Indexed OCR Text

Pages 61-80

والأذكار المأثورة، لا بالأدوية المعمولة، فاشتغلت بإتمامه مع زيادات لطيفة فيما
أسلفته، فجاء بفضل الله وعونه بحيث تنشرح به صدور الأفاضل، وتنشط به آذان
الأماثل، وأرجو من إخوان الصفا وخِلان الوفا أن يطالعوه بنظر الإِنصاف، لا بنظر
الاعتساف، ويصلحوا ما وقع فيه من الخطأ والخلل، وما أبرِّىء نفسي من السهو
والزلل، فإن البراءة من كلِّ خطأ ليس من شأن البشر، إنما هو شأن خالق القوى
والقَدَر، وأستغفر الله من زلَة القَدَم وطغيان القلم، مما علمتُ وما لم أعلم، ورحم
الله امرءاً أصلح السهو والنسيان أو دعاني بخير الدنيا والآخرة بحضرة المَلِك
المنَّان، وقد جنحتُ في هذا التعليق إلى أمور يُحسنها أرباب الشعور:
أحدها: أني لم أُبال بتكرار بعض المطالب المفيدة في المواضع المتفرقة ظناً
مني أن الإِعادة لا تخلو عن الإِفادة، مع أني كلما أعدت أمراً ذكرتُهُ لم أجعله خالياً
عن أمرٍ مفیدٍ زدته.
وثانيها: أني التزمتُ بذكر مذاهب الأئمة المختلفة مع الإشارة إلى دلائلها
بقدر الضرورة وترجيح بعض على بعض، ولعمري إنها طريقة حسنة، قلَّ من
يسلكها في زماننا، وإلى الله المشتكى من عاداتِ جُهلاء بلادنا، بل من صنيع كثير
من فُضَلاء أعصارنا، حيث يظن بعضهم أن المذهب الذي تمذهب به مرجَّح في
جميع الفروع، وأنّ كل مسألة منه بريئة عن الجروح، وبعضهم يسعى في هَدْم بنيان
المذاهب المشهورة، وينطق بكلمات التحقير في حق الأئمة المتبوعة، وأبرأ إلى الله
من هؤلاء وهؤلاء، ضلَّ أحدهما بالتقليد الجامد، وثانيهما بالظن الفاسد والوهم
الكاسد، يتنازعون فيما لا ينفعهم بل يضرّهم، ويبحثون في ما لا يعنيهم، وينادي
منادي كلٍّ منهما في حق آخرهما بالتكفير والتضليل والتفسيق والتجهيل، ومع ذلك
يحسبون أنهم يحسنون ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِيْنَ ظَلَّمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُوْنَ﴾(١) ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى
اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُوْنَ﴾(٢)، ولعلمي أنّ(٣) هذه الاختلافات الواقعة بين الأئمة
(١) سورة الشعراء: آية ٢٢٧.
(٢) سورة الأنعام: آية ١٥٩.
(٣) في الأصل: ((هذه الاختلافات)) بدون ((أن)).
٦١

في الفروع الفقهية المأخوذة من اختلافات الصحابة والروايات النبوية ليس فيها
تفسيق ولا تضليل، ومن نطق بذلك فهو أحقّ بالتضليل.
وثالثها: أني أسندتُ البلاغات والأحاديث المرسلة وشيّدت الموقوفة بالمرفوعة.
ورابعها: أني أكثرت من ذكر مذاهب الصحابة والتابعين ومَن بعدَهم من
الأئمة المجتهدين والمعتبرين ليتنبّه الهائم ويتيقّظ النائم، ويعلم أن اختلاف الأئمة
رحمة، وأن لكل منهم قدوة.
وخامسها: أني ذكرت تراجم الرواة وأحوالهم وما يتعلق بتوثيقهم وتضعيفهم
من دون عصبيَّة مذهبية وحميَّة جاهلية، وربما تجد فيه تكراراً لا يخلو عن الإِفادة،
فإن الإِعادة لا يخلو عن ذكر اختلاف أو زيادة.
وسادسها: أني قد وجدت نسخ الموطّأ مختلفة كثيرة الاختلاف، فذكرت
اختلافها، وبيَّنت الغير (١) الصحيح والصحيح منها من دون اعتساف.
وسابعها: أني نَبَّهت على السهو والزَّلَّات التي صدرت من عليّ القاريّ في
((شرحه)) في شرح المقصود أو تنقيد الرواة خوفاً من أن ينظره أحد ممن ليس له حظ
في هذه الفنون، فيقع في الخطأ وسيّء الظنون، لا تحقيراً لشأنه وكشفاً لنسيانه،
فإني من بحار علمه مغترِف وبفضله معترِف، والمتأخَّر وإن كان علمه أوسع وكلامه
أنفع إلاّ أن الفضل للمتقدم والشرف للأقدم.
هذا، وأسأل الله تعالى خاشعاً متضرِّعاً أن يتقبّل منِّي هذا التأليف وسائرَ
تأليفاتي، ويجعلها خالصة لوجهه وذريعة لإِقبال نبيه وسبباً لنجاتي، إنه على كل
شيء قدير، وبالإِجابة جدير. وكان ذلك حين كنت مغبوطاً بين الأقران والأماثل
ومحسوداً للأماجد والأفاضل بالمنن الفائضة عليّ، والإِنعامات الواصلة إليّ من
حضرة من هو قمر أقمار الوزارة، نور حديقة الرئاسة، سحاب ماطر الإِنعام
والإِحسان، بحرُ زاخر الإِكرام والامتنان، سدّته الرفيعة ملجأ للأماجد والأفاضل،
(١) هكذا جاء في الأصل، وهو استعمال خاطىء، وغلط شائع، لما جمع فيه من إدخال ((أل))
على ((غير)) مع الإِضافة إلى ما فيه ((أل))، وصوابه أن يقال (غير الصحيح).
٦٢
+

وعتبته العلية محط الرجال (١) الأماثل، يأتون إليه من كل مَرْمَى سحيق، ويستفيضون
من بحر فضله العميق، بأن ينشد في حقه ما أنشده التّفتازاني في حق ملكه:
الأطواق والناس الحمام
هي
أقامت في الرقاب له أيادي
باسط بساط العدل والإنصاف، هادم قصر الجَوْر والاعتساف، هو الذي ضرب به(٢)
المثل في حسن الانتظام والأفضال، وذكر اسمه عند ذكر أرباب الإقبال آصف
السلطنة النظامية، وزير الدولة الأصفية: النواب مختار الملك سالار جنك تراب
عليخان بهادر، لا زالت أقمار دولته طالعة، وشموس إقباله بازغة، اللَّهم كما منحت
على عبادك بفضله ولطفه، فامنن عليه بعلوّ درجة في الدنيا والآخرة، واحفظه
بحفاظتك من بليّات الدنيا والآخرة بحرمة نبيك سيِّد الأنبياء وآله رؤوس الأتقياء.
(١) في الأصل: ((رجال))، وهو تحريف.
(٢) في الأصل: ((ضربه))، وهو تحريف.
٦٣

