Indexed OCR Text

Pages 621-640

سلمة بن عبد الرحمنٍ: أنه سأل عائشة كيف كانت صلاةٌ
رسولِ الله 18َ في رمضان؟ قالت: ما كان (١) رسولُ الله ◌ُ له يزيد في
رمضان ولا غيرِهٍ على إحدى(٢)
(١) قوله: ما كان يزيد ... إلخ، هذا بحسب الغالب، وإلّ فقد ثبت عنها
أنها قالت: كان يصلي رسول الله مح له ثلاث عشرة ركعة من الليل، ثم صلّى إحدى
عشرة ركعة، وترك ركعتين، ثم قُبض حين قُبض وهو يصلّي تسع ركعات. أخرجه
أبو داود. وثبت عنها: أنه كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، أخرجه مالك. وثبت
من حديث زيد بن خالد وابن عباس أيضاً ثلاث عشرة. فمن ظن أخذاً من حديث
عائشة المذكور ههنا أن الزيادة على إحدى عشرة بدعة، فقد ابتدع أمراً ليس من
الدِّين وقد فصَّلته في رسالتي ((تحفة الأخيار)).
(٢) قوله: إحدى عشر ركعة، روى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبغوي
والبيهقي والطبراني، عن ابن عباس: أن النبيَّ ◌َل﴿ كان يصلي بعشرين ركعة والوتر
في رمضان. وفي سنده إبراهيم بن عثمان أبو شيبة جد ابن أبي شيبة صاحب
المصنّف، وهو مقدوح فيه، وقد ذكرت كلام الأئمة عليه في ((تحفة الأخيار)). وقال
جماعة من العلماء - منهم الزيلعي وابن الهمام والسيوطي والزرقاني - : إن هذا
الحديث مع ضعفه معارض بحديث عائشة الصحيح في عدم الزيادة على إحدى
عشرة ركعة، فيُقبل الصحيح ويُطرح غيره، وفيه نظر: إذ لا شكّ في صحة حديث
عائشة وضعف حديث ابن عباس، لكن الأخذ بالراجح وترك المرجوح إنما يتعيّن
إذا تعارضا تعارضاً لا يمكن الجمع، وههنا الجمع ممكن بأن يُحمل حديث عائشة
على أنه إخبار عن حاله الغالب كما صرَّح به الباجيّ في ((شرح الموطأ)) وغيره،
ويُحمل حديث ابن عباس على أنه كان ذلك أحياناً(١).
(١) قلت: قد يُعمل بالضعيف لتقويته بالتعامل وغيره، يؤيِّد حديث ابن عباس عملُ الفاروق فقد
تلقّته الأمة بالقبول، واستقر أمر التراويح في السنة الثانية من خلافته كما في طبقات
ابن سعد ٢٠٢/٣.
٦٢١

عَشْرة ركعةً(١)، يصلِّي أربعاً، فلا تسأل عن حُسْنهنَّ (٢) وطولهنَّ،
ثم يصلي أربعاً(٣) فلا تسأل عن حُسْنهنَّ وطولهنَّ ثم يصلي ثلاثاً(٤)،
قالت: فقلت: يا رسول الله أتنام(٥) قبل أن توتر؟ فقال: يا عائشة
(١) أي: غير ركعتي الفجر، كما في رواية القاسم عنها.
(٢) أي: إنهن في نهاية من الحُسْن والطول مستغنيات بظهور ذلك عن
السؤال.
(٣) قوله: ثم يصلي أربعاً، وأما ما سبق من أنه كان يصلي مثنى مثنى، ثم
واحدة فمحمول على وقت آخر، فالأمران جائزان، كذا في ((إرشاد الساري)).
(٤) قوله: ثم يصلي ثلاثاً، قال الزرقاني: يوتر منها بواحدة، كما في حديثه
فوق هذا الحديث: كان يصلي إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة. انتهى. أقول:
كأنه رام الجمع بين هذا الحديث الدال على أنه صلّى الوتر ثلاثاً، وبين حديثها
السابق في (باب صلاة الليل) الذي يدلُّ بظاهره على أن الوتر واحدة، وليس بذلك
أما أوَّلًا: فلأن للخصم أن يقول: معنى (يوتر بواحدة) يجعل الشفعَ بضم الواحدة
وتراً، فلا يتعيَّن طريق الجمع في ما ذكره، وأما ثانياً: فلأنَّ الجمع بالحمل على
اختلاف الأحوال ممكن بل هذا هو الصحيح، كيف وقد ثبت من حديثها صريحاً
أنه وَلّ كان لا يسلّم في ركعتي الوتر، كما ذكرنا في باب صلاة الليل، وإني لفي
غاية العجب من الفقهاء حيث يجهدون فيما اختلف فيه عن رسول الله وَله باختلاف
الأحوال في إبداء تأويلات ركيكة ليؤول كل الروايات إلى ما ذهبوا إليه، وأنَّى يتيسر
لهم ذلك؟
(٥) قوله: أتنام قبل أن توتر، بهمزة الاستفهام لأنها لم تعرف النوم قبل
الوتر، لأن أباها كان لا ينام حتى يوتر، وكان يوتر أول الليل، قال ابن عبد البر: في
الحديث تقديم وتأخير ومعناه: أنه كان ينام قبل صلاته. وهذا يدل على أنه كان
يقوم، ثم ينام، ثم يقوم، ثم ينام، ثم يقوم، فيوتر.
٦٢٢

