء من طرقه على الذي تولّى السؤال في ذلك بعد البحث الشدید . (٣) قوله: قال والمقصرين، أي في المرة الرابعة بعد ما دعا للمحلِّقين فقط ثلاثاً، وفي معظم الروايات عن مالك الدعاء للمحلّقين مرتين وعطف المقصِّرين في الثالثة، وكذا وقع الاختلاف في رواية غيره في الصحيحين وغيرهما. (٤) أي استحباباً(١). (١) وذكر الشيخ في ((المسؤَّى)) على أثر الباب: وعليه أبو حنيفة، وفي ((العالمكيرية)) لو تعذّر الحلق لعارض تعيّن التقصير أو التقصير لعارض تعيّن الحلق كأن لبّده بصمغ فلا يعمل فيه = ٣٥٣ من التقصير، والتقصير يُجزىء(١). وهو قول (٢) أبي حنيفة والعامة من فقهائنا . ٤٦٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع: أن ابن عمر كان إذا حلق في حج أو عمرة أخذ من لحيته(٣) ومن شاربه (٤). قال محمد: ليس (٥) هذا بواجب، من شاء فعله. ومن شاء لم يفعله . (١) قوله: يجزىء، أي يكفي، وإذا لم يكن له شعر فُيُمرّ الموسى على رأسه. (٢) قوله: وهو قول أبي حنيفة، قال العيني في ((عمدة القاري)): قد أجمع العلماء على أن التقصير مجزىء في الحج والعمرة معاً إلا ما حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري أنه كان يقول: يلزمه الحلق في أول حجّة، وحُكي ذلك عن النخعي عند ابن أبي شيبة. (٣) أي من طولها وعرضها ، إذا زاد على القدر المسنون، وهو قدر القبضة. (٤) أي أخذ من شاربه قصّاً ونهكاً، لا حلقاً. (٥) قوله: ليس هذا بواجب، أي ليس أخذ اللحية والشارب واجباً بل مسنون أو مستحب، أو يقال: ليس هذا من واجبات الحج ومناسكه كحلق الرأس وتقصيره، وإنما فعله ابن عمر اتفاقاً (١). وفي الأثر إشعار بأن أخذ الشارب هو السنّة = المقراض ومتى نقض تناثر بعض شعره وذلك لا يجوز للمحرم قبل الحلق. أوجز المسالك ٣٣٢/٧. (١) اختلفوا في ما طال من اللحية على أقوال، الأول: يتركها على حالها ولا يأخذ منها شيئاً وهو مختار الشافعية، ورجحه النووي وهو أحد الوجهين عند الحنابلة. الثاني: كذلك إلا في حجّ وعمرة فيستحب أخذ شيء منها، قال الحافظ: هو المنصوص عن الشافعي. الثالث: يستحب أخذ ما فحش طولها جداً بدون التحديد بالقبضة، هو مختار الإِمام مالك = ٣٥٤ ٣٣ - (باب المرأة تَقْدَمُ(١) مكّة بحجّ أو بعمرة فتحيض قبل قدومها(٢) أو بعد ذلك) ٤٦٣ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان يقول: المرأة الحائض التي تهلّ(٣) بحجّ أو عمرة تهلّ (٤) بحجّتها أو بعمرتها إذا أرادت، ولكن لا تطوف بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى تَطَّهْر(٥)، = دون الحلق كما صرح به في ((الهداية)) بل قيل: إن الحلق بدعة، وجنح الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) إليه، لكن لم يأتِ بما يفيده والتفصيل في شرحه للعيني . (١) من باب علم يعلم. (٢) أي قبل دخولها مكة . (٣) أي تحرم. (٤) قوله: تهل، أي يجوز لها أن تحرم بالحج أو العمرة إذا أرادت ذلك لأن الحيض وكذا النفاس لا يمنعان عن جواز إحرامها في أيّ وقت شاءت فتغتسل لإِحرامها لكن لا تُصلي سُنّة الإِحرام، ولا تطوف بالبيت إذا دخلت مكّة طواف العمرة أو طواف القدوم، لأن الطهارة شرط في صحة الطواف، ولأن الطواف يكون بالمسجد الحرام وهي ممنوعة عن دخول كل مسجد، وكذا لا تسعى بين الصفا والمروة لأنه وإن كان جائزاً بغير طهارة لكنه متوقف على وجود طواف قبله، وإذ لیس فلیس. (٥) أي بانقطاع الحيض والغسل، وهو بفتح التاء والطاء المشدّدة وشدّ الهاء على حذف إحدى التائين، وبفتح التاء وسكون الطاء وضم الهاء. رحمه الله، ورجّحه القاضي عياض. الرابع: يُستحب ما زاد على القبضة وهو مختار الحنفية انظر: أوجز المسالك ٦/١٥. ٣٥٥ وتشهد(١) المناسكَ كلَّها مع الناس غير أنها لا تطوف (٢) بالبيت ولا بين الصفا والمروة ولا تقرب (٣) المسجد ولا تحل (٤) حتى تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة . ٤٦٤ - أخبرنا مالك، حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج رسول الله وَّل أنها قالت: قدمتُ(٥) مكّةً و(٦) أنا حائض ولم أطف(٧) بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوتُ ذلك(٨) إلى رسول الله وَ﴿ فقال: افعلي (٩) ما يفعلُ الحاجُ (١٠) غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهّري . (١) قوله: وتشهد المناسك، أي مناسك الحجّ كلها من الوقوف بعرفة وبمزدلفة ورمي الجمار وغيرها لأنها ليست في المسجد ولا شرط لها الطهارة. (٢) أي طواف الإِفاضة. (٣) قوله: ولا تقرب المسجد، مبالغة في النهي والغرض نفي الدخول ولو لغير طواف. (٤) قوله: ولا تحل، أي لا تخرج من الإِحرام حتى تطوف طواف العمرة أو طواف الإفاضة وتسعى بعده. (٥) أي في حجة الوداع. (٦) الواو الحالية. (٧) لكون الطواف محرَّماً في الحيض وكون السعي موقوفاً عليه. (٨) أي ما وقع لي. (٩) قوله: افعلي، أي ارفضي عمرتك وأحرمي بالحج وافعلي جميع أفعاله. (١٠) أي من مناسكه. ٣٥٦ ٤٦٥ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أنها قالت: خرجنا(١) مع رسولِ الله وَ لَّ عامَ (٢) حجّة الوداع، فأهللنا(٣) بعمرة، ثم قال (٤) رسول الله وَليل: من (٥) كان معه (١) من المدينة. (٢) قوله: عام حجة الوداع، وهو عام عشرة من الهجرة، وهي السنة التي حج فيها رسول اللّه وَّر مع أصحابه وهي آخر حجّته، وسميت تلك السنة بعام حجة الوداع، لأنّه ودّع الناس فيها، وقال: خذوا عني مناسككم لعلي لا أحج بعد عامي هذا . (٣) قوله: فأهللنا بعمرة، ظاهره أن عائشة كانت محرمة بالعمرة مفردة، وقد صرح به في رواية عنها عند البخاري وغيره: وكنتُ ممن أهّل بعمرة، ومنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهلّ بحجّ، ومنا من أهلّ بحج وعمرة. وفي رواية عنها: خرجنا مع رسول الله وَ﴿ ولا تُرى إلا أنه الحجّ فلما قدمنا مكة تطوّفنا بالبيت فأمر النبي ◌َّ من لم يكن ساق الهَذْي أن يحل أي من الحج بعمل العمرة وهو فسخ الحج، وهذا محمول على أنها ذكرت ما كانوا يعهدونه من ترك الاعتمار في أشهر الحج، فخرجوا لا يعرفون إلا الحج، فأمرهم النبي وَلـ ـــ دفعاً لاعتقادهم - بفسخ الحج إلى العمرة، وقيل: إنها كانت أحرمت بالحج أولاً، فلما أمرهم النبي ◌َّر بالفسخ فسخت إحرام الحج وأحرمت بالعمرة، والتفصيل في ((فتح الباري)). والعجب من القاري أنه قال: إنها كانت مُفْرِدة بالحج بالاتفاق، وكان فسخها بأمر رسول الله وص له. انتهى. فإن إحرامها