مقدمة: فيهَا فوائد مُهمَّة
الأولى :
في كيفية شيوع كتابة الأحاديث وبَدْء تدوين التصانيف، وذكر
اختلافها مَقْصِداً، وتنوّعها مسلكاً، وبيان أقسامها وأطوارها.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني(١): في ((هدي الساري))(٢) مقدمة شرحه
لصحيح البخاري المسمَّى بفتح الباري. اعلم - علمني الله وإياك - أن آثار
النبي ◌َّ لم تكن في عصر النبي صل﴿ وعصر أصحابه وكبار تَبَعِهم مدوَّنة في
الجوامع ولا مرتّبة، لوجهين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهوا عن
ذلك، كما ثبت في ((صحيح مسلم)) خشيةً أن يختلط بعضُ ذلك بالقرآن العظيم،
والثاني: سعة حفظهم وسيلان ذهنهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة، ثم
حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار لمّا انتشر العلماء في
الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار، فأول من جمع
ذلك الرّبيع بن صَبيح وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما، فكانوا يصنّفون كلَّ باب على
حدة إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة في منتصف القرن الثاني فدوَّنوا الأحكام،
فصنف الإِمام مالك الموطّأ، وتوخّى فيه القويّ من حديث أهل الحجاز، ومزجه
بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وصنّف أبو محمد عبد الملك بن
عبد العزيز بن جُرَيج بمكة، وأبو عمرو عبد الرحمن الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله
سفيان الثوري بالكوفة، وحمّاد بن سلمة بن دينار بالبصرة، وهشيم بواسط، ومعمر
باليمن، وابن المبارك بخراسان، وجرير بن عبد الحميد بالريّ، وكان هؤلاء في
(١) إمام الحفّاظ أحمد بن علي بن محمد العسقلاني المصري الشافعي، المتوفى سنة
٨٥٢هـ، وقد ذكرت ترجمته في التعلقيات السنية على الفوائد البهية في تراجم الحنفية (ش).
(٢) ١٧/١ - ١٨. وفي الأصل: ((الهدي الساري))، وهو تحريف.
٦٤

عصر واحد، فلا يُدرى أيهم سبق، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على
منوالهم إلى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث النبي ◌ّ خاصة، وذلك
على رأس المئتين، فصنّفوا المسانيد، فصنّف عبد الله بن موسى العَبْسي مسنداً، ثم
صنف نُعيم بن حمّاد الخزاعي نزيل مصر مسنداً، ثم اقتفى الأئمة أثرهم في ذلك،
فقلّ إمام من الحفاظ إلّ وصنف حديثه في المسانيد كالإِمام أحمد بن حنبل
وإسحق بن راهويه وعثمان بن أبي شيبة وغيرهم، ومنهم من صنف على الأبواب
والمسانيد معاً كأبي شيبة، فلما رأى البخاري هذه التصانيف، ووجدها بحسب
الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشتمل على
الضعيف، فحرّك همّته لجمع الحديث الصحيح. انتهى كلامه(١).
وقال ابن الأثير الجزري (٢)، في مقدمة كتابه ((جامع الأصول))(٣): الناس في
تصانيفهم التي جمعوها مختلفو الأغراض، فمنهم من قصر همّته على تدوين
الحديث مطلقاً ليحفظ لفظه وليستنبط له الحكم، كما فعله عبيد الله بن موسى
العَبْسي وأبو داود الطيالسي وغيرهما من أئمة الحديث أولاً، وثانياً الإِمام أحمد بن
حنبل ومن بعده، فإنهم أثبتوا الأحاديث في مسانيد رواتها، فيذكرون مسند أبي بكر
الصديق مثلاً، ويثبتون فيه كل ما رُوي عنه، ثم يذكرون بعده الصحابة واحداً بعد
(١) ليس غرض الحافظ أن كتابة الحديث لم تبدأ إلاّ في أواخر عصر التابعين، بل غرضه أن
الكتابة بصورة الكتب والرسائل لم يُشرع فيها إلى ذاك الوقت، وإلاّ فمجرد الكتابة كان من زمن
النبي صل، وهناك روايات كثيرة صريحة في كتابة الحديث في زمنه خله، واستقر الإجماع
على جوازها. انظر: مقدمة ((أوجز المسالك)) ١٣/١، ١٤.
(٢) هو مبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الجزري، نسبة إلى جزيرة
ابن عمر بلدة الشافعي، مؤلّف ((جامع الأصول)) و ((النهاية)» في غريب الحديث، وله أخ
معروف بابن الأثير مؤلف «المَثَل السائر في أدب الكاتب والشاعر»، وهو أبو الفتح نصر الله
المتوفّى سنة ٦٢٧هـ، وأخ آخر مؤلف ((أسد الغابة في أخبار الصحابة)) واسمه عز الدين
علي المتوفّى سنة ٦٢٠هـ، وكثيراً ما يشتبه أحدهم بالآخر، وقد سقطت تراجمهم في
التعليقات (ش).
(٣) ٤٣/١ - ٤٦.
٦٥
.

واحد على هذا النسق، ومنهم من يثبت الأحاديث في الأماكن التي هي دليل عليها،
فيضعون لكلّ حديث باباً يختصّ به، فإن كان في معنى الصلاة ذكروه(١) في باب
الصلاة، وإن كان في معنى الزكاة ذكروه في باب الزكاة كما فعله مالك بن أنس في
((الموطأ))، إلاّ أنه لقلة ما فيه من الأحاديث قَلّت أبوابه، ثم اقتدى به مَن بعده. فلما
انتهى الأمر إلى البخاريّ ومسلم وكَثُرت الأحاديث المودَعة في كتابَيْهما كَثُرت
أبوابهما وأقسامهما، واقتدى بهما من جاء بعدهما. وهذا النوع أسهل مطلباً من
الأول، لوجهين :
الأول: أن الإِنسان قد يعرف المعنى الذي يطلب الحديث لأجله وإن
لم يعرف راويه، ولا في مسند مَن هو، بل ربما لا يحتاج إلى معرفة راويه .
والوجه الثاني: أن الحديث إذا ورد في كتاب الصلاة علم الناظر فيه أن هذا
الحديث هو دليل ذلك الحكم من أحكام الصلاة، فلا يحتاج إلى أن يتفكّر فيه.
ومنهم من استخرج أحاديث تتضمن ألفاظاً لغوية ومعانِيَ مشكِلَة، فوضع لها
كتاباً على حدة، قصره على شرح الحديث وشرح غريبه وإعرابه ومعناه، ولم يتعرَّض
لذكر الأحكام، كما فعله أبو عُبَيْد القاسم بن سلام وعبد الله بن مسلم بن قُتَيْبَة
وغيرهما. ومنهم من أضاف إلى هذا ذكر الأحكام وآراء الفقهاء مثل أبي سليمان
حَمْد بن محمد الخطّابي وغيره. ومنهم من قصد ذكر الغريب دون متن الحديث،
واستخرج الكلمات الغريبة دونها، كما فعله أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي
وغيره. ومنهم من قصد إلى استخراج أحاديث تتضمن ترغيباً وترهيباً وأحاديث
تتضمن أحكاماً شرعية فدوَّنها وأخرج متونها وحدها كما فعله أبو محمد
الحسين بن مسعود البغوي في كتاب ((المصابيح)).
وغير هؤلاء المذكورين من أئمة الحديث لورُمنا أن نستقصي ذكر كتبهم
واختلاف أغراضهم ومقاصدهم في تصانيفهم طال الخطب ولم ينته إلى حد.
انتھی .
(١) في الأصل: ((فيه ذكروه)).
٦٦

