Indexed OCR Text
Pages 21-40
كتب الحديث وروايته، لا يصيرُ بها الرجلُ فقيهاً، إنما يتفقه باستنباط معانيه، وإنعامٍ التفكر فيه))، وساق الشواهد الكثيرة الناطقة، على ذلك. فكتاب ((الموطأ)) تأليفُ محدِّث فقيه، وإمام مجتهد بارع كبير تميز بمزايا لا توجد في سواه من الكتب المصنفة في الحديث الشريف. مزايا ((الموطأ)): لكتاب ((الموطأ)) مزايا كثيرة تميز بها عن سواه من كتب الحديث الشريف، أتعرض هنا إلى جملة منها باختصار: فمزية ((الموطأ)) أولاً: أنه تأليفُ إمام فقيه محدث، مجتهد متقدم كبير متبوع، شهد له أئمة عصره ومن بعدهم بالإِمامة في الفقه والحديث دون مُنازِع. روى الحافظ ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل))(١) ((عن علي بن المديني قال: كان حديثُ الفقهاء أحبَّ إليهم من حديث المَشْيَخَة)). وقال الإِمام ابن تيمية في ((منهاج السنَّة النبوية))(٢): ((قال أحمد بن حنبل: معرفة الحديثِ والفقهِ فيه أحبُّ إليَّ من حفظِهِ. وقال علي بن المديني: أشرَفُ العلم الفقهُ في متون الأحاديث، ومعرفةُ أحوال الرواة». انتهى. وفي ((تدريب الراوي)) للحافظ السيوطي (٣): ((قال الأعمش: حديثٌ يتداوله الفقهاء خيرٌ من حديث يتداوله الشيوخ)). وعقد الحافظ الرامَهُرْمُزِي باباً طويلاً في (فضل من جَمَع بين الرواية والدراية)(٤)، وعقد بعده الحافظ الخطيب البغدادي في آخر كتابه ((الكفاية))(٥): (باب القول في ترجيح الأخبار)، وذكر فيه ما يتصل بتفضيل حديث الفقيه على غيره. ومزيتُهُ ثانياً: أنه أطبق العلماء على الثناء عليه وتبجيله، وكثر كلامهم في مدحه (١) ١/١ : ٢٥. (٢) ٤: ١١٥ من طبعة بولاق. (٣) ص ٨. (٤) ص ٢٣٨ وما بعدها. (٥) ص ٤٣٣. ٢١ وتقريظه، وأكتفي هنا بكلمات قالها إمام الأئمة الفقيه المحدث المجتهد المتبوع الإِمام الشافعي رضي الله عنه، وحسبك به وکفی . قال: ما على ظهر الأرض كتابٌ أصحُّ بعد كتاب الله من كتاب مالك. وفي لفظ آخر: ما على الأرض كتابٌ هو أقرَبُ إلى القرآن من كتاب مالك. وفي لفظ آخر: ما بعدَ كتاب الله تعالى أكثرُ صواباً من موطأ مالك. وفي لفظ آخر: ما بعدَ كتابِ الله كتابٌ أنفعُ من الموطأ. وتنوُُّ هذه العبارات يفيدُ تكرارَ ثناء الإِمام الشافعي رضي الله عنه على كتاب الموطأ، أكثر من مرة في أوقات متعددة. ومزيته ثالثاً: أنه من مؤلفات منتصف القرن الثاني من الهجرة، فهو سابقٌ غيرُ مسبوق بمثله، إذ هو أوَّلُ كتاب في بابه، وللسابق فضل ومزية، إذ هو الإِمامُ الذي سَنَّ التأليفَ الحديثيَّ على أبواب الفقه، واقتدى به المؤتمُّون من ورائه مثلُ عبد الله بن المبارك، والبخاريِّ، ومسلم، وسعيد بن منصور، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه وسواهم. فهو بسَبْقِ حائزٌ تفضيلا مُستوجِبٌ ثناءنا الجميلا ومزيتُهُ رابعاً: أنه يرويه عن مؤلفِهِ إمامٌ فقيه محدِّثْ مجتهدٌ كبير متبوع، مشهود له بالإِمامة في الفقه والحديث والعربية، الإِمامُ محمد بن الحسن الشيباني، لازَمَ شيخَه مالكاً ثلاث سنين، وسمع منه الكتاب بلفظه، فتملًا وتروَّى، ونَهَل وعَبَّ من فقهه وعلمه وروايته، مع ما كان عليه من الذكاء النادر، والفطنة التامة، وفقاهة النفس والبدن. ومزيتُهُ خامساً: أنه من رواية الإمام محمد بن الحسن الشيباني، تلميذ الإِمامين أبي حنيفة وأبي يوسف، وشيخ الإِمام الشافعي، وقد أتقن روايتهُ عن شيخه مالك، وأضاف بعدَ روايتِهِ أحاديثَ الباب بيانَ مذهبه في المسألة موافقاً أو مخالفاً، وبيانَ مذهب شيخه الإِمام أبي حنيفة فيها، وموافقَتَهُ له أو مخالفته، وبيانَ مذهب شيخه الإِمام مالك أحياناً، ومذهبَ عامَّةٍ فقهائنا أيضاً. ويُعقِّبُ في كثير من الأبواب ببيانٍ معنى الحديث، وتوجيهه، وما يستحسنه أو يستحبه أو يكرهه من وجوه المسألة. وقد يُفضِّلُ تفصيلاً وافياً الأقوال والفروق بين مذهبه ٢٢ ومذهب شيخه الإِمام أبي حنيفة، أو مذهب شيخِهِ الإِمام مالك، ويُبيِّنُ أحوالَ المسألة وأحكامَها، كما في الباب ١٨ (باب الوضوء من الرُّعَاف). وقد يسوقُ تأييداً لما ذهب إليه مخالفاً جملةً أحاديث في الباب - عن غير مالك - عن أبي حنيفة وغيره. وذكر في بعض الأبواب ١٦ ستة عشر حديثاً من غير طريقٍ مالك، كما في الباب ٥ (باب الوضوء مِن مَسِّ الذكر)، تأييداً لمذهبه من عدم نقض الوضوء بمَسِّه. وهذا عدد كبيرٌ جداً في الباب. وقد يورد في بعض الأبواب - لتأييد مذهبه - ستةً أحاديث أو سبعةً أحاديث أو أكثرَ أو أقل، من غير طريق مالك أيضاً، كما تراه في الباب ١٧ (باب الاغتسال يوم الجمعة)، وهذا عددٌ كبير في الباب أيضاً. ولكثرة ما رواه من الأحاديث فيه، من غير طريق مالك، ولكثرة ما ذكره فيه أيضاً من اجتهادهِ وفقهِهِ، وفقهِ أبي حنيفة وغيره في كل باب تقريباً ومذاهبٍ بعض الصحابة في بعض الأبواب، اشتَهَر هذا الكتاب باسم (موطأ الإِمام محمد). ولا غرابة في ذلك، إذ لم يكن (موطأ محمد) مجرَّدَ كتاب يُروَى بحروفه، كما سَمِعَهُ راويه من مؤلفه دون زيادة أو تعليق أو استدراك، بل هو كتاب فيه فقهُ الإِمام