Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ (١٧) - بَابُ حَدِيثِ جَابِرِ الطَِّيلِ، وَقِصَّةِ أَبِي الْيَسَرِ - حديث رقم (٧٤٨١) (وَقَالَ: ((خُذْ) هذا الشجب (يَا جَابِرُ، فَصُبَّ عَلَيَّ)؛ أي: على يدي التي في قعر الجفنة، (وَقُلْ: بِاسْمِ اللهِ))) قال جابر: (فَصَبَيْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: بِاسْمِ اللهِ، فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَتَفَوَّرُ)؛ أي: يَخرج بقوة (مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ وَِّ، ثُمَّ فَّارَتِ)؛ أي: نبعت (الْجَفْنَةُ، وَدَارَتْ)؛ أي: دار الماء في جوفها، وجوانبها (حَتَّى امْتَلأَتْ) الجفنة بالماء، (فَقَالَ: ((يَا جَابِرُ نَادِ مَنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِمَاءٍ؟») فليأتنا ليأخذه. (قَالَ) جابر: (فَأَتَّى النَّاسُ) كلّهم؛ لأنهم جميعاً محتاجون إلى الماء، (فَاسْتَقَوْا)؛ أي: أخذوا الماء في أوانيهم، وشربوا (حَتَّى رَوَوْا)؛ أي: ذهب عنهم العطش. (قَالَ) جابر: (فَقُلْتُ: هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ لَهُ حَاجَةٌ؟) إلى الماء، فسكتوا (فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَدَهُ) الشريفة المباركة (مِنَ الْجَفْنَةِ، وَهِيَ)؛ أي: والحال أن تلك (الجفنة مَلأَى)؛ أي: ممتلئة ماء. قال القاضي عياض تَظُّ: هذه من باهر معجزاته و 10، وقد روينا عنه هذه في مواطن متفقة المعنى، وكذلك في معجزاته وهو ما تقدّم من أمر الشجرتين، وكذلك اكتفاؤهم بالتمرة الواحدة ببركته وير، وكذلك الدابة التي ألقاها البحر، وتقدّمت في ((كتاب الجهاد)) في غزوة أبي عبيدة، ويظهر أنها قضيّة أخرى غير القضيّة الآتية؛ لأن هذه حضرها رسول الله وَله، ويَحْتمل أن هذه الآتية تلك السابقة، وأوردها جابر بعد ذِكره ما شاهده مع رسول الله وَّر، وعطف هذه القضيّة عليها. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث من أفراد المصنّف لَّهُ لم أر من أخرجه غيره، والله تعالى أعلم. ثم قال جابر ◌َله: (وَشَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ الْجُوعَ)؛ أي: أخبروه أنهم جائعون، (فَقَالَ) وَهِ: ((عَسَى اللهُ أَنْ يُطْعِمَكُمْ)))؛ أي: يسوق إليكم رزقاً من عنده يزيل جوعكم، (فَأَتَيْنَا سِيفَ الْبَحْرِ) بكسر السين، وإسكان المثناة تحتُ هو ساحله، (فَزَخَرَ الْبَحْرُ زَخْرَةً) بالخاء المعجمة؛ أي: علا موجه، (فَأَلْقَى) البحر (دَابَّةً) من دوابّه إلى الساحل، وتقدّم في ((كتاب الصيد)) أنه كان حوتاً عظيماً، يقال له: العنبر، (فَأَوْرَيْنَا)؛ أي: أوقدنا (عَلَى شِقُّهَا)؛ أي: على جنبها (النَّارَ، فَاطَّبَخْنَا) بتشديد الطاء افتعال من الطبخ، (وَاشْتَوَيْنَا)؛ أي: شويناه (١) ((إكمال المعلم)) ٨/ ٥٧٣. ٣٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق على الحديدة المحماة (وَأَكَلْنَا، حَتَّى شَبِعْنَا، قَالَ جَابِرٌ) ◌َله: (فَدَخَلْتُ أَنَا، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ) لأناس سمّاهم، (حَتَّى عَدَّ خَمْسَةً) من الرجال (فِي حِجَاجِ عَيْنِهَا) بكسر الحاء، وفتحها، وهو عَظْمها المستدير بها، والحال أنه (مَا يَرَأَنَا أَحَدٌ، حَتَى خَرَجْنَا) منها (فَأَخَذْنَا ضِلَعاً مِنْ أَضْلَاعِهِ) قال الفيّوميّ تَخْتُهُ: الضِّلُعُ من الحيوان بكسر الضاد، وأما اللام فتفتح في لغة الحجاز، وتسكن في لغة تميم، وهي أنثى، وجمعها أَضْلُعٌ، وأَضْلَاعٌ، وضُلُوعٌ، وهي عظام الجنبين. انتهى(١). (فَقَوَّسْنَاهُ)؛ أي: جعلناه على صورة القوس، (ثُمَّ دَعَوْنَا بِأَعْظَم رَجُلٍ) بالجيم، في رواية الأكثرين، وهو الأصح، ورواه بعضهم بالحاء، وكَذا وقَّع الرواة البخاري بالوجهين. (فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ جَمَلٍ فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمْ كِفْلِ فِي الرَّكْبِ) الكِفْل هنا بكسر الكاف، وإسكانَ الفاء، قال الجمهور: والمراد بالكفل هنا: الكساء الذي يحويه راكب البعير على سنامه؛ لئلا يسقط، فيحفظ الكفل الراكب، قال الهرويّ: قال الأزهري: ومنه اشتقاق قوله تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ﴾ [الحديد: ٢٨]؛ أي: نصيبين يحفظانكم من الهلكة، كما يحفظ الكِفْل الراكب، يقال منه: تكفلت البعير، وأكفلته: إذا أدرت ذلك الكساء حول سنامه، ثم ركبته، وهذا الكساء كِفْل بكسر الكاف، وسكون الفاء، وقال القاضي عياض: وضبطه بعض الرواة بفتح الكاف والفاء، والصحيح الأول (فَدَخَلَ تَحْتَهُ)؛ أي: تحت ذلك الضلع، ومرّ، والحال أنه (مَا يُطَأْطِئُ)؛ أي: يخفض (رَأْسَهُ)؛ أي: لم يحتج هذا الراكب إلى أن يخفض رأسه لِعَظْمه المقوّس، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: حديث جابر رضيله هذا متّفقٌ عليه، بناء على اتحاد القصّة، وإلا فمن أفراد المصنّف تظلهُ. أخرجه هنا [١٧ /٧٤٨١] (٣٠١٤)، و(البخاريّ) في ((المغازي)) (٤٣٦٠). [تنبيه]: هذه السريّة تسمّى سريّة سِيف البحر، وتسمى أيضاً سريّة خبط؛ لأن الصحابة ظه اضطرّوا فيها إلى أكل الخبط، وهو ورق الشجر، وقد مضت قصّة هذه السريّة مبسوطة في ((كتاب الصيد والذبائح))، وذكرنا هناك أنها كانت (١) ((المصباح المنير)) ٣٦٣/٢. ٣٤٣ (١٧) - بَابُ حَدِيثِ جَابِرِ الطَّوِيلِ، وَقِصَّةٍ أَبِي الْيَسَرِ - حديث رقم (٧٤٨١) ضىعنه، سنة ستّ من الهجرة، أو قبلها، وكان أميرهم أبا عبيدة بن الجرّاح خرجوا يتلقون عِيراً لقريش، ويسيرون إلى جهينة. ثم الذي يظهر من سياق الحديث هنا أنهم كانوا مع النبيّ وَّ، ولكن سياق حديث جابر في ((كتاب الصيد)) أن النبيّ وَّ لم يكن معهم في سريّة سيف البحر، حيث قال: ((بعثنا رسول الله وَله، وأمّر علينا أبا عبيدة بن الجرّاح))، وكذلك وقع في روايات البخاريّ في ((المغازي)). ومن أجل هذا الاختلاف مال بعض العلماء؛ كالقاضي عياض ◌َّلُهُ إلى أنهما قصّتان، فما تقدّم في ((كتاب الصيد)) سريّة لم يكن معها رسول الله وَ له، وهذه غزوة شهدها رسول الله له بنفسه، ولكن هذا بعيد بالنظر إلى موافقة الحديثين في أكثر أجزاء القصّة، فالراجح ما ذكره القاضي احتمالاً، وهو أن القصّة واحدة، ولكن أوردها جابر هنا بعد ذكر ما شاهده مع رسول الله مَلآ، وعطف هذه القصّة عليها، وشرحه الحافظ في ((الفتح)) بقوله: يمكن حمل قوله: ((فأتينا سِيف البحر)) على أنه معطوف على شيء محذوف، تقديره: فبعثنا النبيّ ◌َّ في سفر، فأتينا ... إلخ. والحاصل: أن قوله: ((شكا الناس إلى رسول الله وَلّ الجوع، فقال: عسى الله أن يُطعمكم)) منفصل عما بعده، والأسلوب الذي سُردت به أحاديث مختلفة في هذا الحديث الطويل لا يأبى هذا التقدير، والله نُخَالَ أعلم (١). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قرّر صاحب ((التكملة)) هذه المسألة، مرجحاً كون القصّة واحدة، وعندي أنهما قصّتان، وذلك واضح لمن تأمله، فكل الأوجه التي ذكروها لتوحيد القصّة تكلّفات، وتعسّفات، فتأملها بالإنصاف، يتبيّن لك ما قلته. والحاصل: أن جابراً رَظ ◌ُله شهد الواقعتين، واقعة مع أبي عبيدة بن الجراح وظبه، وواقعة مع رسول الله وَله، وهما متشابهتان، فحدّث بكلّ منهما، هذا والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١) (تكملة فتح الملهم)) ٦/ ٥٢٧ - ٥٢٨. ٣٤٤ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق (١٨) - (بَابٌ فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ، وَيُقَالُ لَهُ: حَدِيثُ الرَّحْلِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخُّْ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٨٢] (٢٠٠٩) - (حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: جَاءَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ إِلَى أَبِي فِي مَنْزِلِهِ، فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلاً، فَقَالَ لِعَازِبٍ: ابْعَثْ مَعِيَ ابْتَكَ يَحْمِلْهُ مَعِي إِلَى مَنْزِلِي، فَقَالَ لِي أَبِي: احْمِلْهُ، فَحَمَلْتُهُ، وَخَرَجَ أَبِي مَعَهُ يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا أَبَا بَكْرٍ حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا لَيْلَةَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ِ، قَالَ: نَعَمْ أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا كُلَّهَا، حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، وَخَلَا الطَّرِيقُ، فَلَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ، حَتَّى رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ، لَهَا ظِلٌّ، لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَعْدُ، فَزَلْنَا عِنْدَهَا، فَأَتَيْتُ الصَّخْرَةَ، فَسَوَّيْتُ بِيَدِي مَكَانَاً يَنَامُ فِيهِ النَّبِيُّ ◌َه فِي ظِلِّهَا، ثُمَّ بَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً، ثُمَّ قُلْتُ: نَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ، فَنَامَ، وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَم، مُقْبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَى الصَّخْرَةِ، يُرِيدُ مِنْهَا الَّذِي أَرَدْنَا، فَلَقِيتُهُ، فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنْ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَفَتَحْلُبُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَخَذَ شَاةً، فَقُلْتُ لَهُ: انْفُضِ الضَّرْعَ مِنَ الشَّعَرِ، وَالتُّرَابِ، وَالْقَذَى، قَالَ: فَرَأَيْتُ الْبَرَاءَ يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى الأُخْرَى، يَنْفُضُ، فَحَلَبَ لِي فِي قَعْبٍ مَعَهُ، كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، قَالَ: وَمَعِي إِدَاوَةٌ، أَرْتَوِي فِيهَا لِلنَّبِيِّ نَّهِ لِيَشْرَبَ مِنْهَا، وَيَتَوَضَّأَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ وَّهِ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ مِنْ نَوْمِهِ، فَوَافَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ، فَصَبَيْتُ عَلَى اللَّبَنِ مِنَ الْمَاءِ، حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ اشْرَبْ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ، قَالَ: فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ، ثُمَّ قَالَ: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ؟))، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ، قَالَ: وَنَحْنُ فِي جَلَدٍ مِنَ الأَرْضِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أُتِينَا، فَقَالَ: ((لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَ))، فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا أُرَى، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ، ٣٤٥ (١٨) - بَابٌ فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ، وَيُقَالُ لَهُ: حَدِيثُ الرَّحْلِ - حديث رقم (٧٤٨٢) فَادْعُوَا لِي، فَاللهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ، فَدَعَا اللّهَ، فَتَجَى، فَرَجَعَ، لَا يَلْقَى أَحَداً إِلَّا قَالَ: قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا هَا هُنَا، فَلَا يَلْقَى أَحَداً إِلَّا رَدَّهُ، قَالَ: وَوَفَى لَنَا). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعِيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، من كبار [١١]، تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٠. ٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين الحرّاني، أبو عليّ، نُسب لجدّه [٩]، تقدم في (الإيمان)) ١١٩/٤. ٣ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن خُديج الجعفيّ الكوفيّ [٧]، تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٢. ٤ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد السَّبِيعيّ الكوفيّ [٣]، تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣. ٥ - (الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ) بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌َّ، تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٤/٣٥. شرح الحديث: عن زُهَيْر هو ابن معاوية، أبو خيثمة الجعفيّ قال البزار: لم يرو هذا الحديث تامّاً عن أبي إسحاق إلا زهير، وأخوه خديج، وإسرائيل، وروى شعبة منه قصة اللبن خاصة. انتهى. قال الحافظ: وقد رواه عن أبي إسحاق مطوّلاً أيضاً حفيده يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق. انتهى(١). أنه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبِيعيّ (قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ) ﴿ّ، صرّح أبو إسحاق بالسماع من البراء، فانتفت عنه تهمة التدليس؛ لأنه مشهور به. (يَقُولُ: جَاءَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ) ◌َّهِ (إِلَى أَبِي) هو عازب بن الحارث بن عديّ الأَوسيّ ◌َظُه من قدماء الأنصار، (فِي مَنْزِلِهِ) متعلّق بـ((أتى))، (فَاشْتَرَى) أبو بكر (مِنْهُ)؛ أي: من أبيه (رَحْلاً) بفتح الراء، وسكون الحاء المهملة: هو للناقة كالسرج للفرس، (فَقَالَ) أبو بكر (لِعَازِبٍ: ابْعَثْ مَعِيَ (١) ((الفتح)) ٢٩١/٨، ((كتاب المناقب)) رقم (٣٦١٥). ٣٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق ابْنَكَ) البراء (يَحْمِلْهُ)؛ أي: الرحل (مَعِي إِلَى مَنْزِلِي)؛ أي: بيتي، (فَقَالَ لِي أَبِي: احْمِلْهُ) معه إلى منزله، (فَحَمَلْتُهُ) ووقع في رواية إسرائيل أن عازباً امتنع من إرسال ابنه مع أبي بكر حتى يحدثه أبو بكر بالحديث، وهي زيادة ثقة مقبولة، لا تنافي هذه الرواية، بل يُحمَل قوله: ((فقال له أبي))؛ أي: من قبل أن أحمله معه، أو أعاد عازب سؤال أبي بكر عن التحديث بعد أن شرطه عليه أوّلاً وأجابه إليه. [تنبيه]: قال الخطابيّ كَُّهُ: تمسك بهذا الحديث من استجاز أخذ الأجرة على التحديث، وهو تمسك باطل؛ لأن هؤلاء اتخذوا التحديث بضاعة، وأما الذي وقع بين عازب وأبي بكر فإنما هو على مقتضى العادة الجارية بين التجار بأن أتباعهم يحملون السلعة مع المشتري، سواء أعطاهم أجرة أم لا . قال الحافظ: كذا قال، ولا ريب أن في الاستدلال للجواز بذلك بُعْداً؛ لتوقفه على أن عازباً لو استمرّ على الامتناع من إرسال ابنه لاستمر أبو بكر على الامتناع من التحديث، والله أعلم. انتهى(١). (وَخَرَجَ أَبِي مَعَهُ)؛ أي: مع أبي بكر، (يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ)؛ أي: يستوفيه، (فَقَالَ لَهُ)؛ أي: لأبي بكر، (أَبِي) عازب، (يَا أَبًا بَكْرٍ حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا لَيْلَةَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ رَ، قَالَ: نَعَمْ أَسْرَيْنَا) هكذا استعمل كل منهما إحدى اللغتين، فإنه يقال: سريت، وأسريت في سير الليل، قاله في ((الفتح))، وقال في ((العمدة)): سرى وأسرى لغتان بمعنى السير في الليل، قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، وقال: ﴿وَلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ [الفجر: ٤]. (لَيْلَتَنَا كُلَّهَا) زاد في رواية البخاريّ: ((ومن الغد))؛ يعني: سرينا ليلاً، وذلك حين خرجا من الغار، وكانا لبثا في الغار ثلاث ليال، ثم خرجا، وقوله: ((ومن الغد))؛ أي: بعض الغد، والعطف فيه كما في قوله: عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءَ بَارِدَا (حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ)؛ أي: نصف النهار، وسمي قائماً؛ لأن الظل لا يظهر حينئذ، فكأنه واقف، ووقع في رواية إسرائيل: ((أسرينا ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا))؛ أي: دخلنا في وقت الظهر. (١) ((الفتح)) ٣٢٣/٨. ٣٤٧ (١٨) - بَابٌ فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ، وَيُقَالُ لَهُ: حَدِيثُ الرَّحْلِ - حديث رقم (٧٤٨٢) وقال القاري: ((حتى قام قائم الظهيرة))؛ أي: بلغت الشمس وسط السماء، ففي ((النهاية))؛ أي: قامت الشمس وقت الزوال، من قولهم: قامت به دابته؛ أي: وقفت، والمعنى: أن الشمس إذا بلغت وسط السماء أبطأت حركة الظل إلى أن تزول، فيحسب الناظر أنها قد وقفت، وهي سائرة، لكن سيراً لا يظهر له أثر سريع، كما يظهر قبل الزوال وبعده، فيقال لذلك الوقوف المشاهَد: قام قائم الظهيرة. انتهى(١). (وَخَلَ الطَّرِيقُ)؛ أي: صار خالياً عن مرور الناس، وهذا يدل على أنه كان في زمن الحرّ، وقيل في قوله: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [القصص: ١٥]؛ أي: نصف من النهار، وقوله: (فَلَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ) تأكيد لِمَا قبله، (حَتَّى رُفِعَتْ لَنَا) بالبناء للمفعول؛ أي: ظهرت لأبصارنا (صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ، لَهَا)؛ أي: لتلك الصخرة (ظِلِّ)؛ أي: عظيم، من صفته (لَمْ تَأْتِ) بالتأنيث، ويُذَكَّر؛ أي: لم تحكم (عَلَيْهِ الشَّمْسُ)؛ أي: بشعاعها (بَعْدُ)؛ أي: الآن؛ لأن ((بعدُ)) تستعمل بمعنى الآن، كما في قول الشاعر [من الطويل]: كَمَا قَدْ دَعَانِي فِي ابْنِ مَنْصُورَ قَبْلَهَا وَمَاتَ فَمَا حَانَتْ مَنِيَّتُهُ بَعْدُ أي: الآن، قاله المرتضى في ((التاج))(٢). (فَأَتَيْتُ الصَّخْرَةَ، فَسَوَّيْتُ بِيَدِي) بالإفراد، ويَحْتمل أن يكون بالتثنية، (مَكَاناً) وقوله: (يَنَامُ فِيهِ النَّبِيُّ ◌َّ) استئناف تعليل، أو صفة