Indexed OCR Text
Pages 261-280
أن عليَّ(١) بنَ أبي طالبٍ رضي الله عنه أمره(٢) أنْ يسألَ رسولَ اللهِ وَّل عن الرجل إذا دنا(٣) من أهله فخرج منه المَذْيُ ماذا عليه (٤)؟ فإنَّ عندي (٥) = منهما، فإنه ولد سنة أربع وثلاثين، ولا خلاف أن المقداد توفي سنة ثلاث وثلاثين، وبين سليمان وعلي في هذا الحديث ابن عباس أخرجه مسلم، كذا في ((التنوير)). (١) قوله: أن عليّ بن أبي طالب، اسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، نشأ عليّ عند النبي ◌َ ل#، وصلى معه أول الناس، وشهد المشاهد كلها سوى تبوك، ومناقبه كثيرة، قُتل ليلة الجمعة لثلاث عشرة بقيت من رمضان سنة ٤٠ هـ بالكوفة، كذا في ((الإِسعاف)). (٢) قوله: أمره، وللنسائي أن عليّاً أمر عمّاراً أن يسأل، ولابن حبان أن عليّاً، قال: سألت(١). (٣) أي قرب. (٤) أي ما يجب عليه . (٥) أي تحت عقدي. (١) وبسط العيني اختلاف الروايات في ذلك (عمدة القاري ٣٦/٢). واختلف العلماء في الجمع بينها بأقوال: فجمع ابن حبان بأن علياً رضي الله عنه أمر عماراً أن يسأل ثم أمر المقداد بذلك ثم سأل بنفسه، قال الحافظ في الفتح (٢٦٣/١)، وهو جمع جيّد إِلَّ آخره فيخالفه قوله: ((وأنا أستحيي)) فتعيَّن حملُهُ على المجاز بأن بعض الرواة أطلق أنه سأله لكونه الآمر بذلك، وبه جزم الإسماعيلي والنووي . وجمع بعضهم بأن السؤال بالواسطة كان لخصوص نفسه وباشر بنفسه عن مطلق حكم المذي، وقيل غير ذلك. انظر (الكوكب الدرّيّ على جامع الترمذي ١٤٦/١). ٢٦١ : ابنتَه(١)(٢) وأنا أَسْتَحيى (٣) أن أسألَهُ، فقال المقداد: فسألتُه، فقال: إِذا وَجَدَ أحدُكم ذلك فلينضَحْ (٤) فرجَه، وليتوضَّأْ وُضوءَهُ(٥) للصلاة(٦). ٤٣ - أخبرنا مالك، أخبرني زيدُ(٧) بنُ أسلَمَ، (١) فاطمة. (٢) علة لأمره بالسؤال وعدم سؤاله بنفسه. (٣) قوله: وأنا أستحيي ... إلخ، ذكر اليافعي في ((الإِرشاد والتطريز بفضل تلاوة القرآن العزيز)) أن الحياء على أقسام: حياء جناية كآدم لما قيل له أفِراراً منا؟ قال: بل حياء منك، وحياء التقصير كحياء الملائكة يقولون: ما عبدناك حتى عبادتك، وحياء الإِجلال كإسرافيل تسربل بجناحه حياءً من الله، وحياء الكرم كحياء النبي عليه السلام كان يستحيي من أمته أن يقول: اخرجوا، فقال الله: ﴿ولاً مُسْتَأنسين لِحَديثٍ﴾. وحياء حشمة كحياء عليّ حين أمر المقداد بالسؤال عن المذي لمكان فاطمة. وحياء الاستحقار كموسى قال: لتعرض لي الحاجة من الدنيا فأستحيي أن أسألك يا رب. فقال له: سلني حتى ملح عجينك وعلف شأتك. وحياء هو حياء الرب جل جلاله حين يستر على عبده يوم القيامة. هذا ما نقله اليافعى، عن ((رسالة)) القشيري. (٤) قوله: فلينضح، ضبطه النووي بكسر الضاد، وقال الزركشي: كلام الجوهري يشهد له(١)، لكن نقل عن صاحب الجامع أن الكسر لغة والأفصح الفتح . (٥) أي مثل وضوئه. (٦) قوله: للصلاة، قال الرافعي: لقطع احتمال حمل التوضؤ على الوضاءة الحاصلة بغسل الفرج. (٧) قوله: زيد، أبو عبد الله، قال يعقوب بن شيبة: ثقة من أهل الفقه والعلم، كان عالماً بالتفسير له فيه كتاب، توفي سنة ١٣٦هـ، كذا في ((الإِسعاف)). (١) في الأصل: ((يشهده))، والظاهر: ((يشهد له)). ٢٦٢ عن أبيه(١)، عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، قال: إني لأَجِدُهُ (٢) يتحدَّرُ(٣) مني مثلَ الخُرَيْزة (٤)، فإذا وَجَدَ أَحدُكم ذلك فليَغْسِلْ فرجه وليتوضَّأ وضوءه للصلاة . قال محمد: وبهذا نأخذ: يغسل موضعَ (٥) المذْي (٦) ويتوضأ(٧) وضوءه للصلاة، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله. (١) أسلم، مولى عمر ثقة مخضرم، مات سنة ٨٧هـ، كذا في ((الإِسعاف)) وغيره. (٢) أي المذي . (٣) من الحدور ضد الصعود. (٤) تصغير الخرزة وهي الجوهرة، وفي رواية عنه مثل الجمانة وهي اللؤلؤة. (٥) الذي خرج منه المذي . (٦) قوله: موضع المذي، يشير إلى أن المراد بغسل الفرج هو موضع المذي لا غسل الفرج كاملاً(١)، وإنما أطلق بناءً على أنه غالباً يتفرّق في مواضع من الذكر فيغسل كله احتياطاً، وأما إذا علم موضعه فيكتفي بغسله. (٧) قوله: ويتوضأ، لا رخصة لأحد من علماء