Indexed OCR Text

Pages 261-280

التعليقات السلفية الجزء الخامس
٤٦ - الإيمان وشرائعه
باب : ٣ حديث : ٤٩٩١
وأن يحب في الله وأن يبغض في الله ، وأن توقد نار عظيمة فيقع فيها أحب إليه من أن
يشرك بالله شيئاً )).
٣ - حلاوة الإيمان
٤٩٩١ - أخبرنا سويد بن نصر قال : ثنا عبد الله ، عن شعبة ، عن قتادة قال :
سمعت أنس بن مالك يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ثلاثة، من كن فيه وجد
حلاوة الإيمان : من أحب المرء لا يحبه إلا لله عز وجل، ومن كان الله ورسوله أحب إليه مما
قوله: ((وأن يحب)) أي غير الله في الله، أي لأجله لا لأجل هواه (( وأن يبغض)) كل ما
يبغض (( في الله)) أي لأجله ، وهما جميعاً خصلة واحدة للزوم بينهما عادة ، وحاصل هذا هو أن يكون
الله تعالى عنده هو المحبوب بالكلية، وأن يكون النفس مفقوداً في جنب الله، فلا يراها أصلاً إلا لله ،
من حيث كونها عبداً له تعالى ، وعند ذلك يصير النفس وغيره سواء لوجود هذا القدر في الكل فينظر
إلى الكل بحد سواء، ولا يرجح النفس على الغير أصلاً، بل رجح القريب إلى الله بقدر قربه على نفسه ،
وحينئذ يظهر فيه آثار قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))
نعم ! هذا لا ينافي تقديم نفسه على غيره في الاتفاق وغيره ، لأجل أمر الله تعالى بذلك - س .
قال يحيى ابن معاذ : حقيقة الحب في الله : أن لا يزيد في البر ولا ينقص بالجفاء - زهر.
قوله: (( وأن توقد)) ظاهره أنه مبتدأ خبره ((أحب إليه) لكن عد الجملة من الخصال غي
مستقيم، فالوجه أن يقدر: أن يكون، ويجعل ((أن يوقد إلخ)) اسماً له و ((أحب) بالنصب خبراً، أي
وأن يكون إيقاد نار عظيمة فوقوعه فيها أحب إليه من الشرك ، أي أن يصير الشرك عنده لقوة اعتقاده
بجزائه الذي هو النار المؤبدة بمنزلة جزائه في الكراهة والنفرة عنه ، فكما أنه لو خير بين نار الآخرة ونار
الدنيا لاختار نار الدنيا ، كذلك لو خير بين الشرك وفار الدنيا لاختار نار الدنيا ، ومرجع هذا أن يصير
الغيب عنده من قوة الاعتقاد كالعيان ، كما روى عن علي ((لو كشفت الغطاء ما ازددت يقيناً)) ولا
يحفى أن من تكون عقيدته من القوة بهذا الوجه ومحبة الله تعالى بذلك الوجه فهو حقيق بأن يجد من لذة
الإيمان ما يجد - والله تعالى أعلم - س.
قوله : ((من أحب المرء)) تفصيل للموصفين بتلك الصفات الثلاث ، ليتبين به الصفات
٤٩٩١ - صحيح، انظر ما قبله - المزي: ١٢٥٥/٣٢٧/١.
٢٦١

التعليقات السلفية الجزء الخامس
٤٦ - الإيمان وشرائعه باب: ٤، ٥ حديث: ٤٩٩٢، ٤٩٩٣
سواهما ، ومن كان أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه)).
٤ - حلاوة الإسلام
٤٩٩٢ - أخبرنا على بن حجر قال : ثنا إسماعيل، عن حميد، عن أنس، عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإسلام : من كان
الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، ومن أحب المرء لا يحبه إلا الله ، ومن يكره أن يرجع
إلى الكفر كما يكره أن يلقى في النار )) .
٥ - باب نعت الإسلام
٤٩٩٣ - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال : ثنا النضر بن شميل قال : أخبرنا
كهمس بن الحسن قال : ثنا عبد الله بن بريدة ، عن يحيى بن يعمر ، أن عبد الله بن عمر
قال : حدثني عمر بن الخطاب قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات
يوم ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر
السفر ، ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسند
الثلاث ، والمراد : من المرء من يحبه من الناس يشمل نفسه وغيره - س .
قوله: ((يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه)) قيد على حسب وقته إذ الناس كانوا في
وقته أسلموا بعد سبق الكفر ، وهو كناية عن معنى : بعد أن رزقه الله الإسلام وهداه إليه ، والرجوع
على الأول على حقيقة ، وعلى الثاني كناية عن الدخول في الكفر ـ- س .
قال في فتح الباري (٦٢/١): الإنقاذ أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداء ، بأن يولد على
الإسلام ويستمر ، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ، كما وقع لكثير من الصحابة ، وعلى
الأول فيحمل قوله: ((يرجع)) على معنى الصيرورة بخلاف الثاني، فإن الرجوع فيه على ظاهره - ز .
قوله: ((ثلاث)) وفي بعض النسخ: ((ثلاثة)).
٤٩٩٢ - صحيح، انظر رقم ٤٩٩٠ _ المزي: ٣٩٨/١٧٨/١.
٤٩٩٣ - خ خلق أفعال العباد ٧٦، م الإيمان ١: ٣٦/١ - ٣٨، د السنة ١٧: ٧٠/٥ - ٧٣، ت الإيمان
٤ : ٦/٥، ق المقدمة ٩: ٢٤/١، حم: ٢٧/١، ٢٨، ٥١، ٥٢ _ المزي: ١٠٥٧٢/٧٤/٨.
٢٦٢

التعليقات السلفية الجزء الخامس
٤٦ - الإيمان وشرائعه
باب : ٥ حديث : ٤٩٩٣
ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع كفيه على فخذيه ، ثم قال : يا محمد ! أخبرني عن
الإسلام؟ قال: (( أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ، وتقيم الصلاة،
وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا)) قال : صدقت ،
فعجبنا له يسأله ويصدقه، ثم قال: أخبرني عن الإيمان؟ قال: ((أن تؤمن بالله ،
قوله : ووضع كفيه على فخذيه ، أي فخذي نفسه جالساً على هيئة المتعلم - كذا ذكره
النووي ، واختاره التوربشتي بأنه أقرب إلى التوفير وأشبه بسمت ذوي الأدب ، أو فخذي النبي صلى
الله عليه وسلم - ذكره البغوي وغيره، ويؤيده الموافقة لقوله: ((فأسند ركبتيه إلى ركبتيه)) ورجحه
ابن حجر بأن في رواية ابن خزيمة « ثم وضع يديه على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم» قال: والظاهر
أنه أراد بذلك المبالغة في تعمية أمره ليقوى الظن أنه من جفاة الأعراب ، قلت : وهذا الذي نقله من
رواية ابن خزيمة هو رواية المصنف في حديث أبي هريرة وأبي ذر والواقعة متحدة ۔۔ و الله تعالی أعلم -س.
قوله : يا محمد ! ، كراهة النداء باسمه صلى الله عليه وسلم في حق الناس لا في حق الملائكة ،
فلا إشكال في نداء جبريل بذلك على أن التعمية كانت مطلوبة ـ- س .
قوله : أخبرني عن الإسلام؟ ، وقع في رواية البخاري تقديم السؤال عن الإيمان ، وفي
الأخرى الابتداء بالإسلام ، ثم بالإحسان ، ثم بالإيمان ، قال الحافظ ابن حجر : ولا شك أن القصة
واحدة اختلف الرواة في تأديتها ، فالتقديم والتأخير وقع من الرواة - زهر .
قوله: ((أن تشهد إلخ)) حاصله أن الإسلام هو الأركان الخمسة الظاهرة ـ- س .
قوله : فعجبنا له يسأله ، والسؤال يقتضي الجهل بالمسئول عنه ((ويصدقه)) والتصديق هو
الخبر بأن هذا مطابق للواقع ، وهذا فرع معرفة الواقع والعلم به ليعرف مطابقة هذا له ــ س .
قال القرطبي : إنما عجبوا منه لأن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف إلا من جهته ،
وليس هذا السائل ممن عرف بلقاء النبي صلى الله عليه وسلم ولا بالسماع منه ، ثم هو يسأل سؤال
عارف بما يسأل عنه بأنه يخبر بأنه صادق فيه ، فتعجبوا من ذلك تعجب المستبعد لذلك - زهر .
قوله : له ، وفي بعض النسخ: (( إليه)).
قوله: ((أن تؤمن بالله)) أي تصدق، فالمراد به المعنى اللغوي والإيمان المسئول عنه الشرعي
فلا دور، وفي هذا التفسير إشارة إلى أن الفرق بين الإيمان الشرعي واللغوي بخصوص المتعلق في الشرعي،
وحاصل الجواب أن الإيمان هو الاعتقاد الباطني - س .
٢٦٣