عيناي تنامان (١) ولا ينامُ قلبي (٢).
٢٤٠ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، عن أبي سلمةَ بنِ
عبد الرحمن بن عوف، أن (٣) رسولَ الله وَهِ كان يرغَّبُ الناس في
قيام (٤) رمضان من غير أن يأمُرَ(٥) بعزيمة، فيقول: من قام رمضان
إيماناً (٦)
(١) لأن القلب إذا قويت حياته لا ينام إذا نام البدن، ولا يكون ذلك إلاّ
للأنبياء كما قال عليه السلام: إنا معشر الأنبياء تنام أعيننا، ولا تنام قلوبنا.
(٢) قوله: ولا ينام، لا يعارضه نومه في الوادي لأن رؤية الفجر متعلق
بالعين لا بالقلب، كذا حققه الشرّاح وفي المقام تفصيل مظانّه الكتب المبسوطة.
(٣) قوله: أن ... إلخ، قال السيوطي: ليحيى، عن مالك، عن
ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسولَ الله وَلّ ... إلخ، قال
ابن عبد البر: اختلفت الرواة، عن مالك، فرواه يحيى بن يحيى هكذا متصلاً،
وتابعه ابن بكير وسعيد بن عفير وعبد الرزاق وابن القاسم ومعن بن زائدة، ورواه
القعنبي وأبو مصعب ومطرف وابن وهب، وأكثر رواة الموطأ، عن مالك، عن
الزهري، عن أبي سلمة مرسلاً، لم يذكروا أبا هريرة.
(٤) أي: صلاة التراويح قاله النووي، وقال غيره: بل مطلق الصلاة
الحاصل بها قيام الليل.
(٥) قوله: يأمر، قال النووي: معناه لا يأمرهم أمر إيجاب وتحتيم، بل أمر
ندب وترغيب، ثم فسَّره بقوله: فيقول: إلخ، وهذه الصنيعة تقتضي الترغيب
والندب دون الإِیجاب.
(٦) قال النووي: معناه تصديقاً بأنه حق معتقداً فضيلته، وأن يريد به
وجْهَ الله، ولا يقصد رؤيةً الناس ولا غير ذلك.
٦٢٣

واحتساباً غُفر له ما تقدَّم(١) من ذنبه .
قال ابن شهاب: فتوفي (٢) النبيُّ وَلّ والأمر(٣) على ذلك، ثم
كان الأمر في خلافة أبي بكر وصدراً(٤) من خلافة عمرَ على ذلك.
٢٤١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،
عن عبد الرحمن بن عبدٍ (٥)
(١) قوله: ما تقدم من ذنبه، قال النووي: المعروف عند الفقهاء أن هذا
مختص بغفران الصغائر دون الكبائر، وقال بعضهم: يجوز أن يخفّف من الكبائر إذا
لم يصادفه صغيرة، وقال ابن حجر: ظاهره يتناول الصغائر والكبائر، وبه جزم
ابن المنذر، وأخرج ابن عبد البر من طريق حامد بن يحيى، عن سفيان بن عيينة،
عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعاً: من قام رمضان إيماناً
واحتساباً غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر(١)، كذا في ((التنوير)).
(٢) قال الباجي: هذا مرسل أرسله الزهري.
(٣) قوله: والأمر على ذلك، قال الباجي: معناه أن حال الناس على
ما كانوا عليه في زمن النبي ول من ترك الناس والندب إلى القيام، وأن لا يجتمعوا
فيه على إمام يصلي بهم خشية أن يُفرض عليهم ويصحّ أن لا يكونوا يصلون إلاّ في
بيوتهم، أو يصلي الواحد منهم في المسجد، ويصح أن يكونوا لم يجمعوا على إمام
واحد، ولكنهم كانوا يصلون أوزاعاً متفرقين.
(٤) أي: في أوائل خلافته.
(٥) بالتنوين بلا إضافة .
(١) أخرجه البخاري في: ٣١ - كتاب صلاة التراويح، ١ - باب فضل من قام رمضان، ومسلم
في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ٢٥ - باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، رقم
الحديث ١٧٤ . .
٦٢٤

القاريّ (١): أنه خرج (٤) مع عمرَ بنِ الخطاب ليلةً في رمضان،
فإذا الناسُ أوزاعٌ (٣) متفرِّقون، يصلِّي الرجلُ (٤) فيصلِّي بصلاته
الرهط (٥)، فقال عمر: والله إني لأظنني لو جمعتُ هؤلاء على
قارىءٍ (٦) واحدٍ لكان أمثل (٧)، ثم عزم فجمعهم(٨) على
أبيّ بن
.
(١) بشد الياء نسبة إلى القارة بطن من خُزيمة.
(٢) في المسجد النبوي .
(٣) أي: جماعات متفرقون.
(٤) بيان لما أجمله أولاً.
(٥) ما بين الثلاثة إلى العشرة.
(٦) لأنه أنشط لكثير من المصلين ولما في الاختلافِ من افتراقِ الكلمة.
(٧) قوله: لكان أمثل، قال ابن التين وغيره: استنبط عمر من تقرير
النبي وَ مَن صلّ ما هو في تلك الليالي وإن كان كره لهم ذلك، فإنما كرهه
خشية أن يُفرض عليهم، فلمامات وَّر حصل الأمنُ من ذلك، ورأى عمر ذلك لما
في الاختلاف من افتراق الكلمة.
(٨) في سنة أربعَ عشرةَ من الهجرة.
٦٢٥

