Indexed OCR Text
Pages 441-460
وإن سبَّحت فيهما أجزأك(١)، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله - . ٣٧ - (باب الجهر بالقراءة في الصلاة وما يُسْتحبُّ (٢) من ذلك) = قول أبي يوسف ومحمد. وهذا يفيد أنه لا حرج في ترك القراءة والتسبيح عامداً، ولا سجود سهو عليه في تركهما ساهياً، وقد نصَّ قاضيخان في ((فتاواه)) على أن أبا يوسف روى ذلك، عن أبي حنيفة، ثم قال قاضيخان: وعليه الاعتماد، وفي ((الذخيرة)): هذا هو الصحيح من الروايات، لكن في ((محيط رضي الدين السرخسي)) وفي ((ظاهر الرواية)): أن القراءة سنّة في الأخريين، ولو سبَّح فيهما ولم يقرأ لم يكن مسيئاً لأن القراءة فيهما شُرعت على سبيل الذكر والثناء وإن سكت فيهما عمداً يكون مسيئاً لأنه ترك السنّة. وروى الحسن، عن أبي حنيفة أنها فيهما واجبة حتى لو تركها ساهياً يلزمه سجود السهو، ثم في ((البدائع)): الصحيح جواب ((ظاهر الرواية)) لما روينا، عن علي وابن مسعود، أنهما كانا يقولان: المصلّي بالخيار، وهذا باب لا يدرك بالقياس، فالمروي عنهما كالمروي عن النبي صل * . انتهى. ويمكن أن يقال: وبهذا يندفع ترجيح رواية الحسن بما في ((مسند أحمد))، عن جابر قال: ((لا صلاة إلَّ بقراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة إلّ وراء الإِمام)). وبما اتفق عليه البخاري ومسلم، عن أبي قتادة: ((أن رسول الله و ل# كان يقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب))، لأن كون الأول مفيداً للوجوب، والثاني مفيداً للمواظبة المفيدة للوجوب، إنما هو إذا لم يوجد صارف عنه، أما إذا وُجد صارف فلا، وقد وُجد ههنا، وهو أثر علي وابن مسعود لأنه كالمرفوع، والمرفوع صورة ومعنىَّ يصلح صارفاً، فكذا ما هو مرفوع معنى. انتهى كلام صاحب ((الحَلْبَة))(١). وفيه شيء لا يخفى على المتفطن . (١) أي: كفاك. (٢) أي: المقدار المستحب من الجهر. (١) في الأصل: ((الحلية))، وهو تحريف. ٤٤١ ١٣٥ - أخبرنا مالك، أخبرني عمّي أبو سهيل(١) أن أباه (٢) أخبره أن عمر بن الخطاب كان يجهر بالقراءة (٣) في الصلاة وأنه (٤) كان يسمع (٥) قراءة عُمر بن الخطاب عند دار أبي جَهم (٦). (١) اسمه نافع. (٢) مالك بن أبي عامر. (٣) أي: في المسجد النبوي. (٤) قوله: وأنه؛ قال القاري: بفتح الهمزة، ويجوز كسره والضمير للشأن، ويسمع بصيغة المجهول. انتهى. وهذا تكلّف بحت والصحيح أن ضمير أنه ويسمع معروفان راجعان إلى مالك بن أبي عامر الأصبحي جَدّ الإِمام مالك، وأنه أخبر ابنه أبا سهيل عن سمعه قراءة عمر بدليل ما في ((موطأ يحيى)): مالك، عن عمّه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه، قال: كنا نسمع قراءة عمر بن الخطاب عند دار أبي جهم. (٥) كان عمر مديد الصوت، فيسمع صوته حيث ذكر(١). (٦) قوله: أبي جهم(٢)، بفتح الجيم وإسكان الهاء، واسمه عامر، وقيل : : (١) المقصود أن عمر كان جَهْوري الصوت، فيسمع صوته في هذا المحل لجهره بالقراءة، قال الباجي: يُحتمل أن عمر بن الخطاب كان الإِمام في الصلاة، فلذلك كان له أن يجهر بالقراءة فيها، والصلاة التي كان يفعل ذلك فيها هي الفريضة التي كان يجتمع أهل المسجد على الاقتداء به فيها، فلا يبقى أحد ينكر أن عمر بن الخطاب قد جهر عليه بالقراءة. المنتقى ١٥١/١. ويحتمل أن يكون عمر بن الخطاب كان يجهر ذلك في نافلته بالليل وتهجده فكان يسمع من ذلك الموضع ١٥٢/١. (٢) اختلفت نسخ موطأ يحيى في ذكر هذا الاسم ففي النسخة المصرية أبوجهم وفي النسخ الهندية أبو جهيم بزيادة الياء هما صحابيان، أما في نسخة محمد فهو أبوجهم المكبّر فهو ابن حذيفة، وبهذا جزم العلامة الزرقاني في شرحه ١٦٩/١. بفـــ .. ٤٤٢ قال محمد: الجهر بالقراءة في الصلاة فيما يجهر فيه بالقراءة حسن(١) ما لم يُجهد(٢) الرجل نفسه. ٣٨ - (باب آمين (٣) في الصلاة) ١٣٦ - أخبرنا مالك، أخبرني الزهري، عن سعيد بن المسيّب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول الله ولو قال: إذا (٤) أَمَّن الإِمام (٥) = عبيد بن حذيفة صحابي، قرشي من مُسْلمة الفتح، ومشيخة قريش، وداره بالبلاط، بفتح الموحَّد بزنة سحاب، موضع بالمدينة، بين المسجد والسوق، كذا قال الزرقانى . (١) بل واجب في حالة الجماعة. (٢) أي: لم يتحمل على نفسه جهراً ومشقة بالجهر المفرط، لقوله تعالى: ﴿وَلَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابتغٍ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾(١). (٣) في نسخة: التأمين، بالمد والتخفيف، ومعناه عند الجمهور: اللهم استجب، وقيل غير ذلك مما يرجع إليه(٢). (٤) قوله: إذا أمَّن، قال الباجي: قيل: معناه إذا بلغ موضع التأمين، وقيل: إذا دعا، والأظهر عندنا أن معناه قال: آمين كما أن معنى فأمِّنوا قولوا: آمين. انتهى. والجمهور على القول الأخير. لكن أوَّلوا قوله: إذا أمَّن على أن المراد إذا أراد التأمين ليقع تأمينُ الإِمام والمأموم معاً، فإنه يُستحب فيه المقارنة، قال الشيخ أبو محمد الجويني: لا تستحب مقارنة الإِمام في شيء من الصلاة غيره. (٥) قوله: الإِمام، فيه دليل على أن الإِمام يقول: آمين، وهذا موضع = (١) سورة الإسراء: آية ١١٠. (٢) انظر عمدة القاري ١٠٦/٣ و ١٠٧. ٤٤٣ فَأَمِّنوا (١)، فإنه (٢) من وافق (٣) تأمينُه تأمينَ الملائكة (٤) غُفر له (٥) = اختلف فيه العلماء، فروى ابن القاسم، عن مالك أن الإِمام لا يقول: آمين، وإنما يقول: ذلك مَنْ خلفه، وهو قول المصريين من أصحاب مالك، وقال جمهور أهل العلم: يقولها كما يقول المنفرد، وهو قول مالك في رواية المدنيين، وبه قال الشافعي والثوري والأوزاعي وابن المبارك وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وداود والطبري، وحجّتهم أن ذلك ثابت، عن النبي وَلّر من حديث أبي هريرة ووائل بن حجر وحديث بلال: ((لا تسبقني بآمين))، كذا في ((الاستذكار)). (١) قوله: فأمّنوا، حكي عن بعض أهل العلم وجوبه على المأموم بظاهر الأمر، وأوجبه الظاهرية على كل مصلٍ، لكن جمهور العلماء على أن الأمر للندب، كذا في «فتح الباري)). (٢) في رواية الصحيحين: فإن الملائكة تؤمِّن، فمن وافق ... إلخ. (٣) قوله: من وافق، أي: في الإِخلاص والخشوع، وقيل: في الإِجابة، وقيل: في الوقت، وهو الصحيح، ذكره ابن ملك، كذا في ((مرقاة المفاتيح)). (٤) قوله: تأمين الملائكة، ظاهره أن المراد بالملائكة جميعهم، واختاره ابن بزيزة وقيل: الحفظة منهم، وقيل: الذين يتعاقبون منهم. قال الحافظ: والذي يظهر أن المراد من يشهد تلك الصلاة من في الأرض أو في السماء للحديث الآتي : إذا قال أحدكم آمين، وقالت الملائكة: آمين في السماء فوافقت إحداهما الأخرى. وروى عبد الرزاق، عن عكرمة قال: صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء، فإذا وافق آمين في الأرض آمين في السماء غُفر للعبد ومثله لا يُقال بالرأي، فالمصير إليه أولى، كذا في ((التنوير)). (٥) قوله: غُفر له، قال الباجي: يقتضي غفرانَ جميع ذنوبه المتقدِّمة، = ٤٤٤ ما تقدَّم(١) من ذنبه، قال (٢): فقال ابن شهاب (٣): كان النبي 43* يقول: آمين. قال محمد: وبهذا نأخذ، ينبغي إذا فرغ الإِمام من أم الكتاب أن يؤمّن الإِمام ويؤمّن من خلفه، ولا يجهرون (٤) بذلك، فأما أبو حنيفة، = وقال غيره: هو محمول عند العلماء على الصغائر(١). (١) وقع في ((أمالي الجرجاني)) في آخر هذا الحديث زيادة: ((وما تأخر))، كذا في التنوير. (٢) أي: مالك. (٣) قوله: فقال ابن شهاب ، هذا من مراسيل ابن شهاب ، وقد أخرجه الدارقطني في ((غرائب مالك)) و((العلل)) موصولاً من طريق حفص بن عمر العدني، عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة به، وقال: تفرّد به حفص، وهو ضعيف، وقال ابن عبد البر: لم يُتابَع حفص على هذا اللفظ بهذا الإِسناد، وكذا قال السيوطي . (٤) قوله: ولا يجهرون بذلك، به قال الشافعي في قوله الجديد، ومالك في رواية، ومذهب الشافعي وأصحابه وأحمد وعطاء وغيرهم أنهم يجهرون، كذا ذكر العيني، وحجة القائلين بالجهر حديث وائل بن حجر: ((كان رسول الله وَ له إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال: آمين، ورفع بها صوته. أخرجه أبو داود، وفي رواية الترمذي عنه: سمعت رسول الله صل قرأ: ﴿ولا الضآلّين﴾، قال: آمين، ومدَّ بها صوته. وفي رواية النسائي عنه: صليت خلف رسول الله ... الحديث، وفيه: ثم قرأ فاتحة الكتاب، فلما فرغ منها قال: آمين يرفع بها صوته . = (١) قلت: لو حصل كمال الندم عند القيام بحضرته عزَّ شأنه وجلَّ برهاته، فلا مانع من التعميم. أوجز المسالك ١٠٩/٢. ٤٤٥ = وفي رواية لأبي داود والترمذي عنه: أنه صلّى مع رسول الله وَّر، فجهر بآمين. وروى أبو داود وابن ماجه، عن أبي هريرة: كان رسول اللهِ وَّ إذا