التعليقات السلفية الجزء الخامس
٤٦ - الإيمان وشرائعه
باب : ٥ حديث : ٤٩٩٣
قال الطيبي: هذا يوهم التكرار، وليس كذلك، فإن قوله: ((أن تؤمن بالله )) مضمن معنى
(( أن تعترف به)) ولهذا عدّاه بالباء ، أي تصدق معترفاً بذلك ، وقال الكرماني : ليس هو تعريفاً للشئ
بنفسه ، بل المراد من المحدود الإيمان الشرعي ، ومن الحد الإيمان اللغوي - كذا في الزهر ؛ وفي عمدة
القاري (٣٣٧/١): احتج به من يدعي تغاير الإيمان والإسلام، ومع هذا تقدم أن الإسلام والإيمان
والدين عند البخاري عبارات عن معنى واحد ، وقال محي السنة : جعل النبي عليه الصلاة والسلام
الإسلام اسماً لما ظهر من الأعمال والإيمان اسماً لما بطن من الاعتقاد ، وليس ذلك ، لأن الأعمال ليست
من الإيمان ، أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام ، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شئ واحد ،
وجماعها الدين، ولهذا قال عليه السلام: (( أتاكم جبريل يعلمكم دينكم)) والتصديق والعمل يتناولهما
اسم الإيمان والإسلام جميعاً، وقال ابن الصلاح: ما في الحديث بيان لأصل الإيمان ، وهو التصديق
الباطن ، وأصل الإسلام ، وهو الاستسلام والانقياد الظاهر ، ثم اسم الإيمان يتناول ما فسر به الاسلام
وسائر الطاعات ، لكونها ثمرات للتصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان ، ولهذا فسر الإيمان في حديث
الوفد بما هو الإسلام ههنا ، واسم الإسلام يتناول أيضاً ما هو أصل الإيمان ، وهو التصديق الباطن ،
ويتناول الطاعات ، فإن ذلك كله استسلام - انتهى ما ذكره العيني.
وذكر شيخ الإسلام كلام ابن الصلاح هذا في كتاب الإيمان (١٤٦ ) وزاد فيه من كلامه «
فخرج مما ذكرناه وحققناه أن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان أن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم
مؤمنا)) قال : فهذا تحقيق واف بالتوفيق بين متفرقات النصوص الواردة في الإيمان والإسلام التي طال
ما غلط فيها الخائضون ، وما حققناه من ذلك موافق لمذاهب جماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم
- انتهى . وجمع الحافظ ابن رجب بين النصوص في جامع العلوم والحكم ( الحديث الثاني ) بنحو آخر،
فهاك ما نصه : إن من الأسماء ما يكون شاملاً لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه ، فإذا قرن ذلك
الاسم بغيره صار دالاً على بعض تلك المسميات ، والاسم المقرون به دال على باقيها ، وهذا كاسم
الفقير والمسكين ، فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج ، فإذا قرن أحدهما بالآخر دل أحد
الاسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات ، والآخر على باقيها ، فهكذا اسم الإسلام والإيمان ، إذا أفرد
أحدهما دخل فيه الآخر ، ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده ، فإذا قرن بينهما دل أحدهما
على بعض ما يدل عليه بانفراده ، ودل الآخر على الباقي - انتھی ؛ وهذا الجمع ثته بذلك شيخه ابن
٢٦٤

التعليقات السلفية الجزء الخامس
٤٦ - الإيمان وشرائعه
باب : ٥ حديث : ٤٩٩٣
وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر كله خيره وشره ،
قال : صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: ((أن تعبد الله كأنك
تيمية في مواضع من كتابه في الإيمان، وراجع المسئلة أيضاً في الخطابي (٣١٥/٤)، والفتح (١/
١١٥)، ولعل تحقيق شيخ الإسلام ابن تيمية أقرب إلى النصوص - والله تعالى أعلم.
قوله: ((وملائكته)) الإيمان بالملائكة هو التصديق بوجودهم ، وأنهم كما وصفهم الله عباد
مکرمون - زهر .
قوله: ((وكتبه)) الإيمان بكتب الله التصديق بأنها كلام الله ، وأن ما تضمنته حق - زهر .
قوله: ((واليوم الآخر)) قيل له ذلك لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة ، والمراد
بالإيمان به التصديق بما يقع فيه من الحساب والميزان والجنة والنار - زهر .
قوله : الإحسان ، أي الإحسان في العبادة ، أو الإحسان الذي حث الله تعالى عباده على
تحصيله في كتابه بقوله: ﴿ والله يحب المحسنين) - س. وفي الزهر: هو مصدر ((أحسنت كذا )) إذا
أتقنته ، وإحسان العبادة الإخلاص فيها والخشوع وفراغ البال حال التلبس بها ومراقبة المعبود .
قوله: ((أن تعبد الله كأنك تراه)) وأشار في الجواب إلى حالتين أرفعهما أن يغلب عليه
مشاهدة الحق بقلبه، حتى كأنه يراه بعينه، وهو قوله: ((كأنك تراه)) أي وهو يراك، والثانية أن
يستحضر أن الحق مطلع عليه يرى كل ما يعمل وهو قوله: ((فإنه يراك)) وهاتان الحالتان ثمرتهما معرفة
الله تعالى وخشيته ، وقال النووي : معناه أنك إنما تراعي الآداب المذكورة إذا كنت تراه يراك لكونه
يراك، لا لكونه تراه، فهو دائماً يراك، فأحسن عبادته وإن لم تره، فتقدير الحديث: ((فإن لم تكن
تراه» فاستمر على إحسان العبادة ((فإنه يراك)) وأقدم بعض غلاة الصوفية على تأويل الحديث بغير
علم فقال : فيه إشارة إلى مقام المحو والفناء ، وتقديره : فإن لم تكن أي فإن لم تصر شيئا وفنيت عن
نفسك حتى كأنك ليس بموجود فإنك حينئذ تراه ، وغفل قائل هذا _ للجهل بالعربية - عن أنه لو
كان المراد ما زعم لكان قوله: ((تراه )) محذوف الألف لأنه يصير مجزوماً لكونه علی زعمه جواب
الشرط، ولم يرو في شئ من طرق هذا الحديث بحذف الألف، ومن ادعى أن إثباتها في الفعل المجزوم على
خلاف القياس فلا يصار إليه إذ لا ضرورة هنا، وأيضاً لو كان ما ادعاه صحيحاً لكان قوله: ((فإنه
يراك)) ضائعاً، لأنه لا ارتباط له بما قبله، ومما يفسد تأويله رواية ((فإنك أن لا تراه فإنه يراك)) فسلط
النفي على الرؤية، لا على الكون الذي حمل على ارتكاب التأويل المذكور - كذا في الفتح (١٢٠/١).
٢٦٥