قد اختلفت الروايات فيه اختلافاً كثيراً فأين الاتفاق؟! (٤) أي بسرف قرب مكة، كما في رواية عند البخاري . (٥) قوله: من كان معه هَذْي، بالفتح اسم لما يُهدى إلى الحرم من الأنعام، وسَوْق الهَدْي سنة لمريد الحج والعمرة. فليُهلّ، أي ليحرم بالحج والعمرة معاً. ثم لا يَحِلّ، بفتح أوله وكسر ثانيه أي لا يخرج من الإِحرام. حتى يحلّ منهما، أي الحج والعمرة جميعاً بعد الفراغ من مناسك الحج . ٣٥٧ هَدْيٌ فليُهلَّ بالحج والعمرة، ثم لا يحلّ حتى يحلّ منهما جميعاً، قالت: فقدِمْتُ مكّةً وأنا حائض (١) ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوتُ(٢) ذلك إلى رسول الله وَله، فقال: انقُضِي(٣) رأسك وامتشطي وأهلِّي بالحج ودعي العمرة، قالت: ففعلتُ، فلما قضيتُ (٤) الحجّ أرسلني رسول الله وَّلّ مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم (٥) فاعتمرتٌ، فقال رسول الله وَ ل ير: هذه مكان عمرتك، (١) جملة حالية، وكان ابتداء حيضها بسَرَف كما في رواية. (٢) قوله: فشكوت ذلك، أي لما دخل عليها وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقلت: لا أصلي، وكان شكواها يوم التروية، كما في ((صحيح مسلم)). (٣) قوله: انقُضِي، بضم القاف وكسر الضاد. رأسك، أي حلِّي ضفر شعره. وامتشطي، أي سرِّحي شعرك بالمشط. وأهلِّي، أي بالحج لقرب أيامه. ودعي، أي اتركي العمرة، وظاهره أنها كانت مفردة بالعمرة فنقضت إحرامها، وقضت تلك العمرة بعد أيام الحج حين قالت لرسول الله ير: يرجع الناس بحج وعمرة، وأرجع أنا بحج، ليس معها عمرة، فأمرها النبي ◌َّ بالعمرة بالتنعيم، وقال: هذه مكان عمرتك أي هذه العمرة عوض عمرتك السابقة برفع المكان أو نصبه أي مجعولة مكان عمرتك، وقد وقع في هذا الباب روايات مخالفة لهذا دالة على أنها كانت قارنة ولم تنقض إحرام العمرة بل أهلّت بالحج، ولما طهرت طافت بالكعبة وسعت، فقال رسول الله صل : قد حللت من حجك وعمرتك، قالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، فأعمرها بالتنعيم، وهو في ((صحيح مسلم)) من حديث جابر، لكن لا يخفى أن خبر صاحب القصة عن نفسه أحرى بالقبول من خبر غيره. (٤) أي أدّيت. (٥) موضع قرب مكة. ٣٥٨ وطاف الذين حَلَّوْا (١) بالبيت وبين الصفا والمروة ثم طافوا طوافاً (٢) آخر بعد أنْ رجعوا من منى. وأما الذين كانوا جمعوا(٣) الحج والعمرة فإنما طافوا (٤) طوافاً واحداً. قال محمد: وبهذا نأخذ، الحائض تقضي المناسك(٥) کلّها غير أن لا تطوف ولا تسعى بين الصفا والمروة حتى تَطَهّر، فإن كانت أهلَّتْ(٦). (١) أي خرجوا من إحرام العمرة بالحلق أو التقصير وكانوا مُحرمين بالعمرة مفردة. (٢) هو طواف الزيارة للحج. (٣) أي قرنوا. (٤) قوله: فإنما طافوا طوافاً واحداً، هذا نص في أنه يكفي الطواف الواحد والسعي الواحد للحج والعمرة كليهما للقارن، ونحوه ما روي عن ابن عمر مرفوعاً: من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد، أخرجه ابن ماجه والترمذي، وقال: حسن غريب. وفي سنن ابن ماجه عن ابن عباس وجابر وابن عمر أن النبي ولو لم يطف هو وأصحابه إلا طوافاً واحداً لحجتهم وعمرتهم، ونحوه عند الترمذي والدارقطني عن