محمد، وفقهُ شيخه الإِمام أبي حنيفة، وفقهُ عامَّةِ أصحابنا الحنفية قبلَ الإِمام محمد، ومذاهبُ بعض الصحابة، ومناقشَتُهُ أيضاً لما ذهب إليه مالك أو غيرُه. فهو مدوَّنَةٌ من فقه أهل الحديث والاجتهاد والرأي، في الحجاز والعراق، مع الموازنة بين تلك الآراء والمذاهب في المسألة. وهذه ميزة غالية جداً عند من يدركها ويعرفُ قيمتها، فلا غرابة أن يُضاف (الموطأ) هذا، إلى راويه، لأنه من طريقه يُروَى، ولأنه أضاف إليه أحاديث كثيرة، وأدخل فيه علماً زائداً غيرَ قليل، يتصل بفقه الحديث، وأحكامِ الباب، ومقابلة الاجتهاد بمثله. كلمةٌ عن روايات الموطأ عن مالك: قال شيخنا العلامة الكوثري رحمه الله تعالى، في المقدمة التي كتبها لجزء الحافظ الدارقطني المسمّى: ((أحاديثُ الموطأ واتفاقُ الرواة عن مالك، واختلافُهم فيها زيادةٌ ونقصاً»، ما يلي: ٢٣ ((أَلَّفَ عبدُ العزيز بن عبد الله بن أبي سَلَمة الماجِشُون كتاباً فيما اجتمع عليه أهلُ المدينة، ولمَّا اطلع عليه مالكُ بنُ أَنس رضي الله عنه استحسن صنيعَه، إلَّ أنه أَخَذ عليه إغفالَه ذِكْرَ الأخبار والآثار في الأبواب، حتى قرَّر مالك أن يقوم هو بنفسِهِ بجمع كتابٍ تحتوي أبوابُهُ صِحاحَ الأخبار، وعَمَلَ أهلِ المدينة، في أبواب الفقه، فَأَلَّف الموطأ، وأَخَذ يلقيه على أصحابه فيتلقَّوْنَهُ منه سماعاً. ولم يكن تأليفُه الكتابَ ليعطيَهُ الناسَ فينسخوه ويتداولوه بينهم، كعادة أهل الطبقات المتأخرة في تصانيفهم، بل كان التعويل حينذاك على السماع فقط. وكان تأليفُهُ الكتابَ لنفسِهِ خاصةً، لئلا يَغْلَطَ فيما يُلقيه على الجماعة، كعادة أهل طبقته من العلماء في تأليفهم، ولذا كان يَزيدُ فيه ويَنْقُصُ منه حسبَ ما يبدو له في کل دَوْرٍ من أدوار التسميع المختلفة، فاختلفت نُسَخُ الموطأ ترتيباً وتبويباً، وزيادة ونقصاً، وإسناداً وإرسالاً، على اختلاف مجالس المستملين. فأصبح رُواتُها على اختلافِ الخَتَماتِ هم مُدوِّنُوها في الحقيقة، فمنهم من سَمِعَ عليه الموطأ سبعَ عشرةَ مرة، أو أكثرَ، أو أقلَّ، بأنْ لازَمَه مُدَداً طويلةً تَسَعُ تلك المرات، ومنهم من جالسه نحوَ ثلاثٍ سنوات، حتى تمكن من سماع أحاديثه من لفظِه، ومنهم من سَمِعَهُ عليه في ثمانية أشهر، ومنهم من سَمِعَه في أربعين يوماً، ومنهم من سَمِعَه عليه في أيام هرمه في مدة قصيرة، ومنهم من سَمِعَه في أربعة أيام، إلى آخِرِ ما فُصِّلَ في موضعه. ومنازلُ هؤلاء المستملين تتفاوَتُ فهماً، وضبطاً، وضعفاً، وقوةً، فتكونُ مواطنُ اتفاقهم في الذروة من الصحة عن مالك، ومواضعُ اختلافهم وانفرادهم متنازلةَ المنازلِ إلى الحضيص حسبَ ما لهم من المقام في كتب الرجال. وقد ذكر أبو القاسم الغافقي اثنَيْ عشر راوياً من رواة الموطأ في ((مسند الموطأ)) له، فيهم عبدُ الله بن يوسف التَّّيْسِي، ومحمدُ بن المبارك الصُّوْرِي، وسليمان بن بُرْدَة. واستدرك السيوطيُّ عليه راويين نسختاهما من أشهر النُّسْخِ. وساق ابنُ طولون في ((الفهرس الأوسط)) أسانيد الموطأ من أربع وعشرين طريقاً، وكذلك أبو الصَّبْر أيوبُ الخَلْوَتِي، حيثُ ساق أسانيده في ((ثَبَتِه))، من طريق ابن طولون ومن غیر طريقه)). ٢٤ قال عبد الفتاح بن محمد بن بشير أبو غدة - غفر الله لمشايخه، ولوالديه، وتاب عليهم وعليه، وأحسن إليهم وإليه -: إني أروي الموطأ إجازةً بطريق شيخنا الحافظ المحدِّث الناقد العلامة محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى، وهو يروي إجازةً بطريق الحجار روايات : ١ - محمد بن الحسن. ٢ - ويحيى بن يحيى النيسابوري. ٣ - وقتيبة بن سعيد. ٤ - وعبد الله بن عُمَر بن غانم. ٥ - وعبد العزيز بن يحيى الهاشمي. ٦ - وعبد الملك بن عبد العزيز بن الماجِشُون. ٧ - وابن القاسم. ٨ - وعبد الله بن نافع الزبيري. وبطريق أبي هريرة بن الذهبي رواياتٍ: ٩ - مُطَرِّف بن عبد الله الْيَسَاري. ١٠ - ومصعب بن عبد الله الزبيري. ١١ - وعلي بن زياد التونسي. ١٢ - وأشهب. وبطريق محمد بن عبد الله بن المحب روايةً: ١٣ - عبد الله بن وَهْب. وروايةً: ١٤ - إسحاق بن عيسى الطباع. وبطريق إبراهيم بن محمد الأَرْمَوي روايةً: ١٥ - عبد الله بن مَسْلَمة القَعْنَبِي. وبطريق زينب بنت الكمال المقدسية روايات : ١٦ - الشافعي . ١٧ - ومحمد بن معاوية الأَطْرَابُلُسي. ١٨ - وأَسَد بن القُرّات. ٢٥ وبطريق ابن حَجَر رواياتٍ : ١٩ - يحيى بن يحيى الليثي. ٢٠ - وأبي مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري. ٢١ - ويحيى بن عبد الله بن بُكَيْر المصري. ٢٢ - وسُوید بن سعيد. ٢٣ - وسعيد بن کَثِير بن عُفَیر. ٢٤ - ومَعْن بن عيسى القَزَّاز. قال شيخنا الكوثري: ((وهؤلاء أربعة وعشرون راوياً من أصحاب مالك. وأحمَدُ يُكثِرُ من طريق ابن مَهْدِي . وأبو حاتم من طريق مَعْن بن عيسى . والبخاري من طريق عبد الله بن يوسف التّنَّيسِي. ومسلم من طريق يحيى بن يحيى النيسابوري. وأبو داود من طريق القَعْنَبي . والنسائي من طريق قتيبة بن سعيد . وقد أوصل الحافظ محمد بن عبد الله