التعليقات السلفية الجزء الخامس
٤٦ - الإيمان وشرائعه
باب : ٥ حديث : ٤٩٩٣
تراه ، فإن لم تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: (( ما المسئول عنها
بأعلم بها من السائل)) قال: فأخبرني عن أمارتها؟ قال: ((أن تلد الأمة ربتها،
قوله: ((كأنك تراه)) صفة مصدر محذوف ، أي عبادة كأنك فيها تراه ، أو حال ، أي
والحال كأنك تراه وليس المقصود على تقدير الحالية أن ينتظر بالعبادة تلك الحال فلا يعبد قبل تلك
الحال، بل المقصود تحصيل تلك الحال في العبادة، والحاصل أن الإحسان هو مراعاة الخشوع والخضوع،
وما في معناهما في العبادة على وجه راعاه لو كان رائياً ، ولا شك أنه لو كان رانياً حال العبادة لما ترك
ما قدر عليه من الخشوع وغيره ، ولا منشأ لتلك المراعاة حال كونه رائياً إلا كونه تعالى رقيباً عاماً
مطلعاً على حاله ، وهذا موجود وإن لم يكن العبد يراه تعالى، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في
تعليله: (فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) أي وهو يكفي في مراعاة الخشوع بذلك الوجه، ((فإن)) على
هذا وصلية ، لا شرطية ، والكلام بمنزلة : فإنك وإن لم تكن تراه فإنه يراك - فليفهم - س .
قوله : عن الساعة ، أي متى تقوم - زهر .
قوله : ((ما المسئول عنها بأعلم من السائل)) عدل عن قوله: لست بأعلم بها منك إلى
لفظ يشعر بالتعميم تعريضاً للسامعين ، أي إن كل مسئول وكل سائل فهو كذلك ـــ زهر ؛ أي هما
متساويان في عدم العلم - س .
قوله: (( أن تلد الأمة ربتها)) اختلف العلماء في معنى ذلك فقال الخطابي : معناه اتساع
الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الشرك وسبى ذراريهم ، فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها كان
الولد منها بمنزلة ربها ، لأنه ولد سيدها ؛ قال النووي وغيره : هذا قول الأكثرين ؛ قال الحافظ ابن
حجر : لكن في كونه المراد نظر ، لأن استيلاد الإماء كان موجوداً حين المقابلة والاستيلاء على بلاد
الشرك وسبي ذراريهم واتخاذهم سراري كان أكثره في صدر الإسلام ، وسياق الكلام يقتضي الإشارة
إلى وقوع ما لم يقع مما سيقع قرب قيام الساعة ، وقيل : معناه أن تبيع السادة أمهات أولادهم ويكثر
ذلك فيتداول الملاك المستولدة حتى يشتريها ولدها ، وعلى هذا الذي يكون من الأشراط غلبة الجهل
بتحريم أمهات الأولاد والاستهانة بالأحكام الشرعية ، وقيل : معناه أن يكثر العقوق في الأولاد ،
فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة بالسب والضرب والاستخدام، فأطلق عليه ((ربها))
مجازاً لذلك ، أو المراد بالرب المربي ، فيكون حقيقة ؛ قال الحافظ ابن حجر : وهذا الوجه أوجه عندي
لعمومه وتحصيله الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور ، بحيث يصير المربي مربیاً
٢٦٦

التعليقات السلفية الجزء الخامس
٤٦ _ الإيمان وشرائعه
باب : ٦ حديث : ٤٩٩٤
وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان)) قال: عمر : فلبث ثلاثاً ،
ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا عمر ! هل تدري من السائل؟)) قلت :
الله ورسوله أعلم، قال: (( فإنه جبريل عليه السلام ، أتاكم ليعلمكم أمر دينكم)) .
٦ - صفة الإيمان والإسلام
٤٩٩٤ - أخبرنا محمد بن قدامة ، عن جرير ، عن أبي فروة ، عن أبي زرعة ،
والسافل عالياً ، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى : أن يصير الحفاة العراة ملوك الأرض - ز .
((أن تلد الأمة ربتها)) أي أن تحكم البنت على الأم من كثرة العقوق حكم السيدة على أمها ،
ولما كان العقوق في النساء أكثر خصت البنت والأمة بالذكر، وقد ذكروا وجوهاً أخر في معناه - س.
قوله: ((الحفاة العراة)) كل منهما بضم الأول - س. أي الحفاة جمع حاف ، أي غير
منتعل ، والعراة جمع عار ، أي المجرد عن الثياب - ح .
قوله: ((العالة)) جمع عائل ، بمعنى الفقير - س.
قوله: ((رعاء الشاء )) كل منهما بالمد ، والأول بكسر الراء ، والمراد الأعراب وأصحاب
البوادي -- س .
قال في النهاية، الرعاء؛ بالكسر والمد جمع راعي الغنم، وقد يجمع على ((رعاة)» بالضم -ز.
قوله: ((الشاء)) الشاة: الواحدة من الغنم للذكر والأنثى ، والجمع شاء ، أصله شاه وشياه
وشواه وأشارہ _ کذا في القاموس - ح .
قوله : « يتطاولون » بكثرة المال - س .
قوله : ثلاثاً ، قال الحافظ ابن حجر : ادعى بعضهم في هذه الكلمة التصحيف ، وأنها
(فلبثت ملياً )) صغرت ميمها، فأشبهت (ثلاثاً)) لأنها تكتب بلا ألف ، قال : هذه الدعوى مردودة ،
فإن في رواية أبي عوانة « فلبثنا ليالي ، فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث)) ولابن حبان
(١٩٦/١) ((بعد ثلاثة)) ولابن منده (( بعد ثلاثة أيام »- ز . ثلاثاً ، أي ثلاث ليال ، وقد جاء هذا
في روايات كثيرة، وهو بيان لقوله: ((فلبثت ملياً)) أي زماناً طويلاً - والله تعالى أعلم - س.
قوله : صفة الإيمان ، والإيمان قد قدمنا آنفاً ما قيل في ترادفهما وتباينهما .
٤٩٩٤ - د السنة ١٧ : ٧٤/٥ - مختصراً، وعن حديث أبي هريرة وحده أخرجه خ الإيمان ٣٧: ١/ =
٢٦٧

