Indexed OCR Text
Pages 161-180
= قال: هذه كانت صلاتنا مع رسول الله صل﴿ وأبي بكر وعمر، فلما طُعن عمر أسفر بها عثمان . وأخرج مالك والبخاري ومسلم وغيرهم، عن عائشة: كنَّ نساءَ المؤمنين يصلّين مع رسول الله وَّ الصبح، ثم ينصرفن متلفّفات بمروطهن ما يُعْرَفْن من الغَلَسِ. وأخرج أبو داود وابن حبان في ((صحيحه)) والحازمي في ((كتاب الناسخ والمنسوخ))، عن أبي مسعود أنه وُّ صلّى الصبح بغلس، ثم صلّى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك بالغلس إلى أن مات، ولم يعد إلى أن يسفر. وأخرج الطبراني في ((معجمه)) من حديث جابر: كان رسول الله وُ ل# يصلّي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس حيَّة، والمغرب إذا وجبت الشمس، والعشاء إذا كثر الناس عجّل، وإذا قلّوا أخّر، والصبح بغلس. وفي الباب أحاديث كثيرة مرويَّة في كتب شهيرة. وأما اختلاف الآثار، فأثر أبي هريرة المذكور في الكتاب يدل على اختيار الغلس. وأخرج الطحاوي في ((شرح معاني الآثار))(١)، عن قرة بن حبان: تسخَّرنا مع عليّ، فلما فرغ من السحور أمر المؤذن، فأقام الصلاة. وعن داود بن يزيد الأودي، عن أبيه: كان علي يصلي بنا الفجر ونحن نتراءى بالشمس مخافة أن يكون قد طلعت. وعن عبد خير: كان عليّ ينَوِّر بالفجر أحياناً ويغلِّس بها أحياناً. وعن حرشة: كان عمر بن الخطاب ينوِّر بالفجر ويغلِّس، ويصلّي في ما بين ذلك، ويقرأ بسورة يوسف ويونس وقصار المثاني والمفصّل. وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة: : (١) ١٠٦/١. ١٦١ = صلَّينا وراء عمر بن الخطاب صلاة الصبح، فقرأ فيها بسورة يوسف والحج قراءة بطيئة، فقلت: والله إذاً لقد كان يقوم حين يطلع الفجر؟ قال: أجل. وعن السائب: صلَّيت خلف عمر الصبح، فقرأ فيها بالبقرة، فلما انصرفوا استشرفوا الشمس، فقالوا: طلعت، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين. وعن زيد بن وهب: صلّى بنا عمر صلاة الصبح، فقرأ بني إسرائيل والكهف حتى جعلتُ أنظر إلى جدار المسجد هل طلعت الشمس. وعن محمد بن سيرين، عن المهاجر، أن عمر كتب إلى أبي موسى: أنْ صلِّ الفجر بسواد، أو قال فغلّس، وأطِلْ القراءة. وعن أنس بن مالك: صلّى بنا أبو بكر صلاة الصبح، فقرأ بسورة آل عمران، فقالوا: كادت الشمس تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين. وعن عبد الرحمن بن يزيد: كنا نصلّي مع ابن مسعود، فكان يسفر بصلاة الصبح . وعن جبير بن نفير: صلّى بنا معاوية الصبح فغلّس، فقال أبو الدرداء: أسفروا بهذه الصلاة . وعن إبراهيم النخعي، قال: ما اجتمع أصحاب رسول الله وَّر على شيء ما اجتمعوا على التنوير. وفي الباب آثار كثيرة، وقد وقع الاختلاف باختلاف الأخبار والآثار. فذهب الكوفيون: أبو حنيفة وأصحابه والثوريُ والحسن بن حَيّ وأكثر العراقيّين إلى أن الإِسفار أفضل من التغليس في الأزمنة كلها. وذهب مالك والليث بن سعد والأوزاعي والشافعي وأحمد وأبو ثور وداود بن علي وأبو جعفر الطبري إلى أن الغلس أفضل، كذا ذكره ابن عبد البر(١). وقد استدلَّ كل فرقة بما يوافقها وأجاب عما يخالفها، فمن المغلّسين من قال: تأويل الإِسفار حصول اليقين بطلوع الصبح، وهو تأويل باطل يردّه اللغة . = (١) الاستذكار ٥١/١. ١٦٢ = ويردُّه أيضاً بعض ألفاظ الخبر الدالة صريحاً على التنوير كما مر. ومنهم من قال: الإِسفار منسوخ، لأنه وَلر أسفر، ثم غلَّس إلى أن مات، وهذا أيضاً باطل، لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال والاجتهاد ما لم يوجد نص صريح على ذلك ويتعذّر الجمع. ومنهم من قال: لو كان الإِسفار أفضل لما داوم النبي ◌َّ# على خلافه، وهذا جواب غير شافٍ بعد ثبوت أحاديث الإِسفار. ومنهم من ناقش في طرق أحاديث الإِسفار، وهي مناقشة لا طائل تحتها، إذ لا شك في ثبوت بعض طرقها، وضَعْفُ بعضها لا يضرّ، على أن الجمع مقدَّم على الترجيح على المذهب الراجح . ومن المُسْفرين من قال: التغليس كان في الابتداء ثم نُسخ، وفيه أنه نَسْخٌ اجتهاديّ مع ثبوت حديث الغلس إلى وفاته وَّه. ومنهم من قال: لو كان الغلس مستحباً لما اجتمع الصحابة على خلافه، وفيه أن الإِجماع غير ثابت لمكان الاختلاف