المسلمين في المذي الخارج على الصحة، وكلهم يوجب الوضوء منه، وهي سنة مجمع عليها بلا خلاف، فإذا كان خروجه لفساد أو علة فلا وضوء فيه عند مالك(٢) ولا عند سلفه وعلماء بلده لأن ما لا يرقأ ولا ينقطع فلا وجه للوضوء منه، كذا في ((الاستذكار)). (١) قد ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد إلى غسل موضع النجاسة من الذكر، وعن مالك وأحمد رواية غسل كل الذكر، وعن أحمد رواية وجوب غسل الذكر والأنثيين كما في «المغني)) (١٦٦/١) و((شرح المهذب)) (١٤٤/٢). (٢) خلافاً للأئمة الثلاثة إذ قالوا بنقض الوضوء إلاّ أن الشافعي يقول: يتوضأ لكل صلاة، وقالت الحنفية: يتوضأ لوقت كل صلاة. انظر (أوجز المسالك ٢٦٧/١). .. ٢٦٣ ٤٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا الصَّلْتُ(١) بنُ زُيَيْد أنه سأل سليمانَ(٢) بنَ يسار عن بللٍ (٣) يَجِدُهُ فقال: انْضَحْ (٤) ما تحت ثوبِكَ (٥) والْهَ(٦) عنه. قال محمد: وبهذا(٧) نأخذ، إذا كثر ذلك (٨) من الإِنسان، وأدخل الشيطانُ عليه فيه الشكّ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله . (١) الصلت، بفتح الصاد المهملة وسكون اللام ابن زُيَيْد مصغر زيد أو زياد الكندي، وثقه العجلي وغيره. قاله الزرقاني . (٢) أبو أيوب الهلالي المدني. (٣) أراد به المذي. وفي نسخة: البلل. (٤) أي اغسل. (٥) أي إزارك أو سروالك. (٦) قوله: والهَ، أمر من لهي يلهى كرضي يرضى: اشتغل عنه بغيره دفعاً الوسواس، وقد قال رَّطاهر: ((إذا توضأت فانتضح)). رواه ابن ماجه عن أبي هريرة، أي لدفع الوسواس حتى إذا أحسّ ببلل قدّر أنه بقية الماء لئلا يشوِّش الشيطان فكره ويتسلّط عليه بالوسوسة . (٧) أي بنضح الماء والإِعراض عنه. (٨) أي خروج المذي. ٢٦٤ سالد ١١ - (باب الوضوء مما يشرب منه السباع (١) وتلغ فيه) (٢) ٤٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد(٣)، عن محمدٍ بنِ إبراهيمَ (٤) بن الحارثِ التَّيْمي، عن يحيى (٥) بنِ عبدِ الرحمن بن حاطبٍ بنِ أبي بَلْتَعَةَ (٦) أنَّ عُمَرَ (٧) بن الخطاب رضي الله عنه خرج في رکپٍ(٨) (١) قوله: السباع، هي ما يفترس الحيوان ويأكله قهراً كالأسد والنمر والذئب ونحوها، كذا في ((النهاية)). (٢) يقال: ولغ يلغ ولغاً وولوغاً أي شرب منه بلسانه وأكثر ما يكون الولوغ في السباع، كذا في ((النهاية)). (٣) قوله: يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري أبو سعيد المدني قاضيها، عن أنس وعدي بن ثابت وعلي بن الحسين، وعنه أبو حنيفة ومالك وشعبة، قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، حجة ثبت، مات سنة ١٤٣ هـ، كذا في ((الإِسعاف)). (٤) قوله: محمد بن إبراهيم، وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وغيرهم، وقال أحمد: في حديثه شيء، يروي مناكير، مات سنة ١٢٠ هـ ، وهو راوي حديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) في رواية محمد بن الحسن، كذا في ((الإِسعاف)). (٥) ثقة من التابعين، مات سنة ١٠٤ هـ، روى له مسلم والأربعة، قاله الزرقاني . (٦) قوله: بلتعة، بفتح الباء وسكون اللام بعده تاء فوقية مثناة مفتوحة ثم عين مهملة . (٧) منقطع فإن يحيى لم يدرك عمر. (٨) الركب اسم جمع كنفر ورهط، وقيل هو جمع راكب كصاحب وصحب . ٢٦٥ ساعيط. فيهم عمرُو(١) بنُ العاص، حتى وردوا حوضاً، فقال عمرُو بنُ العاص: يا صاحبَ الحوضِ هل تَرِدُ(٢) حوضَكَ السباع(٣)؟ (١) قوله: فيهم عمرو بن العاص، هو عمرو - بالفتح - ابن العاص بن وائل السهمي الصحابي، أسلم عام الحديبية، وولي إمرة مصر مرتين، ومات بها سنة نيّف وأربعين، وقيل: بعد الخمسين، كذا ذكره الزرقاني في ((شرح الموطأ))، وقال هو في ((شرح المواهب اللدنية)»: العاص بالياء وحذفها، والصحيح الأول عند أهل العربية، وهو قول الجمهور، كما قال النووي وغيره. وفي ((تبصير المنتبه)): قال النحاس: سمعتُ الأخفش يقول: سمعت المبرد يقول: هو بالياء لا يجوز حذفها، وقد لهجت العامة بحذفها، قال النحاس: هذا مخالف لجميع النحاة، يعني أنه من الأسماء المنقوصة، فيجوز فيه إثبات الياء وحذفها، والمبرد لم