کعب(١)(٢)،
(١) قوله: على أبيّ بن كعب، كأنه اختاره عملاً بحديث يؤمُّ القومَ
أقرؤهم، وقد قال عمر: أقرؤنا أبيٌّ، ذكره ابن عبد البر وابن حجر، وتبعهما من
جاء بعدهما، وقد استخرجت لذلك أصلاً آخر لطيفاً، وهو أنه قد علم أن أُبَيّاً كان
يصلي بالناس في عهد رسول الله وَّر، وأثنى عليه رسول الله وَّرَ، فأحبّ عمر أن
يجمع الناس به، وذلك لما أخرجه أبو داود، عن أبي هريرة: خرج رسول اللّه ◌َلآ ،
فإذا أناسٌ في رمضان يصلّون في ناحية المسجد، فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء
ناسٌ ليس معهم قرآن وأبيُّ بن كعب يصلّي وهم يصلون بصلاته، فقال: أصابوا،
ونِعْمَ ما صنعوا. وقال ابن حجر(١): فيه مسلم بن خالد الزنجي، وهو ضعيف
والمحفوظ أن عمر هو الذي جمع الناس على أبي بن كعب. انتهى. وفيه نظر فإن
مسلم بن خالد وإن ضعَّفه ابن معين في رواية وأبو داود، لكن وثقه ابن معين في
رواية وابن حبان، وأما كون عمر أول من جمع الناس على أبيّ كما هو المعروف،
فهو لا ينافي ذلك لأن صلاة أبيّ مع الناس في زمن النبي وَّر لم يكن من
اهتمامه، ولم يكن من أمره والاهتمام به، والإِجماع على إمام واحد إنما كان في
زمن عمر، فهو أول من فعل ذلك، وقد حقّقت المرام في ((تحفة الأخيار)).
ثم جمع الناس على أبيّ في عهد عمر إنما كان للرجال، وأما للنساء فكان
إمام آخر كما أخرجه سعيد بن منصور من طريق عروة أن عمر جمع الناس على
أبيّ بن كعب، فكان يصّ بالرجال، وكان تميم الداري يصلي بالنساء، وفي رواية
محمد بن نصر في ((كتاب قيام الليل)) في ذكر إمام النساء سليمان بن أبي حَثْمة،
قال ابن حجر: لعل ذلك كان في وقتين. انتهى. وعلى هذا يُحمل اختلاف ما رواه
مالك، عن السائب أن عمر أمر أبي بن كعب وتميماً أن يكونا بإحدى عشرة ركعة،
مع ما رواه هو والبيهقي أن عمر جمع الناس على ثلاث وعشرين ركعة، مع الوتر،
فيحمل ذلك على أن الاقتصار على الأول كان في البداء، ثم استقر الأمر على
عشرین، ذكره ابن عبد البر.
(٢) أي: جعله إماماً لهم.
(١) انظر فتح الباري ٢٥٢/٤، وبذل المجهود ١٥٩/٧، وحديث مسلم بن خالد مؤيَّد بروايات
٦٢٦

قال: ثم خرجتُ معه(١) ليلةً أخرى والناس يصلّون(٢) بصلاةٍ (٣)
قارئهم (٤)، فقال: نِعْمَتْ (٥)
(١) أي: مع عمر.
(٢) قوله : يصلّون .. إلخ، هو صريح في أن عمر لم يكن يصلي معهم
لأنه كان يرى أن الصلاة في بيته، ولا سيَّما في آخر الليل أفضل، كذا في
((التنوير)).
(٣) قوله : بصلاة، فيه دليل على أن عمر لم يكن يصلي معه ، وكذا ورد
في رواية الطحاوي وغيره، عن ابن عمر وجماعة من التابعين أنهم كانوا لا يصلّون
مع الإِمام، بل في بيوتهم، فدلَّ ذلك على أن الجماعة في التراويح سنة على
الكفاية(١).
(٤) أي: إمامهم المذكور.
(٥) قوله : نعمت البدعة، يريد صلاة التراويح، فإنه في حيِّز المدح وفيه
تحريض على الجماعة المندوب إليها وإن كانت لم تكن في عهد أبي بكر، فقد
صلّها رسول الله وَله، وإنما قطعها إشفاقاً من أن تُفرض على أمته، وكان عمر مِمَّن =
عديدة كما في الأوجز ٢٩١/٢. وهذا الحديث صريح في أن الصلاة بجماعة كانت شائعة
في زمانه 18 وليس المراد من جمع عمر الناس على أبيّ إلَّ مثل جمع عثمان على
القرآن .
(١) قال النووي في شرح مسلم ٣٩/٣: اختلفوا في أنَّ الأفضل صلاتها منفرداً في بيته أم في
جماعة في المسجد؟ فقال الشافعي وجمهور أصحابه وأبو حنيفة وأحمد وبعض المالكية
وغيرهم: الأفضل صلاتها جماعة كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة رضي الله عنهم
واستمرّ عمل المسلمين عليه، لأنه من الشعائر الظاهرة فأشبه صلاة العيد، وقال مالك
وأبو يوسف وبعض الشافعية: الأفضل فرادى في البيت. اهـ.
ولا يذهب عليك أن اختيار الموالك أفضلية البيت مقيَّد بعدم تعطل المساجد كما صرَّح به في
«مختصر خليل)).
٦٢٧

البدعةُ(١) هذه، والتي (٢) ينامون عنها أفضلُ (٣) من التي يقومون فيها .
يريد آخرَ اللیل وكان الناسُ يقومون (٤) أوله .
قال محمد: وبهذا كلّه نأخذ، لا بأسَ بالصَّلاة في شهر رمضانَ أن
يصليَّ الناس تطوُّعاً(٥) بإمَامٍ، لأن المسلمينَ قد أجمعوا على ذلك (٦)
= نَّه عليها، وسنّها على الدوام، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، كذا
في ((الكاشف عن حقائق السنن)) للطيبي.
(١) قوله : البدعة ، فيه إشارة إلى أنها ليست ببدعة شرعية حتى تكون
ضلالة، بل بدعة لغوية وهي حسنة، وقد حقّقت الأمر في ذلك في رسالتي ((إقامة
الحجة على أن الإكثار في التعبد ليس ببدعة)).
(٢) أي: الصلاة التي .
(٣) قال ابن حجر: هذا التصريح بأن الصلاة آخر الليل أفضل.
(٤) قوله : يقومون ، أي: في الابتداء، ثم جعله عمر في آخر الليل لقول
ابن عباس: دعاني عمر أتغدّى معه في رمضان، يعني السحور، فسمع هَيْعَة الناس
حين انصرفوا، فقال عمر: أما إن الذي بقي من الليل أحب مما مضى، كذا ذكره
الزرقاني .
(٥) قوله: تطوُّعاً، إطلاق التطوُّع على التراويح باعتبار أنها زائدة على
الفرائض، وبهذا المعنى يطلق التطوع على جميع السنن، فلا ينافي ذلك كونه سنة
مؤكدة، كما صرح به الجمهور من أصحابنا وغيرهم، أخذاً من المواظبة النبوية
الحُكْمية، ومن المواظبة الحقيقية من الصحابة، ومن المواظبة التشريعية من
الخلفاء .
(٦) قوله: على ذلك، أي: على صلاتهم بإمامهم في ليالي رمضان في زمان
الخلفاء عمر وعثمان وعلي فمَنْ بعدَهم إلى يومنا هذا.
٦٢٨