فيما بينهم. ومنهم من ادَّعى انتفاء الغلس عن النبي ◌َّغير أخذاً من حديث ابن مسعود وغيره. وهذا كقول بعض المغلّسين أنَّ الإِسفار لم يثبت عن النبي وَّ باطل، فإن كلا منهما ثابت، وإن كان الغلس أكثر. ومنهم من قال: لمّا اختلفتْ الأحاديث المرفوعة تركناها، ورجعنا إلى الآثار في الإِسفار، وفيه أن الآثار أيضاً مختلفة. ومنهم من سلك مسلك المناقشة في طرق أحاديث الغلس، وهي مناقشة أخرى(١) من المناقشة الأولى . ومنهم من سلك مسلك الجمع باختيار الابتداء في الغلس والاختتام في الإِسفار بتطويل القراءة، وبه يجتمع أكثر الأخبار والآثار. وهذا الذي اختاره الطحاوي (٢)، وحكم بأنه المستحب، وأن أحاديث الإِسفار محمولة على الاختتام في الإِسفار، وأحاديث الغلس على الابتداء فيه، وقال: هذا هو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وهو جَمْع حسن لولا ما دلّ عليه حديث عائشة من انصراف النساء بعد الصلاة بمروطهن لا يُعْرَفْنَ من الغلس، إلَّ أن يقال إنه كان أحياناً (١) في نسخة: أخزى. (٢) شرح معاني الآثار ١٠٩/١. ١٦٣ وأمّا في قولِنا فإِنّا نقوْل: إذازَادَ الظُّلُّ على المِثْلِ فصار مِثْلَ الشيء وزيادةً(١) مِن حِينَ زَالتِ الشَّمْسُ، فقد دخلَ (٢) وَقْتُ العُصرِ. وأمّا أَبو حنيفةَ فَإِنَّه قال(٣) : لَا يَدْخُلُ وَقْتُ العصرِ حتَّى يَصِيرَ الظلُّ مِثلَيْهِ (٤). = والكلام في هذا المبحث طويل لا يتحمَّله هذا التعليق، بل المتكفِّل له شرحي لشرح الوقاية . (١) التنوين للتحقير والتقليل، وهي كمية الفيء باختلاف الفصول والأمكنة. قوله: فقد دخل وقت العصر، به قال أبو يوسف والحسن وزفر والشافعي وأحمد والطحاوي وغيرهم، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة على ما في عامة الكتب، ورواية محمد عنه على ما في ((المبسوط))، كذا في ((حلية المحلّى شرح منية المصلّى))(١) لمحمد بن أمير حاج الحلبي، وفي ((غرر الأذكار)): هو المأخوذ به، وفي ((البرهان شرح مواهب الرحمن)): هو الأظهر، وفي ((الفيض)) للكركي: عليه عمل الناس اليوم، وبه يُفتى. كذا في ((الدر المختار)). والاستناد لهم بأحاديث: منها أحاديث التعجيل التي ستأتي في الكتاب. ومنها أحاديث إمامة جبريل التي مرَّت الإِشارة إليها، وهي أصرح من أحاديث التعجيل. ومنها حديث جابر المرويّ في سنن النسائي وغيره أنه وُّ صلّى العصر حين صار ظل كل شيء مثله . وفي الباب آثار وأخبار كثيرة تدل على ذلك مبسوطة في موضعها. (٣) قد ذكر جمع من الفقهاء رجوعه عنه إلى المثل. (٤) قوله: حتى يصير الظل مثليه، أي سوى في الزوال في بلدة يوجد هو فیها، واستدلاله بأحاديث: (١) هكذا في الأصل: هنا وفيما سيأتي مراراً، وهو تحريف قطعاً، والصواب: ((حَلْبَة المجلّي شرح منية المصلّي)) بفتح الحاء من ((حلبة)) وسكون اللام، يليها باء موحدة، والمجلي بضم الميم وفتح الجيم وكسر اللام المشددة، انظر هامش الأجوبة الفاضلة: ص ١٩٧ . ١٦٤ ٢ - أخبرنا مالك، أخبرني ابن شهاب(١). = منها حديث علي بن شيبان: قَدِمنا على رسول الله وَ ﴿ المدينة، فكان يؤخّر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية. رواه أبو داود وابن ماجه. وهذا يدلُّ على أنه کان يصلّي عند المثلین. ومنها حديث جابر: صلّى بنا رسول الله ◌َّ حين صار ظل كل شيء مثليه. رواه ابن أبي شيبة بسند لا بأس به، كذا ذكره العيني في ((عمدة القاري شرح صحيح البخاري))(١). وفيه أنهما إنما يدلّان على جواز الصلاة عند المثلين، لا على أنه لا يدخل وقت العصر إلاّ عند ذلك. ومنها أثر أبي هريرة المذكور في الكتاب، وقد مرَّ ما له وما عليه. والإنصاف في هذا المقام أن أحاديث المثل صريحة صحيحة. وأخبار المثلين ليست صريحة في أنه لا يدخل وقت العصر إلى المثلين، وأكثر من اختار المثلين إنما ذكر في توجيهه أحاديث استنبط منها هذا الأمر، والأمر المستنبط لا يعارض الصريح، ولقد أطال الكلام في هذا المبحث صاحب ((البحر الرائق)) فيه وفي رسالة مستقلّة، فلم يأتِ بما يفيد المدَّعى ويُثبت الدعوى، فتفطَّنْ. (١) قوله: ابن شهاب الزهري، قال النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٢): محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مُرَّ بن كعب بن لؤيّ أبو بكر القرشي الزهري المدني. سكن الشام وكان بأَيْلة، ويقولون: تارة الزهري، وتارة ابن شهاب، ينسبونه إلى جدّ جدّه، تابعي صغير، سمع أنساً وسهلَ بنَ سعد والسائب بن يزيد وأبا أمامة وأبا الطفيل، وروى عنه خلائق من كبار التابعين وأتباعهم، روينا عن الليث بن سعد، قال: ما رأيت قطّ عالماً أجمع من ابن شهاب، ولا أكثر علماً منه، = (١) ٣٣/٥. (٢) ٩٠/١. ١٦٥ الزُّهْرِي(١)، عَن عُروةَ(٢) قال: حَدَّثَتْنِي عائشةُ(٣) رضيَ الله عَنْها، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِهِ كَانَ يُصَلِّ الْعَصْرَ والشمسُ(٤) في حُجْرَتِهَا(٥) ۔ = وقال الشافعي: لولا الزهري لذهبت السنن من المدينة، توفي في رمضان سنة ١٢٤ هـ، ودُفن بقرية بأطراف الشام، يقال لها شغب. انتهى ملخّصاً. (١) بضم الزاي وسكون الهاء نسبة إلى زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، كذا في ((الأنساب)). (٢) قوله: عن عروة، هو ابن الزبير بن العَوَّام الأسدي أبو عبد الله المدني، قال ابن عُيَيْنة: أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: القاسم وعروة وعَمْرة بنت عبد الرحمن، مات سنة ٩٤هـ، كذا في ((إسعاف السيوطي))(١). (٣) قوله: حدَّثتني عائشة، هي بنت أبي بكر الصدِّيق زوجة النبيِ وَّرَ، وأحبَّ أزواجه إليه، تزوَّجها وهي بنت ست سنين أو سبع قبل الهجرة بسنتين أو ثلاث، وبنى بها بالمدينة، وهي ابنة تسع، وتوفيت سنة ٥٧هـ ، وقيل: سنة ٥٨ هـ، قال الزهري: لو جُمع علم عائشة إلى جميع علم أزواج رسول الله وَله، وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل، كذا في ((استيعاب ابن عبد البر)). (٤) قوله: والشمس، المراد من الشمس، ضَوْءُها، لا عينها، والواو في قوله والشمس للحال، كذا في ((إرشاد الساري شرح صحيح البخاري)) للقسطلّاني. (٥) أي: في داخل بيتها، قال السيوطي: الحُجْرة: بضم الحاء وسكون الجيم: البيت سُمِّي به لمنعها المال. قوله: في حجرتها، أي: بيت عائشة، كأنها جرّدت واحدة من النساء وأثبتت لها حجرة وأخبرت بما أخبرت به، وإلاّ فالقياس التعبير ((بحجرتي))، كذا في ((إرشاد الساري)) . (١) ص ٢٩ . ١٦٦ t قَبْلَ (١) أَنْ تَظْهَرَ(٢). ٣ - أخبرنا مالك قال: أخبرني ابنُ شهابٍ (٣) الزُّهْرِيُّ، عن أنسِ (٤) بنِ مالكٍ أنَّه قال: (١) قوله: قبل ... إلخ، فإن قال قائل: ما معنى قولها قبل أن تظهر الشمس، والشمس ظاهرة على كل شيء من طلوعها إلى غروبها، فالجواب أنها أرادت: والفيء في حجرتها قبل أن تعلو على البيوت، فكنّتْ بالشمس عن الفيء، لأن الفيء عن الشمس كما سمِّ المطر سماء، لأنه ينزل من السماء، وفي بعض الروايات لم يظهر الفيء، كذا في ((الكواكب الدراري شرح صحيح البخاري)) للكرماني . (٢) أي: قبل أن يعلو على الجدار، كذا في ((الكواكب الدراري))، يقال ظهرت السطح، أي: علوته . قوله: تظهر، قال الطحاوي: لا دلالة فيه على التعجيل لاحتمال أن الحجرة كانت قصيرة الجدار، فلم تكن الشمس تحتجب(١) عنها إلّ بقرب غروبها، فيدل على التأخير. وتُعُقِّب بأن الذي ذكره من الاحتمال إنما يتصوَّر مع اتساع الحجرة، وقد عرف بالاستفاضة والمشاهدة أن حُجَر أزواج النبي ولو لم تكن متّسعة، ولا يكون ضوء الشمس باقياً في قعر الحجرة الصغيرة إلاّ والشمس قائمة مرتفعة، كذا في ((فتح الباري شرح صحيح البخاري))(٢) للحافظ ابن حجر. (٣) هو محمد بن مسلم الزهري. (٤) قوله: عن أنس بن مالك، هو خادم رسول الله وَّل خدمه عشر سنين، : (١) في الأصل: ((فلم يكن الشمس يحتجب))، وهو خطأ. (٢) ٢١/٢. ولكن ردًّ عليه العيني في عمدة القاري (٥٣٩/٢)، بقوله: قلت: لا وجه للتعقُّب فيه، لأن الشمس لا تحتجب عن الحجرة الصغيرة الجدار إلَّ بقرب غروبها، وهذا يُعلم بالمشاهدة، فلا يُحتاج إلى المكابرة ولا دخل لاتِّساع الحجرة ولا لضيقها، وإنما الكلام في قصر جدرها. ١٦٧ كنّا نصلّي العصرَ(١) ثمَّ يَذْهَبُ الذاهبُ(٢) = ودعا له رسول الله وَ ل﴿ل بقوله: ((اللَّهم أكثِرْ مالَه وولدَه، وأدخِلْه الجنة))، مات سنة ١٠٢ هـ، وقيل سنة ٩٢هـ وقد جاوز المئة، كذا في ((إسعاف المبطأ، برجال الموطأ))(١) للسيوطي. (١) قوله: كنا نصلي العصر، قال ابن عبد البر: هكذا هو في ((الموطأ))، ليس فيه ذكر النبي ◌َ ◌ّر، ورواه عبد الله بن نافع وابن وهب في رواية يونس بن عبد الأعلى عنه؛ وخالد بن مخلد وأبو عامر العقدي كلهم عن مالك، عن الزهري، عن أنس أن رسول الله ﴿ كان يصلّي العصر، ثم يذهب الذاهب ... الحديث. وكذلك رواه عبد الله بن المبارك عن مالك، عن الزهري وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة جميعاً عن أنس، أن رسول الله وَ﴿ كان يصلّي العصر، ثم يذهب الذاهب إلى قباء، قال أحدهما: فيأتيهم وهم يصلون، وقال الآخر: فيأتيهم والشمس مرتفعة. ورواه أيضاً كذلك معمر وغيره من الحفاظ عن الزهري، فهو حديث مرفوع. قلت: هو كذلك عند البخاري من طريق شعيب عن الزهري، وعند مسلم وأبي داود وابن ماجه من طريق الليث عن الزهري، وعند الدارقطني من طريق إبراهيم بن أبي عَبْلة عن الزهري، كذا في ((تنوير الحوالك على موطأ مالك)) (٢) للسيوطي . (٢) أي ممن صلَّى مع رسول الله وَلفه. قوله: ثم يذهب الذاهب، قال الحافظ ابن حجر: أراد نفسه لما أخرجه النسائي والطحاوي من طريق أبي الأبيض عن أنس قال: كان رسول الله ولم يصلي بنا العصر والشمس بيضاء محلّقة؛ ثم أرجع إلى قومي فأقول لهم: قوموا فصلوا، فإن رسول الله پ﴾ قد صلّى. = (١) ص ٧. (٢) ٢٦/١. ١٦٨ إلى (١) قُباء(٢) = قلت: بل أعم من ذلك لما أخرجه الدارقطني والطبراني من طريق عاصم بن عمر بن قتادة عن أنس قال: كان أبعد رجلين من الأنصار من رسول الله و الفر داراً أبو لبابة بن عبد المنذر، وأهله بقباء، وأبو عبس بن جبر، ومسكنه في بني حارثة، فكانا يصلّيان مع رسول الله : ﴿، ثم يأتيان قومهما، وما صلّوا لتعجيل رسول الله وَله بها، كذا في ((تنوير الحوالك)»(١). (١) إلى قُبا، قال النسائي: لم يتابع مالك على قوله ((إلى قبا)) والمعروف (إلى العوالي)). وقال الدارقطني: رواه إبراهيم بن أبي عبلة عن الزهري فقال إلى العوالي، وقال ابن عبد البر: الذي قاله جماعة أصحاب ابن شهاب عنه ((إلى العوالي)) وهو الصواب عند أهل الحديث، وقول مالك ((إلى قبا)) وهم لا شك فيه إلاّ أن المعنى متقارب، فإن العوالي مختلفة المسافة، فأقربها إلى المدينة ما كان على ميلين أو ثلاثة، ومنها ما يكون على ثمانية أميال، ومثل هذا هي المسافة بين قبا والمدينة. وقد رواه خالد بن مخلد عن مالك، فقال: إلى العوالي، وسائر رواة ((الموطأ)) يقولون: إلى قباء، وقال الحافظ ابن حجر: نسبة الوهم فيه إلى مالك منتقدٌ، فإنه إن كان وهماً احتمل أن يكون منه، وأن يكون من الزهري حين حدث به مالكاً، فإن الباجيّ نقل عن الدارقطني أن ابن أبي ذئب رواه عن الزهري ((إلى قبا)) كذا في ((تنوير الحوالك»(٢). (٢) قوله: قباء، قال النووي: يُمَدّ ويُقصر ويُصرف ولا يُصرف ويُذكَّر ويؤنَّث، والأفصح التذكير والصرف والمدّ، وهو على ثلاثة أميال من المدينة، كذا في ((تنوير الحوالك)»(٣). (١) ٢٦/١. (٢) ٢٦/١ - ٢٧. (٣) ٢٦/١. ١٦٩ فيأتيهم (١) و(٢) الشمسُ مرتفعة(٣). ٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاقُ بنُ عبدِ الله بن أبي طلحة (٤)، عن أنس بن مالك(٥)، قال: كنا(٢) (١) أي يأتي الذاهب إلى أهل قبا. (٢) الواو حالية . (٣) أي ظاهرة عالية . قوله: والشمس مرتفعة، المعنى الذي أدخل مالك هذا الحديث في (موطَّئه)) تعجيل العصر خلافاً لأهل العراق الذين يقولون بتأخيرها، نقل ذلك خَلَفُهم عن سلفهم بالبصرة والكوفة، قال الأعمش: كان إبراهيم يؤخِّر الصلاة جداً، وقال أبو قلابة: وإنما سمِّيت العصر لتعصر. وأما أهل الحجاز فعلى تعجيل العصر سَلَفُهم وخَلَفُهم، كذا في ((الاستذكار)(١). (٤) قوله: أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال السيوطي (٢): وثّقه أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي، وقال ابن معين: ثقة حجة، مات سنة ١٣٤ هـ . (٥) هذا الحديث قد أخرجه البخاري ومسلم من طريق مالك والنسائي وغيرهم. (٦) قوله: كنا نصلي العصر ... إلخ، قال ابن عبد البر: هذا يدخل عندهم في المسند، فصرَّح برفعه ابن المبارك وعتيق بن يعقوب الزهري، كلاهما عن مالك بلفظ كنا نصلي العصر مع النبي مصر. انتهى. وهذا اختيار