يخالف النحويين في هذا، وإنما زعم أنه سمي العاصي لأنه أعيص بالسيف، أي: أقام السيف مقام العصا، وليس هو من العصيان، كذا حكاه الآمدي عنه، قلت: وهذا إن مشى في العاصي بن وائل، لكنه لا يطرّد لأنَّ النبي ◌َّله غيَّر اسم العاصي بن الأسود والد عبد الله، فسمَّاه مطيعاً، فهذا يدل على أنه من العصيان، وقال جماعة: لم يسلم من عصاة قريش غيره، فهذا يدل لذلك أيضاً. (١) قوله: هل ترد، أي: هل تأتي إليه فتشرب منه سباع البهائم كالذئب، والضبع، والثعلب، ونحوها، فإن سؤرها نجس كسؤر الكلب لاختلاطه بلعاب نجس متولِّد من لحمِ حرامٍ أكلُهُ، ولعله كان حوضاً صغيراً يتنجَّس بملاقاة النجاسة، وإلاّ فلو كان كبيراً لما سأل، ومعنى قوله ((لا تخبرنا))، أي: ولو كنتَ تعلم أنه ترده السباع، لأنّا نحن لا نعلم ذلك، فالماء طاهر عندنا، فلو استعملناه استعملنا ماءاً ظاهراً، كذا في ((الحديقة النديَّة)) لعبد الغني النابلسي شرح ((الطريقة المحمدية)» للبركلي. (٣) لأجل الشرب حتى تمتنع منه. ٢٦٦ فقال عمرُ بنُ الخطابْ: يا صاحبَ الحوض، لا تُخْبِرْنا(١)، فإنّا نَرِدُ على السِّباع(٢) وتَرِدُ علينا(٣). (١) قوله: لا تخبرنا، الأظهر أن يُحمل على إرادة عدم التنجيس وبقاء الماء على طهارته الأصلية، ويدل عليه سؤال الصحابي، وإلاّ فيكون عبثاً، ثم تعليله بقوله: ((فإِنّا)) إشارة إلى أنَّ هذا الحال من ضرورات السفر، وما كُلُّعنا بالتحقيق، فلو فتحنا هذا الباب على أنفسنا لوقعنا في مشقة عظيمة، كذا في ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) لعلي القاري رحمه الله . (٢) هذا بظاهره يؤيِّد مذهب مالك أن الماء طهور لا ينجسه شيء إلّ ما غيَّر لونه أو طعمه أو ریحه. (٣) قوله: وترد ... إلخ، قال ابن الأثير في ((جامع الأصول)): زاد رزين قال: زاد بعض الرواة في قول عمر: ((وإني سمعت رسول الله ◌َل* يقول: لها ما أخذت في بطونها، وما بقي فهو لنا طهور وشراب. انتهى. ونظيره ما رواه ابن ماجه، عن أبي سعيد، أن رسول الله به لتر سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة، تَرِدُها السباع والكلاب والحمر، وعن الطهارة منها، فقال: ((لها ما حملت في بطونها، ولنا ما غبر (١) طهور)). وروى الدارقطني في سننه، عن جابر، قيل: يا رسول الله، أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: ((نعم، وبما أفضلت السباع)). وفي سندهما متكلم فيه. ! -٠ وبهذه الأحاديث ذهب الشافعية والمالكية إلى أن سؤر السباع طاهر لا يضر مخالطته بالماء، وأما أصحابنا الحنفية فقالوا بنجاسته (٢)، وحملوا أثر عمر على أن غرضه من قوله: ((لا تخبرنا)) أنك لو أخبرتنا لضاق الحال فلا تخبرنا، فإنا نرد على = (١) معناه: ((بقي)). انظر مجمع بحار الأنوار: ٣/٤. (٢) سؤر السباع طاهر عند مالك، وكذلك عند الشافعي، وسؤر سباع الوحش نجس عند الإِمام وهما روايتان عن الحنابلة (أوجز المسالك: ٢١١/١). ٢٦٧ قال محمد: إذا كان الحوضُ عظيماً إِنْ(١) حُرِّكتْ(٢) منه ناحيةٌ(٣) لم تتحرَّكْ به الناحيةُ الأخرى لم يُفْسِدْ(٤) ذلك الماءَ ما ولغ فيه من سَبُع، ولا ما وقع فيه من قَذَر(٥). = السباع وترد علينا، ولا يضرنا ورودها عند عدم علمنا، ولا يلزمنا الاستفسار عن ذلك. ولو كان سؤر السباع طاهراً لما منع صاحب الحوض عن الإِخبار، لأن إخباره حينئذٍ لا يضر، وأما حمله على أن كل ذلك عندنا سواء أخبرتنا أو لم تخبرنا، فلا حاجة إلى إخبارك كما ذكره المالكية والشافعية فهو وإن كان محتملاً لكن ظاهر سياق الكلام یأباه . وأما قول ابن عبد البر: المعروف عن عمر في احتياطه في الدِّين أنه لو كان ولوغ السباع والحمير والكلب يفسد ماء الغدير لسأل عنه، ولكنه رأى أنه لا يضرّ الماء. انتهى. فمنظور فيه بأن مقتضى الاحتياط ليس أن يسأل عن كل أمر عن نجاسته وطهارته، فإنَّ في الدين سعة(١). (١) الجملة صفة مبيّنة لمعنى العِظَم. (٢) بصيغة الخطاب العام، وما بعده مفعول، أو بصيغة المجهول وما بعده فاعل. (٣) أي: جانباً. (٤) قوله: لم يفسد، أي: لم ينجسه شيء من النجاسات الواقعة فيه، لأنه كالماء الجاري لعدم وصول النجاسة من جانب