وقال أيضاً قبيل ذلك(١): لما انتشر الإِسلام، واتسعت البلاد، وتفرَّقت
الصحابة في الأقطار وكثرت الفتوح، ومات معظم الصحابة، وتفرَّق أصحابهم
وأتباعهم، وقلّ الضبط، احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة،
ولَعَمْري إنها الأصل، فإن الخاطر يغفل، والذهن يغيب، والذِّكر يَمَلّ، والقلم
يحفظ ولا ينسى، فانتهى الأمر إلى زمان جماعةٍ من الأئمة مثل عبد الملك
ابن جُرَيج ومالك بن أنس وغيرهما ممن كان في عصرهما، فدونوا الحديث حتى
قيل: إن أول كتاب صُنَّف في الإِسلام كتاب ابن جريج، وقيل موطأ مالك، وقيل:
إن أول من صنّف وبوَّب الربيع بن صَبيح بالبصرة، ثم انتشر جمعُ الحديث وتدوينُه
وسَطْرُه في الأجزاء والكتب، وكثر ذلك، وعظم نفعه إلى زمن الإِمامين أبي عبد الله
محمد بن إسماعيل البخاري وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، فدوّنا
كتابَيْهما، وأثبتا من الأحاديث ما قطعا بصحته، وثبت عندهما نقلُه، وسمِّيا كتابيهما
الصحيح من الحديث، وأطلقا هذا الاسم عليهما، وهما أوّل من سمّى كتابه
بذلك. ولقد صدقا فيما قالا وبَرًّا فيما زعما، ولذلك رزقهما الله من حُسْن القبول
في شرق الأرض وغربها وبِّها وبحرها والتصديق لقولهما والانقياد لسماع كتابيهما
ما هو ظاهر مستغنٍ عن البيان، ثم ازداد انتشار هذ النوع من التصنيف والجمع
والتأليف وتفرَّقت أغراض الناس وتنوَّعت مقاصدهم إلى أن انقرض ذلك العصر
الذي كانا فيه، وجماعة من العلماء قد جمعوا وألفوا مثل أبي عيسى التِّرمذي
وأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني وأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب
النسائي وغيرهم من العلماء الذين لا يُخْصَوْن، وكان ذلك العصر خلاصة العصور
في تحصيل هذا العلم، وإليه المنتهى، ثم مِن بعده نَقَص هذا الطلب، وقلّ ذلك
الحرص وفترتْ تلك الهمم، وكذلك كل نوع من أنواع العلوم والصنائع والدول
وغيرها فإنه يبتدىء قليلاً قليلاً، ولا يزال ينمي ويزيد ويعظم إلى أن يصل إلى غاية
هي منتهاه ويبلغ إلى أمد أقصاه، فكان غاية هذا العلم إلى زمان البخاري ومسلم
ومن كان في عصرهما، ثم نزل وتقاصر إلى زماننا هذا، وسيزداد تقاصراً والهمم
قصوراً. انتهى .
(١) ٤٠/١ _ ٤٣.
٦٧

وقال السيوطي في كتابه ((الوسائل إلى معرفة الأوائل))(١): أول من دوّن
الحديث ابن شهاب الزهري في خلافة عمر بن عبد العزيز بأمره ذكره الحافظ
ابن حجر في شرح البخاري، وأخرج أبو نعيم في ((حلية الأولياء))(٢) عن مالك بن
أنس، قال: أول من دوّن العلم ابن شهاب، وقال مالك في الموطّأ برواية محمد بن
الحسن: أخبرنا يحيى بن سعيد أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن
محمد بن عمروبن حزم أن انظرْ ما كان من حديث رسول الله والفر أو سنته أو حديث
عمر أو نحو هذا فاكتبه لي، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء(٣). وأول من
صنف في الحديث ورتّبه على الأبواب مالك بالمدينة وابن جريج بمكة، والربيع بن
صَبِيح أو سعيد بن أبي عروبة أو حماد بن سلمة بالبصرة، وسفيان الثوري بالكوفة،
والأوزاعي بالشام، وهشيم بواسط، ومعمر باليمن، وجرير بن عبد الحميد بالريّ،
وابن المبارك بخراسان، قال الحافظان ابن حجر والعراقي: وكان هؤلاء في عصر
واحد، فلا يُدرى أيهم سبق، وذلك في سنة بضع وأربعين ومائة.
وأول من أفرد الأحاديث المسندة دون الموقوفات والمقاطيع على رأس المائتين
عبيد الله بن موسى بالكوفة، ومسدّد بالبصرة، وأسد بن موسى الأموي بمصر،
ونُعَيم بن حماد الخزاعي (٤). واختلف في أول من صنف المسند من هؤلاء، فقال
الدارقطني: نعيم، وقال الخطيب: أسد بن موسى، وقال الحاكم: عبيد الله، وقال
العقيلي: يحيى الحماني، وقال ابن عدي: أول من صنف المسند بالكوفة
عبيد الله، ومسدد أول من صنف المسند بالبصرة، وأسد أول من صنف المسند
بمصر، وهو قبلهما، وأقدمهما موتاً(٥). وأول من صنف في الصحيح المجرّد
البخاري، ذكره ابن الصلاح، واحترز بالمجرّد الذي زاده عن الموطأ، فإنه أيضاً
صحيح لكنه محتوٍ على الموقوفات والمقاطيع. انتهى.
(١) ص ١٠٠ - ١٠١.
(٢) حلية الأولياء: ٣٦٣/٣.
(٣) انظر: سنن الدارمي: ١٢٦/١؛ وتقييد العلم ص ١٠٥.
(٤) في الأصل: ((الخراعي))، وهو تحريف.
(٥) انظر: الرسالة المستطرفة ص ٣٦ - ٣٧؛ وتدريب الراوي ص ٨٩؛ ومنهج ذوي النظر
ص ١٨ .
٦٨