ورأَوْه حسناً(١).
(١) قوله: ورأوه حسناً، كما يدل عليه قول عمر: نعمت البدعة، قال
ابن تيمية في ((منهاج السنة)): إنما سمّاه بدعة لأنَّ ما فُعل ابتداءً بدعة في اللغة،
وليس ذلك بدعةً شرعية، فإن البدعة الشرعية التي هي ضلالة ما فُعل بغير دليل
شرعي كاستحباب ما لم يُحبه الله، وإيجاب ما لم يوجبه الله، وتحريم ما لم
يحرمه الله. انتهى. وبه يندفع ما يقال: إن قول عمر نعمت البدعة مخالف لحديث
((كل بدعة ضلالة)) بأن المراد بالبدعة في الكلية البدعة الشرعية، وتوصيف الحسن
للبدعة اللغوية ولم يُرْوَ عن أحد من الصحابة في زمان الخلفاء فمن بعدهم الإِنكار
على ذلك، بل قد وافقوا عمر في كونه حسناً، وباشروا به، وأمروا، واهتموا به،
فأخرج ابن أبي شيبة في ((المصنّف)) عن وكيع، عن هشام، عن أبي بكر بن
أبي مُلَيْكة أن عائشة أعتقت غلاماً لها عن دبر، فكان يؤمُّها في رمضان في
المصحف، وعلقه البخاري في ((باب إمامة العبد)) بلفظ: وكانت عائشة يؤمها ذكوان
من المصحفِ. وأخرج محمد في كتاب ((الآثار)) عن إبراهيم النَّخَعي أن عائشة
تؤمُّ النساء في شهر رمضان فتقوم وسطاً، وأخرج البيهقي عن السائب: كانوا
يقومون على عهد عمر في شهر رمضان بعشرين ركعة، وأخرج عن عروة أن عمر
أوَّل من جمع الناس على قيام رمضان، الرجال على أبيّ بن كعب والنساء على
سليمان بن أبي حَثْمة، زاد ابن سعد: فلما كان عثمان جمع الرجال والنساء على
إمام واحد سليمان بن أبي حثمة. وأخرج البيهقي عن شبرمة - وكان من أصحاب
عليّ - أنه كان يؤمُّهم في رمضان، فيصلّي خمس ترويحات. وأخرج أيضاً أنهم
كانوا يقومون على عهد عمر بعشرين ركعة، وعلى عهد عثمان وعلي مثله، وأخرج
أيضاً عن عرفجة: كان عليٌّ يأمر الناس بقيام رمضان. ويجعل للرجال إماماً
وللنساء إماماً، قال عرفجة: فكنت أنا إمامَ النساء. وعن أبي عبد الرحمن السُّلَمي:
أن عليّاً دعا القُرّاء في رمضان، فأمر رجلاً بأن يصلّي بالناس عشرين ركعة، وكان
عليّ یوتر بهم. وروي عن علي أنه قال: نَوَّر الله قبر عمر كما نوّر علینا مساجدنا،
=
٦٢٩

وقد روي (١) عن النبيّ
= ذكره ابن تيمية. وفي الباب آثار كثيرة.
فإن قلت: قد روى الطحاويُّ وغيره تخلُّفَ ابن عمر وعروة وجماعة من
التابعين عن صلاة الجماعة في ليالي رمضان فكيف يصح قول محمد: لأن
المسلمين أجمعوا على ذلك؟ قلت: تخلّفهم لأنهم كانوا يَرَوْن الصلاة في البيوت
أو في آخر الليل أفضل، لكن لم يُنقل عن أحد منهم أنهم أنكروا على اجتماعهم
على إمام واحد في المسجد، ورأَوْه قبيحاً، فإنْ لم يثبت الإِجماع على المباشرة
فلا مناص عن ثبوت الإجماع على كونه حسناً، وهو مراد محمد، فإنَّ ضمير قوله:
(على ذلك) يرجع إلى ما ذكره بقوله لا بأس إلى آخره، فليس غرضه الإِجماع على
المباشرة، بل الإِجماع على أنه لا بأس بذلك، وعلى أنه حسن، وبالجملة المواظبة
التشريعية ثابتة من الصحابة، فمن بعدهم، على حسن أداء التراويح عشرين ركعة
بالجماعة(١)، وإن لم يثبت الإِجماع الفعلي من جميعهم، فافهم، فإنه من سوائح
الوقت .
(١)، قوله: وقد رُوي ... إلى آخره، أقول: هذا صريح في أن ((ما رآه
المؤمنون حسناً)) الحديث مرفوع إلى النبي *، ولم يزل الفقهاء والأصوليون من
أصحابنا وغيرهم يذكرونه مرفوعاً، وكلمات جماعة من المحدثين شهدت بأنه ليس
بمرفوع، بل هو قول ابن مسعود، بل نص بعضهم على أنه لم يوجد مرفوعاً من =
(١) قال الكاساني: إن عمر رضي الله عنه جمع أصحاب رسول الله # في شهر رمضان على
أبيّ بن كعب فصلّى بهم كل ليلة عشرين ركعة، ولم ينكر عليه أحد، فيكون إجماعاً منهم
على ذلك. اهـ. وفي المغني ٨٠٣/١: وهذا كالإِجماع.
أما روايات التراويح في عهد عمر على وجوه منها إحدى عشرة ركعة، وثلاث وعشرون ركعة
في الموطأ. قال ابن عبد البر: روى غير مالك في هذا الحديث إحدى وعشرون وهو
الصحيح، ويقول: إن الأغلب أن قوله إحدى عشرة وهم، رجَّحه الشيخ في أوجز المسالك
٣٠١/٢، ولكن نسب الوهم إلى محمد بن يوسف. لأنَّ نسبة الوهم إلى الإِمام مالك أبعد
من النسبة إليه.
٦٣٠