تلا﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾، قال: آمين حتى يسمع من يليه من الصف الأول، زاد ابن ماجه، فيرتجّ بها المسجد. وروى إسحاق بن راهويه عن امرأة أنها صلَّت مع رسول الله وَلير، فلما قال: ﴿ولا الضالين﴾ قال: آمين، فسمعته، وهي في صف النساء. وروى ابن حبان في ((كتاب الثقات)) في ترجمة خالد بن أبي نوف، عنه، عن عطاء بن أبي رباح، قال: أدركت مائتين من أصحاب رسول الله وَّ في هذا المسجد يَعني المسجدَ الحرام إذا قال الإِمام: ﴿ولا الضالين﴾ رفعوا أصواتهم بآمين. وفي ((صحيح البخاري))، عن عطاء تعليقاً: أمَّن عبد الله بن الزبير ومَن وراءه حتى أن للمسجد لَلَجْة(١). وحجة القائلين بالسر ما أخرجه أحمد وأبو يعلى والحاكم من حديث شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، عن علقمة بن وائل، عن أبيه: أن رسول الله وَ﴿ لما بلغ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّالِّينَ﴾، قال: آمين، وأخفى صوته. ولفظ الحاكم: خفض صوته. لكن قد أجمع الحفاظ منهم البخاري وغيره أن شعبة وَهِم في قوله خفض صوته، وإنما هو مدّ صوته، لأن سفيان كان أحفظ من شعبة، وهو ومحمد بن سلمة وغيرهما رووه عن سلمة بن كهيل هكذا، وقد بسط الكلام في إثبات عِلَل هذه الرواية الزيلعي في «تخريج أحاديث الهداية» وابن الهُمام في ((فتح القدير)) وغيرهما من محدثي أصحابنا. والإِنصاف أنَّ الجهر قويّ من حيث الدليل، وقد أشار إليه ابن أمير حاج في : (١) قال القاري في (مرقاة المفاتيح: ٢٩٢/٢): حمل أئمتنا ما ورد من رفع الصوت على أول الأمر للتعليم، ثم لما استقرَّ الأمر عمل بالإِخفاء والله أعلم ... ثم إن الأصل في الدعاء الإخفاء لقوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرُّعاً وخفية﴾، ولا شك أن آمين دعاء، فعند التعارض يُرجَّح الإخفاء بذلك وبالقياس على سائر الأذكار والأدعية. ٤٤٦ -- ... فقال (١): يؤمّن من خلف الإِمام، ولا يؤمّن الإِمام(٢). ٣٩ - (باب السهو في الصلاة) ١٣٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن أبي سلمة بن = ((الحَلْبة))(١) حيث قال: السرّ هو السنة، وبه قالت المالكية، وفي قول عندهم يجهر في الجهرية، وعند الشافعي إن كانت جهرية جهر به الإِمام بلا خلاف، والمنفرد على المعروف، والمأموم في أحد قوليه، ونصّ النووي على أنه الأظهر، وقد ورد في السنَّة ما يشهد لكل من المذهبين، ورجح مشايخنا ما للمذهب بما لا يعرى عن شيء لمتأمِّله. فلا جرم أنْ قال شيخنا ابن الهمام(٢): ولو كان إليّ في هذا شيء لوفّقت بأن رواية الخفض يراد بها عدم القرع العنيف ورواية الجهر بمعنى قولها: في زبر الصوت وذيلها. انتهى . (١) قوله: فقال، وجَّهوا قوله بحديث: ((إذا قال الإِمام: ﴿ولا الضآلّين﴾ فقولوا: آمين))، فإنه يدل على القسمة وهي تنافي الشركة، ولا يخفى ما فيه، والأحاديث الصريحة في قول الإمام آمين واردة عليه، فلهذا لم يأخذ المشايخ بهذه الرواية . (٢) قوله: ولا يؤمِّن الإِمام، قد يقال: يخالفه قوله في كتاب ((الآثار)): فإنه أخرج فيه عن أبي حنيفة، عن حمّاد، عن إبراهيم النخعي قال: أربع يخافت بهن الإِمام: سبحانك اللَّهم، والتعوُّذ، وبسم الله، وآمين، ثم قال: وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة. فهذا يدل على أن أبا حنيفة أيضاً قائل بقول الإِمام آمين سرّاً، أو يجاب عنه بوجهين: أحدهما: أن الرواية عنه مختلفة، فذكر إحداهما ههنا، وذكر الأخرى هناك. وثانيهما: أن أبا حنيفة فرَّع الجواب في هذه المسألة على قولهما كما فرَّع مسائل المزارعة على قول من يرى جوازها، وإن كان خلاف مختاره . (١) في الأصل: ((الحلية))، وهو تحريف. (٢) فتح القدير ٢٥٧/١. ٤٤٧ عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَالقو(١): إن أحدكم إذا قام في الصلاة جاءه الشيطان، فَلَبَس(٢) عليه حتى لا يدري كم صلّى، فإذا وجد(٣) أحدكم ذلك، فليسجد(٤) سجدتين(٥) وهو جالس. ١٣٨ - أخبرنا مالك، حدثنا داود(٦) بن الحُصَين(٧)، عن أبي سفيان(٨) مولى (٩) ابن أبي أحمد، (١) هذا حديث متفق عليه، ورواه الأربعة، كذا في ((مرقاة المفاتيح)). (٢) بفتح الباء الموحدة الخفيفة، أي: خلط. (٣) قوله: فإذا وجد، قال أبو عمر(١): هذا الحديث محمول عند مالك وابن وهب وجماعة على الذي يكثر عليه السهو، ويغلب على ظنه أتم، لكن يوسوس الشيطان