التعليقات السلفية الجزء الخامس
٤٦ _ الإيمان وشرائعه
باب : ٦ حديث : ٤٩٩٤
عن أبي هريرة وأبي ذر قالا : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهراني
أصحابه ، فيجئ الغريب ، فلا يدري أيهم هو حتى يسأل ، فطلبنا إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم أن نجعل له مجلساً يعرفه الغريب إذا أتاه ، فبنينا له دكاناً من طين كان يجلس
عليه ، وإنا لجلوس ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلسه ، إذ أقبل رجل أحسن
الناس وجهاً ، وأطيب الناس ريحاً ، كأن ثيابه لم يمسها دنس ، حتى سلم في طرف البساط
فقال : السلام عليك يا محمد ! فرد عليه السلام، قال : ادنو يا محمد ! قال : ادنه ،
فما زال يقول : أدنو ، مراراً ويقول له : ادن ، حتى وضع يده على ركبتي رسول
الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا محمد! أخبرني ما الإسلام؟ قال: ((الاسلام أن
تعبد الله ولا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتحج البيت ، وتصوم
رمضان)) قال: إذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: ((نعم)) قال : صدقت ، فلما
قوله : دکاناً ، الدکان کـ « الرمان)) الحانوت ، والجمع دکا کین ، معرب ـ- قاموس .
قوله : إنا لجلوس ، جمع جالس ، كالقعود ، أو هو من إطلاق المصدر موضع الجمع - س .
قوله : حتى سلم من طرف السماط ، السماط بكسر السين : الصف من الناس ، وفي بعض
النسخ: ((حتى سلم في طرف البساط )) وهذا يدل على أنهم فرشوا له صلى الله عليه وسلم
بساطاً - س .
قوله : ادنو، صيغة المتكلم من ((الدنو)) بمعنى القرب، وهمزة الاستفهام مقدرة ـــ س .
قوله : ادنه ، بسكون الهاء للسكتة ۔ -- س .
قوله: (( أن تعبد الله)) أي توحده بلسانه على وجه يعتد به ، فشمل الشهادتين ، فوافق
هذه الرواية رواية عمر، وكذا حديث ((بني الإسلام على خمس)) وجملة ((ولا تشرك به شيئا))
للتأکید - س.
قوله : إذا فعلت ، على صيغة المتكلم ـ- س .
١١٤، وتفسير لقمان ٢: ٥١٣/٨، وم الإيمان ١ : ٤٠/١، وق المقدمة ٩: ٢٥/١، وحم :
٤٢٦/٢ - المزي: ١٢٠٠٢/١٩٣/٩.
٢٦٨

التعليقات السلفية الجزء الخامس
٤٦ - الإيمان وشرائعه
باب : ٦ حديث : ٤٩٩٤
سمعنا قول الرجل : صدقت ، أنكرناه ، قال: يا محمد ! أخبرني ما الإيمان ؟ قال :
((الإيمان بالله، وملائكته، والكتاب، والنبيين، وتؤمن بالقدر)) قال: فإذا فعلت
ذلك فقد آمنت ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعم)) قال : صدقت ،
قال: يا محمد! أخبرني ما الإحسان؟ قال: (( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم
تكن تراه فإنه يراك)) قال : صدقت ، قال : يا محمد ! أخبرني متى الساعة ؟ قال :
فنكس فلم يجبه شيئا ، ثم أعاد ، فلم يجبه شيئاً ، ثم أعاد فلم يجبه شيئاً ، ورفع رأسه
فقال: (( ما المسئول عنها بأعلم من السائل ، ولكن لها علامات تعرف بها : إذا رأيت
الرعاء البهم يتطاولون في البنيان ، ورأيت الحفاة العراة ملوك الأرض ، ورأيت المرأة تلد
ربها ، خمس لا يعلمها إلا الله، إن الله عنده علم الساعة)) [ تلا ١] ﴿إن الله عليم خبير
- لقمان: ٣٤ -) ثم قال: ((لا والذي بعث محمداً بالحق هدى وبشيراً ما كنت بأعلم به
قوله : أنكرناه ، استبعدنا كلامه وقلنا : إنه سائل ومصدق ، وبين الوصفين تناقض - س.
قوله: ((الإيمان بالله)) أي التصديق بوحدانيته ، فالمراد به المعنى اللغوي كما تقدمـ- س .
قوله: ((وتؤمن بالقدر)) الظاهر أنه من عطف الفعل على الاسم الصريح ، والنصب في مثله
أحسن - س .
قوله : فنكس ، أي طأطأ رأسه ، أي خفضه ـ- س .
قوله: ((البهم)) بضمتين ، نعمت للرعاء ، أي السود ، وقيل : جمع بهيم بمعنى المجهول الذي
لا يعرف ، ومنه ((أبهم الأمر)) إذا لم تعرف حقيقته، وقيل: أي الفقراء الذين لا شئ لهم، وعلى هذا
فهم رعاء لإبل الغير ، لإبلهم ، إذ المفروض أنه لا شئ لهم ، وقد يقال : من يملك قدر القوت على وجه
الضيق لا يسمى غنياً ، ولا يوصف بأن عنده شيئاً ، فلا إشكال ، وقد جاء في بعض روايات الحديث
((رعاء الإبل والبهم)) بفتح باء وسكون هاء ، هي الصغار من أولاد الضأن والمعز - س.
قوله: خمس لا يعلمها ، دليل على قوله: ((ها المسئول عنها أعلم من السائل )) - س.
قوله : ثم قال ، أي للناس الجالسين عنده بعد أن خرج الرجل من المجلس - س .
١ - ما بين المعقوفتين غير موجود في بعض النسخ .
٢٦٩

التعليقات السلفية الجزء الخامس
٤٦ - الإيمان وشرائعه
باب : ٧ حديث : ٤٩٩٥
من رجل منكم ، وإنه لجبريل عليه السلام نزل)) [ في صورة دحية الكلبي ] .
٧ - تأويل قول الله عز وجل: ﴿قالت الأعراب آمنا
قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا - الحجرات : ١٤ - ﴾
٤٩٩٥ - أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد - وهو ابن ثور - قال
معمر : وأخبرني الزهري ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه قال : أعطى النبي
صلى الله عليه وسلم رجالاً ، ولم يعط رجلاً منهم شيئاً، قال سعد: يا رسول الله ! أعطيت
قوله: في صورة دحية الكلبي ، قال الحافظ بن حجر: قوله: ((نزل في صورة دحية))
وهم ، لأن دحية معروف عندهم ، وقد قال عمر: ما يعرفه منا أحد ، وقد أخرجه محمد بن نصر
المروزي في كتاب الإيمان من الوجه الذ أخرجه منه النسائي فقال في آخره: ((وإنه جبريل جاء ليعلمكم
دينكم)) حسب ، وهذه الرواية هي المحفوظة لموافقتها باقي الروايات ــ زهر. قلت: كونه في صورة
دحية لا يقتضي أن لا يمتاز عنه بشئ أصلاً ، سيما الامتياز بالأمور الخارجة ، فيجوز أنه ظهر لهم ببعض
القرائن الخارجة بل الداخلة الخفية أنه غير دحية ، فلا وجه لتوهيم الرواة بما ذكر - فليتأمل - س.
قوله : دحية ، بكسر دال وسكون مهملة وبمثناة تحت ، وعند ابن ماكولا : بفتح دال -
مغني . كان من أجمل الناس - منتهى الأرب .
قوله : تأويل إلخ ، هذا الإسلام الذي نفى الله عن أهله دخول الإيمان في قلوبهم هل هو
إسلام يثابون عليه ، أم هو من جنس إسلام المنافقين ؟ فيه قولان مشهوران السلف والخلف ، أحدهما
أنه إسلام يثابون عليه ، ويخرجهم من الكفر والنفاق ، وهذا مروي عن الحسن وابن سيرين والنخعي ،
وهو قول حماد بن زيد وأحمد بن حنبل ، وكثير من أهل الحديث والسنة : والقول الثاني : أن هذا
الإسلام هو الاستسلام خوف السبي والقتل مثل إسلام المنافقين ، قالوا : وهؤلاء كفار ، فإن الإيمان لم
يدخل في قلوبهم ، ومن لم يدخل الإيمان في قلبه فهو كافر ، وهذا اختيار البخاري ومحمد بن نصر -
كذا في كتاب الإيمان (٩٤، ٩٥)، والأول اختيار ابن جرير وابن كثير، وعزاه إلى ابن عباس ،
وهو الذي حققه ابن تيمية في مواضع من كتاب الإيمان وغيره وصنيع المصنف أيضاً يرشد إليه - والله أعلم.
٤٩٩٥ - خ الإيمان ١٩: ٧٥/١، والزكاة ٥٣ : ٣٤٠/٣، م الإيمان ٦٧: ١٣٢/١، والزكاة ٤٥ :
٧٣٢/٢، دالسنة ١٦ : ٦١/٥، ٦٢ - المزي: ٣٨٩١/٢٩٧/٣.
٢٧٠