لـ((مكاناً))، (فِي ظِلُّهَا) هذا إشعار بزيادة الاهتمام في الخدمة. (ثُمَّ بَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً)؛ أي: وفرشت على المكان جلداً بشَعْره، وقال في ((الفتح)»: قوله: ((وبسطت عليه فروة)) هي معروفة، ويَحْتَمِل أن يكون المراد: شيء من الحشيش اليابس، لكن يقوِّي الأول أن في رواية يوسف بن إسحاق: ((ففرشت له فروة معي))، وفي رواية خَدِيج في ((جزء لُوين)): ((فروة كانت معي)). وقال النوويّ تَّتُهُ: المراد: الفروة المعروفة التي تُلْبَس، هذا هو الصواب، وذكر القاضي أن بعضهم قال: المراد بالفروة هنا الحشيش، فإنه (١) ((مرقاة المفاتيح)) ٤/١١. (٢) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ٣٠٤/٢. ٣٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق يقال له: فروة، وهذا قول باطل، ومما يردّه قوله في رواية البخاريّ: ((فروة معي))، ويقال لها: فروة بالهاء، وفرو بحذفها، وهو الأشهر في اللغة، وان کانتا صحیحتین. انتهى(١). (ثُمَّ قُلْتُ: نَمْ) بفتح النون، وسكون الميم، أمر من نام ينام؛ كخاف يخاف، وأما ما اشتهر على الألسنة من قولهم: نُم بضمّ النون فمن الأخطاء الشائعة، فتنبّه. (يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَنَا أَنْفُضُ)؛ أي: أحرّك، يقال: نفض نفضاً، من باب قتل: إذا حرّكه ليزول عنه الغبار ونحوه، فانتفض؛ أي: تحرّك لذلك، ونفضت الورق من الشجرة: أسقطته، أفاده المجد والفيّوميّ. وقال القاري: ((وأنا أنفض ما حولك)) بضم الفاء؛ أي: أتجسس الأخبار، وأتفحص عن العدوّ، وأرى هل هناك مؤذٍ من عدوّ وغيره، من النفض الذي هو سبب النظافة، من نحو الغبار، وفي ((النهاية))؛ أي: أحرسك، وأطوف هل أرى طلباً، يقال: نفضت المكان: إذا نظرت جميع ما فيه، والنفضة بفتح الفاء، وسكونها، والنفيضة: قوم يبعثون متجسسين، هل يرون عدوّاً أو خوفاً؟ انتهى(٢). (لَكَ مَا حَوْلَكَ)؛ يعني: من الغبار، ونحو ذلك، حتى لا يثيره عليه الريح، وقيل: معنى النفض هنا: الحراسة، يقال: نفضت المكان إذا نظرت جميع ما فيه، ويؤيده قوله في رواية إسرائيل: ((ثم انطلقت أنظر ما حولي، هل أرى من الطلب أحداً. (فَنَامَ) النبيّ وَّهِ (وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ)؛ أي: أحرّك، وأزيل (مَا حَوْلَهُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَم) ((إذا)) هنا للمفاجأة؛ أي: ففاجأني وجود راعي غنم، قال الحافظ تَّتُهُ: لم أقف على تسميته، ولا على تسمية صاحب الغنم، إلا أنه جاء في حديث عبد الله بن مسعود شيء تمسَّك به من زعم أنه الراعي، وذلك فيما أخرجه أحمد، وابن حبان من طريق عاصم، عن زِرّ، عن ابن مسعود قال: كنت أرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط، فمر بي رسول الله وَثقته، وأبو بكر، فقال: يا غلام هل من لبن؟ قلت: نعم، ولكني مؤتمن ... )) الحديث، وهذا لا يصلح أن يفسر به الراعي في حديث البراء؛ لأن ذاك قيل له: ((هل (١) ((شرح النوويّ)) ١٤٨/١٨. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٤/١١. ٣٤٩ (١٨) - بَابٌ فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ، وَيُقَالُ لَهُ: حَدِيثُ الرَّحْلِ - حديث رقم (٧٤٨٢) أنت حالب؟ فقال: نعم))، وهذا أشار بأنه غير حالب، وذاك حلب من شاة حافل، وهذا من شاة لم تُطرَق، ولم تَحْمِل، ثم إن في بقية هذا الحديث ما يدل على أن قصته كانت قبل الهجرة؛ لقوله فيه: ((ثم أتيته بعد هذا، فقلت: يا رسول الله علّمني من هذا القول)»، فإن هذا يُشعر بأنها كانت قبل إسلام ابن مسعود، وإسلام ابن مسعود كان قديماً قبل الهجرة بزمان، فبطل أن يكون هو صاحب القصة في الهجرة، والله أعلم. انتهى(١). (مُقْبِلٍ) بالجرّ صفة ((راع))، ومعناه: جاء من قِبَلنا، ومن جهة قُدّامنا (بِغَنَمِهِ إِلَى الصَّخْرَةِ، يُرِيدُ مِنْهَا)؛ أي: من الصخرة (الَّذِي أَرَدْنَا)؛ أي: المكان الذي قصدناه، وهو الظلّ، (فَلَقِيتُهُ) بكسر القاف، (فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتَ بَا غُلَامُ؟ فَقَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) هكذا في رواية مسلم، وفي رواية البخاريّ: (لرجل من أهل المدينة، أو مكة))، قال الحافظ: هو شك من الراوي أيّ اللفظين قال، وكأن الشك من أحمد بن يزيد، فإن مسلماً أخرجه من طريق الحسن بن محمد بن أعين، عن زهير، فقال فيه: (لرجل من أهل المدينة))، ولم يشك، ووقع في رواية خَديج: ((فسمى رجلاً من أهل مكة)) ولم يشك، والمراد بالمدينة: مكة، ولم يُرِدْ بالمدينة النبوية؛ لأنها حينئذ لم تكن تسمى المدينة، وإنما كان يقال لها: يثرب، وأيضاً فلم تَجْرِ العادة للرعاة أن يبعدوا في المراعي هذه المسافة البعيدة. ووقع في رواية إسرائيل: ((فقال: لرجل من قريش، سمّاه، فعرفته))، وهذا يؤيد ما قررته؛ لأن قريشاً لم يكونوا يسكنون المدينة النبوية إذ ذاك. انتهى. (قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنَّ؟) بفتح اللام، والباء، يعني اللبن المعروف، هذه الرواية المشهورة، وروى بعضهم: لُبْنٌّ بضم اللام، وإسكان الباء؛ أي: شياه وذوات ألبان(٢). وقال في ((العمدة)): ((لبن)) بفتح اللام، والباء الموحدة، وحَكَى عياض أن في رواية ((لُّبَّن)) بضم اللام، وتشديد الباء الموحدة، جمع لابن؛ أي: هل في (٣) غنمك ذوات لبن. انتهى (١) ((الفتح)) ٣٢٣/٨. (٣) ((عمدة القاري)) ١٤٨/١٦. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٩/١٨. ٣٥٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق (قَالَ: نَعَمْ) فيها لبن، (قُلْتُ: أَفَتَحْلُبُ لِي؟) بضم اللام، ويجوز كسرها، على ما في ((القاموس))، والمعنى: أفتحلبها لي؟(١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((أفتحلب ... إلخ)) الظاهر أن مراده بهذا الاستفهام: أمعك إذن في الحلب لمن يمر بك على سبيل الضيافة؟ وبهذا التقرير يندفع الإشكال، وهو كيف استجاز أبو بكر أخذ اللبن من الراعي بغير إذن مالك الغنم؟ ويَحْتَمِل أن يكون أبو بكر لمّا عرفه عرف رضاه بذلك، بصداقته له، أو إذنه العام لذلك. انتهى (٢) . وقال النوويّ تَخْلُهُ: وهذا الحديث مما يُسأل عنه، فيقال: كيف شربوا اللبن من الغلام، وليس هو مالكه؟ وجوابه من أوجه: أحدها: أنه محمول على عادة العرب، أنهم يأذنون للرعاة إذا مر بهم ضيف، أو عابر سبيل أن يسقوه اللبن ونحوه. والثاني: أنه كان لصديق لهم، يُدْلون عليه، وهذا جائز. والثالث: أنه مال حربيّ، لا أمان له، ومثل هذا جائز. والرابع: لعلهم كانوا مضطرين، والجوابان الأولان أجود. انتهى(٣). (قَالَ: نَعَمْ) أحلب لك، (فَأَخَذَ شَاةً، فَقُلْتُ لَهُ: انْفُضِ الضَّرْعَ)؛ أي: ثدي الشاة، وفي رواية إسرائيل: ((وأمرته، فاعتقل شاة))؛ أي: وضع رجلها بين فخذيه، أو ساقيه يمنعها من الحركة، (مِنَ الشَّعَرِ، وَالتُّرَابِ، وَالْقَذَى) بفتحتين؛ أي: الوسخ، وقال في ((العمدة)): القذى بفتح القاف، وفتح الذال المعجمة، مقصوراً هو الذي يقع في العين، يقال: قذت عينه: إذا وقع فيها القذى؛ كأنه شبّه ما يصير في الضرع من الأوساخ بالقذى في العين. انتهى (٤). (قَالَ) أبو إسحاق: (فَرَأَيْتُ الْبَرَاءَ) تَظُهُ (يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى الأُخْرَى) حال كونه (يَنْفُضُ) الضرع؛ أي: إنما فعل ذلك؛ ليريهم كيفيّة النفض، (فَحَلَبَ لِي) وفي رواية للبخاريّ: ((فأخذت قدحاً، فحلبت))، ويُجمع بأنه تجوّز في قوله: ((فحلبت))، ومراده: أمرت بالحلب، (فِي قَعْبٍ مَعَهُ) بفتح القاف، وسكون (١) ((مرقاة المفاتيح)) ٤/١١. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٤٩/١٨. (٢) ((الفتح)) ٣٢٣/٨. (٤) ((عمدة القاري)) ١٤٨/١٦. ٣٥١ (١٨) - بَابٌ فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ، وَيُقَالُ لَهُ: حَدِيثُ الرَّحْلِ - حديث رقم (٧٤٨٢) العين؛ أي: في قدح من خشب مُقَعّر. (كُثْبَةً مِنْ لَبَنِ) بضم الكاف، وسكون المثلثة، وفتح الموحدة؛ أي: قدر قدح، وقيل: حلبة خفيفة، ويطلق على القليل من الماء واللبن، وعلى الجرعة تبقى في الإناء، وعلى القليل من الطعام والشراب، وغيرهما، من كل مجتمع(١). (قَالَ: وَمَعِي إِدَاوَةٌ) بكسر الهمزة، وهي ما يُعمل من جلد، يستصحبه المسافر، (أَرْتَوِي فِيهَا لِلنَّبِيِّ وَّ) قال التوربشتيّ: رويت من الماء بالكسر، وارتويت، وترويت كلها بمعنى، قال الطيبيّ: فعلى هذا ينبغي أن يقال: يرتوي منها، لا فيها، قال القاري: ((في)) تأتي بمعنى ((من))، أو التقدير: يرتوي من الماء فيها، وقال النوويّ: معنى (يرتوي فيها)): جعل القدح آلة للريّ، والسقي، ومنه الراوية للإبل التي يُستقى عليها الماء. انتهى، فعلى هذا يكون ((في)) بمعنى الباء. انتهى (٢). (لِيَشْرَبَ) النبيّ نَّهِ (مِنْهَا)؛ أي: من تلك الإداوة (وَيَتَوَضَّأَ) منها، وقال القاري: قوله: ((يشرب، ويتوضأ)) مستأنفان للبيان، والجملة أعني قوله: ((ومعي ... إلخ)) حالية معترضة بين قوله: ((فحلب)) وقوله: ((فأتيت النبيّ)). (قَالَ) أبو بكر نَظُهُ: (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ وََّ)؛ أي: باللبن، (وَكَرِهْتُ أَنْ أُوْقِظَهُ)؛ أي: أنبّهه (مِنْ نَوْمِهِ) لاحتمال أن يكون يوحى إليه، فأقطعه عليه، لكنه قد استيقظ قبل أن يأتي أبو بكر، كما بيّنه بقوله: (فَوَافَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ، فَصَبَيْتُ عَلَى اللَّبَنِ مِنَ الْمَاءِ، حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ) كناية عن كثرة الماء، (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ اشْرَبْ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ، قَالَ: فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ)؛ أي: طاب خاطري، (ثُمَّ قَالَ) بَ: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ؟))) من أنى يأني: إذا دخل وقت الشيء، والمعنى: ألم يدخل وقت الرحيل؟ قال القاري: كذا قاله بعضهم، والأظهر في المعنى: ألم يأت وقت التحوّل للرحيل؟ وهو السير إلى الموضع المقصود، فيطابق قوله تعالى: ﴿أَلَمَّ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَمَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَهِ﴾ [الحديد: ١٦]، قال أبو بكر: (قُلْتُ: بَلَى) آن وقت الرحيل، (قَالَ) أبو بكر: (فَارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا زَالَتِ الشَّمْسُ)؛ أي: من وسط السماء، وحصل برد الهواء، (وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةٌ) بضم السين، (ابْنُ مَالِك) بن جُعشم الْمُدْلِجيّ الكنانيّ، كان ينزل (١) ((الفتح)) ٣٢٣/٨. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٤/١١. ٣٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق قُديداً، ويُعدّ في أهل المدينة، روى عنه جماعة، وكان شاعراً، مجيداً، وكان من مُسلمة الفتح، ومات في خلافة عثمان ◌ّ سنة أربع وعشرين، وقيل: بعد ذلك، تقدّمت ترجمته في ((الحج)) ١٧/ ٢٩٤٣. وفي رواية إسرائيل: ((فارتحلنا، والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا غير سراقة بن مالك بن جعشم)). [تنبيه]: ذكر ابن إسحاق تخُّ قصّة اتباع سراقة للنبيّ وَّ، فقال: وحدّثني الزهريّ أن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم حدثه، عن أبيه، عن عمه سراقة بن مالك بن جعشم، قال: لمّا خرج رسول الله وَله من مكة مهاجراً إلى المدينة، جعلت قريش فيه مئة ناقة لمن ردّه عليهم. قال: فبينما أنا جالس في نادي قومي إذ أقبل رجل منا، حتى وقف علينا، فقال: والله لقد رأيت ثلاثة مروا عليّ آنفاً، إني لأراهم محمداً وأصحابه، قال: فأومأت إليه بعيني أن اسكت، ثم قلت: إنما هم بنو فلان يبتغون ضالة لهم، قال: لعله، ثم سكت، قال: ثم مكثت قليلاً، ثم قمت، فدخلت بيتي، ثم أمرت بفرسي، فَقِيْدَ لي إلى بطن الوادي، وأمرت بسلاحي، فأُخرج لي من دبر حجرتي، ثم أخذت قداحي التي أستقسم بها، ثم انطلقت، فلبست لَأُمتي، ثم أخرجت قداحي، فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره ((لا يضره)). قال: وكنت أرجو أن أرده على قريش، فأخذ المئة الناقة. قال: فركبت على أثره فبينما فرسي يشتد بي عثر بي، فسقطت عنه. قال: فقلت: ما هذا؟ قال: ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره «لا يضره)). قال: فأبيت إلا أن أتبعه. قال: فركبت في أثره فبينما فرسي يشتد بي، عثر بي، فسقطت عنه. قال: فقلت: ما هذا؟، قال: ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره ((لا يضره))، قال: فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت في أثره، فلما بدا لي القوم، ورأيتهم عثر بي فرسي، فذهبت يداه في الأرض، وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض وتبعهما دخان كالإعصار، قال: فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد مُنع مني، وأنه ظاهر، قال: فناديت القوم، فقلت: أنا سراقة بن جعشم انظروني أكلمكم، فوالله لا أريبكم، ولا يأتيكم مني شيء، قال: فقال رسول الله وَ لأبي بكر: «قل له: وما تبتغي منا؟)) قال: فقال ذلك أبو بكر، ٣٥٣ (١٨) - بَابٌ فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ، وَيُقَالُ لَهُ: حَدِيثُ الرَّحْلِ - حديث رقم (٧٤٨٢) قال: قلت: تكتب لي كتاباً يكون آية بيني وبينك، قال: ((اكتب له يا أبا بكر))، قال: فكتب لي كتاباً في عظم، أو في رقعة، أو في خزفة، ثم ألقاه إليّ، فأخذته، فجعلته في كنانتي، ثم رجعت، فسكت، فلم أذكر شيئاً مما كان، حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله وَله، وفرغ من حنين والطائف، خرجت ومعي الكتاب لألقاه، فلقيته بالجعرانة. قال: فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار، قال: فجعلوا يقرعونني بالرماح، ويقولون: إليك إليك، ماذا تريد؟ قال: فدنوت من رسول الله وَلّ، وهو على ناقته، والله لكأني أنظر إلى ساقه في غرزه كأنها جمارة، قال: فرفعت يدي بالكتاب، ثم قلت: يا رسول الله هذا كتابك لي، أنا سراقة بن جعشم، قال: فقال رسول الله وَلو: ((يوم وفاء وبرّ، اذْنُهْ))، قال: فدنوت منه، فأسلمت. ثم تذكرت شيئاً أسأل رسول الله ولايه عنه، فما أذكره إلا أني قلت: يا رسول الله الضالة من الإبل تغشى حياضي، وقد ملأتها لإبلي، هل لي من أجر في أن أسقيها؟ قال: ((نعم، في كل ذات كبد حَرَّى أجر)). قال: ثم رجعت إلى قومي، فَسُقْت إلى رسول الله وَلـ صدقتي. انتهى(١) . ومما قاله سراقة ربه يخاطب أبا جهل بعد انصرافه عن رسول الله وَلـ [من الطويل]: لِأَمْرٍ جَوَادِي إِذْ تَسُوخُ قَوَائِمُهْ أَبَا حَكَمْ وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ شَاهِداً رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ فَمَنْ ذَا يُقَاوِمُهْ عَلِمْتَ وَّلَمْ تَشْكُكْ بِأَنَّ مُحَمَّداً أَرَى أَمْرَهُ يَوْماً سَيَبْدُو مَعَالِمُهْ عَلَيْكَ بِكَفِّ الْقَوْمِ عَنْهُ فَإِنَّنِي فَإِنَّ جَمِيعَ النَّاسِ طُرّاً تُسَالِمُهْ بِأَمْرٍ يَقُودُ النَّاسَ فِيهِ بِأَسْرِهِمْ وروى سفيان بن عيينة، عن أبي موسى، عن الحسن: أن رسول الله وَل قال لسراقة بن مالك: ((كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟)) قال: فلما أُتي عمر بسواري كسرى، ومنطقته، وتاجه دعا سراقة بن مالك، فألبسه إياهما، وكان سراقة رجلاً أزبّ كثير شعر الساعدين، وقال له: ارفع يديك، فقال: الله أكبر، الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز الذي كان يقول: أنا رب الناس، (١) (سيرة ابن هشام)) ١/ ٤٨٩ - ٤٩٠. ٣٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق وألبسهما سراقة بن مالك بن جعشم أعرابيّ رجل من بني مدلج، ورفع بها عمر صوته(١). (قَالَ) أبو بكر: (وَنَحْنُ فِي جَلَدٍ) بفتحتين؛ أي: صُلب (مِنَ الأَرْضِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أُتِينَا) بالبناء للمفعول؛ أي: أدركنا العدوّ، (فَقَالَ) ◌َّ : ((لَا تَحْزَنْ) بإدراك العدوّ لنا، (إِنَّ اللهَ مَعَنَا») تعليل لنهيه عن الحزن؛ أي: لأن الله تعالى معنا معيّة خاصّة بنصره، وعونه. (فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ)؛ أي: غاصت قوائمها كما تصوغ في الرمل (إِلَى بَطْنِهَا أُرَى) بضم الهمزة؛ أي: أظنّ، والشك من الراوي، البراء، أو من دونه، (فَقَالَ) سراقة: (إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ،)؛ أي: فبسبب دعائكما ارتطمت فرسي، (فَادْعُوَا لِي) لينجّيني مما وقعت فيه، (فَاللهُ) بالرفع مبتدأ وقوله: (لَكُمَا) خبره؛ أي: ناصر لكما، وقوله: (أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا)؛ أي: أدعو لأن أرد، فهو علة للدعاء، ويروى بنصب لفظة ((الله))؛ أي: فأُشهد الله لأجلكما، أن أرد عنكما الطلب، وقيل: بالجرّ أيضاً بنزع الخافض، والتقدير: أقسم بالله لكما بأن أرد (الطََّبَ) وهو جمع طالب، وفي ((شرح السُّنَّة)): ((أقسم بالله لكما على الرد))، (فَدَعَا) النبيّ نَّهِ (الله) تعالى أن ينجيه (فَنَجَى)؛ أي: من الارتطام، (فرَجَعَ) سراقة (لَا يَلْقَى أَحَداً) من المشركين (إِلَّا قَالَ: قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا هَا هُنَا)؛ أي: هلهنا ممن يريد إلحاق الضرر بكما، (فَلَا يَلْقَى أَحَداً إِلَّا رَدَّهُ، قَالَ) أبو بكر: (وَوَفَى لَنَا)؛ أي: وفى سُراقة بما وعده لنا من ردّ الطلب. وقال في ((المرقاة)): قوله: ((فقال: إني أراكما)) بفتح الهمز من الرأي، (دعوتما عليّ))؛ أي: بالمضرة، ((فادعوا لي))؛ أي: بالمنفعة، والنجاة من المشقة، ((فالله لكما)) بالرفع، وفي نسخة بالنصب، قال بعضهم: هو