وفي ((تنوير الحوالك على موطأ مالك)) للسيوطي(١): أخرج الهروي في ((ذم
الكلام)) من طريق الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب أراد
أن يكتب السنن، واستشار فيها أصحاب رسول اللّه، فأشار إليه عامّتهم بذلك. فلبث
عمر شهراً يستخير الله في ذلك شاكاً فيه، ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له، فقال:
إني كنتُ ذكرت لكم من كتاب السنن ما قد علمتم، ثم تذكرت، فإذا أناس من
أهل الكتاب من قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتباً، فأكبّوا عليها، وتركوا كتاب الله،
وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء، فترك كتاب السنن. وقال ابن سعد في
((الطبقات)): أخبرنا قبيصة بن عقبة، أنا سفيان، عن معمر، عن الزهري، قال: أراد
عمر أن يكتب السنن، فاستخار الله شهراً، ثم أصبح وقد عزم له، فقال: ذكرت
قوماً كتبوا كتاباً فأقبلوا عليه، وتركوا كتاب الله. وأخرج الهروي من طريق يحيى بن
سعيد، عن عبد الله بن دينار، قال: لم يكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الحديث،
إنما كانوا يؤدُّونها لفظاً، ويأخذونها حفظاً إلَّ كتاب الصدقات، والشيء اليسير الذي
يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء حتى خيف عليه الدروس، وأسرع في العلماء
الموت، فأمر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أبا بكر الحَزْمي فيما كتب إليه أن
انظر ما كان من سُنَّة أو حديث عُمَر فاكتبه. وقال مالك في ((الموطّأ)) برواية محمد بن
الحسن عن يحيى بن سعيد أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمد بن
عمرو بن حزم أن انظر ما كان من حديث رسول الله أو سنته(٢) أو نحو هذا فاكتبه لي،
فإني قد خفت دروس العلم وذهاب العلماء، علَّقه البخاري في صحيحه، وأخرجه
أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) بلفظ: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: انظروا
حديث(٣) رسول الله فاجمعوه، وأخرج ابن عبد البرّ في ((التمهيد)) من طريق ابن وهب
قال: سمعت مالكاً يقول: كان عمر بن عبد العزيز يكتب إلى الأمصار يعلّمهم
السنن والفقه، ويكتب إلى المدينة يسألهم عما مضى، وأن يعلموا بما عندهم،
ويكتب إلى أبي بكر بن عمرو بن حزم أن يجمع السنن، ويكتب إليه بها، فتوفي
عمر، وقد كتب ابن حزم كتباً قبل أن يبعث بها إليه. انتهى .
(١) ٤/١ - ٥.
(٢) في الأصل: ((سنة))، وهو تحريف.
(٣) في الأصل: ((أحاديث))، وهو تحريف.
٦٩

وفي ((تنوير الحوالك))(١) أيضاً: قال أبو طالب المكي في ((قوت القلوب)):
هذه المصنّفات من الكتب حادثة بعد سنة عشرين أو ثلاثين ومئة، ويقال: إن أول
ما صُنَّف في الإِسلام كتاب ابن جريج في الآثار، وحروف من التفاسير، ثم كتاب
معمر بن راشد الصنعاني باليمن، جمع فيه سنناً منثورة مبوَّبة، ثم كتاب الموطّأ
بالمدينة لمالك، ثم جمع ابن عيينة كتاب الجامع والتفسير في أحرف من القرآن
وفي الأحاديث المتفرّقة، وجامع سفيان الثوري صنّفه أيضاً في هذه المدة، وقيل
إنها صنفت سنة ستين ومئة. انتهى .
الفائدة الثانية :
في ترجمة الإِمام مالك(٢). وما أدراك ما مالك؟! إمام الأئمة، مالك الأزمة،
رأس أجلة دار الهجرة، قدوة علماء المدينة الطيبة، يعجز اللسان عن ذكر أوصافه
الجليلة، ويقصر الإِنسان عن ذكر محاسنه الحميدة.
. وقد أطنب المؤرخون في تواريخهم والمحدثون في تواليفهم في ذكر ترجمته
وثنائه، وصنف جمع منهم رسائل مستقلة في ذكر حالاته كأبي بكر أحمد بن مروان
المالكي الدِّيْنَوري المصري المتوفّى سنة عشر وثلاث مائة على ما في ((كشف
الظنون عن أسامي الكتب والفنون))(٣)، وأبو الروح عيسى بن مسعود الشافعي
المتوفّى سنة أربع وسبعين وسبعمائة، والجلال السيوطي الشافعي المصري صنف
رسالة سماها ((تزيين الأرائك بمناقب الإمام مالك)). ولنذكر ههنا نُبَذاً من أحواله
ملخّصاً من («معدن اليواقيت الملتمعة، في مناقب الأئمة الأربعة)»، وغيره من كتب
ثقات الأمة قاصداً فيه الاختصار، فالتطويل يقتضي الأسفار الكبار.
فأما اسمه ونسبه، فهو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن
(١) ٦/١.
(٢) انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء: ٤٨/٨، ترتيب المدارك: ١٠٢/١، ٢٥٤؛ وفيات
الأعيان: ١٣٥/٤، ١٣٩؛ تهذيب التهذيب: ٥/١٠؛ وطبقات الحفاظ ص ٨٩؛ وتهذيب
الكمال: ١٣٩/٧؛ ومقدمة أوجز المسالك ١٧/١، ٥٥.
وليس في الإِمكان حصر الكتب التي ألَّفت في سيرته، أو ترجمت له، ولي كتاب ((الإِمام
مالك ومكانة كتابه الموطأ)» مطبوع.
(٣) ١٨٤١/٢.
٧٠

الحارث بن غيمان - بغين معجمة وياء تحتية - ويقال عثمان(١) بن جثيل بجيم وثاء
مثلثة ولام - وقيل: خثيل بخاء معجمة - بن عمرو بن الحارث الأصبحي المدني،
نسبة إلى أصبح بالفتح قبيلة من يعرب بن قحطان. وجَدُّه الأعلى أبو عامر ذكره
الذهبي في ((تجريد الصحابة)). وقال: كان في زمن النبي وَله، ولابنه مالك رواية
عن عثمان وغيره.
وأما ولادته ووفاته. فذكر اليافعي في ((طبقات الفقهاء)) أنه ولد سنة أربع
وتسعين، وذكر ابنُ خلِّكان وغيرُه أنه ولد سنة خمس وتسعين، وقيل: سنة
تسعين (٢)، وذكر المِزِّي في ((تهذيب الكمال)) وفاته سنة تسع وسبعين ومائة ضحوة
رابع عشرة من ربيع الأول، وحُمل به في بطن أمه ثلاث سنين وكان دفنه بالبقيع
وقبره يُزار ويُتْبِرَّك به.
وأما مشايخه وأصحابه فهم كثيرون فمن مشايخه: إبراهيم بن أبي عبلة
المقدسي، وإبراهيم بن عقبة، وجعفر بن محمد الصادق، ونافع مولى ابن عمر،
ويحيى بن سعيد، والزهري، وعبد الله بن دينار وغيرهم.
ومن تلامذته سفيان الثوري، وسعيد بن منصور، وعبد الله بن المبارك،
وعبد الرحمن الأوزاعي وهو أكبر منه، وليث بن سعد من أقرانه، والإِمام الشافعي
محمد بن إدريس، ومحمد بن الحسن الشَّيْباني وغيرهم.
وأما ثناء الناس عليه ومناقبُه فهو كثير: قال أبو عمر(٣) بن عبد البَرّ في كتاب
((الأنساب)): إن الإِمام مالك بن أنس كان إمامَ دار الهجرة، وفيها ظهر الحق وقام
الدين، ومنها فُتحت البلاد وتواصلت الأمداد، وسُمِّي عالِمَ المدينة، وانتشر علمه
في الأمصار، واشتهر في سائر الأقطار، وضُربت له أكباد الإبل، وارتحل الناس إليه
من كل فجِّ عميق، وانتصب للتدريس، وهو ابن سبع عشرة سنة، وعاش قريباً من
(١) قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: ٧١/٨: وهذا لم يصح.
(٢) قال الذهبي في المصدر السابق ٤٩/٨: الأصح في سنة ثلاث وتسعين.
(٣) ذكر بعضهم في كنيته، أبو عمرو بالواو، وذكر الزرقاني في ((شرح المواهب)) أن كنيته
أبو عمر بضم العين بدون الواو (ش).
٧١