التعليقات السلفية الجزء الخامس
٤٦ _ الإيمان وشرائعه
باب : ٧ حديث : ٤٩٩٦
فلاناً وفلاناً ، ولم تعط فلاناً شيئاً، وهو مؤمن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أو
مسلم؟ )) حتى أعادها سعد ثلاثاً، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((أو مسلم؟)) ثم
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني لأعطي رجالاً وأدع من هو أحب إليّ منهم ، لا
أعطيه شيئاً مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم)» .
٤٩٩٦ - أخبرنا عمرو بن منصور قال : ثنا هشام بن عبد الملك قال: ثنا سلام
ابن أبي مطيع قال : سمعت معمراً ، عن الزهري ، عن عامر بن سعد ، عن سعد أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قسم قسماً ، فأعطى ناساً ومنع آخرين ، فقلت : يا رسول الله !
أعطيت فلاناً [وفلانا١ً]، ومنعت فلاناً، وهو مؤمن، قال: ((لا تقل: مؤمن، وقل :
مسلم)) - قال ابن شهاب: ﴿قالت الأعراب آمنا﴾.
قوله: ((أو مسلم؟)) بسكون الواو، وكأنه أرشده صلى الله عليه وسلم إلى أنه لا يجزم
بالإيمان لأنه محله القلب ، فلا يظهر ، وإنما الذي يجزم به هو الإسلام لظهوره، فقال: أو ((مسلم)) أي
قل : أو مسلم على الترديد ، أو المعنى ، أو قل : مسلم بطريق الجزم بالإسلام ، والسكوت عن الإيمان
بناء على أن كلمة ((أو)) إما للترديد، أو بمعنى ((بل)) والرواية الآتية تؤيد الوجه الثاني، وعلى
الوجهين يرد أنه لا وجه لإعادة سعد القول بالجزم بالإيمان لأنه يتضمن الإعراض عن إرشاده صلى الله
عليه وسلم ، فكأنه لغلبة ظن سعد فيه بالخير ، أو لشغل قلبه بالأمر الذي كان فيه ما تنبه للإرشاد -
والله تعالى أعلم - س .
قوله: ((يكبوا)) أي أولئك الذين أعطيهم - س. و((يكبوا)) على بناء المفعول من ((كببته))
فأكب إذا ألقيته على وجهه ، وقلبته - والله أعلم - ح .
قوله: ((في النار)) أي مخافة أن يرتدوا لضعف إيمانهم إن لم أعطهم ، أو يتكلموا بما لا يليق
فسقطوا في النار - س .
قوله : سلام بن أبي مطيع ، بتشديد اللام ، كذا في المغني - ح .
٤٩٩٦ - صحيح ، انظر ما قبله .
١ - ما بين المعقوفتين غير موجود في بعض النسخ.
٢٧١

التعليقات السلفية الجزء الخامس
٤٦ - الإيمان وشرائعه باب: ٨، ٩ حديث : ٤٩٩٧ - ٤٩٩٩
٤٩٩٧ - أخبرنا قتيبة قال : ثنا حماد ، عن عمرو، عن نافع بن جبير بن مطعم ،
عن بشر بن سحيم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن ينادي أيام التشريق: ((أنه لا
يدخل الجنة - يعني - إلا مؤمن، وهي أيام أكل وشرب)).
٨ - صفة المؤمن
٤٩٩٨ - أخبرنا قتيبة قال: ثنا الليث ، عن ابن عجلان ، عن القعقاع بن
حكيم عن أبي صالح ، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((المسلم
من سلم الناس من لسانه ويده ، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم)).
٩ - صفة المسلم
٤٩٩٩ - أخبرنا عمرو بن علي قال: ثنا يحيى ، عن إسماعيل ، عن عامر ،
عن عبد الله بن عمرو قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
قوله : بشر بن سحيم ، الأول بكسر الأول ، والثاني بضمه ، مصغراً - المغني .
قوله: ((لا يدخل الجنة)) أي من بين المسلمين ، أو من بين الناس - س. والمراد أنه لا
يدخل الجنة دخولاً أولياً من كان مؤمناً، الكامل إيمانه، وهو الذي يطلق عليه اسم المؤمن - والله أعلم.
قوله: ((إلا مؤمن)) وفيه أن الإسلام بلا إيمان لا ينفع في دخول دار السلام - والله
تعالى أعلم - س .
قوله: ((المسلم من سلم الناس من لسانه ويده )) قيل: الألف واللام فيه للكمال نحو
((زيد الرجل)) أي الكامل في الرجولية ، قال الخطابي: المراد أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق
الله تعالى أداء حقوق الناس ، وقال غيره : يحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى حسن معاملة العبد
مع ربه لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه فأولى أن يحسن معاملة ربه ، من التنبيه بالأدنى على الأعلى - ز .
٤٩٩٧ - صحيح، ق الصيام ٣٥: ٥٤٨/١ - المزي: ٢٠١٩/٩٧/٢ .
٤٩٩٨ - حسن صحيح، ت الإيمان ١٢: ١٧/٥، حم: ٣٧٩/٢ - المزي: ١٢٨٦٤/٤٤٣/٩.
٤٩٩٩ - خ الإيمان ٤: ٥٣/١، والرقاق ٢٦: ٣١٦/١١، م الإيمان ١٤: ٦٥/١، د الجهاد ٢ : ٩/٣،
حم : ١٦٣/٢، ١٩٢، ١٩٥، ٢٠٣، ٢٠٥، ٢٠٩، ٢١٢ _ المزي: ٨٨٣٤/٣٤٥/٦.
٢٧٢

التعليقات السلفية الجزء الخامس
٤٦ - الإيمان وشرائعه
باب: ٩ حديث : ٥٠٠٠
((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) .
٥٠٠٠ - أخبرنا حفص بن عمر قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن منصور
ابن سعد ، عن ميمون بن سياه ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا، فذلكم المسلم)).
قوله: ((المسلم)) المراد به الكامل في الإسلام، والمراد بقوله: ((من سلم المسلمون)) من لا
يؤذي أحداً بوجه من الوجوه، لا باليد ولا باللسان، وإجراء الحدود والتعزير وما يستحقه المرء إصلاح
أو طلب للحق لا إيذاء شرعاً، والمقصود أن الكمال في الإسلام لا يتحقق بدون هذا، ولا يكون المرء
بدون هذا الوصف مؤمناً كاملاً ، لا أنه إذا تحقق هذا الوصف تحقق هذا الكمال في الإسلام ، وإن كان
مع ترك الصلاة ونحوها ، لجواز عموم المحمول من الموضوع، ومثله قوله: ((والمؤمن)) - والله تعالى
أعلم - س .
قوله : سياه ، بكسر المهملة وتخفيف التحتانية ثم هاء منونة ، ويجوز ترك صرفه، وهو
فارسي معناه الأسود ، وقيل : عربي - كذا في الفتح .
قوله: (( من صلى صلاتنا إلخ)) أي من أظهر شعائر الإسلام، وقد تقدم الحديث ــ س ؛
يعني في أول المحاربة ( برقم ٣٩٧٣ ) ، وسيأتي أيضاً تحت عنوان على ما يقاتل الناس ( برقم ٥٠٠٦ )
وهو كالتفسير لهذا، قال العيني في العمدة (٢٩٩/٢): فإن قلت جاء عن أبي هريرة: ((أمرت أن
أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها)) وجاء عن
ابن عمر ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، فإذا
قالوها عصموا مني )) الحديث ، وجاء عن أنس المذكور في هذا الباب فما التوفيق بين هذه الروايات
الثلاث ؟ قلت : إنما اختلفت هذه الألفاظ فزادت ونقصت لاختلاف الأحوال والأوقات التي وقعت
هذه الأقوال ، وكانت أمور الشريعة تشرع شيئاً فشيئاً ، فخرج كل قول فيها على شرط المفروض في
حينه ، فصار كل منها في زمانه شرطاً لحقن الدم وحرمة المال - انتهى ؛
والذي يظهر - والله أعلم - أن فحوى الحديث لبيان التمايز بين المسلمين ويهود ذلك
الزمان ، فإنهم كانوا يأنفون عن ذبيحة المسلمين وقبلتهم تعصباً لبيت المقدس ، ويزعمون أنها قبلة قومية
٥٠٠٠ - خ الصلاة ٢٨: ٤٩٦/١، ٤٩٧، وانظر رقم ٣٩٧٣ _ المزي: ١٦٢٠/٤١٥/١.
٢٧٣