له، وأما من غلب على ظنه أنه لم يكمل، فيبنيه على يقينه. (٤) ترغيماً للشيطان. (٥) بعد السلام، كما في حديث عبد الله بن جعفر مرفوعاً: من شك في صلاته فليسجد سجدتین بعد ما يسلّم، رواه أحمد وأبو داود. (٦) وثَّقه ابن معين، مات سنة ١٣٥، كذا في ((الإِسعاف)). (٧) بمهملتين مصغراً. (٨) قوله: أبي سفيان، اسمه وهب، قاله الدارقطني، وقال غيره: اسمه قُزْمان، بضم القاف، قال ابن سعد: ثقة، قليل الحديث، روى له الستة، كذا في (شرح الزرقاني)) و («التقريب». (٩) هو عبد الله بن أبي أحمد بن جحش القرشي الأسدي، ذكره جماعة في ثقات التابعين، كذا قال الزرقاني. (١) في الأصل: ((أبو عمرو))، وهو تحريف. ٤٤٨ عن أبي هريرة قال: صلى (١) رسول الله وَال صلاة العصر(٢)، فسلَّم (٣) في ركعتين، فقام ذو اليدين (٤) (١) قوله: صلّى، قال أبو عمر (١) بن عبد البر: كذا رواه يحيى ولم يقل ((لنا))، وقال ابن القاسم وابن وهب والقعنبي وقتيبة، عن مالك قالوا: صلّ لنا. (٢) قوله: صلاة العصر، ورد في طريق البخاري الظهر أو العصر على الشك، وفي (أبواب الإِمامة)، عن أبي الوليد، عن شعبة: الظهر، بغير شك، وكذا لمسلم من طريق أبي سلمة، وله من طريق أخرى، عن أبي هريرة: العصر، وفي (باب تشبيك الأصابع في المسجد) من صحيح البخاري، من طريق محمد بن سيرين، عن أبي هريرة بلفظ: إحدى صلاتي العشيّ، قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة، ولكن نسيت أنا. قال الحافظ ابن حجر: الظاهر أن الاختلاف فيه من الرواة، وأبْعَدَ من قال يُحمل على أن القصة وقعت مرتين، بل روى النسائي من طريق ابن عون، عن ابن سيرين أن الشك فيه من أبي هريرة، فالظاهر أن أبا هريرة رواه كثيراً على الشك، وكان ربما غلب على ظنه أنها الظهر، فجزم بها، وتارة العصر فجزم بها، ولم يختلف الرواة في حديث عمران في قصة الخرباق أنها العصر، فإن قلنا: إنهما قصة واحدة، فيترجَّح رواية من روى العصر في حديث أبي هريرة. انتهى. كذا في «ضياء الساري شرح صحيح البخاري)). (٣) سهواً. (٤) قوله: ذو اليدين، قال ابن حجر: ذهب الأكثر إلى أن اسمه الخِرْباق، بكسر المعجمة وسكون الراء، بعدها موحّدة، آخره قاف، اعتماداً على ما وقع في حديث عمران بن حصين عند مسلم، ولفظه: فقام إليه رجل، يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، وهذا صنيع من يوحِّد حديث أبي هريرة بحديث عمران، وهو الراجح في نظري، وإن كان ابن خزيمة ومن تبعه جنحوا إلى التعدّد، والحامل لهم على ذلك الاختلاف الواقع في السياق، ففي حديث أبي هريرة أن السلام كان من = (١) في الأصل: ((أبو عمرو)). ٤٤٩ فقال (١): أقصرت (٢) الصلاة(٣) يا رسول الله أم نسيت؟ فقال: كل ذلك (٤) لم يكن، فقال: يا رسول الله قد كان بعض اثنتين، وفي حديث عمران أنه كان من ثلاث(١). (١) قوله: فقال، أي: ذو اليدين: وهو غير ذي الشمالين المقتول في بدر، بدليل ما في حديث أبي هريرة ومن ذكرها معه من حضورهم تلك الصلاة ممن كان إسلامه بعد بدر، وقول أبي هريرة في حديث ذي اليدين: صلّى لنا رسول الله وصلّى بنا، وبينما نحن جلوس مع رسول الله، محفوظ من نقل الحفاظ، وأما قول ابن شهاب الزهري في هذا الحديث: إنه ذو الشمالين، فلم يُتابع عليه، وحمله الزهري على أنه المقتول يوم بدر، وغلط فيه (٢) والغلط لا يسلم منه أحد، كذا في ((الاستذكار». (٢) قوله: أقصرت، بفتح القاف وضم الصاد المهملة، أي: صارت قصيرة، وبضم القاف وكسر الصاد أي: أن الله قصَّرها، والثاني أشهر، وأصح، وفيه دليل على ورعهم إذ لم يجزموا بوقوع شيء بغير علم، وإنما استفهموا لأن الزمان زمان نسخ، قاله الحافظ. (٣) بالرفع على الفاعلية أو النيابة. (٤) قوله: كل ذلك لم يكن، قال النووي: فيه تأويلان، أحدهما: أن معناه لم يكن المجموع، والثاني: وهو الصواب أن معناه: لم يكن ذاك، ولا ذا في = (١) قال الحافظ في ((فتح الباري)): ٧٨/٣: والظاهر أن الاختلاف من الرواة، وأبعد من قال يُحمل على أن القصة وقعت مرتين ... إلخ. وقال العيني في ((عمدة القاري)) ٦٤٤/٣: قلت: الحمل على التعدّد أولى من نسبة الرواة إلى الشك .. ٠٠- (٢) قلت: لم ينفرد به الزهري بل تابعه على ذلك عمران بن أنس، عند النسائي والطحاوي. انظر: نصب الراية ١٨٢/١، وبذل المجهود ٣٦٠/٥. ٤٥٠ ذلك(١)، فأقبل رسول الله وَلقر على الناس (٢)، فقال: أصدق (٣) ذو اليدين؟ فقالوا (٤): نعم. فَأَتَّمَّ رسول اللهِ وَلّر ما(٥) بقي عليه (٦) من الصلاةَ ثم سلّم، ثم سجد سجدتين، وهو جالس بعد التسليم. = ظني، بل ظني أني أكملت أربعاً، ويدل على صحة هذا التأويل أنه ورد في بعض روايات البخاري أنه قال: لم تُقْصر، ولم أَنسَ. (١) وأجابه في رواية أخرى بقوله: بلى، قد نسيت. (٢) الذين صلّوا معه. في رواية لأبي داود بإسناد صحيح: أن الجماعة أومأوا، أي: نعم. (٣) (٤) قوله: فقالوا: نعم، احتجَّ مالك وأحمد بقولهم: نعم، على جواز الكلام لمصلحة الصلاة، وليس كما قالا لما مرَّ أن من خصائصه ول كما صرَّحت به الأحاديث الصحيحة أنه يجب إجابته في الصلاة بالقول والفعل، ولا تبطل به الصلاة، وحينئذٍ لا حاجة إلى ما روي، عن ابن سيرين أنهم لم يقولوا: نعم، بل: أومأوا بالإِشارة، كذا في ((مرقاة المفاتيح)). (٥) وهو الركعتان. (٦) قوله: ما بقي عليه، اختلفوا في الكلام في الصلاة بعدما أجمعوا على أن الكلام عامداً إذا كان المصلي يعلم أنه في صلاة، ولم يكن ذلك لإصلاح صلاته مفسدٌ إلَّ الأوزاعي فإنه قال: من تكلم في صلاته لإِحياء نفس ونحو ذلك من الأمور الجسام لم يفسدها (١). وهو قول ضعيف يردّه السنن والأصول. فالمشهور من مذهب مالك وأصحابه: إذا تكلم على ظنِّ أنه أتمَّ الصلاة لم يفسد عامداً كان الكلام أو ساهياً، وكذا إذا تعمَّد الكلام إذا كان في صلاحها وبيانها، وهو قول ربيعة وإسماعيل بن إسحاق. وقال الشافعي وأصحابه وبعض أصحاب مالك: إن المصلّي إذا تكلم ساهياً أو تكلم وهو يظن أنه أكمل صلاته لا يفسد وإن تعمَّد عالماً بأنه = (١) في الأصل: ((لم يفسد))، والظاهر: ((لم يفسدها)). ٤٥١ ١٣٩ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن(١) رسول الله ێے ، = لم يتمَّها يفسد وإن كان لإصلاحها. وذهب الكوفيون أبو حنيفة وأصحابه والثوري وغيرهم: إلى أن الكلام في الصلاة مفسد على كل حال، سهواً كان أو عمداً، لصلاح الصلاة أولا، على ظن الإِتمام أو لا، كذا ذكره ابن عبد البر. أما حجة المالكية والشافعية، فحديث ذي اليدين. وأما الحنفية، فاحتجّوا بقوله تعالى: ﴿وَقُوْمُوْا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾(١)، أي: ساكتين، فإنه نزل نسخاً لما كانوا يتكلَّمون في الصلاة، كما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة والطحاوي وغيرهم من حديث زيد بن أرقم. وطرقه مبسوطة في ((الدر المنثور)) للسيوطي، وأجابوا عن حديث ذي اليدين، بوجوه: منها، أنه كان من خصائصه *، وفيه مطالبة ما يدل على الاختصاص. ومنها، أنه کان حين كان الكلام مباحاً، وفيه أن تحريم الكلام كان بمكة على المشهور، وهذه القصة قد رواها أبو هريرة، وهو أسلم سنة سبع، وقال بعضهم: إن أبا هريرة لم يحضرها، وإنما رواها مرسلاً، بدليل أن ذا الشمالين قُتل يوم بدر، وهو صاحب القصة، وردّوه بأن رواية مسلم وغيره صريحة في حضور أبي هريرة تلك القصة، والمقتول ببدر هو ذو الشمالين، وصاحب القصة، هو ذو اليدين وهو غيره(٢)، كما بسطه ابن عبد البر، وفي المقام كلام طويل لا يتحمّله المقام. (١) قوله: أنَّ، قال ابن عبد البر: هكذا روي الحديث عن مالك مرسلاً، ولا أعلم أحداً أسنده عن مالك إلَّ الوليد بن مسلم، فإنه وصله، عن أبي سعيد الخدري . (١) سورة البقرة: رقم الآية ٢٣٨. (٢) قلت: مدار البحث والاستدلال في هذه المسألة موقوف على أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد، وأنه استشهد ببدر، ولم يدركه أبو هريرة لأن إسلامه كان سنة سبع من الهجرة. وقد استوفى أدلة الفريقين الشيخ ظهير النيموي في ((آثار السنن)) (١٤٤/١)، فارجع إليه . ٤٥٢ ... قال: إذا شكَّ (١) أحدُكم في صلاتِه ، فلا يَذْري كم صلّى ثلاثاً أم أربعاً، فَلْيَقُمْ(٢)، فليصلِّ (٣) رَكْعة، ولْيَسْجُدْ (٤) سجدتين وهو جالس قبل التسليم. فإن كانت الركعة التي صلَّى خامسةً شَفَعها(٥)(٦). قلت: وصله مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، عن زيد بن أسلم، عن = عطاء، عن أبي سعيد، كذا في ((تنوير الحوالك)). (١) أي: تردَّدَ من غير رجحان، فإنه مع الظن يبني عليه عندنا خلافاً للشافعي، كذا في ((مرقاة المفاتيح)). (٢) وفي رواية مسلم: ((فليطرح الشك وليبنٍ على ما استيقن)). (٣) قوله فليصلِّ، قال ابن عبد البر: في الحديث دلالة قوية لقول مالك والشافعي والثوري وغيرهم أنَّ الشاكّ يبني