Indexed OCR Text

Pages 201-220

رضي الله عنهما أصبحتا صائمتين متطوِّعتين(١)، فأهدي لهما طعام(٢)
فأفطرتا(٣) عليه، فدخل عليهما رسول الله وَله، قالت عائشة: فقالت
حفصة - بدرتني (٤) بالكلام وكانت ابنة (٥) أبيها - : يا رسول الله إني
أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوِّعتين، فأُهدي لنا طعام فأفطرنا
عليه، فقال لهما رسول الله وَله : اقْضِيا(٦) يوماً مكانه.
= الترمذي: روى مالك ومعمر وعبيد الله بن عمر وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ
عن الزهري، عن عائشة مرسلاً (١) وهذا أصح، كذا في ((التنوير)).
(١) أي نافلتين.
(٢) أي شاة، كما في رواية أحمد.
(٣) بأكلهما إياه .
(٤) أي سابقتني وغلبتني.
(٥) قوله: ابنة، أي على خُلُق والدها من الحِدَّة والغلبة، فإنه كان من
مظاهر الجلال، وأنا على طينة أبي من الحلم والسكينة، فإنه كان من مظاهر
الجمال، قاله القاري .
(٦) قوله: اقضيا يوماً مكانه، ظاهر الأمر للوجوب، وبه قال أبو حنيفة
وأبو ثور ومالك، قال ابن عبد البر: ومن حجة مالك مع هذا الحديث قوله تعالى :
﴿ثم أُتِمُوا الصيام إلى الليل﴾(٢) يعمُّ الفرض والنفل، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّم
حرماتِ الله فهو خير له عندربه﴾(٣)، وحديث: إذا دُعي أحدكم إلى طعام فليجب، :
(١) وقد وصله أبو داود أيضاً في ((سننه))، باب من رأى عليه القضاء. انظر بذل المجهود في حل
أبي داود ٣٣٦/١١.
(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٧ .
(٣) سورة الحج: الآية ٣٠.
٢٠٢

..--
قال محمد: وبهذا نأخذ، من صام تطوُّعاً ثم أفطر فعليه
القضاء، وهو قول أبي حنيفة(١) - رحمه الله - والعامَّة(٢) قبلنا.
١١ - (باب تعجيل الإِفطار)
٣٦٣ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو حازم بن دينار، عن سهل بن
سعد: أن النبي ◌َ﴾ قال: لا يزال(٣) الناسُ (٤) بخير(٥) ما عجّلوا
الإِفطار.
= فإن كان مفطراً فليأكل، وروي: فإن شاء أکل، وإن کان صائماً فليدع، وروي: فإن
كان صائماً فلا يأكل، فلو جاز الفطر في التطوع لكان أحسن في إجابة الدعوة،
واحتج الآخرون بحديث أم هانىء(١): دخل عليَّ النبي ◌َّ وأنا صائمة، فأُتي بإناء
من لبن فشرب، ثم ناولني فشربت، فقلت: إني كنت صائمة ولكني كرهت أن أردّ
سُؤرك، فقال: إن كان من قضاء رمضان، فاقضي يوماً مكانه وإن كان من غيره فإن
شئتِ فاقضي وإن شئت فلا تقضي، وحديث عائشة: دخل عليَّ رسول الله وَّل،
فقلت: إنّا خبَّنا لك حَيْساً، فقال: أما إني كنت أريد الصوم لكن قرِّبيه. وأجيب
أنهما قضیة عین لا عموم له.
(١) قوله: أبي حنيفة، وكذا مالك وأبو ثور وغيرهما، وقال الشافعي وأحمد
وإسحاق: لا قضاء عليه ويُستحب أن لا يُفطر، ذكره الزرقاني.
(٢) منهم ابن عباس وابن عمر أخرجه الطحاويّ عنهما.
(٣) لأبي داود من حديث أبي هريرة: لا يزال الدِّين ظاهراً.
(٤) أي الصائمون من المسلمين.
(٥) أي مصحوبين ببركة في متابعة سُنّة دون موافقة بدعة. وعَيَّن في حديث =
(١) قال الترمذي: حديث أم هانىء في إسناده مقال. وقال المنذري: لا يثبت، وفي إسناده
اختلاف كثير أشار إليه النسائي، كذا في ((بذل المجهود)»، نقلاً عن المرقاة ٣٣٦/١١.
٢٠٣

قال محمد: تعجيل الإفطار وصلاة المغرب أفضل من
تأخيرهما(١)، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله - والعامة(٢).
٣٦٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن حميد بن
عبد الرحمن بن عوف أنه أخبره: أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان
كانا يصلِّيان(٣) المغربَ حين ينظرانِ الليلَ الأسود (٤) قبل أن يُفطرا ،
ثم يفطران (٥) بعد الصلاة في رمضان .
= أبي هريرة علَّةً ذلك، فقال: لأن اليهود والنصارى يؤخَّرون، ولابن حبان والحاكم
من حديث سهل: لا تزال أمتي على سُنّتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم.
(١) روى عبد الرزاق وغيره بإسناد صحيح عن عمرو بن ميمون الأودي قال:
كان أصحاب رسول الله #أسرع الناس إفطاراً وأبطأهم سحورً(١).
(٢) قوله: والعامة، أي جمهور علماء أهل السنّة خلافاً للشيعة المبتدعة
حيث لم يفطروا حتى تشتبك(٢) النجوم.
(٣) أي أولاً.
(٤) أي سواد أوله. قوله: الليل الأسود، أي في أفق المشرق عند الغروب،
وهو معنى قوله ◌َّ: إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس
فقد أفطر الصائم، رواه الشيخان، أي أقبل من جهة الشرق وأدبر من جهة المغرب.
(٥) قوله: ثم يفطران، فكانا يسرعان بصلاة المغرب لأنه مشروع اتفاقاً
وليس من تأخير الفطر المكروه، لأنه إنما يُكره تأخيره إلى اشتباك النجوم على وجه
المبالغة ولم يؤخر للمبادرة إلى عبادة، قاله الباجي، لكن روى ابن أبي شيبة وغيره
(١) قال ابن عبد البر: أحاديث تعجيل الإِفطار وتأخير السحور صحاح متواترة، فتح الباري
١٩٩/٤.
(٢) في الأصل: ((يشتبك))، وهو خطأ.
٢٠٤