تسعين، ومكث يفتي الناس ويعلّم الناس نحو سبعين سنة، وشهد له التابعون بالفقه
والحديث. انتھی.
وفي ((الروض الفائق)) أنه العالِم الذي يشير إليه(١) النبي وَلّ في الحديث الذي
رواه الترمذي (٢) وغيره، وهو قوله ◌َّهِ: ((ينقطع العلم فلا يبقى عالِم أعلمُ من عالِمِ
المدينة)). وفي حديث آخر عن أبي هريرة: ((يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإِبل،
فلا يجدون عالماً أعلمَ من عالِمِ المدينة)). قال سفيان بن عُيَيْنة: كانوا يَرَوْنه مالكاً.
وقال عبد الرزاق: كنا نرى أنه مالك، فلا يُعرف هذا الاسم لغيره، ولا ضُربت أكباد
الإِبل إلى أحد مثل ما ضُربت إليه. وقال ابن مصعب: سمعتُ مالكاً يقول:
ما أفتيتُ حتى شهد لي سبعون شيخاً أني أهل لذلك، وقال الشافعي: لولا مالك
وسفيان لذهب علم الحجاز. وقال رجل للشافعي: هل رأيتَ أحداً ممن أدركتَ مثل
مالك؟ فقال: سمعت من تقدَّمنا في السن والعلم يقولون: ما رأينا مثل مالك،
فكيف نرى مثله؟ وقال حماد بن سلمة: لوقيل لي اختر لأمة محمد مطار من يأخذون
عنه العلم لرأيت مالك بن أنس لذلك موضعاً ومحلاً. وقال محمد بن ربيع:
حججتُ مع أبي وأنا صبيّ فنمت في مسجد رسول الله فرأيتُ في النوم رسولَ الله
كأنّه خرج من قبره وهو متّكى على أبي بكر وعمر، فقمتُ، وسلّمت، فردّ
السلام، فقلت: يا رسول الله، أين أنت ذاهب؟ قال: أقيم لمالك الصراط
المستقيم، فانتبهتُ وأَتيتُ أنا وأبي إلى مالك، فوجدت الناس مجتمعين على مالك
وقد أخرج لهم الموطّأ، وقال محمد بن عبد الحكم: سمعت محمد بن السري،
يقول: رأيتُ رسولَ الله ◌َّ في المنام، فقلت: حدِّثني بعلم أحدِّث به عنك. فقال:
يا ابن السري، إني قد وصلتُ بمالك بكنز يفرقه عليكم، ألا وهو ((الموظّأ))، ليس
بعد كتاب الله ولا سنتي في إجماع المسلمين حديث أصح من ((الموطأ))، فاستَمِعْه
تنتفعْ به. وقال يحيى بن سعيد: ما في القوم أصح حديثاً من مالك، ثم سفيان
الثوريّ وابن عُيَيْنة. وقال أبو مسلم الخزاعي: كان مالك إذا أراد أن يجلس(٣) توضأ
وضوءه للصلاة، ولبس أحسن ثيابه، وتطيِّب، ومشط لحيته، فقيل له في ذلك،
(١) في الأصل: ((به))، وهو خطأ.
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب العلم، رقم الحديث ٢٦٨٠ .
(٣) أي للتحديث.
٧٢

فقال: أوقِّر به حديث رسول الله. وقال ابن المبارك: كنتُ عند مالك وهو يحدّثنا
بحديث رسول الله، فلدغته عقرب ستَّ عَشْرَةَ مرة، وهو يتغيّر لونُه، ويصفرّ وجهُه،
ولا يقطع الحديث، فلما تفرق الناس عنه قلت له: لقد رأيتُ اليوم منك عجباً، فقال:
صبرت إجلالاً لحديث رسول الله ﴿ ﴿. وقال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر
النَّبِيَِله يتغيّر لونه، وينحني، فقيل له في ذلك، فقال: لورأيتم ما رأيت لما أنكرتم. وذكر
ابن خَلِّكَان(١): كان مالك لا يركب في المدينة مع ضعفه وكِبَر سِنّه، يقول:
لا أركب في مدينة فيها جثة رسول الله # مدفونة.
الفائدة الثالثة :
في ذکر فضائل الموطأ وسبب تسميته به وما اشتمل عليه .
قال السيوطي في ((تنوير الحوالك))(٢): قال القاضي أبو بكر بن العربي في
((شرح الترمذي)): الموطّأ هو الأصل الأول واللباب، وكتاب البخاري هو الأصل
الثاني في هذا الباب، وعليهما بنى الجميع كمسلم والترمذي. وذكر ابن الهيّاب(٣) أن
مالكاً روى مائة ألف حديث، جمع منها في الموطّأ عشرة آلاف، ثم لم يزل يعرضها
على الكتاب والسنة، ويختبرها بالآثار والأخبار حتى رجعت إلى خمسمائة. وقال
إِلْكِيَا الهَرَّاسي في تعليقه في الأصول: إن موطأ مالك كان اشتمل على تسعة آلاف
حديث، ثم لم يزل ينتقي حتى رجع إلى سبعمائة. وأخرج أبو الحسن بن فهر في
((فضائل مالك)) عن عتيق بن يعقوب، قال: وضع مالك الموطّأ على نحو من عشرة
آلاف حديث، فلم يزل ينظر فيه في كل سنة، ويُسقط منه حتى بقي منه هذا ...
وأخرج ابن عبد البرّ عن عمر بن عبد الواحد صاحب الأوزاعي، قال: عرضنا على
مالك الموظّأ في أربعين يوماً، فقال: كتاب ألَّفته في أربعين سنة، أخذتموه في
أربعين يوماً، ما أقلّ ما تفقهون فيه !... وقال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الكناني
الأصفهاني : قلت لأبي حاتم الرازيّ : لم سُمِّي موطأ مالك بالموطأ؟ فقال: شيء قد صنّفه
ووطّأه للناس، حتى قيل موطأ مالك، كما قيل جامع سفيان، وقال أبو الحسن بن
(١) وفيات الأعيان: ١٣٦/٤.
(٢) ٦/١، ٨.
(٣) في الأصل: ابن الهباب، وهو تحريف.
٧٣