التعليقات السلفية الجزء الخامس
٤٦ - الإيمان وشرائعه
باب : ٩ حديث : ٥٠٠٠
لهم، ويؤيد هذا كلام العلامة الطبي الذي ذكره العيني في العمدة (٢٩٦/٦) حيث قرر إجراء الكلام على
اليهود، لأنهم خصوصاً يمتنعون من أكل ذبيحة المسلمين، وهم الذين حين تحولت القبلة شنعوا بقولهم :
﴿ ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ انتهى؛ وقال في الفتح (٤٩٧/١): وحكمة الاقتصار على ما
ذكر من الأفعال أن من يقر بالتوحيد من أهل الكتاب وإن صلوا واستقبلوا وذبحوا لكنهم لايصلون
مثل صلاتنا، ولا يستقبلون قبلتنا، ومنهم من يذبح لغير الله ومنهم من لا يأكل ذبيحتنا، والإطلاع على
حال المرء في صلاته وأكله يمكن بسرعة في أول يوم ، بخلاف غير ذلك من أمور الدين - انتهى .
والحاصل أنه ليس المقصود أن من توجد فيه تلك الأمور الثلاثة فقط يحكم عليه بالإسلام ،
وإن أنكر سائر الدين أو ضرورياته ، وليست شعرى ! كيف يكون مسلماً من يفعل هذه الأمور الثلاثة
ثم يعتقد أموراً مناقضة لتوحيد الله تعالى وعبادته ، أو ادعى النبوة ، أو اعتقد إجراء النبوة بعد النبي
صلى الله عليه وسلم ، أو جحد أركان الإسلام ، أو أنكر الثابتة بتواتر الأمة ، أو أنكر كون حديث
النبي وسنته حجة في الدين ، أو سب الله ورسوله ، أو تأول القرآن تأويلا غير سائغ في الدين واللغة
العربية ، ونحو ذلك مما ثبتت بالنصوص الصحيحة الصريحة وإجماع الأمة ، قال العلامة الشاه ولي الله
في المسوى (١٣٠/٢): إن المخالف للدين الحق إن لم يعترف به ولم يذعن له لا ظاهراً ولا باطناً فهو
كافر ، وإن اعترف بلسانه وقلبه على الكفر فهو المنافق ، وإن اعترف به ظاهراً لكنه يفسر بعض ما
ثبت من الدين ضرورة بخلاف ما فسره الصحابة والتابعون واجتمعت عليه الأمة فهو الزنديق ، كما
اعترف بأن القرآن حق ، وما فيه من ذكر الجنة والنار حق ، لكن المراد بالجنة الابتهاج الذي يحصل
بسبب الملكات المحمودة ، والمراد بالنار هي الندامة التي تحصل بسبب الملكات المذمومة ، وليس في
الخارج جنة ، ولا نار ، فهو الزنديق ، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أولئك الذين نهاني الله عنهم في
المنافقين )) دون الزنادقة، ثم التأويل تأويلان: تأويل لا يخالف قاطعاً من الكتاب والسنة واتفاق الأمة ،
وتأويل يصادم ما ثبت بقاطع ، فذلك الزندقة ، فكل من أنكر رؤية الله تعالى يوم القيامة ، أو أنكر
عذاب القبر ، أو سؤال المنكر والنكير ، أو أنكر الصراط والحساب ، سواء قال : لا أثق بهؤلاء الرواة
أو قال : أثق بهم ، لكن الحديث مأوّل ، ثم ذكر تأويلاً فاسداً لم يسمع من قبله فهو الزنديق ، وكذلك
هن قال في الشيخين أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - مثلاً، ليسا من أهل الجنة ، مع تواتر
الحديث في بشارتهما ، أو قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم خاتم النبوة ، لكن معنى هذا الكلام أنه
٢٧٤

التعليقات السلفية الجزء الخامس
٤٦ - الإيمان وشرائعه
باب: ١٠ حديث : ٥٠٠١
مسجد
١٠ - حسن إسلام المرء
٥٠٠١ - أخبرني أحمد بن المعلى بن يزيد قال : ثنا صفوان بن صالح
قال : ثنا الوليد قال : ثنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن
أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أسلم
العبد فحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة كان أزلفها ، ومحيت عنه كل
سيئة كان أزلفها ، ثم كان بعد ذلك القصاص : الحسنة بعشرة أمثالها
لا يجوز أن يسمي بعده أحد بالني ، وأما معنى النبوة وهو كون الانسان مبعوثاً من الله تعالى إلى الخلق
مفترض الطاعة معصوماً من الذنوب ، ومن البقاء على الخطأ فيما يرى فهو موجود في الأئمة بعده ،
فذلك هو الزنديق ، وقد أقضى جماهير المتأخرين من الحنفية والشافعية على قتل من يجري هذه المجرى
- والله تعالى أعلم - انتھی .
قوله: ((فحسن إسلامه)) بضم سين مخففة، أي صارحسناً بمواطأة الظاهر الباطن ، ويمكن
تشديد السين ليوافق رواية (( أحسن أحدكم إسلامه)) أي جعله حسناً بالمواطأة المذكورة ـ- س .
قوله: ((أزلفها)) أي أسلفها وقدمها، يقال: زلّف وزلف ((مشدداً ومخففاً)) بمعنى واحد ،
وهذا الحديث يدل على أن حسنات الكافر موقوفة ، إن أسلم تقبل وإلا ترد ، لامردودة ، وعلى هذا
فنحو قوله تعالى: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب ﴾ محمول على من مات على الكفر ، والظاهر أنه
لا دليل على خلافه، وفضل الله أوسع من هذا وأكثر، فلا استبعاد فيه، وحديث («الإيمان يجب ما
قبله من الخطايا ،» في السیئات لا في الحسنات ـ- س .
قال في المحكم: أزلف الشئ وزلفه مخففاً ومثقلاً، قربه، وفي الجامع: الزلفة تكون في الخير
والشر، وقال في المشارق : زلف بالتخفيف ، أي جمع وكسب ، وهذا يشمل الأمرين ، وأما القربة فلا
تكون إلا في الخير - زهر .
قوله: ((القصاص)) بالرفع، اسم ((كان)) أي المماثلة الشرعية وضعها الله تعالى فضلاً منه
ولطفا ، لا العقلية ، وجملة : الحسنة إلخ ، بيان لذلك القصاص ، ونعم القصاص هذا القصاص ما أكرمه
سبحانه وتعالى - س .
٥٠٠١ - صحيح، خ الإيمان ٣١: ٩٨/١ - تعليقاً على مالك به - المزي: ٤١٧٥/٤١٠/٣.
٢٧٥