الدمشقي المعروفُ بابن ناصر الدين رواةً الموطأ، إلى ثلاثةٍ وثمانين راوياً، في كتابه («إتحاف السالك برواة الموطأ عن مالك)). وأشهَرُ رواياته في هذا العصر روايةٌ محمد بن الحسن بين المشارقة، وروايةُ يحيى الليثي بين المغاربة . فالأولى: تمتازُ ببيان ما أخَذَ به أهلُ العراق من أحاديثٍ أهل الحجاز المدونة في الموطأ، وما لم يأخذوا به لأدلةٍ أخرى ساقها محمد في موطئه، وهي نافعة جداً لمن يريد المقارنة بين آراءِ أهلِ المدينة وآراءِ أهل العراق، وبين أدلةِ الفريقين. والثانية: تمتاز عن نُسَخ الموطأ كلُّها باحتوائها على آراءِ مالك، البالغةِ نحوَ ثلاثةٍ آلافٍ مسألة في أبواب الفقه . وهاتان الروايتان نُسَخُهما في غاية الكثرة في خزانات العالم شرقاً وغرباً. وتوجَدُ رواية ابن وَهْبْ في مكتبتَيْ فيض الله وولي الدين بالآستانة. وروايةُ سُوَيد بن ٢٦ سعيد، وروايةُ أبي مصعب الزهري في ظاهرية دمشق. وأطرافُ الموطأ للداني في مكتبة الكبريلي في الآستانة . وطالبُ الحديث إذا عُني بادىءَ ذي بدء بمدارسة أحوال رجال الموطأ، فاحصاً عن الأسانيد والمتون فيه، تدرَّجَ - عن ذوقٍ وخبرة - في مدارج معرفة الحديثِ والفقه في آنٍ واحد بتوفيقِ الله سبحانه، فيصبحُ على نور من ربه في باقي بحوثه في الحديث، راقياً على مَرَاقِي الاعتلاءِ في العلم، نافعاً بعلمه ومنتفِعاً به، واللَّهُ سبحانه وليُّ التسديد)). كلمات في ترجمة محمد بن الحسن راوي الموطأ وكلمات في العمل بالرأي الذي يُغمَزُ به سيظهر للمطالع من قراءة هذا الموطأ وفرةُ شيوخ الإِمام محمد بن الحسن ومكانته في الحديث، إلى جانب مكانته في الفقه والاجتهاد، فقد ظلمه جملةٌ من المحدِّثين ظلماً شديداً، لما كان عليه من الاجتهاد والعمل بالرأي، والرأيُ عند الكثير منهم أو أكثرهم من خوارم الثقة بالراوي، يذكرونه في ترجمة الراوي في جملة المغامز له، ولو كان إماماً ثقةً كل الثقة في الحديث! مع أنه لا فقه بلا رأي، ولا أحد من الأئمة المتبوعين والمعتبرين لم يعمل بالرأي، فهم في نقد الراوي الذي لديه رأي يمشون على طريقةٍ: مَنْ لم يكن مثلَنا، فهو خصمٌ لنا، إنا لله! فأذكُرُ هنا جُمَلًا يسيرة أقطفها من ترجمة الإمام محمد بن الحسن، في ((الجزء)» المطبوع مع جزء («مناقب أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن)) للحافظ الذهبي(١)، للتعريف بطَرَفٍ من سيرة هذا الإِمام الجليل. ((انتَهَتْ إليه رياسةُ الفقه بالعراق بعدَ أبي يوسف، وتفقَّهَ به أئمة، وصنَّف التصانيف، وكان من أذكياء العالم. وُلِّي قضاءَ القُضاة للرشيد، ونال من الجاه والحشمة ما لا مزيد عليه. احتّجَّ به الشافعي في الحديث، يُحكَّى عنه ذكاءً مفرط، وعقلٌ تام، وسُؤْدُد، وكثرةُ تلاوة(٢). (١) ص ٧٩، ٨٠. ٨١، ٨٢، ٨٤، ٩٣، ٩٤، من الطبعة الثالثة في بيروت سنة ١٤٠٨. (٢) في ((الآداب الشرعية)) لابن مفلح الحنبلي ٢: ١٦٥، بالسند إلى الربيع المُرادي: ((سمعتُ = ٢٧ محمدُ بن عبد الله بن عبد الحكم وغيرُه، ثنا الشافعي، قال: قال محمد بن الحسن: أقمتُ على باب مالك ثلاث سنين، وسمعتُ منه لفظاً سبعَ مئةِ حديث ونيفاً لفظاً. الربيعُ بن سليمان المُزَني، سمعتُ الشافعي يقول: لو أشاءُ أن أقول: نَزَّل القرآنُ بلغة محمد بن الحسن لقلته، لفصاحته، وسمعتُ الشافعي يقول: ما رأيتُ سميناً أخفَّ روحاً من محمد بن الحسن، وما رأيتُ أفصحَ منه، كنتُ إذا رأيتُه يقرأ القرآن كأن القرآن نزل بلغته . إدريسُ بن يوسف القراطيسي، سمعتُ الشافعي يقول: ما رأيتُ أعلمَ بكتاب الله من محمد بن الحسن، كأنه عليه نزل. الطحاويُّ، سمعتُ أحمد بن أبي داود المكي، سمعتُ حرملة بن يحيى، سمعت الشافعي يقول: ما سمعتُ أحداً قط كان إذا تكلَّمَ رأيتُ أن القرآن نزل بلغته غيرَ محمد بن الحسن، وقد كتبتُ عنه حِمْلَ بُخْتِيّ . محمدُ بن إسماعيل الرُّفِّي، نا الربيع، نا الشافعي قال: حملتُ عن محمد بن الحسن حِمْلَ بُخْتِي كتباً، وما ناظرتُ أحداً إِلَّ تغيَّر وجهُهُ ما خلا محمدَ بنَ الحسن. ابنُ أبي حاتم، نا الربيع، سمعتُ الشافعي يقول: حملتُ عن محمد بن الحسن، حِمْلَ بُخْتِي، ليس عليه إلَّا سَمَاعِي. قال عبد الفتاح: كم يكون من الأحاديث في حِمل هذا البُخْتِي: الجمل الطويل العنق الضخم الجسم؟ وكم هي قيمة هذه الشهادة الغالية من الشافعي؟ عباسُ بن محمد، سمعتُ ابنَ مَعِين يقول: كتبتُ عن محمد بن الحسن ((الجامع الصغير)). أبو خَازِمِ القاضي، نا بَكْرُ العَمِّيُّ، سمعتُ محمد بن سَماعة يقول: كان محمد بن الحسن قد انقطع قلبُهُ مِن فكرِهِ في الفقه - يعني يقعُ له استغراقُ فكرٍ وخاطرٍ في مسائل = الشافعي يقول: لو أن محمد بن الحسن كان يكلمنا على قدر عقله ما فهمنا عنه، لكنه كان يكلمنا على قدر عقولنا فنفهمُهُ». ٢٨ الفقه يأخذه عمن حَوْلَه -، حتى كان الرجلُ يُسَلِّمُ عليه، فيدعو له محمد، فيزيدُه الرجلُ في السلام، فيردُّ عليه ذلك الدعاءَ بعينه، الذي ليس من جواب الزيادة في شيء. محمد بن سَمَاعة قال: كان محمد بن الحسن كثيراً ما يَتمثَّلُ بهذا البيت: مُحَسَّدون وشَرُّ الناسِ منزلةٌ مَنْ عاشَ في الناس يوماً غيرَ محسودٍ» انتهى ما قطفتُه من جزء الحافظ الذهبي في ترجمة محمد بن الحسن رحمهما الله تعالی . ومصداقاً لما وصفه به الإِمام الشافعي، من سعة الصدر وكثرةِ الحِلْم في المناظرة وعلى المخالفين والمعارضين، أوردُ هذه الواقعة، وفيها أكثرُ من شاهد وفائدة. روى الحافظ الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد))(١)، في ترجمة (عيسى بن أبان) المحدِّث الفقيه، عن «محمد بن سَمَاعة قال: كان عيسى بن أبان يصلي معنا، وكنتُ أدعوه أن يأتي - مجلس - محمد بن الحسن، فيقول: هؤلاء قوم يخالفون الحديث، وكان عيسى حسَنَ الحفظ للحديث، فصلَّى معنا يوماً الصبح، وكان يومَ مجلسٍ محمد، فلم أفارقه حتى جَلَس في المجلس. فلما فرغ محمد - من المجلس - أدنيتُهُ إليه وقلتُ: هذا ابنُ أخيك أبانُ بنُ صدقة الكاتب، ومعه ذكاءٌ ومعرفةٌ بالحديث، وأنا أدعوه إليك فيأبى ويقول: إنَّا نُخالفُ الحديث، فأقبَلَ عليه _ محمد _ وقال له: يا بُنَّيَّ، ما الذي رأيتَنا نخالفُهُ من الحديث، لا تَشْهَدْ علينا حتى تَسمع منا. فسأله يومئذٍ عن خمسةٍ وعشرين باباً من الحديث، فجعل محمد بن الحسن يُجيبُه عنها، ويُخبرُه بما فيها من المنسوخ، ويأتي بالشواهد والدلائل. فالتفَتَ إليَّ عندَما خرجنا فقال: كان بيني وبين النُّور سِتر، فارتفع عني، ما ظننتُ أنَّ في مُلكِ الله مِثلَ هذا الرجلِ يُظهِرُهُ للناس، ولَزِمَ محمدَ بنَ الحسن لزوماً شديداً حتى تفقَّه به)). انتهى. هذه لَمْعَةٌ من ترجمة محمد بن الحسن راوي ((الموطأ)) عن الإِمام مالك رضي الله عنهما وجزاهما عن العلم والدين والمسلمين خير الجزاء. (١) ١٥٨:١١، وفي ((أخبار أبي حنيفة وأصحابه)) للقاضي أبي عبد الله الصيمري ص ١٢٨. ٢٩ كلماتٌ في العمل بالرأي الذي يُغْمَزُ به محمدُ بن الحسن والحنفيةُ وغيرهم أشرتُ في أول الترجمة الموجزة لمحمد بن الحسن أنه كان يُغمَزُ بالعمل بالرأي . وأقولُ: العملُ بالرأي مع العدالة والضبط لا يَجرح صحة الرواية، ولا يُضعفها، ولا يُخلُّ بصدق الراوي، لأن الأمانة في النقل منه قائمة تامة، وورَعُ العدل يمنعُهُ أن يزيد حرفاً أو يَنقُصَ حرفاً في الحديث الذي يرويه، لديانته بروايته، ولحفظِ سُمعتِهِ بسلامته. وقد عَمِلَ بالرأي من لا يحصى كثرة من المحدثين والفقهاء من أهل المدينة والكوفة والبصرة والعراق وغيرها. بل اشتهر بعضهم بقَرْن الرأي في اسمه نَعْتاً له، مثلُ الإِمام ربيعةَ الرأي (أبي عثمان ربيعة بن أبي عبد الرحمن) التابعي المدني، شيخ مالكٍ والثوري وشعبة والليث بن سعد وهذه الطبقة، المتوفى سنة ١٣٦. أمَّا غمزُ الحنفية بالعمل بالرأي فقال الإِمام فخر الدين البَزْدَوي في مقدمة كتابه ((أصول الفقه)) للحنفية أصحاب الرأي: ((وأصحابُنا هم السابقون في هذا الباب - أي الفقه - ، وهم الربَّانُّون في علم الكتابِ والسنَّة وملازمة القدوة، وهم أصحاب الحديث والمعاني . أما المعاني فقد سَلَّم لهم العلماء، حتى سَمَّوهم أصحابَ الرأي، والرأيُ اسم للفقه - قال ابن تيمية: وتسمَّى كتبَ الفقه كتبَ الرأي، كما في ((مجموع الفتاوي)) ١٨ : ٧٤ _ . وهم أولى بالحديثِ أيضاً، ألا ترى أنهم جوَّروا نسخَ الكتاب بالسنَّة، لقوة منزلة السنَّة عندهم، وعملوا بالمراسيل تمسكاً بالسنَّة والحديث، ورأوا العمل بها مع الإِرسال أولى من الرَّأْي، ومَنْ رَدَّ المراسيل فقد رَدَّ كثيراً من السنة، وعَمِلَ بالفرع بتعطيل الأصل، وقدَّموا روايةَ المجهول على القياس، وقدَّموا قول الصحابي على القياس. وقال محمد رحمه الله تعالى في كتاب ((أدب القاضي)): لا يستقيمُ الحديثُ إلَّ بالرأي، ولا يستقيمُ الرأيُ إلا بالحدیث)». انتهى. كلام البزدوي. قال العلامة علاء الدين البخاري في شرحه: ((كشف الأسرار)) ١: ١٧: ((معناه لا يستقيمُ الحديثُ إلَّ باستعمال الرأي فيه، بأن يدرك معانيه الشرعية التي هي مناط ٣٠ الأحكام. ولا يستقيمُ الرأيُ إلَّ بالحديث أي لا يستقيمُ العملُ بالرأي والأخذُ به إلاَّ بانضمام الحدیث إلیه». قال عبد الفتاح: وقد أطلق هذا اللقب: (أصحابُ الرأي) على علماءِ الكوفة وفقهائها، من قِبَل أناس من رواة الحديث، كان جُلُّ علمهم أن يخدموا ظواهرَ ألفاظِ الحديث، ولا يرومون فهمَ ما وراءَ ذلك من استجلاء دقائق المعاني وجليل الاستنباط، وكان هؤلاء الرواة يَضِيقُون صدراً من كل من أعمَلَ عقله في فهم النص وتحقيق العلةِ والمناط، وأَخَذ يَبحثُ في غير ما يبدو لأمثالهم من ظاهر الحديث، ويَرَوْنه قد خرج عن الجادة، وتَرَك الحديثَ إلى الرأي، فهو بهذا - في زعمهم - مذمومٌ منبوذُ الرواية. وقد جرحوا بهذا اللقب طوائف من الراوة الفقهاء الأثبات، كما تراه في كثير من تراجم رجال الحديث، وخذ منها بعض الأمثلة: ١ - جاء في ترجمة (محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري) عند الحافظ ابن حجر في ((هدي الساري))(١)، قولُ الحافظ: ((من قُدَماءِ شيوخ البخاري، ثقة، وثَّقه ابن معين وغيرُه، قال أحمد: ما يُضعفه عند أهل الحديث إلَّ النظرُ في الرأي، وأما السماعُ فقد سَمِع)). انتهى. قلت: انظر ترجمته في ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي(٢)، و ((تهذيب التهذيب»(٣). ٢ - وقال الحافظ ابن حجر أيضاً في ((هَذْي الساري))(٤)، في ترجمة (الوليد بن كثير المخزومي): ((وثقه إبراهيم بن سعد وابنُ معين وأبو داود، وقال الساجي: قد كان ثقةً ثبتاً، يُحتَجُّ بحديثه، لم يُضعفه أحد، إنما عابوا عليه الرأي)). ٣ - وقال الحافظ الذهبي في ((المغني))(٥): ((مُعَلَّى بن منصور الرازي، إمامٌ مشهور، موثق، قال أبو داود: كان أحمد لا يروي عنه للرأي، وقال أبو حاتم: قيل (١) ٢ : ١٦١. (٢) ٣٧١:١. (٣) ٢٧٤:٩ - ٢٧٦ . (٤) ٢ :١٧٠. (٥) ٢ : ٦٧٠. ٣١ لأحمد: كيف لم تكتب عنه؟ قال: كان يكتب الشروط، من كتبها لم يَخْلُ أن يكذب)). قلتُ: انظر ترجمته في ((تذكرة الحفاظ))(١)، و((تهذيب التهذيب))(٢)، وفي آخر ترجمته فيه: ((قال أحمد بن حنبل: مُعلَّى بن منصور من كبار أصحاب أبي يوسف ومحمد، ومن ثقاتهم في النقل والرواية)). انتهى. فيكون أحمد ترك الكتابة عنه من أجل الرأي فقط. وقد كثر هذا النبذُ لأهل الرأي، والنَّبذُ لرواياتٍ كثيرٍ منهم، حتى أثار مثلَ الإِمام أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي وغيره من أئمة الحنابلة، أن يُتكلّم بسبب هذا القول فيهم، أو تأويله على وجه محتمل، جاء في ((مسوَّدة آل تيمية في أصول الفقه)) ص ٢٦٥: ((وقال والدُ شيخنا في قول أحمد: (لا يُروَى عن أهل الرأي)، تكلّم عليه ابن عقيل بكلام كثير، قال في رواية عبد الله: (أصحابُ الرأي لا يُروَى عنهم الحديث)، قال القاضي - أبو يعلى - : وهذا محمول على أهل الرأي من المتكلمين كالقدرية ونحوهم. قلتُ - القائل الشيخ ابن تيمية - : ليس كذلك بل نصوصُه في ذلك كثيرة، وهو ما ذكرتُه في (المبتدع)(٣)، أنه نوع من الهجرة، فإنه قد صرَّح بتوثيق بعض من تَرَك الرواية عنه كأبي يوسف ونحوه، ولذلك لم يُرْوَ لهم في الأمَّهات كالصحيحين)». انتهى. ظلم جملة من المحدثين لأبي يوسف ومحمد الفقيهينِ المحدثين : قال العلامة الشيخ جمال الدين القاسمي رحمه الله تعالى، في كتابه: ((الجرح والتعديل)) (٤): ((وقد تجافَى أربابُ الصحاح الروايةَ عن أهل الرأي، فلا تكاد تجد اسماً لهم في سند من كتب الصحاح أو المسانيد أو السنن، كالإِمام أبي يوسف والإِمام محمد بن الحسن، فقد لَّنهما أهلُ الحديث! كما ترَى في ((ميزان الاعتدال))! ولعمري لم ينصفوهما وهما البحرانِ الزاخران، وآثارهما تشهد بسعة علمهما وتبحرهما، بل بتقدمهما على كثير من الحفاظ، وناهيك كتاب ((الخراج)) لأبي يوسف، و((موطأ)» الإِمام محمد . (١) ٣٧٧:١. (٢) ١٠ :٢٣٨ - ٢٤٠. (٣) ص ٢٦٤ في ((المسوَّدة)). (٤) ص ٢٤. ٣٢ وإن كنتُ أَعُدُّ ذلك في البعض تعصباً، إذ يَرى المنصفُ عند هذا البعض من العلم والفقه ما يَجدرُ أن يُتحمَّل عنه، ويستفاد من عقله وعلمه، ولكن العصبية !! ولقد وُجد لبعض المحدِّثين تراجمُ لأئمة أهل الرأي، يخجل المرءُ من قراءتها! فضلاً عن تدوينها! وما السبب إلَّ تخالُفُ المشرب، على توهم التخالف! ورفضُ النظر في المآخذ والمدارك، التي قد يكون معهم الحقُّ في الذهاب إليها، فإن الحق يستحيل أن يكون وقفاً على فِئةٍ معيَّنة دون غيرها، والمنصفُ من دقّق في المدارك غاية التدقيق ثم حکم. نعم، كان وَلَعُ جامعي السنة بمن طوَّفَ البلاد، واشتَهَر بالحفظ، والتخصص بعلم السنّة وجمعها، وعلماءُ الرأي لم يشتهروا بذلك، وقد أُشيع عنهم أنهم يُحكِّمون الرأيَ في الأثر! وإن كان لهم مرويات مسندةٌ معروفة رضي الله عن الجميع، وحشرنا وإياهم مع الذین أنعم الله عليهم». انتهى. وقال شيخنا العلامة أحمد شاكر، رحمه الله تعالى في تعليقه على ((مسند الإمام أحمد))(١): ((أبو يوسف القاضي: ثقة صدوق، تكلموا فيه بغير حق، ترجمه البخاري في ((الكبير)) ٢/٤: ٣٩٧، وقال: تركوه! وقال في ((الضعفاء)» ص ٣٨: تركه يحيى وابنُ مهدي وغيرُهما! وترجمه الذهبي في ((الميزان)) ٤: ٤٤٧، والحافظ في ((لسان الميزان)» ٦: ٣٠٠، والخطيبُ في ((تاريخ بغداد)) ترجمة حافلة ٢٤٢:١٤ - ٢٦٢، وأعدّلُ ما قيل فيه قولُ أحمد بن كامل عند الخطيب: ولم يختلف يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني في ثقته في النقل)). انتهى. كلمات للإِمام ابن تيمية في دفع الجرح بالعمل بالرأي: قال عبد الفتاح: وقد رأيت للشيخ الإِمام ابن تيمية كلاماً حسناً، جلَّى فيه شأنَ الرأي، وما يُذَمُّ منه وما لا يُذَمُّ، فأحببتُ إيراده هنا استيفاءً للمَقام وإن طال الكلام، فإنه قاطع للشغب على العمل بالرأي من كل مشاغب. قال رحمه الله تعالى في كتابه: ((إقامة الدليل على إبطال التحليل))(٢): ((ما ورد في (١) ١١ :١٣. (٢) ٢٢٧:٣، ضمن ((الفتاوى الكبرى)). ٣٣ الحديث والأثر من ذم الرأي وأهلِه، فإنما يتناوَلُ الحيل، فإنها أُحدِثَتْ بالرأي، وإنها رأيٌ محض، ليس فيه أثر عن الصحابة، ولا له نظير من الحِیَل ثبت بأصل فیقاسُ علیه بمثله، والحكمُ إذا لم يَثبت بأصل