الحاكم أن قول الصحابي كنا نفعل كذا مسند ولو لم يصرِّح بإضافته إلى النبي صل﴾، وقال = (١) ٧٠/١. (٢) الإسعاف: ص ٦. ١٧٠ نصلّي (١) العصر، ثم يخرج الإِنسان(٢) إلى بني عمرو بنٍ عوف(٣) فيجدُهم (٤) يصلّون العصر. قَالَ مُحَمَّدٌ: تَأخِيْرُ الْعَصْرِ (٥) أَفْضَلُ (٦) = الدارقطني والخطيب: هو موقوف، قال الحافظ عبد الحق: إنه موقوف لفظاً مرفوع حكماً، قاله الزرقاني(١). (١) أي في مسجد المدينة. (٢) ممن صلَّى مع النبيّ ◌ِلـ (٣) قال العيني في ((عمدة القاري شرح البخاري(٢)) كانت منازلهم على میلین بقبا . (٤) قوله: فيجدهم يصلون، كان رسول الله وَّمِ يعجِّل (٣) في أوَّل وقتها، ولعلَّ تأخيرهم لكونهم كانوا أهل أعمال في زروعهم وحوائطهم، فإذا فرغوا من أعمالهم تأهَّبوا للصلاة بالطهارة وغيرها، ثم اجتمعوا لها فتأخّرت صلاتهم إلى وسط الوقت. قال النووي: هذا الحديث حجة على الحنفية حيث قالوا: لا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه، كذا في ((الكواكب الدراري)). (٥) أي لا في يوم غیم. (٦) قوله: أفضل، علَّله صاحب (الهداية)) وغيره من أصحابنا بأن في تأخيره تكثير النوافل لكراهتها بعده، وهو تعليل في مقابلة النصوص الصحيحة الصريحة = (١) ٢٤/١. (٢) ٣٦/٥. (٣) في الأصل: ((يعجل))، والظاهر: ((يعجل العصر)). ١٧١ = الدالّة على فضيلة التعجيل، وهي كثيرة مرويَّة في الصحاح الستّة وغيرها(١)، وقد مرَّ نُبَذٌ منها في الكتاب، وذكر العيني في ((البناية شرح الهداية)) لأفضلية التأخير أحادیث: الأول: ما أخرجه أبو داود عن عبد الرحمن بن عليّ بن شيبان، عن أبيه، عن جده، قال: قَدِمنا على رسول الله ﴿ المدينة، فكان يؤخَر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية . والثاني: ما أخرجه الدارقطني عن رافع بن خديج أن رسول الله وَ ار كان يأمر بتأخير هذه الصلاة يعني العصر. والثالث: ما أخرجه الترمذي عن أم سلمة: كان رسول الله وَله أشدَّ تعجيلًا للظهر منه . والرابع: ما أخرجه الطحاوي عن أنس: كان النبي لم يصلّي العصر والشمس بيضاء. ولا يخفى على الماهر ما في الاستناد بهذه الأحاديث. أما الحديث الأول، فلا يدل إلاّ على أنه كان يؤخر العصر ما دام كون الشمس بيضاء، وهذا أمر غير مستنكر، فإنه لم يقل أحد بعدم جواز ذلك، والكلام إنما هو في أفضلية التأخير وهو ليس بثابت منه . لا يقال: هذا الحديث يدل على أن التأخير كان عادته يشهد به لفظ ((كان)» (١) إن تعليل صاحب ((الهداية)) بتكثير النوافل ليس بمقابلة النصوص الصحيحة الصريحة في أفضلية التعجيل، وما روي منها في الصحاح الستة وغيرها ليس شيء منها مما يُشير إلى أفضلية أول الوقت، وما روى أبو داود عن شيبان بن عليّ صريح في التأخير ونفي التعجيل، وأنه يُقطع منه بالتأخير الكامل إلى آخر الوقت المستحب، وأنه غير مستحب عندنا حتى يحتمل وقوعها في شيء من الوقت المكروه على أنّا بصدد المنع. (تنسيق النظام ص ٤٣). ١٧٢ = المستعمل في أكثر الأحاديث لبيان عادته المستمرة، لأنا نقول: لو دلَّ على ذلك لعارضه كثير من الأحاديث القويَّة الدالّة على أن عادته كانت التعجيل، فالأوْلى أن لا يُحمل هذا الحديث على الدوام دفعاً للمعارضة واعتباراً لتقديم الأحاديث القوية . وأما الثاني فقد رواه الدارقطني في ((سننه)) عن عبد الواحد بن نافع قال: دخلت مسجد الكوفة فأذَّن مؤذِّن بالعصر وشيخ جالس، فلامه وقال: إنَّ أبي أخبرني أن رسول الله وَّه كان يأمر بتأخير هذه الصلاة، فسألت عنه، فقالوا: هذا عبد الله بن رافع بن خديج. ورواه البيهقي في ((سننه)) وقال: قال الدارقطني في ما أخبرنا عنه أبوبكر بن الحارث: هذا حديث ضعيف الإِسناد، والصحيح عن رافع ضده، ولم يروه عن عبد الله بن رافع غير عبد الواحد بن نافع، وهو يروي عن أهل الحجاز المقلوبات، وعن أهل الشام الموضوعات، لا يحل ذكره في الكتب إلاّ على سبيل القدح فيه. انتهى. ورواه البخاري في ((تاريخه الكبير)) في ترجمة عبد الله بن رافع: حدثنا أبو عاصم، عن عبد الواحد بن نافع، وقال :. لا يُتابع عليه يعني عن عبد الله بن رافع، وقال ابن القطان: عبد الواحد بن نافع مجهول الحال مختلف في حديثه(١). كذا ذكره الزيلعي في ((تخريج أحاديث