=
طريق أصلاً، وكنت قد مِلْت إليه في رسالتي ((تحفة الأخيار))، ففي ((المقاصد الحسنة
في الأحاديث المشتهرة على الألسنة))(١) لشمس الدين محمد بن عبد الرحمن
السخاوي: حديث: ((ما رآه المسلمون حسناً))، أخرجه أحمد من حديث ابن مسعود
من قوله، وكذا أخرجه البزّار والطيالسي والطبراني وأبو نعيم في «حلية الأولياء)) في
ترجمة ابن مسعود، بل هو عند البيهقي في ((الاعتقاد)) من وجه آخر عن
ابن مسعود، انتهى. كلامه من نسخة مقروءة عليه، وعليها خطّه في مواضع، وفي
نسخة أخرى للمقاصد: حديث: ((ما رآه المسلمون)) أخرجه(٢) أحمد في كتاب ((السنّة))
- ووهم من عزاه للمسند - من حديث أبي وائل، عن ابن مسعود قال: إن الله نظر
في قلوب العباد، فاختار محمداً مَّ فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد، فاختار
له أصحاباً فجعلهم أنصار دينه، ووزراء نبيه، ((فما رآه المسلمون حسناً، فهو
عند الله حسن))، وكذا أخرجه البزار والطيالسي والطبراني وأبو نعيم في ترجمة
ابن مسعود من (الحلية))، بل هو عند البيهقي في ((الاعتقاد)) من وجه آخر، عن
ابن مسعود. انتهى. وفي ((الأشباه والنظائر)) للزين بن نُجَيم المِصْري عند ذكر
القاعدة السادسة من النوع الأول من الفن الأول، وهي أن العادة محكمة، أصلها:
قوله عليه السلام ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن))، قال العلائي:
لم أجده مرفوعاً في شيء من كتب الحديث أصلاً، ولا بسند ضعيف بعد طول
البحث وكثرة الكشف والسؤال، وإنما هو من قول ابن مسعود موقوفاً عليه، أخرجه
أحمد في «مسنده» انتھی .
وفي ((حواشي الأشباه)) للسيد أحمد الحموي عند قوله: (أخرجه أحمد في
((مسنده))) قال السخاوي في ((المقاصد الحسنة)): حديث ما رآه المسلمون حسناً رواه
أحمد في كتاب ((السنة)) - ووهم من عزاه للمسند - من حديث أبي وائل، عن
ابن مسعود، وهو موقوف حسن. انتهى. فكأنّ العلائي تبع من وهم في نسبته إلى =
(١) المقاصد الحسنة ص ٣٦٧، وأخرجه البزار في كشف الأستار ٨٠/١.
(٢) سقط من الأصل: ((أخرجه)).
٦٣١

= ((المسند)) انتهى. ثم منحني الله تعالى باشتراء قطعة من ((مسند الإمام أحمد)» فإذا
فيه في مسند عبد الله بن مسعود، قال أحمد: نا أبو بكر، نا عاصم، عن زرّ
ابن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، قال: إن الله عزَّ وجل نظر في قلوب العباد بعد
قلب محمد ◌َّ، فوجد قلوب أصحابه خيرَ قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه
يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئاً فهو
عند الله سيِّيءٌ، انتهى. فعلمت أن نسبة الوهم إلى من نسبه إلى ((مسند أحمد)» كما
صدر عن السخاوي وغيره وهم، لعله صدر من عدم مراجعة ((مسند أحمد))،
أو يكون ذلك لاختلاف النسخ(١) ثم بحثت عن رفع هذا الخبر ظناً مني أنه لا بد أن
يكون في كتاب من الكتب طريق له مرفوعاً، وإن كان مقدوحاً، وإلَّ فُيُستبعد أن
ينسبه الجم الغفير من المفسرين والفقهاء والأصوليين إلى النبي ◌َُّلّر من غير وجود
طريق مرفوع له فإن منهم المحدثين الذين بحثوا عن الإِسناد، وكشفوا الغطاء عن
وجه المراد، فيستبعد منهم وقوع ذلك وإن لم يستبعد ممن لا يعدّ من المحدثين،
ذلك لعدم مهارته في ما هنالك، فبعد كثرة التّع اطّلعت على سند مرفوع له في
((كتاب العلل المتناهية في الأحاديث الواهية)) لابن الجوزي، لكن لا سالماً من
القدح، بل مجروحاً بغاية الجرح، وهذه عبارته في (باب فضل الصحابة) من كتاب
الفضائل: أخبرنا القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت، قال: أنا محمد بن
إسماعيل بن عمر البجلي، قال: أنا يوسف بن عمر، قال: قُرىء على أحمد بن
أبي زهير البخاري وأنا أسمع، قيل له: حدثكم علي بن إسماعيل؟ قال: أنا
أبو معاذ رجاء بن معبد، قال: نا سليمان بن عمرو النخعي وأنا أسمع، قال: حدثنا
أبان بن أبي عياش وحميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله التر:
إن الله نظر في قلوب العباد، فلم يجد قلباً أتقى من أصحابي فذلك أخيارهم،
فجعلهم أصحاباً، فما استحسنوا فهو عند الله حسن، وما استقبحوا فهو عند الله قبيح،
قال المؤلف - أي ابن الجوزي -: تفرد به النخعي، قال أحمد بن حنبل: كان
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٧٧/١ و١٧٨: أخرجه أحمد والبزار والطبراني في الكبير
ورجاله موثقون.
٦٣٢
--