ولا نظير، كان رأياً محضاً باطلاً. وفي ذم الرأي آثار مشهورة عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن عُمَر وغيرهم، وكذلك عن التابعين بعدَهم بإحسان، فيها بيانُ أن الأخذ بالرأي يُحلِّلُ الحرام، ويُحرِّم الحلال . ومعلوم أن هذه الآثار الذَّامة للرأي، لم يُقصد بها اجتهادُ الرأي على الأصولِ من الكتاب والسنّة والإِجماع، في حادثة لم توجد في كتاب ولا سنَّة ولا إجماع، ممن يعرف الأشباه والنظائر، وفقه معاني الأحكام، فيقيسُ قياس تشبيه وتمثيل، أو قياس تعليل وتأصيل، قياساً لم يعارضه ما هو أولى منه، فإنَّ أدلة جوازٍ هذا للمفتي لغيره والعاملِ لنفسِه، ووجوبِهِ على الحاكم والإِمام أشهَرُ من أن تُذكَّر هنا، وليس في هذا القياس تَحليلٌ لما حرَّمه الله سبحانه، ولا تحریم لما حلَّله الله . وإنما القياسُ والرأيُّ الذي يَهدِمُ الإِسلام، ويُحلِّل الحرام، ويُحرِّم الحلال: ما عارض الكتابَ والسنَّة، أو ما كان عليه سلف الأمة، أو معاني ذلك المعتبرة. ثم مخالفته لهذه الأصول على قسمين : أحدُهما: أن يخالف أصلاً مخالفةً ظاهرة، بدون أصلٍ آخر. فهذا لا يقعُ من مفتٍ إلَّ إذا كان الأصلُ مما لم يبلغه علمُه، كما هو الواقع لكثير من الأئمة، لم يبلغهم بعضُ السُّنَّن، فخالفوها خطأً. وأما الأصولُ المشهورة، فلا يخالفها مسلم خلافاً ظاهراً، من غير معارضة بأصل آخر، فضلاً عن أن يخالفها بعضُ المشهورين بالفتيا. الثاني: أن يخالف الأصل بنوع تأويلٍ وهو فيه مخطىء، بأن يضَعَ الاسمَ على غير موضعه، أو على بعضٍ موضعه، ويُراعيَ فيه مجرَّدَ اللفظِ دون اعتبار المقصود لمعنىّ أو غير ذلك. وإنَّ من أكثر أهل الأمصار قياساً وفقهاً أهل الكوفة، حتى كان يقال: فقهٌ كوفي، وعبادةٌ بَصْريَّة. وكان عِظَمُ علمهم مأخوذاً عن عمر وعلي وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم، وكان أصحابُ عبد اللّه، وأصحابُ عمر، وأصحابُ علي، من العلم والفقهِ بالمكان الذي لا يخفى . ٣٤ هـ . . ثم كان أفقَههم في زمانه إِبراهيمُ النخعفي، كان فيهم بمنزلة سعيد بن المسيب في أهل المدينة، وكان يقول: إني لأسمعُ الحديثَ الواحد، فأقِيسُ به مئة حديث. ولم يكن يَخرج عن قول عبد الله وأصحابه. وكان الشعبيُّ أعلمَ بالآثار منه. وأهلُ المدينةِ أعلمُ بالسنةِ منهم . وقد يوجد لقدماء الكوفيين أقاويلُ متعددة، فيها مخالفةٌ لسنة لم تبلغهم، ولم يكونوا مع ذلك مطعوناً فيهم، ولا كانوا مذمومين، بل لهم من الإِسلام مكانٌ لا يخفى على من عَلِمَ سيرة السلف، وذلك لأن مثل هذا قد وُجِدَ لأصحاب رسولِ اللهِ وَّر، لأن الإِحاطة بالسنَّة كالمتعذر على الواحدِ أو النفرِ من العلماء. ومَنْ خالف ما لم يبلغه فهو معذور)». انتھی . قال عبد الفتاح: ولله دُّرُّ الإِمام ابن تيمية كيف جَلَّى هذه المسألة، واستوفاها ورَدَّ قول الجارح بها بمتانة وإقناع. وبهذا البيانِ الشافي الوافي يتبيَّنُ أن جرح الراوي بأنه (من أهل الرأي) مردود، ولا يصح غمزُ الثقات الأثبات والأعلام الكبار به. تحجّر الرواة وضيقهم من المشتغل بغير الحديث: ومأتى جَرْحِهم الراويَ بهذا الجرحِ المردود: أنه كانت هِمَّةُ أكثرِ أهل الحديث. متوجهة إلى الرواية والسماع، ويرفضون النظر في المآخِذِ والمدارك، كما أشار إليه الشيخ القاسمي رحمه الله تعالى فيما تقدم من كلامه . بل كان أولئك الرواةُ يَرَوْن العلمَ كلَّ العلم روايةَ الحديث ومتناً لا بحثاً وفقهاً، ويرون إعمال الرأي في فهم الأثر خروجاً عليه، فإذا بلغهم عن فقيه أنه تكلّم في مسألةٍ باحثاً مجتهداً، أو عن متكلّم قال في صفةٍ من صفات الله تعالى قولاً، أو عن مُذكَّرٍ تحدَّث عن حال النفس كاشفاً مُنْقِّباً، أو عن محدِّثٍ روى شعراً: ثَارَتْ لذلك حفيظتُهم، ونقموا عليه ما صَنَع، وقالوا فيه من الجرح ما يرونه ملاقياً للجارح الذي اتصف به في نظرهم. وقد جاء في ترجمة الإِمام الشافعي رضي الله عنه، في ((معجم الأدباء)» لياقوت الحموي(١)، ما نصّه: ((عن مصعبٍ الزبيري قال: كان أبي والشافعيُّ يتناشدان، فأتّى (١) ١٧ :٢٩٩. ٣٥ الشافعي على شعر هُذَيل حفظاً، وقال: لا تُعْلِم بهذا أحداً من أهل الحديث، فإنهم لا یحتملون هذا)). انتهى. قلتُ: بل إنَّ أهل الحديث لم يحتملوا أقل من هذا بكثير! لم يحتملوا تصنيف الحديث على الأبواب! جاء في ((الحلية)) لأبي نعيم(١)، في ترجمة الإِمام الجليل القدوة عالِمٍ خراسان الفقيه المحدث العابد المجاهد: (أبي عبد الرحمن عبد الله بن المبارك)، المتوفى سنة ١٨١ رحمه الله تعالى، ما يلي: ((قال أحمد بن أبي الحَوَارَى: سمعتُ أبا أسامة - هو الحافظ الإِمام الحجة حمادُ بن أسامة الكوفي ــ يقول: مررتُ بعبد الله بن المبارك بطّرَسوس - ثغر من ثغور الجهاد في وجه الأعداء - وهو يُحدِّث، فقلتُ: يا أبا عبد الرحمن، إني لُأنكرُ هذه الأبوابَ والتصنيفَ الذي وضعتموه! ما هكذا أدركنا المشيخة!)). انتهى . فإذا كان هذا شأنَ أحدٍ كبار المحدِّثين، مع شيخ المحدِّثين والزهاد، وإمامِ المجاهدين والعُبَّاد: عبدِ الله