التعليقات السلفية الجزء الخامس
٤٦ - الإيمان وشرائعه باب: ١١، ١٢ حديث: ٥٠٠٣،٥٠٠٢
إلى سبعمائة ضعف ، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عز وجل عنها)).
١١ - أيّ الإسلام أفضل ؟
٥٠٠٢ - أخبرنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، عن أبيه، قال : ثنا أبو بردة
- وهو بريد بن عبد الله بن أبي بردة ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى قال : قلت : يا
رسول الله ! أي الإسلام أفضل؟ قال: ((من سلم المسلمون من لسانه ويده)) .
١٢ - أي الإسلام خير ؟
٥٠٠٣ - أخبرنا قتيبة قال: ثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير،
عن عبد الله بن عمرو أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الإسلام خير ؟
قال: ((تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)).
قوله: ((إلى سبعمائة ضعف)) متعلق بمقدر ، أي منتهية - زهر .
قوله: ((إلا أن يتجاوز الله عز وجل عنها)) زاد سمويه في فوائده (( إلا أن يغفر الله وهو
الغفور)» - زهر .
قوله : قلت ، وفي بعض النسخ : قلنا .
قوله: ((أي الإسلام؟)) قيل: تقديره، أي ذوي الإسلام ، كما يدل عليه الجواب، ويوافقه
رواية مسلم (( أي المسلمين أفضل؟)) وبه ظهر دخول ((أي)) على المتعدد ، ويمكن أن يقال: المراد :
أيّ أفراد الإسلام أفضل، ومعنى ((من سلم)» إلخ ، أي إسلام من سلم - والله تعالى أعلم - س.
قوله : أي الإسلام خير ؟ ، أي أي خصاله وأعماله خیر، أي کثیر النفع للغیر وسبب لإرضائه ـ-س.
قوله: ((تطعم الطعام)) هو في تقدير المصدر: أي إطعام الطعام، ومثله ((تسمع بالمعيدي خير))- س.
قوله: ((وتقرأ السلام)) مضارع ((قرأ)) أي تقول: قال أبو حاتم السجستاني، تقول: ((أقرأ
٥٠٠٢ - خ الإيمان ٥: ٥٤/١، م فيه ١٤: ٦٦/١، ت القيامة ٥٢ = الزهد ١١١ : ٦٦١/٤ _ المزي:
٩٠٤١/٤٣٧/٦
٥٠٠٣ _ خ الإيمان ٦، ٢٠: ٥٥/١، ٨٢، والاستئذان ٩: ٢١/١١، م الإيمان ١٤: ٦٥/١، د الأدب
١٤٢: ٣٧٩/٥، ق الأطعمة ١ : ١٠٨٣/٢، حم: ١٦٩/٢ _ المزي: ٨٩٢٧/٣٧٩/٦.
٢٧٦

التعليقات السلفية الجزء الخامس
٤٦ - الإيمان وشرائعه
باب : ١٣ حديث : ٥٠٠٤
١٣ - على كم بني الإسلام ؟
٥٠٠٤ - أخبرنا محمد بن عبد الله بن عمار قال : ثنا المعافى - يعني ابن
عمران - عن حنظلة بن أبي سفيان ، عن عكرمة بن خالد ، عن ابن عمر أن رجلاً
علیه السلام)» ولا تقول: «أقرنه السلام» فإن کان مکتوباً ( اقرئه السلام)» أي اجعلہ يقرؤہ ـ- س.
قوله : على كم بني الإسلام ؟ إنما خص الخمسة بالركنية لأنها أشهر عبادات البشر ، وليست
ملة من الملل إلا قد أخذت بها والتزمتها ، كاليهود والنصارى والمجوس ، وبقية العرب على اختلافهم
في أوضاع أدائها ، ولأن فيها ما يكفي عن غيرها ، وليس في غيرها ما يكفي عنها - قاله في الحجة
(١٦٤/١): ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام جيد في حكمة بناء الإسلام على خمس في كتاب الإيمان
(١٠٦)، قال فيه : والتحقيق أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الدين الذي هو استسلام العبد لربه
مطلقاً ، الذي يجب الله عبادة محضة على الأعيان ، فيجب على كل من كان قادراً عليه ليعبد الله بها
مخلصاً له الدين ، وهذه هي الخمس ، وما سوى ذلك فإنما يجب بأسباب المصالح ، فلا يعم وجوبها جميع
الناس ، بل إما أن يكون فرضاً على الكفاية كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وما يتبع
ذلك من إمارة وحكم وفتيا وإقراء وتحديث ، وغير ذلك ، وإما أن يجب بسبب حقا للآدميين يختص به
من وجب له وعليه ، وقد يسقط بإسقاطه ، فحقوق العباد مثل قضاء الديون ورد الغصوب والعوارى
والودائع والإنصاف من المظالم من الدماء والأموال والأعراض إنما هي حقوق للآدميين ، وإذا أبروا منها
سقطت، وتجب على شخص دون شخص في حال دون حال لم تجب عبادة محضة لله على كل عبد قادر ،
ولهذا يشترك فيها المسلمون واليهود والنصارى بخلاف الخمسة، فإنها من خصائص المسلمين ، وكذلك
ما يجب من صلة الأرحام وحقوق الزوجة والأولاد والجيران والشركاء والفقراء ، وما يجب من أداء
الشهادة والفتيا والقضاء والإمارة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ، كل ذلك يجب بأسباب
عارضة على بعض الناس دون بعض لجلب منافع ودفع مضار ، لو حصلت بدون فعل الإنسان لم تجب ،
فما كان مشتركاً فهو واجب على الكفاية ، وما كان مختصاً فإنما يجب على زيد دون عمرو ، لا يشترك
الناس في وجوب عمل بعينه على كل أحد قادر سوى الخمس - إلى آخر ما قاله رحمه الله تعالى .
٥٠٠٤ - خ الإيمان ٢: ٤٩/١، م فيه ٥: ٤٥/١، ت فيه ٣: ٥/٥، حم: ٢٦/٢، ٩٣، ١٢٠،
١٤٣ _ المزي: ٧٣٤٤/١٤/٦.
٢٧٧