قال محمد: وهذا كلَّه واسع، فمن شاء أفطر (١) قبل الصلاة،
ومن شاء أفطر بعدها، وكلُّ ذلك لا بأس(٢) به.
١٢ - (باب الرجل يفطر قبل المساء(٣) ويظن أنه قد أمسى)
٣٦٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم: أن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه أفطر في يوم رمضان في يوم غَيْم (٤)، ورأى(٥)
أنه قد أمسى أو (٦) غابت الشمس، فجاءه رجل فقال: يا أمير
= عن أنس قال: ما رأيتُ رسول الله يصلي حتى يفطر ولو على شربة من ماء. ورُوي
عن ابن عباس وطائفة: أنهم كانوا يفطرون قبل الصلاة، كذا قال الزرقاني. وقال
القاري: هو إما لبيان الجواز إشعاراً بأن مثل هذا التأخير لا ينافي الأمر بالتعجيل،
أو لعدم ما يُفطران به عندهم قبل الصلاة، أو لأن الإِفطار المتعارف عندهم أن
يتعشَّوْا بطعامهم، وهذا ربما يُخلّ بتعجيل المغرب. وأما إذا أمكن الاقتصار على
نفس الإِفطار بأكل تمرة، أو بشرب قطرة، ثم يصلي ويتعشى، فهذا جَمْعٌ حسن
ووجه مستحسن.
(١) بشرط أن لا يبلغ مبلغ اشتباك النجوم.
(٢) إلَّ أن الأفضل هو تقديم الفطر(١) على الصلاة لأنه الموافق لعادة
رسول الله وغالب أصحابه.
(٣) أي قبل غروب الشمس.
(٤) بالفتح أي سحاب.
(٥) أي وظن.
(٦) شك من الراوي، وفي نسخة: ( و).
(١) وقال الطحاوي: يستحب الإفطار قبل الصلاة، كما في الأوجز ٢٩/٥.
٢٠٥

المؤمنين، قد طلعت(١) الشمس، قال: الخَطْب(٢) يسير وقد
اجتهدنا(٣) .
قال محمد: من أفطر وهو يرى أن الشمس قد غابت ثم علم أنها
لم تغب لم يأكل بقية يومه ولم يشرب وعليه قضاؤه (٤)، وهو قول (٥)
أبي حنيفة - رحمه الله - .
(١) قوله: قد طلعت الشمس، أي ظهرت يحتمل أنه قصد لِيَعْلَمَ الحكم
فيه، ويحتمل أنه أخبره ليمسك بقية يومه لأنه يجب على من أفطر وهو لا يعلم أن
الزمان صوم، ثم علم أنْ يمسك، بخلاف من أبيح له الفطر مع العلم أنه زمان
صوم فيجوز له الأكل بقية صومه، قاله الباجي.
(٢) قال يحيى: (قال مالك: يريد بقوله ((الخطب يسير)) القضاء فيما نُرى
وخفة مؤنته ويسارته، يقول: نصوم يوماً مكانه)(١). الخطب: أي الأمر هيِّن حقيرٌ.
(٣) حيث عملنا على حسب ظنًّنا والظن معتبر في الشرع.
(٤) أي ذلك الصوم الذي أفطره.
(٥) قوله: وهو قول أبي حنيفة، وبه قال الأئمة الباقية والجمهور لما صرح
به في قصة إفطار عمر، فروى ابن أبي شيبة عن حنظلة، قال: شهدت عمر في
رمضان وقُرِّب إليه شراب، فشرب بعض القوم وهم يرون الشمس قد غربت، ثم
ارتقى المؤذن، فقال: يا أمير المؤمنين، والله إن الشمس طالعة لم تغرب، فقال
عمر: من كان أفطر فليصم يوماً مكانه، ومن لم يُفطر فيتمَّ صومه حتى تغرب
الشمس، وزاد من طريق آخر: فقال له: إنما بعثناك داعياً ولم نبعثك راعياً، وقد
اجتهدنا، وقضاء يوم يسير. ويعضده ما في صحيح البخاري عن معمر، عن
هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء قالت: أفطرنا على عهد رسول الله يومَ غيم،
ثم طلعت الشمس، قيل لهشام: فأمروا بالقضاء؟ قال: لا بدَّ من القضاء، وذهب
جماعة إلى أنه لا يجب القضاء في هذه الصورة أخذاً مما ورد في بعض طرق قصة
(١) كذا في موطأ مالك، وفي الأوجز (١١٩/٥) أي يريد كونه يسيراً، وهو كذلك يعني الأمر
سهل، لا صعوبة فيه، إذ لا تجب فيه الكفارة كأنه يقول: نصوم يوماً مكانه .
٢٠٦