أنه قال: ما رآه (١) المُؤمِنُوْنَ حَسَنَاً فهو عند اللَّهِ حسنٌ، وما رآهُ المسلِمُونَ
قَبْحاً فهو عندَ اللَّهِ قَبْحٌ.
= يضع الحديث، وقال المؤلف أيضاً: قلت: هذا الحديث إنما يُعرف من كلام
ابن مسعود. انتهت. فعلمت أن هذا هو وجه انتسابهم قول «مارآه المسلمون
حسناً))، إلى النبي صل﴾، لكن لا يخفى ما في الطريق المرفوع من وقوع سليمان بن
عمرو النخعي، وهو كذاب على ما نقله ابن الجوزي، ونقل برهان الدين إبراهيم بن
محمد بن خليل الشهير بسبط ابن العجمي في رسالته ((الكشف الحثيث عمن رُمي
بوضع الحديث))، عن ابن عَدِيّ أنه قال: أجمعوا على أن سليمان بن عمرو النخعي
يضع الحديث، وعن ابن حبان: كان رجلاً صالحاً في الظاهر إلاّ أنه كان يضع
الحديث وضعاً، وكان قَدَرياً، وعن الحاكم: لست أشك في وضعه للحديث. انتهى.
(١) قوله: ما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن إلى آخره، اعلم أنه قد جرت
عادة كثير من المتفقهين بأنهم يستدلون بهذا الحديث على حُسن ما حدث بعد
القرون الثلاثة من أنواع العبادات وأصناف الطاعات ظنّاً منهم، أنه قد استحسنها
جماعة من العلماء والصلحاء، وما كان كذلك فهو حسن عند الله، لهذا الحديث.
ويُرَدُّ عليهم من وجهين: أحدهما: أنه حديث موقوف على ابن مسعود فلا حجةً
فيه، ويجاب عنهم بأنه إن ثبت رفع هذا الحديث على ما ذكره جمع منهم محمد
فذاك، وإلّ فلا يضر المقصود لأن قول الصحابي: في ما لا يُعقل له حكم الرفع،
على ما هو مصرَّح في أصول الحديث، فهذا القول وإن كان قولَ ابن مسعود لكن
لمّا كان مما لا يُدرَك بالرأي والاجتهاد صار مرفوعاً حكماً، فيصح الاستدلال به،
وثانيهما: أنه لا يخلو إما أن يكون اللام الداخلة على المسلمين في هذا الحديث
للجنس أو للعهد أو للاستغراق ولا رابع، أما الأول فباطل، لأنه حينئذٍ تبطل الجمعية،
ويلزم أن يكون ما رآه مسلم واحد أيضاً وإن خالفه الجمهور حسناً عند الله ولم يقل
به أحد، وأيضاً يلزم منه أن يكون ما أحدثته الفرق الضالة من البدعات والمنهيات
أيضاً حسناً لصدق رؤية مسلم حسناً، وهو باطل بالإِجماع، وأيضاً يخالف حينئذٍ
قوله : ((ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلّ واحدة))، =
٦٣٣

= وقوله وَ﴾: ((من يعِش بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنّة الخلفاء
الراشدين))، وقوله وَله: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ))، وقوله وَلٍّ:
((كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار))، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة التي
تدل على أنه ليس كل ما حدث بعد النبي وس# وليس كل ما أحدثه مسلم من أمته
حسناً، وإذا بطل أن يكون اللام للجنس تعيّن أن يكون للعهد أو للاستغراق، أما
على الأول: فالمعهود إما المسلمون الكاملون كأهل الاجتهاد كما قال عليّ القاري
في ((المرقاة): المراد بالمسلمين زُبدتهم وعُمدتهم، وهم العلماء بالكتاب والسنَّة
الأتقياء عن الشبهة والحرام. انتهى. وإما الصحابة وهو الأظهر، بل لا يميل القلب
الصادق إلى سواه، لكونه بعض حديث من حديث طويل مشتمل على توصيف
الصحابة، والأصل في اللام هو العهد الخارجي، ويؤيده دخول الفاء على قوله:
((ما رآه المسلمون)) على ما هو أصل الرواية وإن اشتهر بحذفها على لسان الأمة فإذن
لا يدل الحديث إلاّ على حُسن ما استحسنه الصحابة أو ما استحسنه الكاملون
من أهل الاجتهاد لا على ما استحسنه غيرهم من العلماء الذين حدثوا بعد
القرون الثلاثة، ولا حظّ لهم من الاجتهاد، وما لم يدخل ذلك في أصل شرعي، وأما
على الثاني: فإما أن يكون للاستغراق الحقيقي فلا يدل إلّ على حسن ما استحسنه
جميع المسلمين، لا على حسن ما وقع الاختلاف فيه، وإما أن يكون للاستغراق
العرفي، وهو استغراق المسلمين الكاملين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من
المجتهدين، وبعد اللَّتيّا واللَّتي أقول: كلام محمد - رحمه الله تعالى - ههنا صافٍ
من الكدورات لأنه إنما استدل بهذا الحديث على حُسن قيام رمضان بالجماعة،
وهو أمر استحسنه الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون والعلماء الكاملون،
وما استحسنه هؤلاء فهو عند الله حسن بلا ريب، وما استقبحه هؤلاء فهو عند الله
قبيح بلا ريب، وبالجملة فهذا الحديث نِعْمَ الدليل على حسن ما استحسنه
الصحابة وغيرهم من المجتهدين، وقبح ما استقبحوه، وأما ما استحسنه غيرهم من
العلماء فالمرجع فيه إلى القرون الثلاثة، أو إلى دخوله في أصل من الأصول =
٦٣٤

٧٢ - (بابُ القنوتِ في الفجرِ)
٢٤٢ - أخبرنا مالك، عن نافعٍ قال: كان(١) ابنُ عُمَرَ
= الشرعية، فما لم يوجد في القرون الثلاثة، ولم يستحسنه أهل الاجتهاد ولم يوجد له
دليل صريح أوما يدخل فيه من الأصول الشرعية، فهو ضلالة بلا ريب، وإن
استحسنه مستحسن، فافهم.
(١) قوله: کان ابن عمر لا يقنت في الفجر، هکذا رُوي عنه بروایات متعددة،
وعن جماعة من الصحابة، فمنهم من لم يختلف عنه، ومنهم من رُوي عنه القنوت
والترك كلاهما، فأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا
لا يقنتون في الفجر. وأخرج عن عليّ أنه لما قنت في الفجر أنكر عليه الناس
ذلك، فلما سلّم قال: إنما استنصرنا على عدونا. وأخرج أيضاً عن ابن عباس
وابن مسعود وابن الزبير وابن عمر أنهم كانوا لا يقنتون في الفجر. وأخرج محمد في
((الآثار))، عن الأسود بن يزيد أنه صحب عمر سنين في السفر والحضر، فلم يره
قانتاً في الفجر حتى فارقه. وأخرج البيهقي، وضعَّفه، عن ابن عباس قال: القنوت
في الصبح بدعة. وأخرج الحازمي في كتاب ((الاعتبار))، عن ابن مسعود قال:
لم يقنت رسول الله ◌َي إلَّا شهراً، لم يقنت قبله ولا بعده. وأخرج عن ابن عمر أنه
قال: رأيت قيامكم عند فراغ القارىء والله إنه لبدعة، ما فعله رسول الله و لل غير
شهر واحد، ثم تركه. وأخرج الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) أن عليّاً وأبا موسى
كانا يقنتان في الفجر. وأخرج أيضاً عن إبراهيم: كان عبد الله لا يقنت في الفجر،
وأول من قنت فيها علي، كانوا يرون أنه إنما فعل ذلك، لأنه كان محارباً. وأخرج
عن ابن عباس أنه قنت في الفجر قبل الركعة، وأخرج أن ابن عمر وابن عباس كانا
لا يقنتان في الصبح. وأخرج عن ابن مسعود أنه كان لا يقنت في شيء من الصلاة
إلَّ الوتر، فإنه كان يقنت فيهما قبل الركعة. وأخرج عن ابن الزبير أنه كان
لا يقنت في الصبح. وأخرج عن عمر أنه كان يقنت، ومن طريق آخر أنه كان
لا يقنت، ومن طريق أنه إذا كان محارِباً قنت، وإلَّ لا. وذكر الحازمي أن مَمِّن
رُوي عنه القنوت عمار بن ياسر وأُبيّ بن كعب وأبو موسى وعبد الرحمن بن =
٦٣٥

