Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ (٥) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ - حديث رقم (٧٥١٦) كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم))، قال الحافظ: وهذا هو المعتمَد في تفسير هذه الآية. وأما ما أخرجه الطبريّ من وجه آخر عن ابن مسعود قال: ((كان قبائل العرب يعبدون صنفاً من الملائكة، يقال لهم: الجنّ، ويقولون: هم بنات الله، فنزلت هذه الآية))، فإن ثبت فهو محمول على أنها نزلت في الفريقين، وإلا فالسياق يدلّ على أنهم قبل الإسلام كانوا راضين بعبادتهم، وليست هذه من صفات الملائكة. وفي رواية سعيد بن منصور عن ابن مسعود في حديث الباب: ((فعَيَّرهم الله بذلك». وكذا ما أخرجه من طريق أخرى ضعيفة، عن ابن عباس: أن المراد من كان يعبد الملائكة، والمسيح، وعزيراً (١)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود رضي ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٥١٥/٥ و٧٥١٦ و٧٥١٧ و ٧٥١٨] (٣٠٣٠)، و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٤٧١٤ و٤٧١٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٨٠/٦)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٣٩٤/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٢٢/٩)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٥١٦] ( .. ) - (حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِّي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ: ﴿أُوْلَكَ الَِّينَ يَدْعُونَ يَبْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قَالَ: كَانَ نَفَرٌ مِنَ الإِنْسِ يَعْبُدُونَ نَفَرَأَ مِنَ الْجِنِّ، فَأَسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الْجِنِّ، وَاسْتَمْسَكَ الإِنْسُ بِعِبَادَتِهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾). (١) ((الفتح)) ٢٩٧/١٠، ((كتاب التفسير)) رقم (٤٧١٤). ٤٤٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ) هو: محمد بن أحمد بن نافع المذكور في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ البصريّ [٩]، تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٣٨٨. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ [٧]، تقدم في ((المقدمة)) ١/١. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسألتيه قبله، ولله الحمد. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَُّهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٥١٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) العسكريّ، أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة [١٠]، تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٠/٢٣. والباقون ذُكروا قريباً، و(سليمان)) هو: الأعمش. [تنبيه]: رواية شعبة عن سليمان الأعمش هذه ساقها البخاريّ تَظُّهُ في ((صحيحه)) بسند المصنّف، فقال: (٤٤٣٨) - حدّثنا بشر بن خالد، أخبرنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله رضيبه في هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قال: ((كان ناس من الجنّ يعبدون، فأسلموا)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَّقُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٥١٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ (١) ((صحيح البخاريّ)) ١٧٤٨/٤. ٤٤٣ (٦) - بَابٌ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ، وَالأَنْفَالِ، وَالْحَشْرِ - حديث رقم (٧٥١٩) يَبْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي نَفَرِ مِنَ الْعَرَبِ، كَانُوا يَعْبُدُونَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ، فَأَسْلَمَ الْجِنِّيُّونَ، وَالإِنْسُ الَّذِينَ كَانُوًّا يَعْبُدُونَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، فَنَزَلَتْ: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ [١١]، تقدم في ((المقدمة)) ٤٠/٦. ٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) البصريّ [٩]، تقدم في ((المقدمة)) ٨٢/٦. ٣ - (أَبُوهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبريّ البصريّ [٨]، تقدم في ((الإيمان)) ١٨/ ١٧٦. ٤ - (حُسَيْنُ) بن ذكوان المعلّم المكتب البصريّ [٦]، تقدم في ((الإيمان)) ١٧٩/١٩. ٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ البصريّ [٤]، تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيُّ) البصريّ [٣]، تقدم في ((الصيام)) ٢٧٤٦/٣٨. [تنبيه]: قوله: ((الزّمّانيّ)) بكسر الزاي، وتشديد الميم، آخره نون: نسبة إلى زِمّان بن مالك بن صعب بن عليّ بني بكر بن وائل، بطن من ربيعة، قاله في ((اللباب))(١) . ٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُتْبَةَ) بن مسعود ابن أخي عبد الله بن مسعود، تقدّم قريباً. و((عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) ذُكر قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسألتيه، ولله الحمد. ﴿إِنْ أُرِيِّدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ نَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٦) - (بَابٌ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ، وَالأَنْفَالِ، وَالْحَشْرِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَخْتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٥١٩] (٣٠٣١) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُطِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ: قُلْتُ لِاِبْنِ عَبَّاسٍ: سُّورَةُ الثَّوْبَةِ، قَالَ: التَّوْبَةِ؟ (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٧٤/٢. ٤٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير قَالَ: بَلْ هِيَ الْفَاضِحَةُ، مَا زَالَتْ تَنْزِلُ: وَمِنْهُمْ، وَمِنْهُمْ، حَتَّى ظَنُّوا أَنْ لَا يَبْقَى مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا ذُكِرَ فِيهَا، قَالَ: قُلْتُ: سُورَةُ الأَنْفَالِ، قَالَ: تِلْكَ سُورَةُ بَدْرٍ، قَالَ: قُلْتُ: فَالْحَشْرُ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي بَنِي النَّضِيرِ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُطِيع) بن راشد البكريّ، أبو محمد النيسابوريّ، نزيل بغداد [١٠]، تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٦/٤٦. ٢ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير الواسطيّ، من كبار [٧]، تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٣ - (أَبُو بِشْرٍ) بن أبي وَحْشيّة جعفر بن إياس الواسطيّ، بصريّ الأصل [٥]، تقدم في ((الطهارة)) ٥٧٨/٩. والباقيان ذُكرا قريباً . شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ)؛ أنه (قَالَ: قُلْتُ لِاِبْنِ عَبَّاسٍ) ◌ََّا (سُورَةُ الثَّوْبَةِ) فيه استفهام مقدّر؛ أي: أهذه سورة التوبة؛ أي: ما هي سورة التوبة؟ أو كيف نزلت؟، أو لماذا نزلت؟ وكذا يقدّر فيما بعده. (قَالَ) ابن عبّاس: (التَّوْبَةِ؟) هو استفهام إنكار، بدليل قوله: ((هي الفاضحة))، ووقع في رواية الإسماعيلي من وجه آخر، عن هشيم: ((سورة التوبة، قال: بل سورة الفاضحة)). (قَالَ) ابن عبّاس: (بَلْ هِيَ الْفَاضِحَةُ)؛ أي: اللائق بها أن تُسمّى بالسورة الفاضحة؛ لأنها فضحت عن سرائر المنافقين، كما أشار إليه بقوله: ((ما زالت تنزل ... إلخ))؛ يعني: أنه إنما يليق بها أن تسمّى بالفاضحة؛ لأن ما تضمّنته من فضائحهم أكثر مما تضمّنته من بيان التوبة، ومن سمّاها توبة، فلكونها ذكرت توبة كعب بن مالك وصاحبيه قال: (مَا زَالَتْ تَنْزِلُ)؛ أي: آياتها، (وَمِنْهُمْ، وَمِنْهُمْ)؛ أي: كقوله: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥]، ﴿وَمِنْهُم مَن يَلْمِزُكَ فِ الصَّدَقَتِ﴾ [التوبة: ٥٨]، ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىِّ﴾ [التوبة: ٦١]، (حَتَّى ظَنُّوا)؛ أي: الناس الذين كانوا موجودين عند نزول هذه السورة، (أَنْ) مخففة من الثقيلة، فأصلها أنه، والضمير للشأن، (لَا يَبْقَى مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا ذُكِرَ) بالبناء للمفعول، (فِيهَا) وفي رواية البخاريّ: ((حتى ظنّوا أنها لم تُبق أحداً منهم إلا ذُكر فيها))، قال في ((الفتح)): قوله: ((لم تبق)) في رواية الكشميهنيّ: (لن ٤٤٥ (٧) - بَابٌ فِي نُزُولٍ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ - حديث رقم (٧٥٢٠) تبقيَ))، وهي أوجه؛ لأن الرواية الأولى تقتضي استيعابهم بما ذُكر من الآيات، بخلاف الثانية، فهي أبلغ، وفي رواية الإسماعيليّ: ((أنه لا يبقى))(١). (قَالَ) سعيد: (قُلْتُ) لابن عبّاس أيضاً: (سُورَةُ الأَنْفَالِ، قَالَ: تِلْكَ سُورَةُ بَدْرٍ) وفي رواية البخاريّ: ((قال: نزلت في بدر))؛ أي: لأنها مشتملة على بيان ما وقع في غزوة بدر. (قَالَ) سعيد: (قُلْتُ) لابن عبّاس أيضاً: (فَالْحَشْرُ) وللبخاريّ: ((قلت: سورة الحشر))، (قَالَ) ابن عبّاس: (نَزَلَتْ فِي بَنِي النَّضِيرِ) وللبخاريّ: ((قل: سورة بني النضير))؛ قال الداوديّ: كأن ابن عبّاس كره تسميتها بالحشر؛ لئلا يُظنّ أن المراد يوم القيامة، وإنما المراد به هنا إخراج بني النضير(٢)، أو لكونه مجملاً، فكره النسبة إلى غير معلوم، كذا قال، وعند ابن مردويه من وجه آخر، عن ابن عباس: ((قال: نزلت سورة الحشر في بني النضير، وذكر الله فيها الذي أصابهم من النقمة))(٣)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٥١٩/٦] (٣٠٣١)، و(البخاريّ) في ((المغازي)) (٤٠٢٩) و((التفسير)) (٤٨٨٢ و٤٨٨٣ و٤٦٤٥)، والله تعالى أعلم. (٧) - (بَابٌّ فِي نُزُولِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٥٢٠] (٣٠٣٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرٍ (١) ((الفتح)) ٦٧٦/١٠، ((كتاب التفسير)) رقم (٤٨٨٢). (٢) ((الفتح)) ٦٧٦/١٠. (٣) ((الفتح)) ٩٠/١٠، ((كتاب التفسير)) رقم (٤٠٢٩). ٤٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير رَسُولِ اللهِ وََّ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَلَا وَإِنَّ الْخَمْرَ نَزَلَ تَحْرِيمُهَا يَوْمَ نَزَلَ، وَهْيَ مِنْ خَمْسَةٍ أَشْيَاءَ: مِنَ الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالْعَسَلِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ، وَثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ، وَدِدْتُ أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ كَانَ عَهِدَ إِلَيْنَا فِيهَا: الْجَدُّ، وَالْكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل [٨]، تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٣ - (أَبُو حَيَّانَ) التيميّ يحيى بن سعيد بن حيّان الكوفيّ [٦]، تقدم في ((الإيمان)) ١٠٦/١. ٤ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل الكوفيّ [٣]، تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦. ٥ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله ◌ًَّا، تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢. ٦ - (عُمَرُ) بن الخطّاب ◌َ الله، تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. شرح الحديث : (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) يحيى بن سعيد بن حيّان التيميّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) وفي رواية ابن عُليّة عن أبي حيان: ((حدّثنا الشعبيّ))، أخرجه النسائيّ. (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿يَا: أنه (قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) وفي الرواية التالية: ((قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ وَهِ يَقُولُ))، (فَحَمِدَ) بكسر الميم، من باب فَهِمَ، (اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ) من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها. (أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه، وفيه حَذْف الفاء من جواب ((أما))، قال ابن مالك كَُّ: فيه جواز حَذْف الفاء في جواب ((أما بعدُ))، فتعقّبه الحافظ بأنه من تصرّف الرواية، فقد جاء في رواية بلفظ: ((خطب عمر على المنبر، فقال: إنه قد نزل تحريم الخمر))، وليس فيه: ((أما بعدُ))، وفي رواية بلفظ: ((أما بعد فإن الخمر))، فظهر بهذا أن حذف الفاء ٤٤٧ (٧) - بَابٌ فِي نُزُولِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ - حديث رقم (٧٥٢٠) وإثباتها من تصرّف الرواة. انتهى(١). ومسألة الفاء بعد ((أما)) قد بيّنها ابن مالك في ((الخلاصة)) حيث قال: لِتِلْوٍ تِلْوِهَا وُجُوباً أُلِفَا ((أَمَّا)) كَـ((مَهْمَا يَكُ مِنْ شَيْءٍ)) وَفَا لَمْ يَكُ قَوْلٌ مَعَهَا قَدْ نُبِذَا وَحَذْفُ ذِي الْفَا قَلَّ فِي نَثْرٍ إِذَا (وَإِنَّ الْخَمْرَ نَزَلَ تَحْرِيمُهَا يَوْمَ نَزَلَ، وَهْيَ)؛ أي: والحال أنها (مِنْ خَمْسَةٍ أَشْيَاءَ) قال في ((الفتح)): الجملة حالية؛ أي: نزل تحريم الخمر في حال كونها تُصنع من خمسة، ويجوز أن تكون استئنافية، أو معطوفة على ما قبلها، والمراد أن الخمر تُصنع من هذه الأشياء، لا أن ذلك يختص بوقت نزولها، والأول أظهر (٢) . وقوله: (مِنَ الْحِنْطَةِ) إلى آخره بدل من ((خمسة))، أو من ((أشياء))، و((الحنطة)) بكسر الحاء المهملة، وسكون النون، وهي والقَمْح، والبرّ، والطعام واحد(٣). (وَالشَّعِيرِ) بفتح، فكسر، ويقال: بكسرتين أيضاً، وهو الحَبّ المعروف، قال الزجّاج: وأهل نجد تؤنّئه، وغيرهم يذكّره، فيقال: هي الشعير، وهو الشعير. أفاده في ((المصباح)) (٤). [فائدة]: قال السيد محمد مرتضى الزبيديّ اللغوي في ((شرح القاموس)): قال عمر بن خلف بن مكّيّ: كلُّ فَعِيل وسطه حرف حلق مكسور يجوز كسر ما قبله، أو كسر فائه؛ إتباعاً للعين، في لغة تميم، كشعير، ورحيم، ورغيف، وما أشبه ذلك، بل زعم الليث أن قوماً من العرب يقولون ذلك وإن لم تكن عينه حرف حلق، ككبير، وجليل، وكريم. انتهى كلام المرتضى (٥)، فاحفظه فإنه مهمّ جدّاً، والله تعالى أعلم. (وَالتَّمْرِ) من ثمر النخل، كالزبيب من العنب، وهو اليابس بإجماع أهل اللغة؛ لأنه يُترك على النخل بعد إرطابه، حتى يَجِفّ، أو يقارب، ثم يُقطع، ويترك في الشمس حتى ييبس، قال أبو حاتم: وربما جُدّت النخلة، وهي باسرة، بعدما أَخَلّت(٦) ليخفف عنها، أو لخوف السرقة، فتُترك حتى تكون (١) ((الفتح)) ٥٩٨/١٢. (٢) ((الفتح)) ٦١٣/١٢ - ٦١٤. (٣) ((المصباح المنير)) ١٥٤/١. (٤) ((المصباح المنير)) ٣١٥/١. (٥) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ٣٠٤/٣ في مادّة الراء. (٦) أي: صار بَلَحها خَلالاً . ٤٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير تمراً، الواحدة تَمْرَةٌ، والجمع تُمُورٌ، وتُمْرَانٌ بالضمّ، والتَّمْرُ يذكّر في لغة، ويؤنث في لغة، فيقال: هو التَّمْرُ، وهي التَّمْرُ. انتهى(١). (وَالزَّبِيبِ) اسم جمع، يذكّر، ويؤنّث، فيقال: هو الزبيب، وهي الزبيب، الواحدة زبيبة. (وَالْعَسَلِ) بفتحتين، يذكر، ويؤنّث، وهو الأكثر، ومن التأنيث قول الشاعر: بِهَا عَسَلٌ طَابَتْ يَدَا مَنْ يَشُورُهَا ويُصغّر على عُسيلة على لغة التأنيث؛ ذهاباً إلى أنها قطعة من الجنس، وطائفة منه، كما في حديث: ((حتى تذوقي عُسيلته، ويذوق عسيلتك))(٢). قال في ((الفتح)): هذا الحديث أورده أصحاب المسانيد، والأبواب، في الأحاديث المرفوعة؛ لأن له عندهم حكمَ الرفع؛ لأنه خبر صحابيّ شَهِد التنزيل، أخبر عن سبب نزولها، وقد خطب به عمر نظبه