وقع فيه إلى جانب آخر، فيجوز الوضوء من الجانب الآخر، ووسّع متأخِّرو أصحابنا، فجوَّزوا الوضوء من كل جوانبه إلحاقاً له بالجاري . (٥) بفتحتين، أي: عين النجاسة. (١) قلت: وإذا كان الغدير عظيماً فولوغ السباع لا يفسده اتفاقاً، فلا حجة فيه لهم ما لم يثبت كون الغدير صغيراً . ٢٦٨ متقطعة إلّا أن يَغْلِبَ على ريح أو طعم(١)، فإذا كان حَوْضاً صغيراً إنْ حُرِّكت منه ناحية تحرَّكَتْ الناحيةُ الأخرى فولغ (٢) فيه السباع أو وقع فيه القذر لا يتوضّأ(٣) منه، ألا يرى (٤)(٥) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كَرِهَ أن يُخْبِرَهُ ونهاه عن ذلك(٦)، وهذا كلُّه قولُ أبي حنيفة رحمه الله(٧) . (١) قوله: أوطعم، وكذا لون لحديث: ((الماء طهور لا ينجسه شيء إلاّ ما غير طعمه أو لونه أو ريحه))، أخرجه الدارقطني والطحاوي وغيرهما من طريق راشد بن سعد مرسلاً، فإن هذا الحديث محمول عند أصحابنا على الماء الجاري أو ما في حكمه . (٢) أي: شربت منه بلسانها. (٣) قوله: لا يتوضأ منه، لاختلاط النجاسة به، وقد قال الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾(١) والنجاسة من الخبائث، ولم يفرِّق بين حالتَيْ انفرادها واختلاطها، فوجب تحريم استعمال كل ما تيقّنًا فيه اختلاط النجاسة، وورد في السنَّة: ((لا يبولَنَّ أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل منه))، ومعلوم أن البول في الماء الكثير لا يغيِّر طعمه ولونه وريحه، كذا في ((البحر الرائق)). (٤) في نسخة ((ألا ترى)). (٥) قوله: ألا يرى ... إلخ، سند لعدم جواز التوضّؤ من الحوض الصغير عند وقوع النجاسة فيه بأن عمر منع صاحب الحوض عن الإِخبار لئلّ يشكل عليه الأمر، وما ذلك إلاّ لأنه لو أخبر به لَلَزمه(٢) تركه. -- (٦) أي: عن الإِخبار. (٧) قوله: قول أبي حنيفة، المذاهب في هذا الباب خمسة عشر: ... .- (١) الأعراف: آية ١٥٧ . (٢) في الأصل: ((لزمه))، والظاهر: ((لَلَزمه)). --. ٢٦٩ : الأول: مذهب الظاهرية: أن الماء لا يتنجَّس مطلقاً وإن تغيّر لونه أو طعمه = أو ريحه، لحديث: ((الماء طهور لا ينجِّسه شيء)). أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم. والثاني: مذهب المالكية: أنه لا يتنجَّس إلَّ ما تغيّر لونه أو طعمه أو ريحه، لما مرَّ من حديث فيه الاستثناء. والثالث: مذهب الشافعية: أنه إن كان قلتين لا يتنجَّس وإلَّ يتنجَّس لحديث: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث. أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما. هذه ثلاثة مذاهب والباقية لأصحابنا. الأول: ما ذكره محمد ههنا، وهو التحديد بالتحريك، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه القدماء، وغلط من نسب إليه غيره. والثاني: التحديد بالكدرة. والثالث: التحديد بالصبغ . والرابع: التحديد بالسبع في السبع. الخامس: التحديد بالثمانية في الثمانية . والسادس: عشرين في عشرين. والسابع: العشر في العشر، وهو مذهب جمهور أصحابنا المتأخِّرين. والثامن: خمسة عشر في خمسة عشر. والتاسع: اثنا عشر في اثنا عشر. ٢٧٠ ١٢ - (باب الوضوء بماء البحر)(١) ٤٦ - أخبرنا مالك، حدَّثنا صفوانُ بنُ سُلَيم، عن سعيدِ بنِ سلمةَ بنِ(٢) الأزرق، عن المغيرة بن أبي بُردة، عن أبي هريرة(٣): أن وفي المذهب الأول ثلاث روايات: التحريك باليد، والتحريك بالغسل، = والتحريك بالوضوء. فالمجموع اثنا عشر مذهباً لأصحابنا، فإذا ضممته إلى ما تقدَّم، صار المجموع خمسة عشر، ولقد خضت في بحار هذه المباحث وطالعت لتحقيقها كتب أصحابنا المبسوطة، وكتب غيرهم المعتمدة، فوضح لنا ما هو الأرجح منها، وهو الثاني، ثم الثالث، ثم الرابع، وهو مذهب قدماء أصحابنا وأئمتنا، والباقية مذاهب ضعيفة، وقد أشبعنا الكلام فيها في السعاية(١). (١) قوله: بماء البحر، قد جاء عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو كراهة الوضوء بماء البحر، وليس فيه لأحد حجة مع خلاف السنَّة، وقد روى قتادة عن موسى بن سلمة الهذلي: سألت ابن عباس، عن الوضوء بماء البحر، قال: هما البحران لا تبالي بأيهما توضَّأت. كذا في ((الاستذكار)). (٢) في نسخة: آل بني . (٣) قوله: عن أبي هريرة، هذا الحديث أخرجه الشافعي من طريق مالك، وأصحابُ السنن الأربعة، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن الجارود، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي، وصححه البخاري، وتعقّبه ابن عبد البر بأنه لو كان صحيحاً لأخرجه في صحيحه، وردّه ابن دقيق العيد وغيره بأنه لم يلتزم استيعاب كل الصحيح، ثم حكم ابن عبد البر بصحته لتلقّي العلماء له بالقبول. فقبله من حيث المعنى وردَّه من حيث الإِسناد، وقد حكم بصحة جملة من الأحاديث التي لا تبلغ درجة هذا، ورجح ابن مَنْدَهْ صحته، وصحَّحه الضياء وابن المنذر والبغوي، ومداره على صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة، عن المغيرة بن أبي بردة، عن = (١) ص ٢٨٠. ٢٧١ أبي هريرة. قال الشافعي: في إسناده من لا أعرفه، قال البيهقي: يحتمل أنه يريد سعيداً، أو المغيرة، أو كليهما، مع أنه لم يتفرَّد به سعيد، فقد رواه عن المغيرة يحيى بن سعيد الأنصاري، إلاّ أنه اختلف عليه، فرواه ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن رجل من العرب يقال له المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة، أن ناساً من بني مدلج أتّوْا النبيَّ وَلَ، فذكره، وقيل: عنه، عن المغيرة، عن رجل من بني مدلج، وقيل: عنه، عن المغيرة عن أبيه، وقيل: عنه، عن المغيرة بن عبد الله أو عبد الله بن المغيرة، وقيل: عنه، عن عبد الله بن المغيرة، عن أبيه، عن رجل من بني مدلج، اسمه عبد الله، وقيل: عنه، عن المغيرة، عن عبد الله بن المغيرة، عن أبي بردة مرفوعاً، وقيل: عنه، عن المغيرة، عن عبد الله المدلجي، ذكر هذا كلَّه الدارقطني، وقال: أشبهها بالصواب قول مالك، فأما المغيرة فقد روي عن أبي داود، أنه قال: المغيرة، عن أبي بردة معروف، وقال ابن عبد البر: وجدت اسمه في مغازي موسى بن نصير، ووثّقه النسائي، فمن قال: إنه مجهول لا يعرف فقد غلط. وأما سعيد بن سَلَمة - بفتحتين - فقد تابع صفوان على روايته له عنه أبو كثير الجلّح، رواه عنه الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث وغيرهما، ومن طريق الليث رواه أحمد والحاكم والبيهقي، وسياقه أتم، واختلف في اسم السائل في هذا الحديث، فوقع في بعض الطرق التي ذكرها الدارقطني أن اسمه عبد الله المدلجي، وأورده الطبراني في من اسمه عبد، وتبعه أبو موسى فقال: اسمه عبد بن زمعة البلوي، وقال ابن مَنيع: بلغني أن اسمه عبد، وقيل: عبيد - مصغراً -، وقال السمعاني في الأنساب: إن اسمه العركي، وهو غلط، فإنما العركي وصف له وهو ملاح السفينة، وقال البغوي: اسمه حميد بن صخر. هذا ملخّص ما في: ((التلخيص الحبير(١) في تخريج أحاديث شرح الرافعي الكبير)) للحافظ ابن حجر العسقلاني. وفي ((إسعاف المبطأ)): صفوان بن سُليم - بالضم - المدني الزهري مولاهم الفقيه، روى عن مولاه حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وابن عمر، وأنس، (١) في الأصل: ((تلخيص الحبير))، وهو تحريف. ٢٧٢ = رجلاً سأل رسولَ الله وَله فقال: إِنا نركبُ البَحْرَ (١) ونحمِلُ معنا القليلَ من الماء، = وجماعة، وعنه مالك وزيد بن أسلم ومحمد بن المنكدر والليث والسفيانان، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث عابداً، وقال: هو رجل يستشفى بحديثه، وينزل القطر من السماء بذكره، مات سنة ١٨٤ هـ، وسعيد بن سلمة - بفتحتين - المخزومي روى عنه صفوان والجلاح، وثقه النسائي، والمغيرة بن أبي بردة حجازي من بني عبد الدار، وثقه النسائي. انتهى. وقال الترمذي في جامعه: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: صحيح، فقلت. إن هشيماً يقول: فيه المغيرة بن بَرْزة - أي: بفتح الباء الموحّدة وسكون الراء المهلمة ثم زاي معجمة - فقال: وهم فيه، إنما هو المغيرة بن أبي بردة - أي: بضم الباء وسكون الراء المهلمة بعدها دال مهملة. انتهى. وفي الإِكمال: سئل أبو زرعة عن اسم والد المغيرة، فقال: لا أعرفه. انتهى. وفي ((الإلمام بأحاديث الأحكام)) لابن دقيق العيد: ذكرنا في كتاب ((الإِمام)) وجوهَ التعليل التي يُعلَّل بها هذا الحديث، وحاصلها راجع إلى الاضطراب في الإِسناد. والاختلاف في بعض الرواة، ودعوى الجهالة في سعيد بن سلمة، لكونه لم يروِ عنه إلاّ صفوان فيما زعم بعضهم، وفي المغيرة بن أبي بردة، وأيضاً فمن العلل الاختلاف في الإِسناد والإِرسال. ويقدم الأحفظ المرسل على المسند الأقل حفظاً. وهذا الأخير إذا ثبتت عدالة المسند غير قادح على المختار عند أهل الأصول، وأما الجهالة المذكورة في سعيد، فقد قدمنا من كلام ابن منده ما يقتضي رواية الجلّح عنه مع صفوان، وذلك ـ على المشهور عند المحدثين - يرفع الجهالة عن الراوي، وأما المغيرة، فقد ذكرنا من كلام ابن منده أيضاً موافقة يحيى بن سعيد لسعيد بن سلمة في الرواية، عن المغيرة أيضاً، ووقع لنا ثالث يروي عن المغيرة، وهو يزيد بن يحيى القرشي، وأما الاختلاف والاضطراب، فقد ذكرنا ما قيل في الجواب عنه في ((الإِمام)). (١) المَلِح لأنه المتوهّم فيه، لأنه مالح وريحه منتن. ٢٧٣ ! فإِنْ توضّأنا به عَطِشنا(١)(٢)، أفنتوضّأ بماء البحر؟ فقال رسول الله وَلَهُ: هو (٣) الطَّهورُ(٤) ماؤه الحَلالُ مَيْتَتُهُ(٥). قال محمد: وبهذا نأخُذُ: ماءُ البحرِ طهورٌ كغيره (٦) من المياه، (١) بكسر الطاء. (٢) أي: نحن ورفقاؤنا. (٣) قوله: هو الطهور ... إلخ، كذا أخرجه النسائي والترمذي وأبو داود وابن ماجه وابن حبّان، وفي رواية الدارمي في سننه من حديثه: أتى رجال من بني مُدلِج، فقالوا: يا رسول الله، إنّا أصحاب هذا البحر نعالج الصيد على رمث فنغرب فيه الليلة والليلتين والثلاث والأربع، ونحمل معنا من العَذْب لشفاهنا، فإن نحن توضَّأنا خشينا على أنفسنا، وإن نحن آثرنا بأنفسنا وتوضأنا من البحر وجدنا في أنفسنا من ذلك، فقال: ((توضؤوا منه، فإنه الطاهر ماؤه الحلال ميتته))، وأخرج نحوَه ابن ماجه والحاكم وابن حبان والدارقطني وأحمد وأبو نعيم من حديث جابر، والحاكم من حديث علي، وعبد الرزاق من حديث أنس، والحاكم والدارقطني من حديث ابن عباس، وابن عبد البر من حديث الفِرَاسي، والدارقطني والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو، وابن حبان والدارقطني من حديث أبي بكر. (٤) أي: الطاهر في ذاته المطهّر لغيره. (٥) قوله: الحلال ميتته، قال الرافعي: لما عرف النبي ◌َّر اشتباه الأمر على السائل في ماء البحر أشفق أن يشتبه عليه حكمُ ميتته، وقد يُبتلى بها راكب البحر فعقّب الجواب عن سؤاله ببيان حكم الميتة، كذا في ((التنوير)». (٦) قوله: كغيره من المياه، من ماء السماء والثلج والبَرَد وغير ذلك، وأما كراهة التوضّؤ به كما هو منقول عن ابن عمر وابن عمرو فليس لأمر في طهارته، بل لأن تحت البحر ناراً، والبحار تسجر يوم القيامة ناراً، كما ذكره عبد الوهاب الشعراني في ((اليواقيت)). ٢٧٤ وهو قول أبي حنيفة رحمه الله والعامّة(١). ١٣ - (باب المسح (٢) على الخُفَّيْ) ٤٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهابٍ الزُّهري، عن عبَّادِ بنِ زیاد(٣) مِن وُلْدِ (٤) (١) أي: عامة العلماء. (٢) قوله: المسح على الخفين، نقل ابن المنذر، عن ابن المبارك: ليس في مسح الخفين عن الصحابة اختلاف، فإنَّ كلّ من رُوي عنه إنكاره رُوي عنه إثباته، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً أنكره إلَّ مالكاً في رواية، أنكرها أكثر أصحابه، والروايات الصحيحة عنه مصرّحة بإثباته، وموطأُه يشهد للمسح، وعليها جميع أصحابه وجميع أهل السنَّة، كذا قال الزرقاني. (٣) أبو حرب، وثّقه ابن حبان، ولاء معاوية سجستان، ومات سنة ١٠٠هـ، كذا في «الإِسعاف». (٤) قوله: من وُلَّد ... إلخ، وهم من مالك وإنما هو مولى المغيرة، قاله الشافعي ومصعب الزبيري وأبو حاتم والدارقطني وابن عبد البر، قال: وانفرد يحيى وعبد الرحمن بن مهدي بوهم ثانٍ فقالا ((عن أبيه)) ولم يقُلْه من رواة الموطأ غيرهما. وإنما يقولون، عن المغيرة بن شعبة، ثم هو منقطع فعبّاد لم يسمع المغيرة ولا رآه، وإنما يرويه الزهري عن عبّاد، عن عروة وحمزة ابنّيْ المغيرة، عن المغيرة، وربما حدَّث الزهري، عن عروة وحده. قال الدارقطني: فوهم مالكٌ في إسناده في موضعين، أحدهما قوله عباد من وُلد المغيرة، والثاني إسقاطه عروة وحمزة، كذا في ((تنوير الحوالك)). وههنا وهم آخر من صاحب هذا الكتاب أو من نسّاخه، وهو إسقاط المغيرة بن شعبة، فإن هذا الحديث معروف من حديثه، ومرويّ كذلك في جميع = ٢٧٥ المغيرةِ (١) بنِ شعبة: أنّ النبيَّ ◌َ ﴿ ذَهَبَ لحاجتِهِ(٢) في غزوة تبوك (٣)، قال (٤): فذهبت معه بماء(٥)، قال: فجاء = كتب الحديث، ونُسَخ هذا الكتاب على ما رأينا ستّ نُسخ، والسابعة التي عليها شرح القاري ليس فيها ذكر المغيرة بل عبارتها عن عبّاد بن زيد مِنْ وُلْد المغيرة: أن النبي ( ... الحديث، مع أن نفس عبارة الحديث تشهد بأن القصة مع صحابيّ لا مع عبّاد، كما يُستفاد بسبب سقوط ذكر المغيرة. (١) قوله: المغيرة: هو ابن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب الثقفي، يُكنى أبا عبد الله أو أبا عيسى، أسلم عام الخندق وقدم مهاجراً، وقيل: أول مشاهده الخندق، توفي سنة خمسين بالكوفة، كذا في ((الاستيعاب)). (٢) أي: لقضاء حاجة الإِنسان. (٣) قوله: في غزوة تبوك، زاد مسلم وأبو داود ((قبل الفجر)) وكانت غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة، وهي آخر غزواته ريل18، وهي من أطراف الشام المقاربة للمدينة، وقيل: سمِّيت بذلك لأنه عليه السلام رأى أصحابه يبوكون عين تبوك، أي: يُدخلون فيها القدح ويحرِّكون ليخرج الماء، فقال: ما زلتم تبوكونها بوكاً. (٤) أي: الراوي وهو المغيرة. (٥) قوله: بماء، وللبخاري في الجهاد: أنه ◌ّلل هو الذي أمره أن يتبعه بالإِداوة وأنه انطلق حتى توارى عني، فقضى حاجته، ثم أقبل فتوضأ، وعند أحمد عن المغيرة أن الماء الذي توضأ به أخذه المغيرة من أعرابية من قِرْبة كانت جلد ميتة، وأن النبي و ﴿ قال له: سَلْها إن كانت دبغتها فهو طهورها، وأنها قالت: والله دبغتها، كذا في ((ضياء الساري)) شرح ((صحيح البخاري)) لعبد الله بن سالم البصري المكيّ . ٢٧٦ ......- النبيُّ وََّ(١)، فسكْبْتُ(٢) عليه(٣)، قال: فغسَلَ وجْهَهُ ثم ذهب يُخْرِجُ(٤) يديه فلم يستطع (٥) من ضيقِ كُمَّيْ (٦) جُيَّتِهِ(٧) فأخرجهما (٨) من تحت(٩) جُبّتِهِ فغسَلَ يديه ومسَحَ برأسِهِ(١٠) ومسَحَ على الخفَّيْن، ثم جاء(١١) رسولُ اللهِ وَلّهِ وعبدُ الرحمن بنُ عوف يؤمُّهم(١٢) قد صلّى بهم (١) بعد قضاء حاجته. (٢) سكب الماء يسكبه: صبّه. (٣) فيه جواز الاستعانة في الوضوء. (٤) أي: من كُمَّيْه. (٥) قوله: فلم يستطع، فيه لُبْس الضَّيِّق من الثياب، بل ينبغي أن يكون ذلك في الغزو مستحباً لما في ذلك من التأهُّب والتأسي برسول الله وَّر في لباسه مثل ذلك في السفر، وليس به بأس في الحضر، وفيه أن العمل الذي لا طول فيه جائز في أثناء الوضوء، ولا يلزم من ذلك استئناف الوضوء. (٦) بضم الكاف. (٧) هي ما قطع من الثياب مشمِّراً. (٨) زاد مسلم: وألقى الجُبَّة على منكبيه. (٩) أي: من داخلها من طرف الذيل. (١٠) في رواية مسلم: بناصيته . (١١) قوله: جاء، لابن سعد: فأسفر الناس بصلاتهم حتى خافوا الشمس، فقدَّموا عبد الرحمن. (١٢) قوله: يؤمهم، فيه أنه إذا خِيف فوت وقت الصلاة أو فوت الوقت المختار لم يُنتظر الإِمام وإن كان فاضلاً جدّاً، وقد احتجَّ الشافعي بأنَّ أول الوقت أفضل بهذا الحديث. ٢٧٧ سجدة(١)، فصلّى معهم (٢) رسولُ اللهِ وَليِ(٣)، ثم صلّى الرَّكعةَ(٤) التي بَقِيَتْ، ففزعَ الناسُ(٥) له، ثم قال لهم: قد أحسنتم(٦). ٤٨ - أخبرنا مالكٌ: حدَّثنا سعيدُ(٧) بنُ عبد الرحمن بنٍ رُقَيش (٨) أنه قال: (١) أي: ركعة، زاد مسلم وأبو داود: ((من صلاة الفجر)). (٢) زاد مسلم وأبو داود: وراء عبد الرحمن بن عوف. قوله: فصلّى معهم، أخرج ابن سعد في ((الطبقات)) بسند صحيح، عن المغيرة أنه سئل: هل أمَّ النبي ◌َ ﴿ أحدٌ من الأمة غير أبي بكر، قال: نعم، كنا في سفر، فلما كان من السَّحَر انطلق وانطلقتُ معه حتى تبرِّزنا عن الناس. فنزل عن راحلته فتغيَّب عني حتى ما أراه، فمكث طويلاً، ثم جاء، فصببت عليه، فتوضأ ومسح على خفيه، ثم ركبنا، فأدركنا الناس وقد أقيمت الصلاة فتقدَّمهم عبد الرحمن بن عوف وقد صلّى ركعة