---
١٣ - (باب الوصال(١) في الصيام)
٣٦٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع عن عبد الله بن عمر: أن
رسول الله وَ﴿ نهى(٢) عن الوصال، فقيل له: إنك(٣) تواصل، قال:
إني لستُ كهيئتكم(٤) إني أُطعَم(٥) وأُسقى .
= فطر عمر أنه قال: لا نقضي، لكن قال ابن عبد البر وغيره: هي رواية ضعيفة،
والصواب رواية الإِثبات(١).
(١) هو إمساك الليل بالنهار.
(٢) نهي تنزيه، قوله: نهى عن الوصال، وفي رواية جويرية عن نافع عند
البخاري، وعبيد الله بن عمر، عن نافع عند مسلم، عن ابن عمر أنه وَّ واصل،
فواصل الناس، فشقَّ عليهم، فنهاهم، فقالوا: يا رسول الله. ولم يُسَمَّ القائلون،
وفي الصحيحين عن أبي هريرة فقال رجل من المسلمين، وفي لفظ فقال رجال من
الجميع، وكان القائل واحداً ونُسب إلى الجمع لرضائهم به. وفيه استواء المكلفين
في الأحكام، وأنَّ كل حكم ثبت في حقه ◌َّهِ ثبت في حقِّ أمَّته إلَّ ما استثني.
(٣) أي فما الحكمة في نهيك لنا عنه.
(٤) أي مشابهاً لكم في صفتكم وحالتكم.
(٥) قوله: إني أُطعم وأَسقى، لأحمد وابن أبي شيبة من طريق الأعمش عن
أبي صالح، عن أبي هريرة: إني أظل عند ربي فيطعمني ويسقيني،
وللإسماعيلي من حديث عائشة: أظل عند الله يطعمني ويسقيني ،
ولابن أبي شيبة من مرسل الحسن: إني أبيت عند ربي. واختلف في ذلك.
فقيل: هو على حقيقته وإنه * كان يُؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامةً له في
ليالي صيامه، وطعام الجنة وشرابها لا تجري عليه أحكام التكليف، قال ابن المنير : =
(١) قال الحافظ: يرجّح الأول أنه لو غمَّ هلال رمضان فأصبحوا مفطرين، ثم تبين أن ذلك اليوم
من رمضان فالقضاء واجب بالاتفاق فكذلك هذا. فتح الباري ٢٠٠/٤ .
٢٠٧

٣٦٧ - أخبرنا مالك، أخبرني أبو الزِّناد (١)، عن الأعرج(٢)،
عن أبي هريرة: أن رسول الله وَله قال: إيّاكم (٣) والوصال، إياكم
والوصال (٤)، قالوا: إنك تواصل يا رسول الله؟ قال: إني لست(٥)
كهيئتكم، أَبِيتُ (٦) يُطْعِمُني ربي ويَسقيني، فاكْلَفوا (٧) من الأعمال
= الذي يفطر شرعاً إنما هو الطعام المعتاد، وأما الخارق للعادة كالمحضر من الجنة
فعلى غير هذا المعنى، وقال جماعة: هو مجاز عن لازم الطعام والشراب، وهو
القوة، فكأنه قال: قوة الآكل الشارب يفيض عليَّ بما يسدُّ مسدّ الطعام، والمعنى
أن الله يخلق من الشبع والريِّ ما يغنيه عن الطعام والشراب، فلا يحس بجوع
ولا عطش. وجنح ابن القيم إلى أن المراد أنه يشغله بالتفكّر في عظمته والتغذّي
بمعارفه وقرة العين بمحبّته والاستغراق في مناجاته والإقبال عليه عن الطعام
والشراب، قال: وقد يكون هذا الغذاء أعظم من غذاء الأجساد، ومن له أدنى ذوق
وتجربة يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء
الجسماني (١). انتهى. كذا في ((التنوير)).
(١) عبد الله بن ذكوان.
(٢) عبد الرحمن بن هرمز.
(٣) كُرِّر للمبالغة عن نهي الوصال.
(٤) عند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح ثلاث مرات.
(٥) إنما لم يقل: لستم كهيئاتي تواضعاً.
(٦) أي أُمسي .
(٧) بفتح اللام أي احْمِلوا.
E
(١) قال شيخنا: هذا المعنى لا ينكره أحدٌ له ذوق بالمحبَّة كما قال ابن القيم. لامع الدراري
٠٣٧٧/٥
٢٠٨

ما لكم (١) به طاقة.
قال محمد: وبهذا نأخذ، الوصال مكروه، وهو أنْ يواصل
الرجل بين يومين في الصوم، لا يأكل في الليل شيئاً، وهو قول
أبي حنيفة - رحمه الله - والعامة(٢).
١٤ - (باب صوم يوم(٣) عرفة)
٣٦٨ - أخبرنا مالك، حدثنا سالم أبو النضر (٤)،
(١) قوله: ما لكم به طاقة، أي قدرة وقوة لا يكون سبباً لضعف بنيته، وأما
الأنبياء فلهم القوة الإِلَهية أو الغذاء اللَّدُنِّي فلا يُقاس الصعلوك على الملوك.
(٢) قوله: والعامة، أي جمهور العلماء خلافاً لبعضهم من الصحابة
والتابعين، حيث جوَّزوه(١) وقالوا: النهي عنه رحمة، فمن قدر عليه فلا حرج،
لحديث الصحيحين عن عائشة: نهى رسول الله وَلقر عن الوصال رحمةً لهم.
وأجيب بأن الرحمة لا تمنع النهي، فمن رحمته أنه كره لهم أو حرمه عليهم. وأجاز
أحمد وابن وهب وإسحاق الوصال إلى السحر لحديث البخاري عن أبي سعيد
مرفوعاً: لا تواصلوا، فأيُّكم أراد الوصال فليواصل إلى السحر. وعارضه ابن
عبد البر بحديث الصحيحين: إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار(٢) من ههنا
وغربت الشمس فقد أفطر الصائم، فالوصال مخصوص بالنبي وقل10 .
(٣) يوم التاسع من ذي الحجة.
(٤) مولی عمر بن عبيد.
(١) اختلف العلماء في حكم الوصال، فذهب أحمد وإسحاق وجماعة من المالكية إلى جوازه
إلى السحر، قال الحافظ: هذا الوصال لا يترتَّب عليه شيء مما يترتب على غيره، لأنه في
الحقيقة بمنزلة عَشاء يؤخّره، وقال الموفق: الوصال وهو أن لا يفطر بين اليومين بأكل
ولا شرب، مكروه في قول أكثر أهل العلم، والراجح عند الشافعية التحريم، وفي ((الدر
المختار)) مكروه تنزيهاً. انظر لامع الدراري ٣٨٠/٥ وأوجز المسالك ١٠٣/٥.
(٢) في الأصل: ((الشمس))، وهو خطأ. تنظر عمدة القاري (٦٤/٦).
----
٢٠٩