الهداية)). وأما الثالث فإنما يدل على كون التعجيل في الظهر أشد من التعجيل في العصر لا على استحبابه تأخير العصر. وأما الرابع فلا يدل أيضاً على استحباب التأخير. ومن الآثار المقتضية للتأخير ما روي عن زياد بن عبد الله النخعي: كنا جلوساً = (١) في الجوهر النقي (٤٤١/١ - ٤٤٢): قلت: ذكر ابن حبان في ثقات التابعين عبد الله بن رافع، وذكر في ثقات أتباع التابعين عبد الواحد بن نافع، وأخرجه الحاكم بسنده، وقال: صحيح على شرط البخاري. ١٧٣ عِنْدَنا(١) مِنْ تَعْجِيلِها إِذَا صَلَّْتَهَا (٢) وَالشَّمسُ (٣) بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ (٤) = مع عليّ رضي الله عنه في المسجد الأعظم فجاء المؤذِّن فقال: الصلاة، فقال: اجلس، فجلس، ثم عاد فقال له ذلك، فقال عليّ: هذا الكلب يعلِّمنا الصلاة، فقام عليّ، فصلَّى بنا العصر، ثم انصرفنا فرجعنا إلى المكان الذي كنّا فيه جلوساً، فجثَوْنا للرُّكَب لنزول الشمس للغروب نتراآها. أخرجه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأخرجه الدارقطني، وأعلَّه بأن زياد بن عبد الله مجهول(١)، ومما يدل على التأخير ما أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) عن عكرمة قال: كنا في جنازة مع أبي هريرة، فلم يصلَ العصر حتى رأينا الشمس على رأس أطول جبل بالمدينة. وقد أورد الطحاوي آثاراً أخر أثبت بها التأخير، وأجاب عن أحاديث التعجيل بجوابات، لا يخلو واحد منها عن مناقشة، وليس هذا موضع بسطه (٢). (١) معاشر الحنفية أو معاشر أهل الكوفة. (٢) أيها المصلِّي. (٣) الواو حالية. (٤) أي مطهّرة من اختلاط الاصفرار. (١) ذكره ابن حبان في ثقات التابعين: الثقات لابن حبان ٢٥٦/٤. (٢) قلت: أحاديث التبكير والتعجيل ليست بألفاظها مفسّرة، بل نصوصاً في الأداء لأول وقتها، بل ظاهرة فيه لولا قرائن صارفة عن هذا المعنى، بل التعمق يرشد إلى أن المراد منها التعجيل والتقدم على صفرة الشمس ودخول وقت الكراهة، وبيان التبكير والتأكيد فيه لأنه لا يقع في هذا الوقت المكروه، أو ينقضي وقتها كما يشير إليه كثير من ألفاظ الأحاديث كحديث صلاة المنافق فيه فنقر أربعاً، وغير ذلك، وذلك لأن الأخبار بعد الاستقصاء في باب التعجيل عامتها ترجع إما إلى ما فيه ألفاظ مبهمة ككون الشمس حيّة ونفيَّة بيضاء وككونها في حجرة عائشة وغير ذلك مما لا قاطع فيه بالأداء في أول الوقت، بل هو شامل إلى آخر ما يدخلها الصفرة، أي آخر الوقت المستحب، ((تنسيق النظام)) ص ٤٣. ١٧٤ لَمْ تَدْخُلْهَا صُفْرَةٌ(١)، وبذلك(٢) جَاءَتْ عَامَّةُ الآثارِ(٣)، وهو (٤) قولُ أبي حَنِيفةَ(٥) . (١) قوله: لم تدخلها صفرة، فإن دخلتها صفرة كرهت الصلاة. ذكره الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)). واختلفوا في مقدار تغير الشمس، فقدَّره بعضهم بأنه إذا بقي مقدار رمح لم يتغير، ودونه يتغير، وعن إبراهيم النخعي وسفيان الثوري والأوزاعي أنه يعتبر التغير في ضوئها، وبه قال الحاكم الشهيد، وعليه ظاهر ما في ((محيط رضي الدين)) وذكر محمد في ((النوادر)) عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يُعتبر التغير في قرص الشمس، لا في الضوء، ونسبه شمس الأئمة السرخسي إلى الشعبي، كذا في ((حلبة المجَلّ شرح مُنْيَة المصلّي)). (٢) أي بالتأخير. (٣) قوله: عامة الآثار، أي أكثر الأخبار المأثورة عن النبي صل﴿، أو عن أصحابه، فإن الأثر(١) في عرف القدماء يُطلق على كلِّ مروي مرفوعاً كان أو موقوفاً، ومن ثم سمَّى الطحاويُّ كتابه (شرح معاني الآثار)) وكتاباً آخر سمّاه ((مشكل الآثار)) مع أنه ذكر فيه الأحاديث المرفوعة أكثر، وقال النووي في شرح صحيح مسلم: المذهب المختار الذي قاله المحدثون وغيرهم واصطلح عليه السلف وجماهير الخلف أن الأثر يُطلق على المروي مطلقاً، وقال الفقهاء الخراسانيون: الأثر: ما يُضاف إلى الصحابي موقوفاً عليه. انتهى. وقد بسطتُ الكلام فيه في شرح رسالة أصول الحديث المنسوبة إلى السيد الشريف المسمَّى بـ ((ظفر الأماني (٢) في المختصر المنسوب إلى الجُرْجاني))، فليُطالَع . (٤) أي التأخير. (٥) قوله: قول أبي حنيفة، وبه قال أبو قلابة محمد بن عبد الملك وإبراهيم = (١) ٦٣/١. وانظر تدريب الراوي ٤٣/١. (٢) ص ٤، ٥. ١٧٥ وَقَدْ قَالَ(١) بَعْضُ الفُقَهَاءِ(٢): إِنَّما سُمِّيتِ العَصْرُ لَّإِنَّها(٣) تُعْصَرُ وَتُؤَخَّر (٤). = النخعي والثوري وابن شبرمة وأحمد في رواية، وهو قول أبي هريرة وابن مسعود، وقال الليث والأوزاعي والشافعي وإسحاق وغيرهم: إن الأفضل التعجيل، كذا في ((البناية)) للعيني، وأخرج الطحاوي في ((شرح معاني الآثار))(١) عن صالح بن عبد الرحمن، نا سعيد بن منصور، نا هشيم، أنا خالد، عن أبي قلابة: إنما سميت العصر لتعصر وتؤخر ثم قال الطحاوي: فأخبر أبو قلابة أن اسمها هذا لأن سببها أن تعصر، وهذا الذي استحسنّاه من تأخير العصر من غير أن يكون ذلك إلى وقت قد تغيَّرت فيه الشمس، أو دخَلَتْها صفرة، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وبه نأخذ. انتھی . وأخرج أيضاً عن إبراهيم النخعي استحباب التأخير، وأن أصحاب عبد الله بن مسعود کانوا یؤخّرون. (١) تأييد لما ذهب إليه بالاستنباط من لفظ العصر التأخير. (٢) المراد به أبو قلابة كما يُعلم من ((الاستذكار))(٢). (٣) أي صلاة العصر. (٤) قوله: لأنها تعصر وتؤخر، قد يقال: إنما سمِّي العصر عصراً لأنها تعصر وتقع في آخر النهار، فهي مؤخّرة عن جميع صلوات النهار ووقتها مؤخر عن جميع أوقات صلوات النهار لا لأنها تُعصر عن أول وقتها . (١) ١١٥/١. (٢) ٧٠/١. ١٧٦ ٢ - (باب ابتداء الوضوء) ٥ - أَخْبَرْنَا مَالِكٌ، أخبرنا عَمرو(١) بنُ يَحْيِى بنِ عُمَارة(٢) بنِ ج أبي حَسَنِ المازِنيُّ (٣)، عن أبيه يحيى (٤) أنَّه سَمِعَ(٥) جدَّهُ أبا حَسَنِ(٦) يَسألُ(٧) (١) بفتح العين، وثَّقه النّسائي وأبو حاتم، قاله السيوطي . (٢) بضم العين وخفّة الميم. (٣) بكسر الزاي من بنى مازن، صفة لعمرو. (٤) وثَّقه النسائي، قاله السيوطي . (٥) قوله: سمع، وقع في رواية يحيى الأندلسي، عن مالك أنه - أي: يحيى بن عمارة - قال لعبد الله بن زيد، فنسب السؤال إليه وهو على المجاز. (٦) قوله: جدَّه أبا حسن، قيل: اسمه كنيته، لا اسم له غير ذلك، وقيل اسمه تميم بن عبد عمرو، وهو جد يحيى بن عمارة والد عمرو بن يحيى شيخ مالك، مدني له صحبة، يقال: إنه ممَّن شهد العقبة وبدراً، كذا في ((الاستيعاب في أحوال الأصحاب)) لابن عبد البر(١). (٧) قوله: يسأل ... إلخ، كذا ساقه سحنون في ((المدوَّنة))، ولأبي مصعب وأكثر رواة الموطأ أن رجلاً قال لعبد الله، ولمعن بن عيسى، عن عمرو، عن أبيه يحيى، أنه سمع أبا حسن وهو جدّ عمرو بن يحيى، وعند البخاري من طريق وهيب، عن عمروبن يحيى، عن أبيه، قال: شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد، وعنده أيضاً من طريق سليمان بن (٢) عمرو بن يحيى، عن أبيه، قال: كان عمرويكثر الوضوء، فقال لعبد الله، وفي المستخرج لأبي نعيم من طريق = (١) الاستيعاب ٤٣/٧. (٢) كذا في الأصل والصواب ((عن)). ١٧٧ عبدَ اللهِ بنَ زَيْد بن عَاصِمٍ (١) وكان(٢) من أصحاب رسولِ اللهِ وَلّ قال: هل تستطيعُ(٣) = الدراوردي، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عمه عمرو بن أبي حسن. قال الحافظ ابن حجر: الذي يجمع هذا الاختلاف أن يقال: اجتمع عند عبد الله بن زيد أبو حسن الأنصاري وابنه عمرو وابن ابنه يحيى، فسألوه عن صفة الوضوء وتولّى السؤال منهم عمرو بن أبي حسن، فحيث نُسب إليه السؤال كان على الحقيقة، وحيث نُسب إلى أبي حسن فعلى المجاز لكونه أكبر، وحيث نُسب ليحيى، فعلى المجاز أيضاً، كذا في ((تنوير الحوالك))(١). (١) قوله: عبد الله بن زيد بن عاصم، وقع في رواية يحيى الأندلسي، عن مالك ها هنا: وهو جد عمرو بن يحيى، فظنوا أن الضمير يعود إلى عبد الله، وبناءً عليه قال صاحب الكمال وتهذيب الكمال في ترجمة عمرو بن يحيى بن عمارة أنه ابن بنت عبد الله بن زيد بن عاصم، وليس كذلك، بل الضمير يعود إلى السائل، عن عبد الله، كذا في ((تهذيب التهذيب)) للحافظ ابن حجر. (٢) قوله: وكان، أي: عبد الله بن زيد بن عاصم وهو غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه راوي حديث الأذان، ووهم من قال باتحادهما، وذكر السيوطي أن عبد الله المازني هذا مات سنة ٦٣هـ . (٣) قوله: هل تستطيع أن تريني، أي: أرني، قال