على اليقين، ولا يجزيه التحرِّي، قال أبو حنيفة: إن كان ذلك أول مرة استقبل، وإن كان غير مرة تحرّى، وليس في الأحاديث فرق(١)، كذا قال الزرقاني . (٤) قوله: وليسجد، قال القاضي عياض: القياس أن لا يسجد إذ الأصل أنه لم يزد شيئاً، لكن صلاته لا تخلو عن أحد خللين، إما الزيادة، وإما أداء الرابعة على التردد، فيسجد جبراً للخلل ولما كان من تسويل الشيطان وتلبيسه سمى جبره ترغيماً له، كذا في ((مرقاة المفاتيح)). (٥) أي: ردَّها إلى الشفع. (٦) قوله: شفعها، لأنها تصير ستّاً بهما، حيث أتى معظم أركان الصلاة. وقول ابن ملك ههنا: (وبه قال مالك، وعند أبي حنيفة: يصلّي ركعة سادسة) سهو = (١) وللإِمام أحمد في ذلك ثلاث روايات: إحداها: البناء على اليقين. والثانية: البناء على التحرّي مطلقاً، والثالثة: البناء على اليقين للمنفرد والتحرّي للإمام وهو ظاهر مذهبه. وقالت الحنفية: إذا شكَّ أحد وهو مبتدىء بالشك لا مبتلىَّ به استأنف الصلاة، وإن كان يعرض له الشك كثيراً بنى على أكبر رأيه، وإن لم يكن رأي بنى على اليقين. ((عمدة القاري)) ٧٤٩/٣، و ((أوجز المسالك)) ١٧٦/٢. ٤٥٣ بهاتين السجدتين ، إن كانت رابعةً فالسجدتان ترغيمٌ (١) للشيطان. ١٤٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عبد الرحمن الأَعْرَج، عن ابن بُحَيْنة(٢) أنه قال: صلّى بنا رسول الله عَ ل﴾ ركعتين، ثم قام (٣) ولم يَجْلِسْ، فقام الناسُ فلما قضى صلاته ونظرنا (٤) تسليمه كَبَّر وسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم(٥) ثم سلّم. ٠ = ظاهر لأنّ الكلام ههنا في المقدر، والخلاف إنما هو في المحقق كذا في («مرقاة المفاتيح))(١). (١) أي: إغاظة له وإذلال. (٢) قوله: عن ابن بُحَيْنة، بضم الباء بعده حاء مهملة مفتوحة ثم ياء ساكنة مصغّراً: هي اسم أمّه اشتهر به، وهو عبد الله بن مالك بن القشب الأزدي، من أجلَّة الصحابة، مات بعد سنة ٥٠هـ، كذا في ((التقريب)) وغيره. (٣) زاد الضحاك بن عثمان، عن الأعرج: (فسبّحوا به فمضى). أخرجه ابن خزيمة . (٤) أي: انتظرنا. (٥) قوله: قبل التسليم، فيه دليل على أن وقت السجود قبل السلام وهو مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة والثوري: موضعُه بعد السلام. وتمسَّكًا بحديث ابن مسعود وأبي هريرة(٢)، كذا في ((الكاشف عن حقائق السنن)»، حاشية المشكاة للطّيبي. (١) ٢٣/٣. (٢) وقال مالك وهو قول قديم للشافعي: إن كان السجود لنقصان قُدِّم، وإن كان لزيادة أُخِّر: ((مرقاة المصابيح)) ٢٢/٣. ٤٥٤ -- -. ١٤١ - أخبرنا مالك، أخبرنا عفيف بن عمرو (١) بن المسيب السهمي، عن عطاء بن يَسَار قال: سألت عبدَ الله (٢) بن عمرو بنِ العاص وكعباً(٣) عن الذي يشكّ كم صلى ثلاثاً أو أربعاً، قال: فكلاهما قالا : فليقُمْ وَلْيُصَلِّ (٤) رَكْعةً أخرى قائماً ثم يسجد سجدتين إذا صلّى . ١٤٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا سئل عن النسيان، قال: يتوخّى (٥) أحدكم الذي يظن أنه نسي من (١) قوله: عَمرو، بفتح العين. قرأت بخط الذهبي: لا يُدرى من هو؟ أي: عفيف بن عمرو. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال النسائي: ثقة، كذا في «تهذيب التهذيب» لابن حجر. (٢) قوله: عبد الله، هو أبو عبد الرحمن أو أبو محمد عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هشام السهمي، لم يكن بينه وبين أبيه في السن إلاّ إحدى عشر سنة، وأسلم قبل أبيه، وكان مجتهداً في العبادة، غزيرَ العلم، من أجلَّة الصحابة، مات سنة ٦٣ هـ أو سنة ٦٥هـ أو سنة ٦٨هـ أو سنة ٧٣هـ أو سنة ٧٧هـ بمكة أو بالطائف أو بمصر أو بفلسطين: أقوال، كذا في ((تهذيب التهذيب)» وغيره. (٣) هو من كبار التابعين، هو كعب بن قانع، أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار من مُسْلمة أهل الكتاب، مات سنة ٣٢هـ، كذا في ((الإِسعاف)). (٤) بانياً على ما تيقّن. (٥) يُقال: توخَّيْت الشيء أتوخأ إذا قصدت إليه، وتعمَّدت فعله، وتحرَّيْتُ فيه، كذا في ((النهاية)). قوله: يتوخّى، هذا ظاهر في أنه يبني على اليقين، كذا قال ابن عبد البر وغيره، وفيه تأمُّل، بل هو ظاهر في التحرِّي والبناء عليه، وعليه حمله الطحاوي بعدما أخرجه من طرق . ٤٥٥ ..... صلاته(١). قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا ناء(٢) للقيام وتغيَّرتْ حالُه عن القعود