--
عن عمير(١) مولى (٢) ابن عباس، عن أمِّ الفضل(٣) ابنة الحارث: أن
ناساً تمارَوْا(٤) في صوم رسول الله وَ لّ يوم عرفة(٥)، فقال بعضهم:
صائم، وقال آخرون: ليس (٦) بصائم، فأرسلت(٧) أمُّ الفضل بقَدَح(٨)
من لَبَن وهو واقف بعرفة فشربه(٩).
(١) هو ابن عبد الله الهلالي، وثّقه النسائي وابن حبان، مات سنة ١٠٤،
كذا في ((الإِسعاف)).
(٢) وفي رواية: مولى أم الفضل، ولا منافاة، فهذا باعتبار الأصل والأولان
باعتبار المآل، كذا ذكره الزُّرقاني .
(٣) زوجة العباس.
(٤) أي تنازعوا، أو تشاكّوا، أو اختلفوا.
(٥) أي بعرفات.
(٦) أي لأنه مسافر.
(٧) قوله: فأرسلت، لم يُسَمَّ الرسول بذلك، نعم في النسائي عن ابن
عباس ما يدل على أنه كان الرسولَ بذلك. وفي الصحيحين عن ميمونة أنها أرسلت
فُيُحملِ على التعدُّد بأن يكون الأختان أرسلتا معاً، أو أرسلتا قَدَحاً واحداً، ونُسب
إلى كلٍّ منهما لأنَّ ميمونة أرسلت بسؤال أختها أم الفضل لها ذلك لكشف الحال،
أو عكسه. وفيه التحيُّل للاطلاع على الحكم بغير سؤال وفطنة المرسلة لاستكشافها
عن الحكم الشرعي بهذه الوسيلة اللطيفة اللائقة بالحال، لأن ذلك كان في يوم حارِّ
بعد الظهيرة، كذا في ((شرح الزُّرقاني)).
(٨) بفتحتين كاسه بزرگك(١).
(٩) شفقةً على الأمة ورحمةً على العامة. قوله: فشربه، زاد في حديث
:
(١) بالفارسية .
٢١٠

قال محمد: من شاء صام يوم عرفة ومن شاء أفطر، إنما صومه
تطوع(١)،.
٠
ميمونة: والناس ينظرون، وفي رواية أبي نعيم: وهو يخطب الناس بعرفة أي ليراه
الناس ويعلمون أنه مفطر، لأن العيان أقوى من الخبر. ففطر يوم عرفة للحاجّ أفضل
من صومه لأنه الذي اختاره له لنفسه وللتقوِّي على عمل الحج، ولما فيه من العون
على الاجتهاد في الدعاء والتضرُّع المطلوب في ذلك الموضع، ولذا قال الجمهور:
يُستحب فطره للحاج وإن كان قوياً. ثم اختلفوا هل صومه مكروه؟ وصححه
المالكية، أو خلاف الأولى؟ وصححه الشافعية، وتُعقب بأن فعله المجرد لا يدل
على عدم استحباب صومه، إذ قد يتركه لبيان الجواز، وأجيب بأنه قد روى أبو داود
والنسائي وصححه ابن خزيمة والحاكم عن أبي هريرة: أن النبي ◌َّ نهى عن
صوم عرفة بعرفة. وأخذ بظاهره قوم منهم يحيى بن سعيد الأنصاري، فقال: يجب
فطره للحاجِّ، والجمهو على استحبابه، كذا في ((شرح الزُّرقاني)).
(١) قوله: تطوع، أي ليس بفرض ولا واجب، لكن فيه فضيلة ثابتة، فروى
مسلم واللفظ له، وأبو داود من حديث أبي قتادة: سئل رسول الله وَ لّر عن صوم يوم
عرفة؟ قال: يكفِّر السنة الماضية والباقية (١)، وفي رواية الترمذيّ: صيام يوم عرفة
إني أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي بعده والسنة التي قبله. وروى ابن ماجه
عن قتادة بن النعمان: سمعت رسول الله وَله: من صام يوم عرفة غُفر له سنة أمامه
وسنة بعده. وروى أحمد، عن عطاء الخراساني أن عبد الرحمن بن أبي بكر دخل
على عائشة يوم عرفة وهي صائمة والماء يُرَشَّ عليها، فقال لها: أفطري، فقالت:
أفطر وقد سمعت رسول الله يقول: إن صوم عرفة يكفِّر العام الذي قبله، قال
الحافظ عبد العظيم المنذري في كتاب ((الترغيب والترهيب)»: رواته محتجّ بهم في
الصحيح إلّ أن عطاء لم يسمع من عبد الرحمن. وروى أبو يعلى عن سهل بن سعد =
(١) الجمع بينه وبين حديث الباب أن يُحمل على غير الحاجّ أو على من لم يُضعفه صيامه عن
الذكر والدعاء المطلوب للحاج. انظر فتح الباري ٢٣٧/٤.
٢١١