فهر: أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن فراس، سمعت أبي يقول: سمعت علي بن
أحمد الخلنجي، يقول: سمعت بعض المشايخ يقول: قال مالك: عرضتُ كتابي
هذا على سبعين فقيهاً من فقهاء المدينة، فكلُّهم واطأني عليه فسمَّيْتُه الموطّأ، قال
ابن فهر: لم يسبق مالكاً أحد إلى هذه التسمية، فإنّ من ألّف في زمانه سمّى
بعضهم بالجامع، وبعضهم بالمصنَّف، وبعضهم بالمؤلَّف. والموطّأ: الممهَّد
المنقّح. وفي ((القاموس)) وطّأه هيّه ودمّثه وسهَّله، ورجل موطّأ الأكناف سهل دمث
کریم مِضْياف، أو يتمكّن في ناحيته صاحبه، غير مؤذٍ ولا نابٍ(١) به موضعه، وموطأ
العقب سلطان يتبع، وهذه المعاني كلها تصلح في هذا الاسم على سبيل
الاستعارة، وأخرج ابن عبد البرّ عن المفضل بن محمد بن حرب المدني، قال: أول
من عمل كتاباً بالمدينة على معنى الموطّأ من ذكر ما اجتمع عليه أهل المدينة
عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وعمل ذلك كلاماً بغير حديث
فأُتي به مالك فنظر فيه، فقال: ما أحسن ما عمل هذا، ولو كنتُ أنا الذي عملت
لابتدأت الآثار، ثم شدّدت ذلك بالكلام، ثم إنه عزم على تصنيف الموطأ، فصنفه،
فعمل من كان بالمدينة يومئذ من العلماء الموطآت، فقيل لمالك: شغلتَ نفسك
بعمل هذا الكتاب، وقد شركك فيه الناس وعملوا أمثاله، فقال: ائتوني بما عملوا
به، فأُتي به فنظر في ذلك ثم نبذه، وقال: لتعلّمُنّ أنه لا يرتفع إلاّ ما أريد به وجه
الله، قال: فكأنما أُلقيت تلك الكتب في الآبار، وقال الشافعي: ما على ظهر
الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك، أخرجه ابن فهر من طريق
يونس بن عبد الأعلى عنه، وفي لفظ: ما وُضع على الأرض كتاب هو أقرب إلى
القرآن من كتاب مالك، وفي لفظ: ما في الأرض بعد كتاب الله أكثر صواباً من
موطأ مالك، وفي لفظ: ما بعد كتاب الله أنفع من الموطّأ، وقال الحافظ مغلطاي:
أول من صنف الصحيح مالك(٢).
وقال الحافظ ابن حجر: كتاب مالك صحيح عنده وعند من يقلده على
ما اقتضاه نظره من الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما، قلت: ما فيه من
(١) وفي الأصل: ((ثاب))، وهو تحريف.
(٢) شرح الزرقاني: ٨/١.
٧٤

المراسيل فإنها مع كونها حجة عنده بلا شرط، وعند من وافقه من الأئمة على
الاحتجاج بالمرسل، فهي أيضاً حجة عندنا، لأن المرسل عندنا حجة إذا اعتضد،
وما من مرسل في الموطّأ إلا وله عاضد أو عواضد، فالصواب إطلاق أن الموطأ
صحيح كله، لا يُستثنى منه شيء، وقد صنف ابن عبد البر كتاباً في وصل ما في
الموطّأ من المرسل والمنقطع والمعضل، قال: وجميع ما فيه من قوله: بلغني، ومن
قوله: عن الثقة عنده، مما لم يسنده: أحد وستون حديثاً كلها مسندة، من غير
طريق مالكٍ إلا أربعة لا تُعرف: أحدها: حديث إنِّي لَأَنْسى أَوْ أُنَسَّى لَأَسُنَّ (١)،
والثاني: أن النبي ◌َّ أُري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر
أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله
ليلة القدر، والثالث: قول معاذ آخر ما أوصاني به رسول الله وقد وضعت رجلي في
الغرزان، قال: حسِّن خلقك للناس، والرابع: إذا أنشأت بحرية ثم تشاءَمْتَ فتلك
عين غديقة. انتهى .
وفي ((سِيَر النبلاء)» للذهبي (٢) في ترجمة الشيخ أبي محمد علي بن
أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح الشهير بابن حزم الظاهري الأندلسي
القرطبي (٣) المتوفَّى في شعبان سنة ٤٥٦ هـ ست وخمسين بعد أربعمائة بعد ما ذَكَر
مناقبه ومعائبه: وإني أنا أميل إلى محبة أبي محمد لمحبته بالحديث الصحيح،
ومعرفته به، وإن كنتُ لا أوافقه في كثير مما يقوله في الرجال والعلل والمسائل
البشعة في الأصول والفروع، وأقطع بخطئه في غير مسألة، ولكن لا أكفِّره،
ولا أضلِّله، وأرجو له العفو والمسامحة، وأخضع لفرط ذكائه وسعة علمه، ورأيته
ذكر قول من يقول: أجلّ المصنَّفات الموطأ، فقال: بل أَوْلِى الكتب بالتعظيم
صحيحا البخاري ومسلم، وصحيح ابن السكن ومنتقى ابن الجارود، والمنتقى
لقاسم بن أصبغ، ثم بعدها كتاب أبي داود، وكتاب النسائي، ومصنف القاسم بن
(١) وفي الأصل: ((لا أنسى ولكن أنسى))، وهو تحريف؛ وأخرجه مالك في كتاب السهو:
١٠٠/١.
(٢) هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان التركماني الدمشقي المتوفّى سنة ٧٤٨هـ (ش).
(٣) سير أعلام النبلاء: ١٨٤/١٨.
٧٥
ه