بن المبارك، وكلُّ الذي صنَعَهُ هو أنه جَمَع الأحاديث تحت عناوين (الأبواب والتصنيف عليها)! فلا شك أنَّ شأنهم أشدُّ إنكاراً مِئَةَ مرةً مع الذي يُعمل رأيَهُ في فهم النص أو يؤوله لدليلٍ يقتضي ذلك عنده! وقال الإِمام الغزالي في ((الإِحياء))(٢): ((كان الأولون يَكْرهون كْبَ الأحاديث وتصنيف الكتب، لئلا يشتغل الناسُ بها عن الحفظ، وعن القرآن، وعن التدبر والتذكر، وكان أحمدُ بن حنبل يُنكِرُ على مالك في تصنيفه ((الموطأ))، ويقولُ: ابتدع ما لم يفعله الصحابة رضي الله عنهم)). انتهى. وانظر أقوالاً أخرى للإِمام أحمد - في هذا الصدد أيضاً وعلى غِرار ما نقله الإِمام الغزالي - في ((مناقب الإمام أحمد)) لابن الجوزي في (الباب الثامن والعشرون في ذكر كراهيته وَضْعَ الكتبِ المشتلمةِ على الرأي، ليتوافَرَ الالتفاتُ إلى النقل)(٣). (١) ١٦٥:٨. (٢) ٧٩:١ في مبحث (آفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة والعلماء السوء). (٣) وذلك في ص ٢٤٩ من الطبعة الثانية المحققة، وص ١٩٢ من الطبعة الأولى. ٣٦ الردّ على من قدح في أبي حنيفة بدعوى تقديمه القياس على السنَّة: قال الإِمام المحقق ابن حجر المكي الهَيْتَمي الفقيه الشافعي رحمه الله تعالى، في كتابه: ((الخيرات الحِسَان في مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان))(١): (الفصلُ السابع والثلاثون في الرد على من قَدَح في أبي حنيفة، لتقديمه القياس على السنَّة): قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر [الإِمامُ المحدِّثُ الفقيه المالكي الأندلسي، في ((جامع بيان العلم وفضله))(٢)، في (باب ما جاء في ذم القولِ في دين اللَّهِ بالرأي والظنِّ والقياسِ على غير أصل)، بعدَ أن نَقَل طائفةٌ من أقوال بعض المحدِّثين في الغَمْز بأبي حنيفة]، ما يلي : أفرط أصحابُ الحديث في ذم أبي حنيفة، وتجاوزوا الحدَّ في ذلك، لتقديمه الرأي والقياس على الآثار. وأكثرُ أهل العلم يقولون: إذا صح الحديث بَطَل الرأيُ والقياس. وكان رَدُّهُ لما ردَّه من أخبار الآحاد بتأويلٍ محتَمَل. وكثيرٌ منه قد تقدَّمه إليه غيرُه، وتابَعَهُ عليه مثلُه [ممن قال بالرأي]. وجُلُّ ما يُوجَدُ له من ذلك تَبِعَ فيه أهلَ علم بلدِه، كإبراهيم النخعي، وأصحاب ابن مسعود، إلَّا أنه أكثرَ من ذلك هو وأصحابُه. وغيرُهُ إنما يوجَدُ له ذلك قليلاً. [وما أعلمُ أحداً من أهل العلم إلَّ وله تأويلٌ في آية، أو مَذْهَبُ في سُنَّة، فَرَدَّ من أجل ذلك المذهبِ سُنَّةٌ أخرى بتأويلٍ سائغ، أو ادِّعاءِ نَسْخ، إلَّ أن لأبي حنيفة من ذلك كثيراً، وهو يُوجَدُ لغيره قليلاً]. قال الليث بن سعد: أَحصيتُ على مالك سبعين مسألةً، قال فيها برأيه، وكلُّها مخالفةُ لسنةِ رسولِ اللهِ وَّةِ، ولقد كتبتُ إليه أعِظُهُ في ذلك. ومِن ثمة لمَّا قيل لأحمد بن حنبل: ما الذي نَقَمتُم على أبي حنيفة؟ قال: الرأي، (١) ص ٩٨. (٢) ١٤٨:٢، وما تراه بين هاتين المعكوفتين [] هو من زيادتي على كلام ابن حجر الهيتمي من «جامع بيان العلم)». ٣٧ قيل: أليس مالكٌ تكلّم بالرأي؟ قال: بلى، ولكنْ أبو حنيفة أكثَرُ رأياً منه، قيل: فهلاً تكلّمتم في هذا بحصته وهذا بحصته؟ فسكت أحمد. قال أبو عمر: ولم نجد أحداً من علماء الأمة أَثبَتَ حديثاً عن رسول الله ◌ِ ◌ّ﴿ ثم رَدَّه إلَّ بِحُجَّة، كادِّعاءِ نسخٍ بأثرٍ مِثْلِه، أو بإجماع، أو بعملٍ يجبُ على أصلِهِ الانقيادُ إليه، أو طعنٍ في سند. ولو رَدَّهُ أحدٌ من غير حجة لسقطَتْ عدالته فضلاً عن إمامتِهِ، ولَزِمَهُ اسْمُ الفِسْق، ولقد عافاهم الله من ذلك. ولقد جاء عن الصحابة رضي الله عنهم من اجتهادِ الرأي والقول بالقياس على الأصول، ما يَطُولُ ذكرُه، وكذلك التابعون. وعدَّدَ ابنُ عبد البر منهم خلقاً كثيرين. انتهى كلامُ ابن عبد البر، وفيه جوابٌ شافٍ عن ذلك القَدْح. والحاصلُ أنَّ أبا حنيفة لم ينفرد بالقولِ بالقياس، بل على ذلك عمَلُ فقهاء الأمصار كما قاله ابن عبد البر، وبَسَط الكلامَ عليه رَدَّاً على من جَهِلَ فجعَلَ ذلك عَيْباً». انتهى كلام ابن حجر الهَيْتَمي. وهذا القَدْرُ من كلام الإِمامين: ابن حجر المكي الشافعي، وابنٍ عبد البر الأندلسي المالكي - إلى جانب كلام الإِمام ابن تيمية الحَرَّاني الحنبلي - كافٍ في تجليةِ رَدِّ جَرْح الراوي بالعمل بالرأي، والله سبحانه وتعالى أعلم. كلمات في ترجمة الشارح الإِمام اللكنوي: ترجَمَ الإِمامُ اللكنوي رحمه الله تعالى لنفسه، في ستة كتب من كبار تأليفه، في خاتمة ((النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير))، وفي مقدمة كتابه هذا: ((التعليق الممجد)) في آخر الفائدة التاسعة، وفي مقدمة ((السعاية لكشف ما في شرح الوقاية))، وفي مقدمة ((عمدة الرعاية لحل شرح الوقاية))، وفي ((التعليقات السَّنِيَّة على الفوائد البهية))، وفي مقدمة ((الهداية)) للإِمام المَرْغِيناني. وقد جمعتُ له ترجمةً مطولة مستفيضة من هذه الكتب الستة، وأثبتُّها في أول كتابه ((الرفع والتكميل في الجرح والتعديل))، الذي خدمتُه