فإن كان(١) إذا صامه يُضْعِفُه ذلك عن الدعاء(٢) في ذلك اليوم فالإِفطار
أفضل (٣) من الصوم.
= مرفوعاً: من صام يوم عرفة غُفر له ذنبُ سنتين متتابعتين. قال المنذري: رجاله
رجال الصحيح. وأخرج الطبراني في ((الأوسط)) عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: من
صام يوم عرفة غُفر له سنةً أمامه وسنةً خلفه، ومن صام عاشوراء غُفر له سنة .
وإسناده حسن قاله المنذري. وروى الطبراني في ((الأوسط)) أيضاً عن سعيد بن
جبير: سأل رجلٌ عبدَ الله بن عمر، عن صوم يوم عرفة؟ فقال: كنا ونحن مع
رسول الله و لم نعدله بصوم سنتين. وإسناده حسن قاله المنذري. وروى في
((الكبير)) بإسناد فيه رِشْدين بن سعد - وقد ضُعِّف - عن زيد بن أرقم: أن
النبي * سئل عن صيام يوم عرفة؟ فقال: يكفِّر السنة التي قبلها والتي بعدها.
وروى الطبراني في ((الأوسط)) والبيهقي عن مسروق أنه دخل على عائشة يوم عرفة،
فقال: اسقوني، فقالت: يا غلام اسْقِهِ عسلاً، ثم قالت: وما أنت بصائم؟!
قال: لا، إني أخاف أن يكون يوم الأضحى، فقالت: إنما ذلك يوم عرفة، يوم
يعرف الإِمام، أوَ ما سمعتَ يا مسروق أن رسول الله كان يعدله بألف يوم؟ وإسناده
حسن قاله المنذري. وفي رواية البيهقي عنها مرفوعاً: صيام عرفة كصيام ألف يوم.
وأخرج أبو سعيد النقاش في ((أماليه)) عن ابن عمر مرفوعاً: من صام يوم عرفة غُفر له
ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر. قال الحافظ ابن حجر في رسالته ((الخصال المكفرة في
الذنوب المقدمة والمؤخرة)»: قد ثبت في ((صحيح مسلم)) أنه يكفِّر ذنوب السنة
الماضية والمستقبلة وذلك المراد من قوله وما تأخر انتهى. وذكر السيوطي في
رسالته ((فيمن يُؤتى أجره مرتين» أن سبب كون صوم عاشوراء كفّارة سنة وكون صوم
عرفة كفارة سنتين أن ذلك من شرع موسى، وهذا سنّة النبي ◌َِّ فضُعِّف أجره.
(١) أي المحرَّم.
(٢) ونحوه من التلبية والقراءة، وكذا إذا كان الصوم يُسيء خُلُقه أو يُتعب مشيه.
(٣) قوله: أفضل، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف كما ذكره الطحاويّ وعليه
٢١٢

١٥ - (باب الأيام التي يكره فيها الصوم)
٣٦٩ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله،
عن سليمان(١) بن يسار(٢): أنَّ رسول الله وَّ نهى عن صيام أيام(٣)
منی .
٣٧٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد (٤) بن عبد الله بن الهاد، عن
= حُمل ما ورد من النهي عن صيام عرفة بعرفة. أخرجه أبو داود والنسائي وابن خزيمة
وصححه والطبراني والطحاوي وغيرهم، وأخرج الترمذي وابن حبان من حديث
ابن عمر: حججتُ مع رسول الله ولم يصم، ومع أبي بكر كذلك، ومع عمر
كذلك، ومع عثمان كذلك، وأنا لا أصومُه ولا آمُر به ولا أنهى عنه، وذَكَر المنذريُّ
أنَّ مالكاً والثوريَّ كانا يختاران الفطر بعرفة، وكان الزبير وعائشة يصومان، ورُوي
ذلك عن عثمان بن أبي العاص، وكان عطاء يقول: أصوم في الشتاء ولا أصوم في
الصيف، وقال قتادة: لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء.
(١) قال الزهري: كان من العلماء، وقال الزهري: ثقة مأمون، مات سنة
١٠٧ هـ.
(٢) لم يُختلف على مالك في إرساله، قاله أبو عمر ، وقد وصله النَّسائي
من طريق سفيان الثوري عن أبي النضر وعبد الله بن أبي بكر، وهما عن
سليمان بن يسار عن عبد الله بن حذافة.
(٣) أي أيّام رمي الجمار بها، وهي الثلاثة التي يتعجّل الحاجّ منها في يومين
بعد يوم النحر، وهي الأيام المعلومات والمعدودات وأيام التشريق.
(٤) هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ المدني، وثّقه ابن معين
والنسائي، مات سنة ١٣٩ هـ، كذا في ((الإِسعاف)).
٢١٣

ولا لغيرها(١)، لما جاء (٢) من النهي عن صومها عن النبي وَلاّ،
وهو قول أبي حنيفة رحمه الله والعامَّة من قبلنا. وقال مالك(٣) ...
(١) أي من قِران وفدية وكفارة وقضاء.
(٢) قوله: لما جاء من النهي، أي من حديث جماعة من الصحابة عند
جماعة من الأئمة منهم عبد الله بن حذافة عند النسائي، وابن عباس عند الطبراني،
وأبي هريرة عند الدارقطني، وزيد بن خالد الجُهَني عند أبي يعلى المَوْصلي،
ونبيشة وكعب بن مالك عند مسلم، وأم خلدة الأنصارية عند إسحاق بن راهويه،
وابن أبي شيبة وعمرو بن العاص عند مالك والحاكم وابن خزيمة، وعقبة بن عامر
وبشر وعليّ وغيرهم عند جماعة، وليس فيها تخصيص للمتمتّع ولا لغيره، بل في
بعضها أن النبيَّ ﴿ بعث منادياً أيّام منى ينادي: ألا لا يصومنَّ أحد هذه الأيّام.
وأخرج الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١) النهي من حديث عليّ وسعد بن
أبي وقاص وعائشة وعمرو بن العاص وعبد الله بن حذافة وأبي هريرة وبشربن
سحيم وأنس ومعمر بن عبد الله العدوي وأم الفضل زوجة العباس وغيرهم، ثم
قال: فلما ثبت بهذه الآثار النهيُ عن صيام أيام التشريق وكان ذلك بمنى والحاج
مقيمون بها، وفيهم المتمتّعون والقارنون، ولم يستثن منهم متمتعاً دخلوا في هذا
النهي أيضاً.
(٣) قوله: وقال مالك ... إلى آخره، يُستدَلُّ له بظاهر قوله تعالى: ﴿فإذا
أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحجِّ فما استيسر من الهَدْي فمن لم يجد فصيام ثلاثة
أيام في الحجِّ وسبعة إذا رجعتم﴾(٢)، فإنَّ ظاهره تجويز الثلاثة في أيام الحج وأيام
التشريق داخلة فيها، ويوافقه ما أخرجه وكيع وعبد الرزاق وابن أبي شَيْبة وعبد بن
حُميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عمر في تفسير ثلاثة أيام، قال: يومٌ قبل =
(١) ٣٣٥/١.
(٢) سورة البقرة: الآية ١٩٦.
٢١٥