جابر، وعند الدارقطني عن ابن عباس وأبي قتادة وأبي سعيد، وسند بعضها ضعيف، ويخالف هذا ما أخرجه النسائي عن علي : أن النبي 18َّ طاف طوافين وسعى سعيين، ونحوه عند الدارقطني عن ابن عمر وابن مسعود وعمران بن حصين. وفي أسانيدها كلام كما بسطه الزيلعي في ((تخريج أحاديث الهداية))، ولأجل هذا الاختلاف اختلف الأئمة . فقال أصحابنا بالتعدُّد وهو الأقيس، وغيرهم ذهبوا إلى إجزاء التوحّد، وقد ذكرنا سابقاً بعض ما يتعلق بهذا المقام فتذكّره. (٥) أي مناسك الحج. (٦) أي أحرمت. ٣٥٩ بعمرة(١) فخافت فوت الحج (٢) فَلْتُحْرم بالحج، وتقفْ(٣) بعرفة، وترفُضْ (٤) العمرة، فإذا فرغت من حجّها(٥) قضتْ العمرة (٦) كما قضتها (٧) عائشة، وذبحت (٨) ما استيسر من الهَدْي. بلغنا أن النبي وَالر ذبح عنها(٩) بقرة، وهذا كله قول أبي حنيفة رحمه الله إلا من جمع الحج والعمرة فإنه يطوف(١٠) طوافين ويسعى سعيين . (١) أي منفردة. (٢) بأن جاء موسم الحج. (٣) وتؤدي المناسك كلها غير الطواف والسعي. (٤) أي تتركها وتنقض إحرامها(١). (٥) في نسخة: حجتها. (٦) أي بعد الحج. (٧) بالأمر النبوي . (٨) أي للتمتع . (٩) وفي رواية: ذبح عن نسائه، أخرجه البخاري وغيره. (١٠) طوافاً وسعياً للعمرة، وطوافاً وسعياً للحج. (١) وبسط في الأوجز ٧٣/٨ الكلام على روايات عائشة رضي الله عنها، وفيه قال الشيخ ابن القيم: فالصواب الذي لا معدل عنه أنها كانت معتمدة ابتداءً كما قال به الجمهور مع الاختلاف بينهم أنها فسخت العمرة أو قرنتها مع الحج. قلت: وبالأول قالت الحنفية، وبالقول الثاني قالت الأئمة الثلاثة. ٣٦٠ ٣٤ - (باب المرأة تحيض في حجّها قبل أن تطوف طواف(١) الزيارة) ٤٦٦ - أخبرنا مالك، أخبرني أبو (٢) الرجال، أن عَمْرة أخبرته: أن عائشة كانت إذا حجَّتْ ومعها نساء تخاف(٣) أنْ تَحِضْنَ قَدَّمَتْهُنَّ (٤) يوم النحر فأَفَضْنَ(٥)، فإن حِضْن. (١) قوله: طواف الزيارة، هو طواف الحج وهو أحد أركانه ويسمَّى طواف الإِفاضة وطواف الفرض أيضاً، ووقته أيام النحر، أفضلها أولها . (٢) قوله: أخبرني أبو الرجال، هو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حارثة بن النعمان الأنصاري، سمع أنس بن مالك وأمَّه، وعنه الثوري ومالك، من أجلَّة الثقات، وأمُّه عَمْرة - بالفتح - بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة كانت في حجر عائشة، وربَّتها، وروت عنها كثيراً، وهي من التابعيات المشهورات، وابنها محمد كُنِّي بأبي الرِّجال بالكسر جمع رجل لأنه كان له عشرة أولاد ذكور، كذا ذكره ابن الأثير وغيره. (٣) أي تخاف عائشة أن يأتيهن الحيض لقرب أوقاتهن المضادة للحيض. (٤) قوله: قدَّمتهن، من التقديم أي أرسلتهن قبل جميع الرفقاء وقبل نفسها إلى مكة ليفرغن من طواف الزيارة الذي هو أحد أركان الحج لئلا يلزم التوقف في المراجعة إن جاءهن الحيض قبل الطواف فيلزم انتظار تطهُّرِهنَّ وطوافهن. (٥) من الإِفاضة أي طفن طواف الإفاضة. وهذا الاختلاف مبنيّ على اختلاف آخر، وهو أن القارن يأتي بأفعال العمرة مستقلاً وبأفعال الحج مستقلاً عند الحنفية، وأما الأئمة الثلاثة فقالوا: تدخل أفعال العمرة في أفعال الحج. انظر حجة الوداع ص ٦٤ . ٣٦١