في طبَعَاته الثلاث، وأوفاها ترجمةً له في الطبعة الثالثة، كما ترجمتُ له بتراجم منقولة عن بعض معاصريه أو تلامذته، ومنها الترجمة في أول كتابه ((الأجوبة الفاضلة عن الأسئلة العشرة الكاملة))، في مباحث هامة شائكة من علوم مصطلح الحديث الشريف. ومنها في أول كتابه ((تحفة الأخيار بإحياء سُنَّة سيد الأبرار)» - 18 - الذي قريب الصدور إن شاء الله تعالى. ٣٨ وقد تحقق عندي واستقَرَّ في نفسي، من تتبعي لكتب الإِمام محمد عبد الحي اللكنوي رحمه الله تعالى ومؤلَّفاته: رسائلَ صغيرة في صفحات، أو كتباً كبيرة في مجلدات: أنَّ تصانيفَهُ دائماً - على اختلاف مواضيعها - تتميّزُ بمزايا لا تجتمع عند غيره. ففيها التميّزُ بالضبط التام الدقيق للألفاظ المقتضية ذلك، والشرحُ الوافي للمعاني، وتبيينُ الأحكام الفقهية - إن كان الموضوع فقهاً - بما يكفي ويشفي. وفيها تراجم العلماء الذين يأتي ذكرُهم في سياق البحثِ عنده، لزيادة التعريف بهم، بإيجازٍ في محله، وباستيعاب في محله. وفيها الحديثُ عن رجال الإِسناد أو بيانُ حاله إذا كان المقامُ يقتضي ذلك. وفيها تنوُّع مَعارفه المتوازِنُ المتينُ، في التفسير، والحديث وعلومهما، والفقه، والأصول، والفتاوى، والكلام، والتاريخ، والسِّيَر، والتراجم، والأنساب، واللغة، والنحو، والصرف، والمنطق، والمناظرة، والحكمة. وقلّ أن يجتمع هذا كلُّه في العلماء. وفيها التمكنُ التام من الولوج في كل علم أو فن يؤلِّفُ فيه، بل فيه التفوُّقُ والمهارة البارزة والإتقان الظاهر في كل ما يكتبه، وفيها من التواضع البالغ عند عرض المسائل والآراء، التي يختارها أو يرجحها أو يجزم بها ويُخطّىء سواها، فلا انتفاخ ولا صُراخ، ولا استكبار ولا استعلاء، ولا تكلف ولا مغالاة. وفيها الإِنصاف والاعتدال، والبعدُ عن التعصب لمذهبٍ أو رأيٍ معيَّن، بوضوح وجلاء، اتباعاً منه للدليل ولوجاهة الرأي المختار. وفيها استيعابُ الاستدلال للمسألة التي يحققها حتى ينتهي بالقارىء إلى الحكم الذي قرَّره ويُقنعَه به. وفيها الصبر والجَلَّدُ القوي على مناقشة ما يَحتاج إلى المناقشة بتروِّ وأناة، ليتميَّز الصوابُ من الخطأ في الموضوع. وفيها كثرةُ المصادر المعروفة وغيرِ المعروفة، يَسردُها بلا كلل ولا ملل، وكأنها كلّها كالخاتم في يده، أو السطورِ أمامَ عينيه، فينقلُ منها ما يريد، لدعم ما انتهى إلى تقريره بكل أمانة ودقة واستيفاء. وكثيرٌ من تلك المصادر التي يَنْقُلُ منها، ما سَمِعَ جِلَّةُ العلماء المشتغلين في العلم بأسمائها، فضلاً عن معرفتهم بذواتها وقراءتها، فلذا يكثرُ الجديدُ والمفيدُ في کل ما يكتبه. ٣٩ وإني لأتعجّبُ كيف نَقَل تلك النقول من مكامِنها، وهي في بطون الكتب البعيدة عن الأيدي والأنظار، التي لا فهارس لها ولا أدلةَ على مضامينها، وإني أتصور أنَّ بينه وبين تلك النقول شعاعاً مرشداً إليها ومغناطيساً دالاً عليها أصدَق الدلالة وأدقُّها. نعم الأمرُ كذلك في تصوري، وذلك الشعاع والمغناطيس هو الذُّهْنُ الفريدُ المتقد، العجيب، الذي أكرمه الله به، فهو يرشده إلى كل شاذة وفاذة في الباب، فتراهُ يُورِدُها في تأليفه دراكاً تباعاً، حتى كأنه قد استظهرها حفظاً، وتمثَّلها لفظاً. وقد صار طابَعُ الوَلُوع بالتحقيق والتدقيق، وترجيحِ الراجح وتضعيفِ الواهي في المسألة: عفوياً في حِجاه وسِمَةً بارزة في جميع كتبه ومؤلفاته، فقد أَلِفَ واستلذَّ التحقيق واستطعمه حتى صار طبعاً في خاطره وتفكيره، وأُوتَيَ الصبرَ عليه، على أنه لم يَسلم من الخطأ الذي ما تنزه عنه إلا الأنبياء الكرامُ عليهم الصلاة والسلام، الذين عصمهم الله تعالی بفضله وكرمه . وكنتُ في أول أمري لمَّا أُطالعُ في كتابه المتميز المفيد: ((الفوائد البهية في تراجم الحنفية))، وأراه يقول في تراجم من يترجمهم: (وقد طالعت من كتبه كتاب كذا، وكتاب كذا، وكتاب كذا). كنتُ أقول هذا القول على التجوُّز، أي أنه يتصفح الكتاب وينظر فيه بالإِجمال، لأن الكتب التي يذكر مطالعته لها كثيرةٌ جداً جداً، وبعضُها في مجلدات كبار، فهي إلى ندرة وجودها، وأنها من المخطوطات: واسعةٌ متسعة، لا يَصبرُ على قراءة الكتاب الواحد منها أمثالُنا! إلا إذا دَفَعَتْه إلى ذلك رغبة حُبٍّ وشوق، أو إلزام أتاه من فوق. فلما قرأتُ جملةً من كتبه، واستنرتُ بتأليفه ومداركه العالية عملًا بوصية شيخي الإِمام العلامة المحقن محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى، تبيَّن لي أن قوله: (طالعتُ من كتبه كتابَ كذا، وكتابَ كذا ... ): حقيقةٌ لا تجوُّزَ فيها، وأنها مطالعةُ العالم الذكي اللوذعي الذي يفهم ويعي، ويحفظ ما قرأ وطالع. ويكون ما قرأهُ من سنين بعيدة منصوباً بين عينيه، ففي كثير من المواضع والموضوعات، التي يكتبُ أو يؤلفُ فيها، تجدُهُ ينقلُ الكلمة القصيرة الصغيرة من الكتاب الطويل الكبير، فانبهرتُ من حَذَاقته وزكانته وشدةِ استيعابه للموضوع، الذي لا يصلُ إليه المطالعُ المَطَّلِعُ في مَظِنَّتِه إلا بصعوبة، تراهُ هو قد تناوله بسهولة ويُسر وانسجام . ٤٠ : :