وهم في الثانية، فذهبت أوذنه فيها فنهاني، فصلَّيْنا الركعة التي أدركنا وقضينا التي سبقنا، فقال النبي ◌َّو حين صلّى خلف عبد الرحمن: ((ما قُبض نبيٌّ قطّ حتى يصلي خلف رجل صالح من أمته))، كذا في ((التنوير)). (٣) فيه جواز صلاة الفاضل خلف المفضول. (٤) قوله: ثم صلّى الركعة ... إلخ، كان فعله هذا كقوله: ((إنما جُعل الإِمام لیؤتم به، فلا تختلفوا علیه». (٥) قوله: ففزع الناس، لسبقهم رسول الله و لفر بالصلاة، وأكثروا التسبيح رجاء أن يشير إليهم(١) هل يعيدونها أم لا . (٦) فيه دليل على أنه ينبغي أن يُحمد ويُشكر كل من بدر إلى أداء فرضه. (٧) الأشعري المدني، ثقة من صغار التابعين، قاله الزرقاني . (٨) بضم الراء، وبالقاف والشين. (١) في الأصل: ((بهم))، وهو خطأ. ٢٧٨ سنغدد رأيتُ أنس(١) بنَ مالكٍ أتى قباء، فبال، ثم أتى بماء، فتوضَّأَ، فغَسَلَ وجْهَهُ ويدَيْهِ إلى المِرْفقين ومسَحَ برأسه ، ثم مسح على الخفّين (٢)، ثم صلّى . ٤٩ - أخبرنا مالك، حدّثنا نافعٌ وعبدُ الله بن دينار(٣): أن عبدَ الله بن عمر قَدِمَ الكوفةَ على سعدِ (٤) بنِ أبي وقّاص (٥) وهو أميرها(٦) ، (١) قوله: رأيت ... إلخ، لم يُرْوَ عن أحد من الصحابة إنكارُ المسح على الخفين إلاّ عن ابن عباس وأبي هريرة وعائشة، أما ابن عباس وأبو هريرة فقد جاء عنهما بالأحاديث الحسان خلاف ذلك وموافقة سائر الصحابة، ولا أعلم أحداً من الصحابة جاء عنه إنكار المسح على الخُفَّيْن ممَّن لم يُختلف عنه فيه إلاّ عائشة(١)، كذا في ((الاستذكار)). (٢) في الاستدلال بفعل الصحابة بعده عليه السلام إيماء إلى أن المسح على الخفين ليس من منسوخ الأحكام. (٣) أبو عبد الرحمن المدني، مولى عبد الله بن عمر، وثّقه أحمد، مات سنة ١٢٧ هـ، كذا في ((الإِسعاف)) .. (٤) أبو إسحاق أحد العشرة المبشَّرة، مات سنة خمس وخمسين، وقيل: سنة ست، وقيل: سبع، وقيل: ثمان، وقيل: أربع. (٥) مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب. (٦) من قبل عمر. (١) ولا يثبت عنها أيضاً. انظر (معارف السنن ٣٣٢/١). وقال القاري في (المرقاة ٧٨/٢): أما عائشة، ففي صحيح مسلم أنها أحالت ذلك على علم عليّ رضي الله عنه. وفي رواية، قالت - وسئلت عنه أعني المسح - : مالي بهذا علم. ٢٧٩ فرآه عبد الله وهو يمسحُ على الخفَّيْن ، فأنكر (١) ذلك عليه، فقال له: سَلْ أباك إذا قَدِمْتَ (٢) عليه، فنسي عبدُ الله أن يسأله حتى قَدِم (٣) سعد، فقال (٤): أسألتَ أباك؟ فقال: لا(٥)، فسأله عبد الله، فقال(٦): إذا أدْخَلْتَ(٧) رجلَيْكَ (١) قوله: فأنكر ذلك عليه، فيه أن الصحابي القديم الصحبة قد يخفى عليه من الأمور الجليَّة في الشرع ما يطّلع عليه غيره، لأن ابن عمر أنكر المسح على الخفين مع قِدَم صحبته وكثرة روايته، قال الحافظ: ويحتمل أن يكون ابن عمر إنما أنكر المسح في الحضر لا في السفر، ومع ذلك فالفائدة بحالها، زاد القسطلاني: وأما السفر، فقد كان ابن عمر يعلمه كما رواه ابن أبي خيثمة في ((تاريخه الكبير)) وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) من رواية عاصم، عن سالم، عنه: رأيت النبي 8* يمسح على الخفين في السفر، كذا في («ضياء الساري)). (٤) لابن عمر. (٢) المدينة . (٣) أي: المدينة. (٥) قوله: فقال لا، وفي رواية لأحمد من وجه آخر: فلما اجتمعنا عند عمر قال لي سعد: سل أباك. (٦) ولابن خزيمة، فقال عمر: كنا ونحن مع نبيّنا وَّ نمسح على خفافنا لا نرى بذلك بأساً. (٧) قوله: إذا أدخلتَ ... إلخ، قد ثبت ذلك عن النبي ولل من حديث الشعبي، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه، عن النبي وَل9، رواه عن الشعبي يونس، وابن أبي إسحاق، وزكريا بن أبي زائدة، وقال الشعبي: شهد لي عروة على أبيه، وشهد أبوه على النبي (، وأجمع الفقهاء على أنه لا يجوز المسح على الخفين إلَّ لمن لبسهما على طهارة، إلّ أنهم اختلفوا في من قدَّم في وضوئه غَسْل رجليه، ولبس خُفَّيْه، ثم أتمَّ وضوءه هل يمسح عليهما أم لا، وهذا إنما يصح على قول من أجاز تقديم أعضاء الوضوء بعضها على بعض ولم يوجب النسق ولا الترتيب، كذا في ((الاستذكار)». ٢٨٠