ابن أنس يصومها المتمتع (١) الذي لا يجد الهَدْيَ أو (٢) فاتته الأيّامُ
الثلاثة قبل يوم النحر.
١٦ - (باب النية في الصوم من الليل)
٣٧١ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أنّ ابن عمر قال:
لا يصومُ (٣) إلّ من أَجمع (٤) الصيامَ قبل الفجر.
قال محمد: ومن أجمع أيضاً على الصيام (٥) قبل نصف
= التروية ويوم عرفة، وإذا فاته صيامها صام أيام منى فإنهن من الحج. وأخرج
البخاري وابن جرير والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر وعائشة قالا: لم يُرخّص في
أيام التشريق أن يُصمن إلَّ لمتمتّع لم يجد هدياً. وأخرج ابن جرير ومَن بعده عن
ابن عمر: رخّص رسول الله وَّ للمتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم حتى فاتته أيام
العشر أن يصوم أيام التشريق. وأخرج الدارقطني عن عائشة سمعت رسول الله
يقول: من لم يكن معه هَدْي فليصم ثلاثة أيام قبل يوم النحر ومن لم يكن صام تلك
الثلاثة صام أيام منى. وأجاب أصحابنا وغيرهم عن هذه الآثار بأن الموقوف منها
لا يوازي المرفوع الناهي والمرفوع منها لا يساوي الناهي العامّ من حيث السند،
والاستنباط من الآية في حيّز الخفاء لأن دخول أيام التشريق في أيام الحج في حيِّز
المنع. وفي المقام كلام في المبسوطات.
(١) وكذا القارن.
(٢) في نسخة: إذا.
(٣) أي لا يصح أن يصوم.
(٤) قال الباجي: الإِجماع على الصوم وهو العزم عليه والقصد له.
(٥) أي فرضاً كان أو نفلاً، قوله: على الصيام، سواء كان فرضاً أو نفلاً، أما
النفل فلما أخرجه مسلم في صحيحه عن عائشة قال لي رسول الله ذاتَ يوم:
٢١٦

النهار(١) فهو (٢) صائم، وقد روى ذلك (٣) غيرُ واحد وهو قول (٤)
أبي حنيفة والعامَّة قبلنا .
= يا عائشة هل عندكم شيء؟ فقلت: يا رسول الله ما عندنا شيء، فقال: فإني
صائم ... الحديث، وله ألفاظ عند مسلم. ورواه أبو داود وابن حِبّان والدارقطني
بلفظ: كان النبي ◌َّ# يأتينا يقول: هل عندكم من غَداء؟ فإن قلنا نعم تغذّى، وإن
قلنا لا، قال: إني صائم. وفي رواية لمسلم والدارقطني: دخل عليها، فقال: هل
عندكم شيء؟ قلت: لا، قال: فإني إذاً صائم. ودخل عليَّ يوماً آخر، فقال:
أعندكم شيء؟ قلت: نعم، قال لي: إذاً أفطر وقد كنت فرضت الصوم. وذكر
البخاريُّ تعليقاً عن أمِّ الدرداء: كان أبو الدرداء يقول: عندكم طعام؟ فإن قلنا: لا،
قال: فإني صائم يومي هذا. ووصله ابن أبي شيبة، وكذا أورد عن أبي طلحة عند
عبد الرزاق أنه كان يأتي أهله فيقول هل من غداء؟ فيقولون: لا، فيصوم. وعن
أبي هريرة عند البيهقي، وعن ابن عباس وصله الطحاوي، وعن حذيفة وصله
عبد الرزاق، وذكرها البخاري تعليقاً، وأما الفرض فلما ورد أن النبي وَلّ بعث
رجلاً ينادي في الناس يوم عاشوراء أنَّ من أكل فليصم، أي ليمسك بقية يومه، ومن
لم يأكل فلا يأكل. أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وغيرهم، وصوم يوم عاشوراء
كان فرضاً قبل رمضان، فدل ذلك على إجزاء النية بعد الطلوع أيضاً في رمضان
لولا یظھر فرق بین فرض وفرض.
(١) أي الشرعي، وهووقت الضحوة الكبرى بحيث يقع النية في أكثر أجزاء النهار.
(٢) فصومه عندنا صحيح .
(٣) أي مضمون ما ذكر.
(٤) قوله: وهو قول أبي حنيفة، خلافاً للشافعي وأصحابه فإنهم جَوَّزوا في
النفل النية بعد الطلوع للآثار المذكورة، ولم يجوِّزوا ذلك في الفرض لأثر
ابن عمر، ولحديث حفصة مرفوعاً: من لم يُجمع من الليل فلا صيام له، وفي
رواية: من لم يبِّت الصيام من الليل فلا صيام له، أخرجه أبو داود والترمذي =
٢١٧