أصبغ، ومصنف أبي جعفر الطحاوي، قلت: ما ذكر سنن ابن ماجه ولا جامع
أبي عيسى الترمذي، فإنه ما رآهما ولا أُدخلا إلى الأندلس إلا بعد موته، قال:
ومسند البزار، ومسند ابن أبي شيبة، ومسند أحمد بن حنبل، ومسند إسحق،
ومسند الطيالسي، ومسند الحسن بن سفيان، ومسند ابن سنجر، ومسند عبد الله بن
محمد المَسندي، ومسند يعقوب بن شَيْبة، ومسند علي ابن المديني، ومسند ابن
أبي غَرَزَة، وما جرى مجرى هذه الكتب التي أُفردت بكلام رسول الله صِرْفاً، ثم
الكتب التي فيها كلامه وكلام غيره، مثل مصنف عبد الرزاق، ومصنف أبي بكر بن أبي
شيبة، ومصنف بَقِيّ بن مخلد، وكتاب محمد بن نصر المَرْوَزي، وكتاب ابن المنذر
الأكبر والأصغر، ثم مصنف حماد بن سلمة، وموطّأ مالك بن أنس، وموطّأ ابن
أبي ذئب، وموطّأ ابن وهب، ومصنف وكيع، ومصنف محمد بن يوسف الفريابي،
ومصنف سعيد بن منصور، ومسائل أحمد، وفقه أبي عبيد، وفقه أبي ثور، قلت.
ما أنصف ابن حزم، بل رتبة الموطأ أن يُذكر تلو الصحيحين مع سنن أبي داود
والنسائي(١)، لكنه تأدّب، وقدم المسندات النبوية الصرفة، وإن للموطأ لوقعاً في
النفوس ومهابةً في القلوب، لا يوازيها شيء. انتهى كلام الذهبي(٢).
الفائدة الرابعة :
قد يُتَوَهَّم التعارض بين ما مرَّ نقله عن الشافعي أن أصح الكتب بعد كتاب
الله الموطّأ، وقول جمهور المحدثين أن أصح الكتب كتاب البخاري، ثم كتاب
مسلم، وأن أعلى الأحاديث من حيث الأصحية ما اتفقا عليه، ثم ما انفرد به
البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم ما كان على شرطهما، ثم ما كان على شرط
البخاري، ثم ما كان على شرط مسلم، ثم باقي الصحاح على حسب مراتبها،
ومنهم من فضّل صحيح مسلم على صحيح البخاري فإن كان مرادُه من حيث
الأصحية، فهو غلط، وإن كان من وجه آخر، فهو أمر خارج عن البحث،
(١) تدريب الراوي ص ٥٤، والأجوبة الفاضلة ص ٤٧ .
عدَّ الجمهور الموطّأ في الطبقة الأولى من كتب الحديث منهم الإِمام وليّ الله الدهلوي وابنه
العلامة عبد العزيز الدهلوي. مقدمة أوجز المسالك ٣٢/١.
(٢) سير أعلام النبلاء: ٢٠١/١٨ - ٢٠٣.
٧٦

ولابن الهمام في ((فتح القدير)) (١) حاشية الهداية كلامٌ في هذا المقام، لكنه مدفوع
بعد دقّة النظر عند الأعلام، وتفصيل هذا البحث مذكور في شروح الألفية وشروح
شرح النخبة ودراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب، وجوابه على ما في ((فتح
المغيث شرح ألفية الحديث)) للسخاوي (٢)، و((تدريب الراوي شرح تقريب
النواوي)» للسيوطي، وغيرهما أن قول الشافعي كان قبل وجود كتاب البخاري
ومسلم (٣).
وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة ((فتح الباري))(٤) نقلاً عن ((مقدمة
ابن الصلاح)»: أمَّا ما روينا عن الشافعي أنه قال: ما أعلم في الأرض كتاباً في العلم
أكثر صواباً من كتاب مالك، ومنهم من رواه بغير هذا اللفظ أصح من الموطأ،
فإنما قال ذلك قبل وجود كتابي البخاري ومسلم، ثم إن كتاب البخاري أصح
الكتابين، وأكثرهما فوائد. انتهى. وقال أيضاً: قد استشكل بعض الأئمة إطلاقَ
تفضيل البخاري على كتاب مالك مع اشتراكهما في اشتراط الصحة والتثُبُّت
والمبالغة في التحرِّي، وكون البخاري أكثر حديثاً لا يلزم منه أفضلية الصحة،
والجواب عن ذلك أن ذلك محمول على شرائط الصحة، فمالك لا يرى الانقطاع
في الإِسناد قادحاً، فلذلك يخرج المراسيل والمنقطعات والبلاغات في أصل
موضوع كتابه، والبخاري يرى أن الانقطاع علّة، فلا يخرج ما هذا سبيله إلّ في غير
أصل موضوع كتابه، كالتعليقات والتراجم، ولا شك أن المنقطع وإن كان عند قوم
مما يُحتَجّ به فالمتصل أقوى منه إذا اشترك رواتهما في العدالة والحفظ، فبان بذلك
فضيلة صحيح البخاري، واعلم أن الشافعي إنما أطلق على الموطأ فضيلة الصحة
بالنسبة إلى الجوامع الموجودة في زمانه، كجامع سفيان الثوري ومصنف حماد بن
سلمة وغير ذلك، وهو تفضيل مسلّم لا نزاع فيه. انتهى.
(١) ١٨٦/٣.
(٢) هو شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي: نسبة إلى سخا قرية من أعمال مصر،
تلميذ الحافظ ابن حجر، المتوفّى سنة ٩٠٢هـ بالمدينة المنورة. (ش).
(٣) فتح المغيث ٢٧/١، وتدريب الراوي ٩١/١.
(٤) ص ١٠.
٧٧

الفائدة الخامسة :
من فضائل الموطأ اشتماله كثيراً على الأسانيد التي حكم المحدثون عليها
بالأصحية .
وقد اختلف فيه، فقيل: أصح الأسانيد ما رواه محمد بن مسلم بن عبد الله بن
شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر بن
الخطاب. وهذا مذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، صرّح به
ابن الصلاح، وقيل: أصحها محمد بن سيرين، عن عَبيدة بن عمرو السَّلْماني، عن
علي بن أبي طالب، قاله علي ابن المديني، وعمروبن علي الفلاس. وقيل:
إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قاله يحيى بن معين
والنسائي. وقيل: الزهري عن زين العابدين علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن
علي بن أبي طالب حكاه ابن الصلاح عن أبي بكر بن أبي شَيْبة، والعراقي عن
عبد الرزاق، وقيل: مالك عن نافع، عن ابن عمر، وهذا قول البخاري، وبه صدّر
العراقي كلامه وهو أمر تميل إليه النفوس، وتنجذب إليه القلوب، وبناءً على هذا
قال أبو منصور عبد القاهر التميمي البغدادي: إن أجل الأسانيد: الشافعي عن مالك
عن نافع عن ابن عمر، لأنه لم يكن في الرواة عن مالك أجلّ من الشافعي(١).
وبنى عليه بعضهم أن أجلُّها أحمد بن حنبل عن الشافعي عن مالك عن نافع عن
ابن عمر، لكون أحمد أجلَّ من أخذ عن الشافعي، وتُسمَّى هذه الترجمة سلسلة
الذهب. وتَعَقَّب الحافظ مغلطاي أبا منصور التميمي في ذكره الشافعي، برواية
أبي حنيفة، عن مالك إنْ نظرنا إلى الجلالة، وابن وهب والقَعْنَبي إن نظرنا إلى
الإِتقان، وقال البلقيني في ((محاسن الاصطلاح))(٢): أما أبو حنيفة، فهو وإنْ روى
عن مالك كما ذكره الدارقطني، لكن لم تشتهر روايته عنه كاشتهار رواية الشافعي،
وقال العراقي: رواية أبي حنيفة عن مالك فيما ذكره الدارقطني في ((غرائبه)) ليست
من روايته عن نافع عن ابن عمر ، والمسألة مفروضة في ذلك ، نعم ذكر الخطيب
حديثاً كذلك في الرواية عن مالك ، وقال الحافظ ابن حجر : أما اعتراضه
(١) انظر مقدمة ابن الصلاح ص ٨٦، طبع بتحقيق الدكتور عائشة عبد الرحمن على هامشها
(٢) ص ٨٦.
محاسن الاصطلاح.
٧٨
۔