على المنبر بحضرة كبار الصحابة وغيرهم، فلم يُنقل عن أحد منهم إنكاره، وأراد عمر بنزول تحريم الخمر آية المائدة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَفُرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] إلى آخرها، فأراد عمر التنبيه على أن المراد بالخمر في هذه الآية ليس خاصّاً بالمثَّخذ من العنب، بل يتناول المتخذ من غيرها، ويوافقه حديث أنس الماضي، فإنه يدل على أن الصحابة فَهِموا من تحريم الخمر تحريم كل مسكر، سواء كان من العنب، أم من غيرها . وقد جاء هذا الذي قاله عمر عن النبيّ وَلّ صريحاً، فأخرج أصحاب السنن الأربعة، وصححه ابن حبان من وجهين، عن الشعبيّ، أن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((إن الخمر من العصير، والزبيب، والتمر، والحنطة، والشعير، والذرة، وإني أنهاكم عن كل مسكر))، لفظ أبي داود، وكذا ابن حبان، وزاد فيه: ((أن النعمان خطب الناس بالكوفة))، ولأبي داود من وجه آخر عن الشعبيّ، عن النعمان، بلفظ: ((إن من العنب خمراً، وإن من التمر خمراً، وإن من العسل خمراً، وإن من البُر خمراً، وإن من الشعير خمراً))، ومن هذا الوجه أخرجها أصحاب السنن، والتي قبلها فيها الزبيب، دون العسل. (١) ((المصباح المنير)) ٧٦/١ - ٧٧. (٢) (المصباح المنير)) ٤٠٩/٢. ٤٤٩ - حديث رقم (٧٥٢٠) نس بسند صحيح عنه، قال: ((الخمر من العنب، ، من حديث أنس، بسند صحيح عنه قال: ((الخمر ـ، والحنطة، والشعير، والذرة»، أخرجه أبو يعلى ـت الخمر يوم حرمت، وهي ... ))، فذكرها، وزاد وائده)) من طريق خلاد بن السائب، عن أبيه، رفعه، ـر الزبيب بدل الشعير، وسنده لا بأس به، ويوافق تحريم الخمر، وإن بالمدينة يومئذ لخمسةً أشربة، لَ)؛ أي: غطّاه، أو خالطه، فلم يتركه على حاله، العقل)): هو آلة التمييز، فلذلك حُرّم ما غطاه، أو اك الذي طلبه الله من عباده؛ ليقوموا بحقوقه. قال ب اللغة، وأما بحسب العرف فهو ما يخامر العقل، ليس في مقام كذا قال، وفيه نظر؛ لأن عمر أم تعريف الحكم الشرعيّ، فكأنه قال: الخمر الذي ع، هو ما خامر العقل، على أن عند أهل اللغة أن الخمر في اللغة يختص بالمتخذ من العنب، وقد تواردت الأحاديث على أن المسكر من المتخذ 4 ٤٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير صفة موصوف؛ أي: أمور، أو أحكام ثلاث (وَدِدْتُ أَيُّهَا النَّاسُ)؛ أي: تمنيت، وإنما تمنى ذلك؛ لأنه أبعدُ من محذور الاجتهاد، وهو الخطأ فيه، فثبت على تقدير وقوعه، ولو كان مأجوراً عليه، فإنه يفوته بذلك الأجر الثاني، والعمل بالنص إصابة محضة. (أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهَ كَانَ عَهِدَ إِلَيْنَا فِيهَا) وفي الرواية التالية: ((وددت أن رسول الله ﴿ ﴿ كان عَهِد إلينا فيهنّ عهداً ننتهي إليه))، وفي رواية للبخاريّ: (لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهداً))، قال الحافظ كَظُّ: وهذا يدلّ على أنه لم يكن عنده عن النبيّ وَّه نصّ فيها، ويُشعر بأنه كان عنده عن النبيّ وَّ فيما أخبر به عن الخمر ما لم يحتج معه إلى شيء غيره، حتى خطب بذلك جازماً به. انتهى. وقوله: (الْجَدُّ) وما عُطف عليه بدل من ((ثلاثة))، أو من ((أشياء))، (وَالْكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا) أما الجد فالمراد قَدْر ما يَرِث؛ لأن الصحابة اختلفوا في ذلك اختلافاً كثيراً، فقد جاء عن عمر نظ الله أنه قضى فيه بقضايا مختلفة. وأما الكلالة بفتح الكاف، وتخفيف اللام فقد اختلف في تفسيره، والجمهور على أنه من لا ولد له، ولا والد، قال السهيليّ: الكلالة من الإكليل المحيط بالرأس؛ لأن الكلالة وراثة تكللت العصبة؛ أي: أحاطت بالميت، وإن عَنَيت المصدر قلت: ورثوه عن كلالة، وتُطلق الكلالة على الورثة مجازاً(١). وأما أبواب الربا فلعله يشير إلى ربا الفضل؛ لأن ربا النسيئة متفق عليه بين الصحابة، وسياق عمر يدلّ على أنه كان عنده نصّ في بعضٍ من أبواب الربا دون بعض، فلهذا تمنى معرفة البقية(٢)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر رُهُ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٥٢٠/٧ و٧٥٢١ و٧٥٢٢] (٣٠٣٢)، و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٤٦١٩) و((الأشربة)) (٥٥٨١ و٥٥٨٨ و٥٥٩٠) (١) ((الفتح)) ٤٥٥/١٥. (٢) ((الفتح)) ٦٢٠/١٢. ٤٥١ (٧) - بَابٌّ فِي نُزُولِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ - حديث رقم (٧٥٢٠) و((الاعتصام)) (٧٣٣٧)، و(أبو داود) في ((الأشربة)) (٣٦٦٩)، و(الترمذيّ) في (الأشربة)) (١٨٧٢)، و(النسائيّ) في (المجتبى)) (٥٥٨٠ و٥٥٨١ و٥٥٨٢) و((الكبرى)) (٥٠٨٨ و٥٠٨٩ و٥٠٩٠)، و(أحمد) في ((الأشربة)) (١٨٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٧٠٤٩)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٠٦/٨)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢١٧/١)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٥٣٥٣ و٥٣٥٨ و٥٣٥٩ و ٥٣٨٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٨٨/٨ - ٢٨٩)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٠١١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الأنواع التي كانت تتّخذ منها الخمر وقت نزول آية تحريم الخمر، وهي هذه الخمسة. ٢ - (ومنها): ذِكر الأحكام على المنبر؛ لتشتهر بين السامعين. ٣ - (ومنها): ذكر ((أما بعد)) فيها، كما ثبت في رواية الإسماعيليّ. ٤ - (ومنها): التنبيه بالنداء. ٥ - (ومنها): التنبيه على شرف العقل وفضله. ٦ - (ومنها): ما قاله الخطابيّ تَُّ: إنما عَدّ عمر بنظُله الخمسة المذكورة لاشتهار أسمائها في زمانه، ولم تكن كلها توجد بالمدينة الوجود العام، فإن الحنطة كانت بها عزيزة، وكذا العسل، بل كان أعزّ، فعدَّ عمر ما عُرف فيها، وجعل ما في معناها مما يُتَّخذ من الأرز وغيره خمراً، إن كان مما يخامر العقل، وفي ذلك دليل على جواز إحداث الاسم بالقياس، وأخذه من طريق الاشتقاق، كذا قال، ورَدّ بذلك ابن العربي، في جواب من زعم أن قوله وَر: ((كل مسكر خمر)): معناه: مثل الخمر؛ لأن حذف مثل ذلك مسموع شائع، قال: بل الأصل عدم التقدير، ولا يصار إلى التقدير إلا إلى الحاجة. [فإن قيل]: احتجنا إليه لأن النبيّ وَله لم يُبعث لبيان الأسماء. [قلنا]: بل بيان الأسماء من جملة الأحكام لمن لا يعلمها، ولا سيما ليقطع تعلق القصد بها، قال: وأيضاً لو لم يكن الفضيخ خمراً، ونادى المنادي: ((حُرِّمت الخمر)) لم يبادروا إلى إراقتها، ولم يفهموا أنها داخلة في مسمى الخمر، وهم القُصْحُ اللَّسْنُ. ٤٥٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير [فإن قيل]: هذا إثبات اسم بقياس. عرب فصحاء، [قلنا]: إنما هو إثبات اللغة عن أهلها، فإن الصحابة فهموا من الشرع ما فهموه من اللغة، ومن اللغة ما فهموه من الشرع. وذكر ابن حزم أن بعض الكوفيين، احتج بما أخرجه عبد الرزاق، عن ابن عمر، بسند جيّد قال: ((أما الخمر فحرام، لا سبيل إليها، وأما ما عداها من الأشربة، فكل مسكر حرام))، قال: وجوابه أنه ثبت عن ابن عمر أنه قال: ((كل مسكر خمر))، فلا يلزم من تسمية المتَّخذ من العنب خمراً، انحصار اسم الخمر فيه، وكذا احتجوا بحديث ابن عمر أيضاً: ((حُرّمت الخمر، وما بالمدينة منها شيء))، مراده: المتَّخذ من العنب، ولم يُرِد أن غيرها لا يسمى خمراً، بدليل حديثه الآخر: ((نزل تحريم الخمر، وإن بالمدينة خمسة أشربة، كلها تدعى الخمر، ما فيها خمر العنب)). ذكره في ((الفتح)) (١). (المسألة الرابعة): قال في ((الفتح)): جعل الطحاويّ هذه الأحاديث متعارضة، وهي حديث أبي هريرة، في أن الخمر من شيئين، مع حديث عمر، ومن وافقه، أن الخمر من غيرهما، وكذا حديث ابن عمر: ((لقد حرمت الخمر، وما بالمدينة منها شيء))، وحديث أنس: ((إن الخمر حرمت، وشرابهم الفضيخ))، وفي لفظ له: ((وإنا نَعُدّها يومئذٍ خمراً))، وفي لفظ له: ((إن الخمر يوم حرمت: البسر والتمر)). قال: فلما اختلف الصحابة في ذلك، ووجدنا اتفاق الأمة على أن عصير العنب إذا اشتد وغلى، وقذف بالزبد فهو خمر، وأن مستحله كافر، دل على أنهم لم يعملوا بحديث أبي هريرة؛ إذ لو عملوا به لكفّروا مستحل نبيذ التمر، فثبت أنه لم يدخل في الخمر، غير المتَّخذ من عصير العنب. انتهى. ولا يلزم من كونهم لم يكفِّروا مستحل نبيذ التمر، أن يمنعوا تسميته خمراً، فقد يشترك الشيئان في التسمية، ويفترقان في بعض الأوصاف، مع أنه هو يوافق على أن حُكم المسكر من نبيذ التمر، حُكم قليل العنب في التحريم، فلم تبق المشاححة إلا في التسمية، والجمع بين حديث أبي هريرة وغيره، (١) ((الفتح)) ١٧٤/١١. ٤٥٣ (٧) - بَابٌ فِي نُزُولٍ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ - حديث رقم (٧٥٢٠) بحمل حديث أبي هريرة على الغالب؛ أي: أكثر ما يُتخذ الخمر من العنب والتمر، ويُحمَل حديث عمر ومن وافقه، على إرادة استيعاب ذِكر ما عُهد حينئذ أنه يتَّخذ منه الخمر، وأما قول ابن عمر فعلى إرادة تثبيت أن الخمر يُطلق على ما لا يتخذ من العنب؛ لأن نزول تحريم الخمر لم يصادف عند من خوطب بالتحريم حينئذ إلا ما يُتَّخذ من غير العنب، أو على إرادة المبالغة، فأطلق نفي وجودها بالمدينة، وإن كانت موجودة فيها بقلّة، فإن تلك القلة بالنسبة لكثرة المتَّخذ مما عداها كالعدم، وقد قال الراغب في ((مفردات القرآن)»: سمّي الخمر لكونه خامراً للعقل؛ أي: ساتراً له، وهو عند بعض الناس اسم لكل مسكر، وعند بعضهم للمتَّخذ من العنب خاصة، وعند بعضهم للمتخذ من العنب والتمر، وعند بعضهم لغير المطبوخ، فرجع أن كل شيء يستر العقل يسمى خمراً حقيقة، وكذا قال أبو نصر ابن القشيري في ((تفسيره)): سميت الخمر خمراً؛ لسترها العقل، أو لاختمارها، وكذا قال غير واحد من أهل اللغة، منهم أبو حنيفة الدينوري، وأبو نصر الجوهري، ونقل عن ابن الأعرابي، قال: سميت الخمر؛ لأنها تركت حتى اختمرت، واختمارها تغيّر رائحتها، وقيل: سميت بذلك لمخامرتها العقل. نَعَم جزم ابنُ سِيدَهْ في ((المحكم)) بأن الخمر حقيقة إنما هي للعنب، وغيرها من المسكرات يسمى خمراً مجازاً. وقال صاحب ((الفائق)) في حديث: ((إياكم والغبيراء، فإنها خمر العالَم)): هي نبيذ الحبشة، متخذة من الذرة، سميت الغبيراء لِمَا فيها من الغبرة، وقوله: ((خمر العالَم))؛ أي: هي مثل خمر العالم، لا فرق بينها وبينها . قال الحافظ: وليس تأويله هذا بأولى من تأويل من قال: أراد أنها معظم خمر العالم، وقال صاحب ((الهداية)) من الحنفية: الخمر عندنا ما اعتُصر من ماء العنب، إذا اشتد، وهو المعروف عند أهل اللغة، وأهل العلم، قال: وقيل: هو اسم لكل مسكر؛ لقوله وَلجر: ((كل مسكر خمر))، وقوله: ((الخمر من هاتين الشجرتين))، ولأنه من مخامرة العقل، وذلك موجود في كل مسكر، قال: ولنا إطباق أهل اللغة على تخصيص الخمر بالعنب، ولهذا اشتهر استعمالها فيه، ولأن تحريم الخمر قطعي، وتحريم ما عدا المتخذ من العنب ٤٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير ظني، قال: وإنما سمي الخمر خمراً؛ لتخمره، لا لمخامرة العقل، قال: ولا ينافي ذلك كون الاسم خاصّاً فيه، كما في النجم، فإنه مشتق من الظهور، ثم هو خاص بالثريا. انتهى. [والجواب] عن الحجة الأولى: ثبوت النقل عن بعض أهل اللغة، بأن غير المتخذ من العنب يسمى خمراً، وقال الخطابي: زعم قوم أن العرب لا تعرف الخمر إلا من العنب، فيقال لهم: إن الصحابة الذين سموا غير المتخذ من العنب خمراً، عرب فصحاء، فلو لم يكن هذا الاسم صحيحاً، لَمَا أطلقوه. وقال ابن عبد البر: قال الكوفيون: إن الخمر من العنب؛ لقوله تعالى: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، قال: فدل على أن الخمر هو ما يُعتصر، لا ما يُنتبذ، قال: ولا دليل فيه على الحصر، وقال أهل المدينة، وسائر الحجازيين، وأهل الحديث كلهم: كل مسكر خمر، وحكمه حكم ما اتّخذ من العنب، ومن الحجة لهم: أن القرآن لَمّا نزل بتحريم الخمر، فَهِم الصحابة، وهم أهل اللسان، أن كل شيء يسمى خمراً، يدخل في النهي، فأراقوا المتخذ من التمر والرطب، ولم يخصوا ذلك بالمتخذ من العنب، وعلى تقدير التسليم، فإذا ثبت تسمية كل مسكر خمراً من الشرع، كان حقيقة شرعية، وهي مقدَّمة على الحقيقة اللغوية. [وعن الثانية]: ما تقدم من أن اختلاف مشتركين في الحكم في الغلظ، لا يلزم منه افتراقهما في التسمية، كالزنا مثلاً، فإنه يصدق على من وطئ أجنبية، وعلى من وطئ امرأة جاره، والثاني أغلظ من الأول، وعلى من وطئ مَحْرماً له، وهو أغلظ، واسم الزنا مع ذلك شامل للثلاثة، وأيضاً فالأحكام الفرعية، لا يُشترط فيها الأدلة القطعية، فلا يلزم من القطع بتحريم المتخذ من العنب، وعدم القطع بتحريم المتخذ من غيره، أن لا يكون حراماً، بل يُحكم بتحريمه، إذا ثبت بطريق ظني تحريمه، وكذا تسميته خمراً، والله أعلم. [وعن الثالثة]: ثبوت النقل عن أعلم الناس بلسان العرب بما نفاه هو، وكيف يستجيز أن يقول: لا لمخامرة العقل، مع قول عمر بمحضر الصحابة: ((الخمر ما خامر العقل))؟ كأن مستنده ما ادعاه من اتفاق أهل اللغة، فيُحمَل قول عمر على المجاز، لكن اختلف قول أهل اللغة في سبب تسمية الخمر ٤٥٥ (٧) - بَابٌ فِي نُزُولِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ - حديث رقم (٧٥٢٠) خمراً، فقال أبو بكر ابن الأنباري: سميت الخمر خمراً؛ لأنها تخامر العقل؛ أي: تخالطه، قال: ومنه قولهم: خامره الداء؛ أي: خالطه. وقيل: لأنها تخمر العقل؛ أي: تستره، ومنه الحديث: ((خَمِّروا آنيتكم))، ومنه خمار المرأة؛ لأنه يستر وجهها، وهذا أخص من التفسير الأول؛ لأنه لا يلزم من المخالطة التغطية. وقيل: سميت خمراً؛ لأنها تُخمَّر حتى تُدرِك، كما يقال: خَمّرت العجين، فتَخمَّر؛ أي: تركته حتى أدرك، ومنه خمرت الرأي؛ أي: تركته حتى ظهر وتحرر. وقيل: سميت خمراً؛ لأنها تُغَطَّى حتى تَغِلِي، ومنه حديث المختار بن فلفل، قلت لأنس: الخمر من العنب، أو من غيرها؟ قال: ((ما خمّرت من ذلك، فهو الخمر))، أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح، ولا مانع من صحة هذه الأقوال كلها؛ لثبوتها عن أهل اللغة، وأهل المعرفة باللسان. قال ابن عبد البر: الأوجه كلها موجودة في الخمرة؛ لأنها تُركت حتى أَدركت، وسكنت، فإذا شُربت خالطت العقل، حتى تغلب عليه، وتغطيه. وقال القرطبي: الأحاديث الواردة عن أنس وغيره، على صحتها وكثرتها، تُبطل مذهب الكوفيين القائلين: بأن الخمر لا يكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمراً، ولا يتناوله اسم الخمر، وهو قول مخالف للغة العرب، وللسُّنَّة الصحيحة، وللصحابة؛ لأنهم لما نزل تحريم الخمر، فهموا من الأمر باجتناب الخمر، تحريم كل مسكر، ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب، وبين ما يتخذ من غيره، بل سووا بينهما، وحرموا كل ما يُسكر نوعه، ولم يتوقفوا، ولا استفصلوا، ولم يُشكِل عليهم شيء من ذلك، بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب، وهم أهل اللسان، وبلغتهم نزل القرآن، فلو كان عندهم فيه تردد، لتوقفوا عن الإراقة، حتى يستكشفوا، ويستفصلوا، ويتحققوا التحريم؛ لِمَا كان تقرر عندهم من النهي عن إضاعة المال، فلمّا لم يفعلوا ذلك، وبادروا إلى الإتلاف علمنا أنهم فهموا التحريم نصّاً، فصار القائل بالتفريق سالكاً غير سبيلهم، ثم انضاف إلى ذلك خطبة عمر تظله بما يوافق ذلك، وهو ممن جعل الله الحق على لسانه وقلبه، وسمعه الصحابة وغيرهم، فلم يُنقل عن أحد منهم إنكار ذلك، وإذا ثبت أن كل ذلك يسمى خمراً، لزم تحريم قليله وكثيره، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة في ذلك، ثم ذكرها، قال: ٤٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير وأما الأحاديث