التعليقات السلفية الجزء الخامس
٤٦ - الإيمان وشرائعه
باب : ١٣ حديث : ٥٠٠٤
قال له : ألا تغزو ؟ قال : سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: ((بني الإسلام على خمس :
قوله : ألا تغزو ؟ ، قال سمعت إلخ ، كأنه فهم أن السائل يرى الجهاد من أركان الإسلام ،
فأجاب بما ذكر ، وإلا فلا يصح التمسك بهذا الحديث في ترك ما لم يذكر في هذا الحديث - وهذا
ظاهر - س .
قوله: ((بني الإسلام على خمس)) قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في أماليه: فيه
إشكال لأن الإسلام إن أريد به الشهادة فهو مبني عليها لأنها شرط في الإيمان ، مع الإمكان الذي هو
شرط في الخمس ، وإن أريد به الإيمان فكذلك لأنه شرط، وإن أريد به الانقياد ، والانقياد هو الطاعة ،
والطاعة فعل المأمور به، والمأمور به هي هذه الخمس لا على سبيل الحصر، فيلزم بناء الشئ على نفسه ،
قال: والجواب أنه التذلل العام الذي هو اللغوي ، لا التذلل الشرعي الذي هو فعل الواجبات ، حتى
يلزم بناء الشئ على نفسه ، ومعنى الكلام أن التذلل اللغوي يترتب على هذه الأفعال مقبولاً من العبد
طاعة وقربة ، وقال في مواضع أخر : إن قيل: هذه الخمس هي الإسلام فما المبنى عليه ؟ فالجواب أن
المبنى هو الإسلام الكامل لا أصل الإسلام، وقال في فتح الباري (٤٩/١): فإن قيل: الأربعة
المذكورة مبنية على الشهادة إذ لا يصح شئ منها إلا بعد وجودها ، فكيف يضم مبنى على مبنى عليه في
مسمى واحد ؟ أجيب بجواز ابتناء أمر على أمر ، وابتناء الأمرين على أمر آخر ، فإن قيل : المبنى لابد
أن يكون غير المبنى عليه ؟ أجيب بأن المجموع غير من حيث الانفراد ، عين من حيث الجمع ومثاله
البيت من الشعر يجعل على خمسة أعمدة : أحدها أوسط ، والبقية أركان ، فما دام الأوسط قائماً
فسمي البيت موجود ، ولو سقط أحد من الأركان ، فإذا سقط الأوسط سقط مسمى البيت ، فالبيت
بالنظر إلى مجموع شئ واحد ، وبالنظر إلى أفراده أشياء ، وأيضاً بالنظر إلى رأسه أصلي والأركان تبع
و تكملة ۔۔ زهر ؛
((بني الإسلام إلخ)) يريد أنه لا بد من اجتماع هذه الأمور الخمسة ليكون الإسلام سالماً عن
خطر الزوال ، وكلما زال واحد من هذه الأمور يخاف زوال الإسلام بتمامه ، وللتنبيه على هذا المعنى
أتي بلفظ البناء ، وفيه تشبيه الإسلام ببيت مخمسة زواياه ، وتلك الزوايا أجزاؤه ، فبوجودها أجمع
بكون البيت سالماً ، وعند زوال واحد يخاف على تمام البيت وإن كان قد يبقى معيوباً أياماً - والله
تعالى أعلم - س .
٢٧٨

التعليقات السلفية الجزء الخامس
٤٦ - الإيمان وشرائعه
باب : ١٤ حديث : ٥٠٠٥
شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحج وصيام رمضان)).
١٤ - البيعة على الإسلام
٥٠٠٥ - أخبرنا قتيبة قال : ثنا سفيان، عن الزهري ، عن أبي إدريس الخولاني ،
عن عبادة بن الصامت قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس ، فقال :
(( تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسوقوا، ولا تزنوا ـــ قرأ عليهم الآية : -
فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله عز وجل عليه فهو
إلى الله ، إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له )) .
قوله: ((شهادة أن لا إله إلا الله)) مخفوض على البدل من ((خمس)) ويجوز الرفع على
حذف الخبر ، والتقدير : منها شهادة أن لا إله إلا الله ، أو على حذف المبتدأ والتقدير : أحدها شهادة
أن لا إله إلا الله - زهر. والمراد الشهادة بالتوحيد على وجه يعتد بها، وهو أن تكون مقرونة
بالشهادة - والله تعالى أعلم - س. كذا في الأصل، والظاهر أنه سقط من الناسخ لفظه ((بالرسالة أو
بالنبوة)) أو نحوهما ، وإلا فلا يستقيم المعنى - والله أعلم - ح.
قوله : قرأ عليهم الآية ، أي آية الممتحنة وهي ﴿ يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك )
الآية والله أعلم بالصواب - ح .
قوله: ((فمن وفى منكم)) قال السيوطي: بالتخفيف والتشديد ، أي ثبت على
العهد - س .
قوله: ((فأجره على الله)) أطلق هذا على سبيل التفخيم لأنه لما ذكر المبالغة المقتضية
لوجود العوضين أثبت ذكر الأجر في موضع أحدهما - زهر .
قال السندي : تعظيم للأجر بإضافته إلى عظيم ، والحديث قد سبق ، وكذا الذي بعده .
قوله: ((من ذلك)) المراد ما ذكر بعد بقرينة أن المخاطب بذلك المسلمون ، فلا يدخل حتى
يحتاج إلى إخراج، ويؤيده رواية مسلم ((ومن أتى منكم حداً)) إذ القتل على الإشراك لا يسمى
حداً، قلت: ويرشد إليه قوله: ((فستره الله)) فإن الستر بالمعصية أليق - زهر.
٥٠٠٥ - صحيح ، انظر رقم ٤١٦٦ .
٢٧٩

التعليقات السلفية الجزء الخامس
٤٦ - الإيمان وشرائعه باب : ١٥، ١٦ حديث : ٥٠٠٦، ٥٠٠٧
١٥ - على ما يقاتل الناس ؟
٥٠٠٦ - أخبرنا محمد بن حاتم بن نعيم قال : أخبرنا حبان قال : أخبرنا عبد الله
عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( أمرت
أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، فإذا شهدوا أن لا
إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، واستقبلوا قبلتنا ، وأكلوا ذبيحتنا ، وصلوا صلاتنا ،
فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها ، ولهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم)).
١٦ - ذكر شعب الإيمان
٥٠٠٧ - أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك قال : ثنا أبو عامر قال : ثنا
سليمان - وهو ابن بلال - ، عن عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة عن
قوله : عبد الله، هو ابن المبارك كما صرح به المؤلف في آخر كتاب الإيمان (برقم ٥٠٤٢) .
قوله: ((إلا بحقها)) أي الدماء والأموال، يعني هي معصومة إلا عن حق يجب فيها كقود ،
وردة، وحد ، وترك صلاة وزكاة بتأويل باطل، وحق آدمي، فالباء بمعنى ((عن) أو ((من)) أي فقد
عصموها إلا عن حقها ، أو من حقها ، أو إلا بحق كلمة التوحيد ، وحقها ما تبعها من الأفعال والأقوال
الواجبة التي لا يتم الإسلام إلا بها ، ففائدة النص عليه دفع توهم أن قضية جعل غايته المقاتلة وجود ما
ذكر أن من شهد عصم دمه وإن جحد الأحكام - انتهى من فيض القدير (١٨٩/٢ )؛ وقد ورد
تفسير حقها بذلك عن أنس خرجه الطبراني وابن جرير الطبري ولفظه « قيل : وما حقها قال : زنا بعد
إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس فيقتل بها )) كذا في شرح الخمسين ( الحديث الثامن )؛ ويشهد
لهذا حديث عائشة، وقد تقدما في المحاربة تحت عنوان ((ذكر ما يحل به دم المسلم)) (برقم ٤٠٢١ ،
٤٠٢٢). قال الحافظ ابن رجب في شرح الخمسين : والقتل بكل واحدة من هذه الخصال الثلاث
متفق عليه بين المسلمين - انتهى؛ وقد ثبت أن أبا بكر - رضي الله عنه - أدخل في هذا الحق فعل
الزكاة والصلاة ، ويؤيده بعض الأحاديث وراجع التفصيل في شرح الخمسين ( الحديث الثامن ) .
٥٠٠٦ - صحيح ، انظر رقم ٣٩٧٢.
٥٠٠٧ - خ الإيمان ٣: ٥١/١، م فيه ١٢: ٦٣/١، د السنة ١٥: ٦٥/٥، ت الإيمان ٦: ١٠/٥، ق المقدمة ٩:
٢٢/١، حم: ٤١٤/٢، ٤٤٢ _ المزي: ١٢٨١٦/٤٢٩/٩.
٢٨٠