بأبي حنيفة فلا يحسن، لأن أبا حنيفة لم يثبت روايته عن مالك، وإنما أوردها
الدارقطني ثم الخطيب لروايتين وقعتا لهما عنه، بإسنادين فيهما مقال، وأيضاً فإن
رواية أبي حنيفة عن مالك إنما هي فيما ذكره في المذاكرة، ولم يقصد الرواية عنه
كالشافعي الذي لازمه مدة طويلة، وقرأ عليه الموطأ بنفسه. وأما اعتراضه
بابن وهب والقَعْنَبي(١) ، فلا شك أن الشافعي أعلم منهما ، وقال غير واحد :
إن ابن وهب غير جيِّد التحمُّل ، فيحتاج إلى صحة النقل عن أهل الحديث أنه كان
أتقن الرواية عن مالك، نعم كان كثير اللزوم به. انتهى ملخّصاً. وقيل: أصح
الأسانيد شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب يعني عن شيوخه، وقيل:
عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، ذكره الخطيب عن ابن معين، وقيل:
يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قاله سليمان بن داود
الشاذكوني، وقيل: أيوب عن نافع عن ابن عمر، رواه خلف بن هشام البزار عن
أحمد، وقيل: شعبة عن عمرو بن مرَّة عن مرَّة عن أبي موسى الأشعري نقله
الخطيب عن وكيع، وقيل: سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن
عبد الله بن مسعود، قاله ابن المبارك والعجلي. هذا ما في ((تدريب السيوطي))(٢)
و((شرح شرح نخبة الفِكَر)) لمُلّ أكرم السندي(٣). وفي المقام تفصيل ليس هذا
موضع ذكره.
الفائدة السادسة :
قال السيوطي: في ((تنوير الحوالك))(٤): الرواة عن مالك فيهم كثرة جداً
بحيث لا يُعرف لأحد من الأئمة رواة كرواته، وقد أفرد الحافظ أبو بكر الخطيب كتاباً
في الرواة عن مالك، أورد فيه ألف رجل إلَّ سبعة، وذكر القاضي عياض أنه ألّف
في رواته كتاباً، وذكر فيه نيِّفاً على ألف اسم وثلاثمائة، وأما الذين رَوَوْا عنه
الموطَّأ، فعقد لهم القاضي في المدارك باباً، وسمّى منهم غير الأربعة المشهورين
(١) يُنسب إلى جده قَعْنَب - بفتح القاف وسكون العين وفتح النون - وهو أبو عبد الرحمن
عبد الله بن مسلمة، أحد رواة الموطّأ عن مالك، توفي بالبصرة سنة ٢٢١هـ .
(٢) انظر تدريب الراوي ص ٧٤ - ٧٧.
(٣) ص ٥٠ - ٥١.
(٤) ص ١٠/١ - ١٢.
٧٩

- وسيأتي ذكرهم - الشافعيَّ، ومطرِّفَ بنَ عبد الله، وعبدَ اللَّه بن عبد الحكم،
وبكّارَ بنَ عبد الله الزبيري، ويحيى بنَ يحيى النيسابوريَّ، وزيادَ بنَ عبد الله
الأندلسي، وسبطون(١) بن عبد الله الأندلسي، ومحمدَ بنَ شروس الصنعاني، وأبا
قرة السكسكي، وأبا (٢) فلان السهمي البغدادي، وأحمدَ بنَ منصور النامزاني،
وقتيبةَ بنَ سعيد وعتيقَ بنَ يعقوب الزبيري، وأسدَ بنَ الفرات القروي، وإسحق بنَ
عيسى الطباع، وبديرةَ المغني البغدادي، وحفصَ بنَ عبد السلام الأندلسي وأخاه
حسان، وحبيبَ بنَ أبي حبيب، وخلفَ بنَ جرير بنِ فضالة، وخالدَ بنَ نزارة الإِيلي،
والغازي بنَ قيس الأندلسي، وقرعوس بن العباس الأندلسي، ومحرزّ المدني، وسعيدَ
ابنَ عبد الحكم الأندلسي، وسعيدَ بنَ أبي هند الأندلسي، وسعيدَ بنَ عبدوس
الأندلسي، وعبدَ الأعلى بن مسهر الدمشقي، وعبد الرحيم بنَ خالد المصري، وإسماعيلَ بنَ
أبي أويس وأخاه أبا بكر، وعليَّ بنَ زياد التونسي، وعباسَ بنَ ناصح الأندلسي،
وعيسى بنَ شجرة التونسي، وأيوبَ بنَ صالح المدني، وعبد الرحمنِ بنَ هند
الطليطلي (٣)، وعبد الرحمن بن عبد الله الأندلسي، وعبيدَ بن حبان الدمشقي،
وسعيدَ بنَ داود المدني. قال القاضي: فهؤلاء الذين حقَّقنا أنهم رَوَوْا عنه الموظّأ،
ونص على ذلك أصحاب الأثر والمتكلمون في الرجال، وقد ذكروا أيضاً أن
محمد بن عبد الله الأنصاري البصري أخذ الموطَّأ عنه كتابةً، وإسماعيل بن إسحق
أخذه مناولة، وأما القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة فرواه عن رجل عنه،
وذكروا أيضاً أن هارون الرشيد وبنيه الأمين والمأمون والمؤتمن أخذوا عنه الموظّأ،
وقد ذُكر عن المهدي والهادي أنهما سمعا منه ورويا عنه ، ولا مرية في أن رواة
الموطأ أكثر من هؤلاء، ولكن إنما ذكرنا منهم من بَلَغَنا نصاً سماعُه منه وأخذُه له
عنه، أو من اتصل إسنادُنا له فيه منه، والذي اشتهر من نسخ الموطَّأ عنه مما رويته
أو وقفت عليه، أو كان في رواية شيوخنا أو نَقَل منه أصحاب اختلافات الموظّآت
(١) هكذا في الأصل، والصحيح شبطون بشين معجمة فموحدة وطاء مهملة: شرح الزرقاني
٦/١.
(٢) في الأصل: ((أبو فلان))، وهو تحريف.
(٣) في الأصل: ((الطيطلي))، وهو تحريف.
٨٠