النهار (١) فهو (٢) صائم، وقد روى ذلك(٣) غيرُ واحد وهو قول (٤)
أبي حنيفة والعامَّة قبلنا .
يا عائشة هل عندكم شيء؟ فقلت: يا رسول الله ما عندنا شيء، فقال: فإني
صائم ... الحديث، وله ألفاظ عند مسلم. ورواه أبو داود وابن حِبّان والدارقطني
بلفظ: كان النبي * يأتينا يقول: هل عندكم من غَداء؟ فإن قلنا نعم تغذّى، وإن
قلنا لا، قال: إني صائم. وفي رواية لمسلم والدارقطني: دخل عليها، فقال: هل
عندكم شيء؟ قلت: لا، قال: فإني إذاً صائم. ودخل عليَّ يوماً آخر، فقال:
أعندكم شيء؟ قلت: نعم، قال لي: إذاً أفطر وقد كنت فرضت الصوم. وذكر
البخاريُّ تعليقاً عن أمِّ الدرداء: كان أبو الدرداء يقول: عندكم طعام؟ فإن قلنا: لا،
قال: فإني صائم يومي هذا. ووصله ابن أبي شيبة، وكذا أورد عن أبي طلحة عند
عبد الرزاق أنه كان يأتي أهله فيقول هل مّن غداء؟ فيقولون: لا، فيصوم. وعن
أبي هريرة عند البيهقي، وعن ابن عباس وصله الطحاوي، وعن حذيفة وصله
عبد الرزاق، وذكرها البخاري تعليقاً، وأما الفرض فلما ورد أن النبي ◌ّ بعث
رجلاً ينادي في الناس يوم عاشوراء أنَّ من أكل فليصم، أي ليمسك بقية يومه، ومن
لم يأكل فلا يأكل. أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وغيرهم، وصوم يوم عاشوراء
كان فرضاً قبل رمضان، فدل ذلك على إجزاء النية بعد الطلوع أيضاً في رمضان
لولا یظھر فرق بین فرض وفرض.
(١) أي الشرعي، وهووقت الضحوة الكبرى بحيث يقع النية في أكثر أجزاء النهار.
(٢) فصومه عندنا صحيح .
(٣) أي مضمون ما ذكر.
(٤) قوله: وهو قول أبي حنيفة، خلافاً للشافعي وأصحابه فإنهم جَوَّزوا في
النفل النية بعد الطلوع للآثار المذكورة، ولم يجوِّزوا ذلك في الفرض لأثر
ابن عمر، ولحديث حفصة مرفوعاً: من لم يُجمع من الليل فلا صيام له، وفي
رواية: من لم يبيِّت الصيام من الليل فلا صيام له، أخرجه أبو داود والترمذي =
٢١٧

١٧ - (باب المداومة على الصيام)
٣٧٢ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو النضر، عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن(١)، عن عائشة قالت: كان رسولُ اللهِ وَله يصوم حتى يقال
= والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وأحمد والدارقطني، واختلف في رفعه ووقفه،
وصحح جماعة - منهم الترمذي - وقفّه على حفصة، وحمله الطحاوي على ما عدا
النفلَ وصومَ رمضان من صوم الكفارات وقضاء شهر رمضان، لئلا يضادّ حديث
صوم يوم عاشوراء وغيره من الآثار، وذكر في ((إرشاد الساري)) أنه روى عبد الرزاق
عن حذيفة أنه قال: من بدا له الصيام بعدما تزول الشمس فليصم، وإليه ذهب
جماعة سواء كان قبل الزوال أو بعده وهو مذهب الحنابلة، وقال مالك: لا يصوم في
النافلة إلاّ أن يبيِّت، لحديث: لا صيام لمن لا يبِيِّت الصيام من الليل، وقياساً على
الصلاة إذا فرضها ونفلها سواء في النية(١).
(١) قوله: عبد الرحمن، هكذا قال أبو النضر ووافقه يحيى بن أبي كثير في
الصحيحين، ومحمد بن إبراهيم وزيد بن غياث عند النسائي، ومحمد بن عمرو عند =
(١) قال الموفَّق: لا يصح الصوم إلاَّ بنية إجماعاً فرضاً كان أو تطوعاً لأنه عبادة محضة، فافتقر
إلى النية كالصلاة، ثم إن كان فرضاً كصيام رمضان في أدائه وقضائه والنذر والكفارة اشتُرط
أن ينويّه من الليل عند إمامنا ومالك والشافعي، وقال أبو حنيفة يُجزىء صيام رمضان وكل
صوم متعيِّن بنية من النهار لحديث عاشوراء المتفق عليه، ثم في أي جزء من الليل نوى
أجزأه، ثم فَعَلَ بعد النية ما ينافي الصوم من الأكل والشرب أم لا واشتراط بعض أصحاب
الشافعي أن لا يأتي بعد النية بمنافٍ للصوم، واشترط بعضهم وجود النية في النصف الأخير
من الليل كما اختص به أذان الصبح والدفع من مزدلفة، ولنا عموم قوله صلج9: ((من لم يبِّت
الصيام من الليل))، وصوم التطوع يجوز بنية من النهار عند إمامنا وأبي حنيفة والشافعي،
وقال مالك وداود: لا يجوز إلّ بنية من الليل، ثم في أي وقت من النهار نوى أجزأه، سواء
في ذلك ما قبل الزوال وبعده، وهذا ظاهر كلام أحمد والخرقي، واختار القاضي في
((المحرَّر)) أنه لا تجزئه النية بعد الزوال، وهذا مذهب أبي حنيفة والمشهور من قولي
الشافعي، کذا في لامع الدراري ٣٨٢/٥.
٢١٨