لا يَقْنُتُ(١) في الصبح . .
قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله - .
= أبي بكر وابن عباس، وأبو هريرة والبراء وأنس وسهل بن سعد وغيرهم(١).
ولاختلاف الصحابة في ذلك وقع الاختلاف بين التابعين والأئمة
المجتهدين، فممن ذهب إلى القنوت في الفجر سعيد بن المسيب ومحمد بن
سيرين وأبان بن عثمان وقتادة وطاووس وعبيد بن عمير وعبيدة السَّلماني وعروة بن
الزبير وعبد الرحمن بن أبي ليلى وحماد ومالك بن أنس وأهل الحجاز والأوزاعي
وأكثر أهل الشام والشافعي وأصحابه والثوري في رواية وغيرهم كذا ذكره الحازمي،
وذهب نفر من الأئمة منهم إبراهيم والثوري في رواية وأبو حنيفة (٢) وأصحابه إلى أن
لا قنوت في شيء من الصلوات إلَّ في الوتر وإلاّ (٣) في نازلة، فإنه حينئذٍ يُشرع القنوت
في الفجر. وأما الأخبار المرفوعة في ذلك فمختلفة اختلافاً فاحشاً، فورد أنه وَالنّ
كان يقنت في الصلوات كلها، وورد أنه كان يقنت في الفجر والمغرب، وورد أنه لم
يزل يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا، وورد أنه لم يقنت إلاّ شهراً يدعو على قوم من
الكفار، ثم تركه، وورد الاختلاف أيضاً في القنوت قبل الركوع أو بعده، وورد في
بعض الروايات أنه كان لا يقنت إلاّ أن يدعو لقوم أو على قوم. ولا نزاع بين الأئمة
في مشروعية القنوت، ولا في مشروعيته للنازلة، إنما النزاع في بقاء مشروعيته لغير
النازلة، فأصحابنا يقولون: القنوت كان حين كان ثم ترك، وغيرنا يقولون لم يزل
ذلك في الصبح، وإنما تُرك في باقي الصلوات، والكلام في المقام طويل من
الجوانب إبراماً وجرحاً وإيراداً ودفعاً، مظانه الكتب المبسوطة كـ ((الاستذكار))،
و((شرح معاني الآثار))، و((تخريج أحاديث الهداية)) وغير ذلك.
(١) بل روي عنه أنه بدعة .
(١) في الأصل: ((غيره))، والصواب: ((غيرهم)).
(٢) إن الحنفية والحنابلة متفقون في دوام قنوت الوتر دون الفجر وقنوت اللعن عندهم مخصوص
بالنوازل يكون في رمضان أو في غيره. انظر أوجز المسالك ٣٠٨/٢.
(٣) في الأصل: (إلَّ))، والصواب: ((وإلََّ)).
٦٣٦

٧٣ - (بابٌ فضلِ صلاةِ الفجر في الجماعة
وأمر ركعتي الفجر)
٢٤٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابنُ شهاب، عن أبي بَكْرٍ (١) بنِ
سليمَانَ بنِ أبي حثْمةَ: أنَّ عُمَرَ بنَ الخطّاب فَقَدَ سليمانَ(٢) بن
أبي حثمة (٣) في صلاةِ الصُبْحِ، وأنَّ عُمَرَ غدا(٤) إلى السُّوقِ وكان
منزل(٥) سليمان بين السوق والمسجد، فمرَّ عمر على أم سليمان
الشِّفاء(٦)(٧)، فقال: لم أرَ (٨) سليمان في الصبح، فقالت: بات
يصلي(٩)
(١) قوله: أبي بكر، ثقة، عارف بالنسب، لا يُعرف اسمه، واسم
أبي حثمة عبد الله بن حذيفة العدوي المدني، كذا في ((التقريب)).
(٢) قوله: سليمان، قال ابن حبان: له صحبة، وكان من فضلاء المسلمين
وصالحيهم، واستعمله عمر على السوق وجمع الناس عليه في قيام رمضان، كذا
ذكره الزرقاني .
(٣) بفتح المهلمة وإسكان المثلثة.
(٤) أي: ذهب بالغدوة، أي: الصبح.
(٥) ولذا استعمله على السوق لقربه منه.
(٦) بكسر الشين.
(٧) قوله: الشفاء، هي بنت عبد الله بن عبد شمس بن خالد القرشية العدوية
من المبايعات، قال أحمد بن صالح: اسمها ليلى، وغلب عليها الشفاء، كذا في
((الاستيعاب)).
(٨) فيه تفقد الإِمام رعيته في شهود الخير.
(٩) أي: النوافل بالليل.
٦٣٧