عن الصحابة التي تمسك بها المخالف، فلا يصح منها شيء، على ما قال عبد الله بن المبارك، وأحمد، وغيرهم، وعلى تقدير ثبوت شيء منها، فهو محمول على نقيع الزبيب، أو التمر من قبل أن يدخل حد الإسكار؛ جمعاً بين الأحاديث. قال الحافظ: ويؤيده ثبوت مثل ذلك عن النبيّ وَّ، كما في حديث سهل بن سعد الساعديّ أن أبا أُسيد الساعديّ دعا النبيّ وَّ لعُرسه، فأنقعت امرأته له تمرات من الليل في تور، فسقته منه، ولا فرق في الحل بينه وبين عصير العنب، أول ما يعصر، وإنما الخلاف فيما اشتدّ منهما، هل يفترق الحكم فيه أو لا، وقد ذهب بعض الشافعية إلى موافقة الكوفيين، في دعواهم أن اسم الخمر خاص بما يُتخذ من العنب، مع مخالفتهم له في تفرقتهم في الحكم، وقولهم بتحريم قليل ما أسكر كثيره من كل شراب، فقال الرافعي: ذهب أكثر الشافعية إلى أن الخمر حقيقة فيما يُتخذ من العنب، مجاز في غيره، وخالفه ابن الرفعة، فنقل عن المزني، وابن أبي هريرة، وأكثر الأصحاب: أن الجميع يسمى خمراً حقيقة، قال: وممن نقله عن أكثر الأصحاب القاضيان: أبو الطيب، والروياني، وأشار ابن الرفعة إلى أن النقل الذي عزاه الرافعي للأكثر لم يجد نقله عن الأكثر، إلا في كلام الرافعي، ولم يتعقبه النووي في ((الروضة))، لكن كلامه في ((شرح مسلم)» يوافقه، وفي ((تهذيب الأسماء)) يخالفه، وقد نقل ابن المنذر، عن الشافعي، ما يوافق ما نقلوا عن المزني، فقال: قال: إن الخمر من العنب، ومن غير العنب عمر، وعلي، وسعيد، وابن عمر، وأبو موسى، وأبو هريرة، وابن عباس، وعائشة، ومن التابعين سعيد بن المسيب، وعروة، والحسن، وسعيد بن جبير، وآخرون، وهو قول مالك، والأوزاعي، والثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وعامة أهل الحديث. ويمكن الجمع بأن من أطلق على غير المتخذ من العنب حقيقة، يكون أراد الحقيقة الشرعية، ومن نفى أراد الحقيقة اللغوية، وقد أجاب بهذا ابن عبد البر، وقال: إن الحكم إنما يتعلق بالاسم الشرعي، دون اللغوي، والله أعلم. ٤٥٧ (٧) - بَابٌ فِي نُزُولٍ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ - حديث رقم (٧٥٢١ - ٧٥٢٢) قال الحافظ: وقد قدمت في ((باب نزول تحريم الخمر، وهو من البُسر)) إلزام من قال بقول أهل الكوفة: إن الخمر حقيقة في ماء العنب، مجاز في غيره، أنه يلزمهم أن يجوّزوا إطلاق اللفظ الواحد على حقيقته ومجازه؛ لأن الصحابة لَمّا بلغهم تحريم الخمر أراقوا كل ما كان يُطلق عليه لفظ الخمر حقيقة ومجازاً، وإذا لم يجوّزوا ذلك صح أن الكل خمر حقيقة، ولا انفكاك عن ذلك، وعلى تقدير إرخاء العنان، والتسليم أن الخمر حقيقة في ماء العنب خاصة، فإنما ذلك من حيث الحقيقة اللغوية، فأما من حيث الحقيقة الشرعية، فالكل خمر حقيقة؛ لحديث: ((كلُّ مسكر خمر))، فكلُّ ما اشتد كان خمراً، وكل خمر يَحْرم قليله وكثيره، وهذا يخالف قولهم. وبالله تعالى التوفيق. انتهى من ((الفتح)»(١)، وهو بحث نفيس جدّاً، فاغتنمه تَسعَد، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّْهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٥٢١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ، وَثَلَاثٌ، أَيُّهَا النَّاسُ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ كَانَ عَهِدَ إِلَيْنَا فِيهِنَّ عَهْداً نَنْتَهِي إِلَيْهِ: الْجَدُّ، وَالْكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلهم تقدّموا في الباب وقبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبله، ولله الحمد. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٧٥٢٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ (ح)، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، ◌ِلَاهُمَا عَنْ أَبِي (١) ((الفتح)) ٦١٥/١٢ - ٦١٩، ((كتاب الأشربة)) رقم (٥٥٨٨). ٤٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير حَيَّنَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ عُلَيَّةَ فِي حَدِيثِهِ: الْعِنَبِ، كَمَا قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ، وَفِي حَدِيثٍ عِيسَى: الزَّبِيبِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مُسْهِرٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة : وكلهم تقدّموا قريباً. [تنبيه]: أما رواية ابن عليّة عن أبي حيّان، فقد ساقها أبو داود كَُّهُ في ((سننه))، فقال : (٣٦٦٩) - حدّثنا أحمد بن حنبل، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا أبو حيّان، حدّثني الشعبيّ، عن ابن عمر، عن عمر، قال: ((نزل تحريم الخمر يوم نزل، وهي من خمسة أشياء: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمرُ ما خامر العقل، وثلاثُ ودِدتُ أن رسول الله وَّه لم يفارقنا، حتى يَعْهَد إلينا فيهنّ عهداً ننتهي إليه: الجدّ، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا)). انتهى. وأما رواية عيسى بن يونس عن أبي حيّان، فقد ساقها البيهقيّ نَّتُهُ في (الكبرى))، مقروناً بعبد الله بن إدريس، ويحيى بن عبد الملك، فقال: (١٢١٩١) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو الفضل بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عيسى