الحافظ: فيه ملاطفة الطالب للشيخ، وكأنه أراد الإِراءة بالفعل ليكون أبلغ في التعليم، وسبب الاستفهام ما قام عنده من احتمال أن يكون نسي ذلك لُبُعد العهد، قاله الزرقاني(٢). (١) ٣٩/١، ٤٠. وفي ((أوجز المسالك)) ١٨٩/١: والأوجه عندي أن يرجع الضمير إلى جد عمرو المذكور، إذ كون عبد الله بن زيد من الصحابة ظاهر، وكون السائل من الصحابة في حيِّز الخفاء بعد، مع أنه قريب لفظاً، وكونه سائلاً لصفة وضوئه ﴾ أيضاً يوهم عدم صحبته، فإذاً التنبيه على كونه صحابياً أشدّ احتياجاً من التنبيه على بيان صحبة عبد الله، والله أعلم. (٢) ٤٣/١. ١٧٨ أن تُرِيَني (١) كيف كان رسول الله وَّهِ يَتَوَضَّأُ قال عبدُ اللّه بنُ زَيْدٍ: نَعْمَ (٢)، فدعا بِوَضُوْءٍ (٣) فَأَفْرَغَ (٤) على يَدَيْهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْن (٥)، ثُمَّ مَضْمَضَ (٦)(٧) (٨) ، (١) من الإِراءة، أي: تبصرني وتعلُّمني. (٢) أي: أستطيع. (٣) قوله: بوضوء، هو بالفتح الماءُ الذي يُتَوَضَّأ به، وبالضم إذا أردت الفعل. وقال الخليل: الفتح في الوجهين، ولم يعرف الضم، وكذا عندهم الطُّهور والطّهور والغُسل والغَسل، وحكى غسلا وغسلاً بمعنى، وقال ابن الأنباري: الأوجه هو الأوَّل، أي: التفريق بينهما وهو المعروف الذي عليه أهل اللغة، كذا في ((مشارق الأنوار على صحاح الآثار)) للقاضي عياض. (٤) أي: صبّ. (٥) قوله: مرتين، قال الحافظ: كذا لمالك، ووقع في رواية وهيب عند البخاري، وخالد بن عبد الله عند مسلم، والدراوردي عند أبي نعيم: ((ثلاثاً) فهؤلاء حفاظ وقد اجتمعوا، ورواياتهم مقدّمة على رواية الحافظ الواحد، وفي رواية أبي مصعب ((يده)) بالإِفراد على إرادة الجنس، كذا في ((التنوير))(١). (٦) المضمضة تحريك الماء، وفي الاصطلاح استيعاب الماء في الفم(٢). (٧) يحتمل مرتين نظراً لما قبله، ويحتمل ثلاثاً اعتباراً بما بعده. (٨) قوله: ثم مضمض، واستثر كذا في رواية يحيى، وفي رواية أبي مصعب بدله استنشق. قال الشيخ ولي الدين: فيه إطلاق الاستئثار على : (١) ٤٠/١. وانظر منتقى الباجي: ٦٤/١. (٢) قال النووي: وأقلها أن يجعل الماء في فيه، ولا يُشترط الإِدارة على المشهور عند الجمهور. شرح صحيح مسلم ٥٠٥/١، باب صفة الوضوء. ١٧٩ 4 ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثاً، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقْن (١) مَرَّتَيْن مَرَّتَيْن(٢)، ثُمَّ مَسَحَ (٣) = الاستنشاق، وفي ((شرح مسلم)) للنووي: الذي عليه الجمهور من أهل اللغة وغيرهم أن الاستنثار غير الاستنشاق، وأنه إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق، مأخوذ من النشرة وهي طرف الأنف، وأما الاستنشاق: فهو إيصال الماء إلى داخل الأنف وجذبه بالنّفَس إلى أقصاه، كذا في ((التنوير))(١). (١) تثنية مرفق بكسر الميم وفتح الفاء وبالعكس: العظم الناتىء في آخر الذراع. (٢) قوله: مرتين مرتين، قال الشيخ وليّ الدين: المنقول في علم العربية أن أسماء الأعداد والمصادر والأجناس، إذا كُرِّرت كان المراد حصولها مكرَّرة لا التوكيد اللفظي، فإنه قليل الفائدة. مثال ذلك: جاء القوم اثنين اثنين أو رجلا رجلاً، وهذا الموضع منه، أي: غسلهما مرتين بعد مرتين، أي: أفرد كل واحدة منهما بالغسل مرتين، وقال الحافظ: لم تختلف الروايات عن عمرو بن يحيى في غسل اليدين مرتين، لكن في مسلم من طريق حبان بن واسع، عن عبد الله بن زيد، أنه رأى النبي ◌َّه* توضأ، وفيه وغسل يده اليمنى ثلاثاً ثم الأخرى ثلاثاً، فيُحمل على أنه وضوء آخر لكون مخرج الحديثين غير متّحد، كذا في ((تنوير الحوالك))(٢). (٣) قوله: ثم مسح ... إلخ، قال ابن عبد البر: روى سفيان هذا الحديث، فذكر فيه مسح الرأس مرتين (٣) وهو خطأ لم يذكره أحد غيره، وقال القرطبي : = (١) ٤٠/١ . (٢) ٤١/١ . (٣) قال النووي: مسح جميع الرأس مستحب باتفاق العلماء. شرح مسلم ٥٢٠/١. والمشهور عند المالكية أن الاستيعاب واجب، وبعض الرأس عند الشافعي، وهما روايتان عن أحمد، وقال الموفق: ظاهر مذهب أحمد الاستيعاب في حق الرجل، ويكفي المرأة أن تمسح مقدّم رأسها، وربع الرأس أو مقدار الناصية عند الحنفية. أوجز المسالك ١٩٣/١. ١٨٠