فغلبته(١) عيناه، فقال عمر: لأن أشهد (٢) صلاة الصبح أحبُّ إليَّ (٣) من
أن أقوم ليلة .
٢٤٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن ابن عمر أخبره عن
حفصة زوج النبي ﴿﴿ أنها أخبرته أنَّ رسول الله وََّ كان إذا سكَتَ(٤)
المؤذِّنُ من صلاة الصبح(٥) وبدأ(٦) الصبح (٧) ركع ركعتين (٨)
خفيفتين (٩) قبل أن تُقام الصلاة .
قال محمد: وبهذا نأخذ، الركعتان قبل صلاة الفجر
(١) أي: نام.
(٢) أي: أحضر مع الجماعة.
(٣) لما في ذلك من الفضل الكبير.
(٤) يستنبط منه أن لا يصلي عند الأذان، بل يشتغل في الجواب.
(٥) والجملة حالية .
(٦) أي: ظهر.
(٧) هذه الجملة إنما زيدت لئلا يُتَوَهَّم أنه كان يصلّي ركعتي الفجر بعد
الأذان الأول الذي يؤذن به قبل طلوع الفجر.
(٨) قوله : ركعتين، في رواية عَمْرة، عن عائشة: ثم يصلي إذا سمع
النداء أي ركعتين خفيفتين حتى إنّي لأقول هل قرأ بأمّ الكتاب أم لا؟
(٩) قوله : خفيفتين، اختلف في حكمة تخفيفهما فقيل: ليبادر إلى صلاة
الصبح، وقيل: ليستفتح صلاة النهار بركعتين خفيفتين كما كان يصنع في صلاة
الليل.
٦٣٨

يخفَّفان(١)(٢).
٢٤٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أنه
رأى رجلاً ركع ركعتي الفجر، ثم اضطجع(٣)، فقال ابن عمر:
(١) في نسخة: مُخَفّفَتَان.
(٢) قوله: يخفّفان، بأن يقرأ فيهما: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، و﴿قل هو
الله أحد﴾، كما أخرجه مسلم وغيره أن النبي # كان يقرأهما فيهما، ولأبي داود:
﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ في الركعة الأولى، وفي الثانية ﴿رَبَّنا آمنًا بما أَنْزَلْتَ
واتبعنا الرسول﴾ .
(٣) قوله: ثم اضطجع ... إلخ، لا شبهة في ثبوت الاضطجاع عن
النبي ◌َّالر قولاً وفعلاً بعد ركعتي الفجر، أو قبلهما بعد صلاة الليل، وثبوت الترك
عنه(١)، أما ثبوته فعلاً بعد ركعتي الفجر، ففي حديث عائشة: كان رسول الله وَ ل
إذا صلّى ركعتي الفجر اضطجع على شِقَّه الأيمن، أخرجه البخاري وغيره. وأما
ثبوته قبلهما، ففي حديثها من رواية مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة،
وقد مرَّ في (باب صلاة الليل). وأما ثبوته قولاً، ففي حديث أبي هريرة، قال: قال
رسول الله وَله: إذا صلّى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه، أخرجه
أبو داود والترمذي بإسناد صحيح. وأما ثبوت الترك ففي حديث عائشة أن
رسول الله * كان إذا صلّى سنَّة الفجر فإن كنت مستيقظةً حدثني وإلاّ اضطجع
حتى يؤذن بالصلاة، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم، وقد اختلف =
(١) الصواب هو الجمع بين الحديثين معاً، وأحسن الجمع ما نقله شيخنا عن والده - نور الله
مرقده ويرّد مضجعه - أن النبي ﴿ إذا كان يفرغ من قيام الليل قبل طلوع الفجر يضطجع
إلى أن يأتيه المؤذِّن بصلاة الفجر فيقوم فيصلي ركعتي الفجر ويغدو إلى الصلاة، وإذا فرغ
من قيام الليل عند طلوع الفجر فيصلي ركعتي الفجر أيضاً لما قد حان وقته ويضطجع بعد
ذلك. أوجز المسالك ٣٢٩/٢.
٦٣٩

= العلماء في ذلك على ستة أقوال على ما ذكره العيني في ((عمدة القاري شرح
صحيح البخاري)). الأول أنه سنّة، وهو مذهب الشافعي وأصحابه، والثاني: أنه
مستحب، وروي ذلك عن أبي موسى الأشعري، ورافع بن خَديج وأنس
وأبي هريرة، ومحمد بن سيرين وعروة وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد،
والثالث: واجب لا بد منه، وهو قول ابن حزم، والرابع: بدعة، وبه قال عبد الله بن
مسعود وابن عمر على اختلاف عنه، فروى ابن أبي شيبة، عن ابن مسعود قال:
ما بال الرجل إذا صلّى الركعتين يتمعَّك كما تتمعَّك الدابة والحمار، إذا سلّم فقد
فصل. وروى أيضاً أن ابن عمر نهى عنه، وأخبر أنها بدعة، وممن كره ذلك من
التابعين الأسود وإبراهيم النخعي، وقال: هي ضجعة الشيطان. أخرجه ابن
أبي شيبة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وحكاه عياض عن مالك وجمهور
العلماء، والخامس: أنه خلاف الأولى، عن الحسن أنه كان لا يعجبه، والسادس
أنه ليس مقصوداً لذاته، وإنما المقصود الفصل بين ركعتي الفجر والفريضة، إما
باضطجاع أو حديث أو غير ذلك وهو محكيّ عن الشافعي. انتهى كلام العيني
ملخصاً.
قلت: ظاهر الأحاديث القولية والفعلية تقتضي مشروعية الضجعة بعد ركعتي
الفجر، فلا أقلّ من أن يكون مستحباً إن لم يكن سنَّة، وأما حمل ابن حزم الأمر
للوجوب فيبطله ثبوت الترك، وأما إنكار ابن مسعود وابن عمر فإما أن يُحمل على أنه
لم يبلغهما الحديث، وهو غير مستبعد، فإن النبي ﴿ إنما كان يصلي ركعتي
الفجر، ويضطجع بعدهما في بيته، وابن مسعود وابن عمر لم يكونا يحضرانه في
ذلك الوقت، وعائشة أعلم بحاله في ذلك الوقت، وقد أخبرت بوقوعه، وإما أن
يُحمل على أنهما بلغهما الحديث لكن حملاه على الاستراحة، لا على التشريع،
أو حملاه على كونه في البيت خاصاً، لا في المسجد أو نحو ذلك، والله أعلم. وفي
(شرح القاري))، قال ابن حجر المكي في ((شرح الشمائل)): روى الشيخان أنه وصلّ
كان إذا صلّى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن، فتُسنّ هذه الضجعة بين
٦٤٠