وجب (٣) عليه لذلك سجدتا السهو. وكلَّ سهوٍ وجبتْ فيه سجدتان من زيادة أو نقصان فسجدتا السهو فيه بعد التسليم (٤). ومن (١) في بعض النسخ: في الآخر، ثم يسجد سجدتين. (٢) أي: بَعُد. (٣) قوله: وجب عليه، فإن سبَّح به المؤتمّ أو تذكَّر وهو قريب من القعود عاد، وإلَّ لا، لما روى أبو داود من حديث المغيرة بن شعبة مرفوعاً: إذا قام الإِمام في الركعتين فإن ذكر قبل أن يستوي قائماً، فليجلس وإن استوى قائماً، فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو. وأخرج ابن عبد البرّ في ((التمهيد)): أن المغيرة قام من ثنتين واعتدل فسبَّحوا به، فلم يرجع، وقال لهم كذلك صنع رسول الله وَلتر . وعن سعد بن أبي وقاص مثله. (٤) قوله: بعد التسليم، قد ورد في هذا الباب ما يدل على السجود بعد التسليم وأحاديث تدل على السجود قبل التسليم. فمن الأولى ما أخرجه أبو داود والطبراني وأحمد، عن ثوبان مرفوعاً: ((لكل سهو سجدتان بعد السلام». وثبت السجود بعد السلام من فعل النبي و 18 من حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، ومن حديث المغيرة أخرجه أبو داود والترمذي، ومن حديث أنس أخرجه الطبراني في ((الصغير))، ومن حديث ابن عباس أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)). وورد السجود قبل التسليم في حديث أبي هريرة. أخرجه أحمد وأبو داود، ومن حديث عبد الرحمن بن عوف أخرجه الترمذي وابن ماجه، ومن حديث ابن بُحَيْنة أخرجه مالك والبخاري وغيرهما، ومن حديث أبي سعيد الخدري أخرجه مسلم، ومن حديث معاوية أخرجه الحازمي . ومن ثَمَّ اختلف العلماء في ذلك على ما بسطه الحازمي في كتاب ((الاعتبار)) : = ٤٥٦ أدخل عليه الشيطان الشكَّ(١) في صلاته فلم يدرِ(٢) أثلاثاً صلّى أم أربعاً، فإنْ كان ذلك أوَّلَ(٣) ما لقي تكلَّمَ(٤) = فمنهم من رأى السجود كله بعد السلام، وهو المروي، عن علي وسعد وابن مسعود وعمار بن ياسر وابن عباس وابن الزبير والحسن وإبراهيم وابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح بن حَيّ وأبي حنيفة(١) وأصحابه. ومنهم من قال: كلّه قبل التسليم، وبه قال أبو هريرة ومعاوية ومكحول والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة والأوزاعي والليث والشافعي وأصحابه. وقال مالك ونفر من أهل الحجاز: إن كان السهو بالزيادة فالسجود بعد السلام أخذاً من حديث ذي اليدين، وإن كان بالنقصان فقبلَه أخذاً من حديث ابن بُحَيْنة. وطريق الإِنصاف أن الأحاديث في السجود قبل السلام وبعده ثابتة قولاً وفعلاً، وتقدّم بعضها على بعض غير معلوم. فالكلّ جائز، وبه صرَّح أصحابنا أنه لو سجد قبل السلام لا بأس به. (١) قوله: الشك في صلاته، ليس المراد به التردد مع التساوي بل مطلق التردد، وقال السيد أحمد الحَمَوي في ((حواشي الأشباه والنظائر)): اعلم أنَّ مراد الفقهاء بالشك في الماء والحدث والنجاسة والصلاة والطلاق وغيرها هو التردد بين وجود الشيء وعدمه، سواء كان الطرفان سواءً أو أحدهما راجحاً فهذا معناه في اصطلاح الفقهاء. أما أصحاب الأصول، فإنهم فرَّقوا بين ذلك فقالوا: التردد إن كان على السواء فهو الشك، فإن كان أحدهما راجحاً، فالراجح ظن والمرجوح وهم. انتهى كلامه نقلاً عن ((فتح القدير)). (٢) (٢) ليس المراد به نفي الدراية مطلقاً، بل مراده نفي اليقين، ويجوز أن يراد نفي دراية أحدهما بخصوصه فقط. (٣) أي: كان الشك عرض له أول مرة وليس بعادةٍ له. (٤) قوله: تكلم واستقبل صلاته، لما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عمر، أنه قال في الذي لا يدري صلَّى ثلاثاً أم أربعاً، قال: يعيد حتى يحفظه . = (١) في الأصل: ((أبو حنيفة))، وهو خطأ والصواب أبي حنيفة. (٢) في نسخة . ٤٥٧ واستقبل(١) صلاته، وإنْ كان يُبتلى بذلك(٢) كثيراً مضى على أكثر ظنه(٣) ورَأْيِهِ (٤) ولم يَمْضِ (٥) = وفي لفظ: أما أنا إذا لم أدرِ كم صلَّيتُ، فإني أعيد. وأخرج نحوه عن سعيد بن جبير وابن الحنفية وشريح. وأخرج محمد في كتاب ((الآثار)) نحوَه، عن إبراهيم النَّخعي . (١) أي: استأنف صلاته وترك ما صلّى. (٢) أي: بالشك. (٣) قوله: مضى على أكثر ظنه، فإن لم يكن له ظن بنى على اليقين لحديث ابن مسعود مرفوعاً: ((إذا شكَّ أحدكم فليتحرَّ الصواب فليتمَّ عليه)). أخرجه البخاري ومسلم، وأخرج محمد في ((الآثار))، عن ابن مسعود موقوفاً: إذا شك أحدكم في صلاة ولا يدري أثلاثاً صلّى أم أربعاً، فليتحرَّ فلينظر أفضلَ ظنه، فإن كان أكبرُ ظنه أنها ثلاث قام فأضاف إليها الرابعة، ثم يتشهد، ثم يسلم، ويسجد سجدتي السهو، وَإن كان أكبر رأيه أنه صلّى أربعاً تشهد وسلَّم وسجد سجدتي السهو. وأخرج الطحاوي، عن عمرو بن دينار قال: سئل ابن عمر وأبو سعيد الخدري، عن رجل سها فلم يدرِ كم صلّى، قالا: يتحرّى أصوب ذلك فيتمَّه ثم يسجد سجدتين . (٤) ورأيه عطف تفسيري على الظن أو أكثر الظن، فإن الرأي يُطلق على المظنون وعلى ما يحصل بغلبة الظن. قال الحَمَوي في ((حواشي الأشباه)): اليقين هو طمأنينة القلب على حقيقة الشيء، والشك لغة مطلق التردد، وفي إصطلاح الأصول استواء طرفي الشيء وهو الموقوف بحيث لا يميل القلب إلى أحدهما فإن ترجَّح أحدهما ولم يطرح الآخر فهو ظن، فإن طرحه فهو غالب الظن وهو بمنزلة اليقين، وأما عند الفقهاء فهو كاللغة لا فرق بين المساوي والراجح. انتهى. (٥) قوله: ولم يمضِ على اليقين، وفيه خلاف الشافعي ومالك والثوري وداود والطبري، فإنهم قالوا: يَبني على اليقين ولا يلزمه التحري لأحاديث(١) أبي سعيد الخدري وابن عُمَر وعبد الرحمن بن عوف الواردة في البناء على الأقلّ، وحملوا = (١) في الأصل: (الحديث))، والظاهر: ((الأحاديث)). ٤٥٨ --. . على اليقين(١)، فإنه إن فعل ذلك لم ينجُ فيما يرى من السهو الذي يُدخل عليه الشيطانُ، وفي ذلك(٢) آثار كثيرة. ١٤٣ - قال محمد: أخبرنا يحيى بن سعيد (٣) أن أنس بن = حديث ابن مسعود: ((فليتحرَّ الصواب))، على أن معناه فليتحرَّ الذي يظن أنه نقصه فيتمَّه(١)، فيكون التحرِّي أن يعيد ما شك فيه ويبني على ما استيقن. وأصحابنا سلكوا مسلك الجمع بين الأحاديث بدون صرف إلى الظاهر، فإن بعضها تدل على البناء على الأقل مطلقاً، وبعضها تدل على تحرّي الصواب، فحملوا الأولى على ما إذا لم يكن له رأي. والثانية على ما إذا كان له رأي، وقد بسطه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار))، بأحسن بسط فلْيُراجَعْ . (١) قوله: على اليقين، قد يُقال: لا يقين مع الشكّ، ويُجاب بأن المراد به المتيقُّن، مثلاً إذا شك ثلاثاً صلّى أم أربعاً؟ فالثلاث هو المتيقّن، والتردُّد إنما هو في الزيادة. فلا يمضي على المتيقّن، فإنه إنْ فعل ذلك ــ أي الإِمضاء على الأقل المتيقّن- من غير أن يتحرّى ويعمل بغالِبٍ ظنه لم ينجُ بضم الجيم، أي: لم يحصل له النجاة في ما يرى في ما يذهب إليه من أخذ المتيقّن من السهو، أي: الاشتباه الذي يُدخِلُ عليه الشيطان، فإنه وإن بنى على الأقل وأتمَّ صلاته بأداء ركعة أخرى، لكن لا يزول منه التردُّد والاشتباه الذي يُبتلى به كثيراً بوسوسة الشيطان، فيقع في حرج دائم وتردُّد لازم بخلاف ما إذا تحرَّى وبنى على غالب رأيه وطرح الجانب الآخر فإنه حينئذٍ يحصل له الطمأنينة، ولا يغلب عليه الشيطان في تلك الواقعة. (٢) والظاهر أنه إشارة إلى جميع ما ذكر. (٣) ابن قيس الأنصاري أبو سعيد المدني. (١) وفي: ((فتح الباري)) ٧٦/٣، قال الشافعية: هو البناء على اليقين .. إلخ. وهذا المعنى لا تساعده اللغة أصلاً. وذلك حيث قال العلامة الفتني: التحري القصد والاجتهاد في الطلب، والعزم على تخصيص الشيء والقول، ((مجمع بحار الأنوار)» ٥٠١/١. ٤٥٩ مالك صلَّى بهم في سفرٍ كان (١) معه فيه فصلّى سجدتين(٢) ثم ناء للقيام، فسبَّح بعض أصحابه، فرجع (٣) ثم لما قضى (٤) صلاته سجد سجدتین . قال(٥): لا أدري أقبل التسليم أو (٦) بعده. ٤٠ - (باب العبث (٧) بالحصى في الصلاة وما يُكره من تسويته) ١٤٤ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو جعفر القارىء(٨) قال: رأيتُ ابنَ عمر إذا أراد أن يسجدَ سَوَّى(٩) (١) أي: كان يحيى مع أنس. (٢) أي: ركعتين. (٣) لعله لم يكن تباعد عن القعود، بل كان قريباً منه. (٤) أي: أتمّ . (٥) أي: يحيى بن سعيد. (٦) في نسخة: أم. (٧) بفتحتين: عمل لا فائدة فيه. الحصى: هي الحجارة الصغار تُفرش في المساجد ونحوها . (٨) بالهمز في الآخر، ويجوز حذفه تخفيفاً، فيسكن الياء، نسبةً إلى قراءة القرآن، ذكره السمعاني، وذكره عند المنتسبين به. وأبو جعفر يزيد بن القعقاع القارىء المدني مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، يروي عن ابن عمر، وعنه مالك، توفي سنة ١٣٢ هـ. انتهى. (٩) ليزيل شغله عن الصلاة بما يتأذى. ٤٦٠