بن يونس، وعبد الله بن إدريس، ويحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، عن أبي حيّان، وهو يحيى بن سعيد التيميّ، عن الشعبيّ، عن ابن عمر قال: سمعت عمر على منبر رسول الله وَله يقول: ((أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر، وهي من الخمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمرُ ما خامر العقل، وثلاثٌ أيها الناس ودِدتُ أن رسول الله وََّ لم يفارقنا حتى يَعْهَد إلينا فيهنّ عهداً يُنتَهَى إليه: الكلالة، والجدّ، وأبواب من أبواب الربا)). انتهى(١). (١) ((سنن البيهقي الكبرى)) ٢٤٥/٦. ٤٥٩ (٨) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ أَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمَّ﴾ - حديث رقم (٧٥٢٣) (٨) - (بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ [الحج: ١٩] وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٥٢٣] (٣٠٣٣) - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي هَاشِم، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرِّ يُقْسِمُ قَسَماً، إِنَّ ﴿هَذَّنِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ﴾ إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: حَمْزَةُ، وَعَلِيٌّ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَعُتْبَةُ، وَشَيْئَةُ، ابْنَا رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُثْبَةَ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بن واقد الكلابيّ، أبو محمد النيسابوريّ [١٠]، تقدم في ((القسامة)) ٤٣٦٥/٤. ٢ - (هُشَيْمُ) بن بشير الواسطيّ المذكور في الباب الماضي. ٣ - (أَبُو هَاشِم) الرُّمّانيّ - بضمّ الراء، وتشديد الميم - يحيى بن دينار، وقيل: ابن الأسود، وقيل: ابن أبي الأسود، وقيل: ابن نافع الواسطيّ، ثقةٌ [٦]. رأى أنساً، روى عن أبي وائل، وأبي مجلز، وأبي العالية، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وأبي قلابة، وغيرهم. وروى عنه منصور بن المعتمر، وهو من أقرانه، والثوريّ، وشعبة، وقيس بن الربيع، والحمادان، وشعيب بن ميمون، وهشيم، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: كان فقيهاً صدوقاً، وذكره ابن سعد في تسمية من كان بواسط من الفقهاء والمحدثين، وقال: كان صدوقاً، وقال ابن عبد البرّ: لم يختلفوا في أن اسمه يحيى، وأجمعوا على أنه ثقة. قال الجامع عفا الله عنه: أما قول ابن حبّان في ((الثقات)): أبو هاشم الرمانيّ اسمه يحيى بن أبي الأسود، واسم أبي الأسود: بشر، وقيل: دينار، كان يخطئ، يُعتَبر حديثه، إذا كان من رواية الثقات، لا من رواية الضعفاء؛ ٤٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير لأنه صدوق لم يكن سبب موهن به غير الخطأ، والخطأ متى لم يفحش لم يستحقّ صاحبه الترك. انتهى. ففيه نظر لا يخفى، فقد سمعت أن الأئمة: أحمد، وابن معين، وأبا زرعة، والنسائيّ، وغيرهم اتّفقوا على توثيقه، وقال ابن عبد البرّ: وأجمعوا على توثيقه، فكيف يقول ابن حبّان: كان يُخطئ؟ إلى آخر كلامه، فهذا من العجائب، وأعجب منه سكوت الحافظ في ((تهذيبه)) عليه، ولم يعلّق عليه شيئاً، والله تعالى المستعان. قال عبد الحميد بن بيان الواسطيّ عن أبيه: مات سنة اثنتين وعشرين ومائة، وقال ابن منجويه: مات سنة خمس وأربعين ومائة. أخرج له الجماعة، وليس في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٤ - (أَبُو مِجْلَزٍ) - بكسر الميم، وسكون الجيم - لاحق بن حُميد بن سعيد السَّدوسيّ البصريّ، من كبار [٣]، تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ٥٦٪ ١٥٤٧. ٥ - (قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ) - بضمّ العين المهملة، وتخفيف الموحّدة - الضُّبَعيّ، أبو عبد الله البصريّ مخضرم [٢]، تقدم في ((فضائل الصحابة)) ٦٣٦١/٣٣. ٦ - (أَبُو ذَرٍّ) جندب بن جُنادة الغفاريّ الصحابيّ الشهير ◌َظّتُهُ، تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٤/٢٩. شرح الحديث: (يُقْسِمُ) بضمّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ) الضبعيّ؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ) أوله، من الإقسام، وهو الحلف؛ أي: يحلف، وقوله: (قَسَماً) بفتحتين: اسم من الإقسام، (إِنَّ) قوله تعالى: (﴿هَذَانِ خَصْمَانِ أَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ))؛ أي: هذان الفريقان المتنازلان من المؤمنين والمشركين، ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ أُخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمَّ فَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن ثَارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ [الحج: ١٩]؛ أي: متنازعان، ﴿أُخْتَصَمُواْ﴾؛ أي: تنازعوا ﴿فِى رَبِّمْ﴾؛ أي: في دين ربهم، واختلفوا، وتقاتلوا، كلّ على نَصْر دينه، والخصم في الأصل مصدر، فيوحّد، ويذكّر غالباً، كقوله تعالى: ﴿﴿ وَهَلْ أَتَنَكَ نَبَؤُأْ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ اَلْمِحْرَابَ ﴿3﴾ [ص: ٢١]، ويجوز أن يثنّى، ويُجمع، ويؤنث، كهذه الآية، ولمّا