لا يُفطر (١)، ويُفطر(٢) حتى يقال لا يصوم، وما رأيتُ رسولَ الله وَل
استكمل (٣) صيامَ شهرٍ قطَّ إلّ رمضان، وما رأيته في شهرٍ أكثرَ (٤)
صياماً(٥) منه في شعبان .
الترمذيّ، وخالفهم يحيى بن سعيد وسالم بن أبي الجعد فروياه عن أبي سلمة
عن أم سلمة أخرجهما النسائي، ويُحتمل أن أبا سلمة رواه عن كلّ منهما، كذا ذكره
الزُّرقاني.
(١) أي بعد ذلك.
(٢) أي أحياناً ويستمرُّ على إفطاره.
(٣) لئلا يُظَنُّ وجوبه.
(٤) بالنصب ثاني مفعولَيْ رأيت.
(٥) بالنصب، وروي بالخفض، قال السُّهَيلي: هو وهم كأنه كتب الألف
. على لغة من يقف على المنصوب المنَوَّن بدون الألف فتوهَّمه مخفوضاً. قوله: أكثر
صياماً منه في شعبان، اختلف في الحكمة في إكثاره الصوم فيه، فقيل: كان يشتغل
عن صيام الثلاثة من كل شهر لسفر أو غيره، فيجتمع فيقضيها فيه، واستدلَّ له بما
أخرجه الطبراني بسند ضعيف عن عائشة: كان رسول الله وَله يصوم ثلاثة أيام من
كل شهر، فربما أخّر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة، فيصوم شعبان، وقيل:
كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان لحديث الترمذي: سُئل رسول الله وله : أيّ الصوم
أفضل بعد رمضان؟ قال: شعبان لتعظيم رمضان. وأصح منه ما أخرجه أبو داود
والنسائي وابن خزيمة عن أسامة قلت: يا رسول الله18 لم أركَ ما تصوم من شهر
من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: ذاك شهر يَغْفُل الناس عنه بين رجب
ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى الله، فأحبُّ أن يُرفع(١) إليه عملي وأنا
صائم، كذا في ((التوشيح شرح صحيح البخاري)) للسيوطي.
(١) المراد بالرفع الرفع الخاصّ دون الرفع العامَ بُكرة وعشيّاً. انظر فتح المُلْهم ١٧٤/٣.
٢١٩

١٨ - (باب صوم يوم عاشوراء(١))
٣٧٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن حُمَيد(٢) بن
عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاويةً(٣) بن أبي سفيان عامَ (٤) حَجّ
وهو على المنبر(٥) يقول: يا أهل المدينة،
(١) قوله: عاشوراء، هو بالمدّ على المشهور، وحُكي فيه القصر وهو
في الأصل صفة الليلة العاشرة لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم العقد، واليوم
مضاف إليها، فإذا قيل يوم عاشوراء فكأنه قيل يوم الليلة العاشرة إلا أنهم لمّا عدلوا
عن الصفة غلبت عليه الاسمية فاستغنوا عن ذكر الموصوف(١) كذا ذكره القاري.
(٢) قوله: عن حُمَيد، قال الحافظ ابن حجر: هكذا رواه مالك وتابعه يونس
وصالح بن كيسان وابن عُيَينة وغيرهم، قال الأوزاعي والزهري عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن، وقال النعمان بن راشد عن الزهري عن السائب بن يزيد كلاهما عن
معاوية، المحفوظ رواية الزهري عن حميد، قاله النسائي وغيره.
(٣) هُو وأبوه من مُسلمة الفتح، وكان أميراً عشرين سنة وخليفةً عشرين
سنة، كذا ذكره الزرقاني .
(٤) قوله: عام حج، كان أول حجة حجها معاوية بعد الخلافة سنة أربع
وأربعين، وآخر حجة حجها سنة سبع وخمسين، ذكره ابن جرير. قال ابن حجر:
ويظهر أن المراد في هذا الحديث الحجة الأخيرة، وكأنه تأخر بمكة أو المدينة بعد
الحج إلى يوم عاشوراء.
(٥) أي منبر المسجد النبوي .
(١) قال العيني: وهو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وعدًّ
أسماءهم ثم قال: ومن الأئمة مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحابهم. ((عمدة القاري))
٠١١٦/٦
٢٢٠

أين(١) علماؤكم(٢)؟ سمعت رسول الله وجل يقول لهذ اليوم(٣):
هذا يوم عاشوراء لم يكتب (٤) الله عليكم صيامه، أنا صائم، ومن
شاء فليصم، ومن شاء فليفطر (٥).
قال محمد: صيام يوم عاشوراء كان واجباً(٦) قبل أن يُفترض
(١) قوله: أين علماؤكم؟، قال النووي: الظاهر إنما قال ذلك لمّا سمع من
يوجبه أو يحرمه أو يكرهه، فأراد إعلامهم بأنه ليس بواجب، ولا محرم، وقال
ابن التين: يحتمل أن يريد به استدعاء موافقتهم، أو بلغه أنهم يَرَوْن صيامه فرضاً
أو نفلاً، أو يكون للتبليغ، كذا في ((عمدة القاري(١)) شرح صحيح البخاري
للعيني .
(٢) أي من الصحابة والتابعين.
(٣) أي في حقه.
(٤) أي لم يُفرض، قوله: لم يكتب الله ... إلى آخره، اتفق العلماء على
أن صوم عاشوراء اليوم سُنّة وليس بواجب، واختلفوا في حكمه أوَّلَ الإِسلام، فقال
أبو حنيفة: كان واجباً، واختلف أصحاب الشافعي على وجهين: أشهرهما: أنه لم
يزل سُنَّة، ولم يك واجباً قط، والثاني: كقول أبي حنيفة، وقال عياض: وكان
بعض السلف يقول: كان فرضاً وهو باقٍ على فرضيّته، قال: وانقرض القائلون
بهذا، وحصل الإِجماع على أنه ليس بفرض، كذا في ((عمدة القاري)).
--
(٥) قال الحافظ ابن حجر: هو كلمة من كلام النبي وَلقر كما بيّنه النسائي
في روايته، ذكره السيوطي .
(٦) قوله: كان واجباً(٢) ... إلى آخره، به ورد كثير من الأخبار، فأخرج =
(١) ١٢١/٦.
(٢) وبسط الكلام على هذا الشيخ ابن القيم في ((الهدي)) وقال: إن رسول الله مَّر كان يصوم
عاشوراء قبل أن ينزل فرض رمضان، فلما نزل فرضُ رمضان تركه، فهذا لا يمكن التخلّص =
٢٢١