مرفوع بالابتداء؛ أي: فالله كفيل عليّ لكما أن لا أَهُمّ بعد ذلك لغدركما، أو فالله مستجيب، والفاء للسببية، وقوله: ((أن أرد عنكما الطلب)) متعلق بـ((ادعوا))؛ أي: لأن أرد، أو منصوب بإضمار فعل؛ أي: أسأل الله لكما أن أرد عنكما الطلب؛ أي: طلب الكفار الذين طلبوكما . (١) ((الاستيعاب في معرفة الأصحاب)) لابن عبد البرّ ٥٨١/٢. ٣٥٥ (١٨) - بَابٌ فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ، وَيُقَالُ لَهُ: حَدِيثُ الرَّحْلِ - حديث رقم (٧٤٨٢) وقال الأشرف: الجار محذوف، وتقديره: بأن أرد، وقوله: ((فالله لكما)) حشو بينهما، ويمكن أن يقال: ((فالله)) مبتدأ، و((لكما)) خبره، وقوله: ((أن أرد)) خبر ثان للمبتدأ، وقال غيره: معناه: فادعوا لي كي لا يرتطم فرسي على أن أترك طلبكما، ولا أتبعكما بعدُ، ثم دعا لهما بقوله: ((فالله لكما))؛ أي: الله تعالى حافظكما، وناصركما، حتى تبلغا بالسلامة إلى مقصدكما . ويجوز أن يكون معناه: ادعوا لي حتى أنصرف عنكما، فإن الله تعالى قد تكفل بحفظكما عني، وحبسني عن البلوغ إليكما . قال الطيبيّ: الفاء في ((فالله)) تقتضي ترتّب ما بعدها عليه، فالتقدير: ادعوا لي بأن أتخلص مما أنا فيه، فإنكما إن فعلتما فالله أشهد لأجلكما أن أرد عنكما الطلب، ويؤيد هذا التقدير ما في ((شرح السُّنَّة)). ((والله)) على القسم؛ أي: أقسم بالله لكما على أن أرد الطلب عنكما. ((فدعا له النبيّ فنجا))؛ أي: فتخلص من العناء، ((فجعل))؛ أي: فشرع في الوفاء بما وعد، ((لا يلقى أحداً))؛ أي: من ورائهما، ((إلا قال: كفيتم)) بصيغة المفعول، وفي نسخة (١): ((لقد كفيتم))؛ أي: استغنيتم عن الطلب في هذا الجانب؛ لأني كفيتكم ذلك، ((ما لههنا))؛ أي: ليس ههنا أحد، فـ((ما)) نافية على ما ذكره بعض الشراح، وقال الطيبيّ: ((ما لههنا)) بمعنى الذي؛ أي: كفيتم الذي لههنا. انتهى، قال القاري: والأول أظهر، وهو أولى لِمَا يستفاد منه التأكيد كما لا يخفى؛ كقوله: «فلا يلقى أحداً إلا ردّه))؛ أي: بهذا المعنى. انتهى (٢). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب ظها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٨٢/١٨ و٧٤٨٣] (٢٠٠٩)، و(البخاريّ) في ((اللقطة)) (٢٤٣٩) و((فضائل الصحابة)) (٣٦١٥) و((المناقب)) (٣٩٠٨ و٣٩١٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٢٧/١٤ و٣٣٠)، و(أحمد) في (١) أي: من ((المشكاة)) فتنبّه. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٤/١١. ٣٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق (مسنده)) (٢/١ -٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٢٨١)، و(البيهقيّ) في ((الدلائل)) (٤٨٥/٢)، و(الفسويّ) في ((المعرفة)) (٢٣٩/١ - ٢٤١)، و(أبو نعيم) في ((الدلائل)) (٣٢٥/٢)، وقد تقدّم الحديث مختصراً في ((كتاب الأشربة))، برقم [٥٢٢٧/٩ و٥٢٢٨] (٢٠٠٩) وتقدّم تخريجه هناك، وبالله تعالى التوفيق. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان معجزة لرسول الله وَله. الله ٢ - (ومنها): بيان فضيلة لأبي بكر الصدّيق رضى عنه . ٣ - (ومنها): أن فيه خدمةَ التابع الحرّ للمتبوع في يقظته، والذبّ عنه في نومه. ٤ - (ومنها): شدة محبة أبي بكر للنبيّ وَّ، وأدبه معه، وإيثاره له على نفسه. ٦ - (ومنها): استصحاب آلة السفر؛ كالإداوة، والسفرة، ولا يقدح ذلك في التوكل. ٦ - (ومنها): استحباب التنظيف لِمَا يؤكل ويشرب. ٧ - (ومنها): فضل التوكل على الله تعالى، وأن الرجل الجليل إذا نام يدافع عنه. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٨٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ (ح) وَحَدَّثَنَهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلِ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَبِي رَحْلاً بِثَلاثَةَ عَشَرَ دِرْهَماً، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِمَعْنَى حَدِيثٍ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ، مِنْ رِوَايَةٍ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ: فَلَمَّا دَنَا دَعَا عَلَّيْهِ رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَسَاخَ فَرَسُهُ فِي الأَرْضِ إِلَى بَطْنِهِ، وَوَثَبَ عَنْهُ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا عَمَلُكَ، فَادْعُ اللهَ أَنْ يُخَلِّصَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، وَلَكَ عَلَيَّ لِأُعَمَِّنَّ عَلَى مَنْ وَرَائِي، وَهَذِهِ كِنَانَتِي، فَخُذْ سَهْماً مِنْهَا، فَإِنَّكَ سَتَمُرُّ عَلَى إِبِلِي، وَغِلْمَانِي بِمَكَانٍ كَذَا وَكَذَا، فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ، قَالَ: ((لَا حَاجَةَ لِي فِي إِبِكَ))، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لَيْلاً، فَتَنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَِّهِ، فَقَالَ: ((أَنْزِلُ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ أَخْوَالِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أُكْرِمُهُمْ بِذَلِكَ))، فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَوْقَ الْبُيُوتِ، وَتَفَرَّقَ الْغِلْمَانُ، وَالْخَدَمُ ٣٥٧ (١٨) - بَابٌ فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ، وَيُقَالُ لَهُ: حَدِيثُ الرَّحْلِ - حديث رقم (٧٤٨٣) فِي الطَّرُقِ، يُنَادُونَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا رَسُولَ اللهِ، يَا مُحَمَّدُ، يَا رَسُولَ اللهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٢ - (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بن فارس العبديّ البصريّ، بخاريّ الأصل [٩]، تقدم في ((الإيمان)) ٤١٧/٧٩. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه المروزيّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٤ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) أبو الحسن البصريّ، نزيل مرو، من كبار [٩]، تقدم فى ((المقدمة)) ٣٩/٦. ٥ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ [٧]، تقدم في ((الطهارة)) ٢/ ٥٤٢. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل ((ساق)) ضمير إسرائيل. وقوله: (لأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَائِي)؛ أي: لأخفينّ أمركم عمن ورائي ممن يطلبكم، وألبسه عليهم حتى لا يعلم أحد بمكانكم. وقوله: (وَهَذِهِ كِنَانَتِي، فَخُذْ سَهْماً مِنْهَا)؛ أي: لتكون علامة عندك تريها أهلي، فيعلمون بها أنك لقيتني، وأنني أذنت لك في أن تأخذ من مالي ما شئت، ووقع في حديث سُراقة عند البخاريّ في ((المناقب)): ((ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم، أنه سيظهر أمر رسول الله وَلية، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد، والمتاع، فلم يرزآني، ولم يسألاني إلا أن قال: أخْفٍ عنا))، وفيه كمال استغناء النبيّ وَّر عن متاع الدنيا مع حاجته إليه في السفر، وتوفّره له بطريق حلال(١) وَ . وقوله: (فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لَيْلاً، فَتَنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَِّ) قد (١) راجع: ((التكملة)) ٥٣٣/٦. ٣٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق بيّن ابن هشام هذا التنازع في ((سيرته)) حيث أخرج بسنده عن عبد الرحمن بن عويمر بن ساعدة قال: حدّثني رجال من قومي، من أصحاب رسول الله وَليقول قالوا: لما سمعنا بمخرج رسول الله وَل﴿ من مكة، وتوقعنا قدومه كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا، ننتظر رسول الله وقلقه، فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال، فإذا لم نجد ظلّاً دخلنا، وذلك في أيام حارة. حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﴿ جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا، وقدم رسول الله وَ لقول حين دخلنا البيوت، فكان أول من رآه رجل من اليهود، وقد رأى ما كنا نصنع وأنّا ننتظر قدوم رسول الله وَّ علينا، فصرخ بأعلى صوته: يا بني قيلة، هذا جدكم قد جاء. قال: فخرجنا إلى رسول الله وَليهِ، وهو في ظل نخلة، ومعه أبو بكر ربه في مثل سنه، وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله وكله قبل ذلك، وركبه الناس، وما يعرفونه من أبي بكر، حتى زال الظل عن رسول الله وَله، فقام أبو بكر فأظله بردائه، فعرفناه عند ذلك، فنزل رسول الله وعليه بقباء في بني عمرو بن عوف، فأقام فيهم الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، ثم رحل، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلى عندهم. فأتاه عتبان بن مالك، وعباس بن عبادة بن نضلة في رجال من بني سالم بن عوف، فقالوا: يا رسول الله. أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة، قال: ((خلوا سبيلها، فإنها مأمورة)) لناقته، فخلّوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا وازنت دار بني بياضة، تلقاه زياد بن لبيد، وفروة بن عمرو، في رجال من بني بياضة، فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا، إلى العدد والعدة والمنعة، قال: ((خلوا سبيلها فإنها مأمورة)) فخلوا سبيلها. فانطلقت حتى إذا مرت بدار بني ساعدة، اعترضه سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، في رجال من بني ساعدة، فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة، قال: ((خلوا سبيلها، فإنها مأمورة)) فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا وازنت دار بني الحارث بن الخزرج، اعترضه سعد بن الربيع، وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة، في رجال من بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة، قال: ((خلوا سبيلها، فإنها مأمورة)) فخلوا سبيلها. فانطلقت حتى إذا مرت بدار بني عدي بن النجار، وهم أخواله دنيا - أم عبد المطلب سلمى بنت ٣٥٩ (١٨) - بَابٌ فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ، وَيُقَالُ لَهُ: حَدِيثُ الرَّحْلِ - حديث رقم (٧٤٨٣) عمرو، إحدى نسائهم - اعترضه سليط بن قيس، وأبو سليط أسيرة بن أبي خارجة في رجال من بني عدي بن النجار، فقالوا: يا رسول الله هلم إلى أخوالك، إلى العدد والعدة والمنعة، قال: ((خلوا سبيلها فإنها مأمورة)) فخلوا سبيلها، فانطلقت، حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار بركت على باب مسجده وَّ، وهو يومئذ مِربد لغلامين يتيمين من بني النجار، ثم من بني مالك بن النجار، وهما في حِجر معاذ بن عفراء، سهل وسهيل ابني عمرو. فلما بركت ورسول الله وقير عليها لم ينزل وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله وَدليل واضح لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت إلى خلفها، فرجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه، ثم تحلحلت، وزمّت، ووضعت، فنزل عنها رسول الله وَّه، فاحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله فوضعه في بيته، ونزل عليه رسول الله وَله، وسأل عن المربد لمن هو؟ فقال له معاذ بن عفراء: هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابني عمرو، وهما يتيمان لي، وسأرضيهما منه فاتخذه مسجداً. انتهى(١). وقوله: (فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَوْقَ الْبُيُوتِ ... إلخ) قال القاضي عياض تخّتُهُ: وفي هذا إظهار ما وضع الله تعالى لنبيه وقليل من المحبّة في ـّ من التكرمة والخير في إعزازهم القلوب، وخصّ الله ◌ُعَلّ به الأنصار رسوله ﴾﴾، ونصرته. [تنبيه]: رواية إسرائيل عن أبي إسحاق هذه ساقها أبو يعلى تَّتُهُ في ((مسنده)) بسند المصنّف، فقال: (١١٦) - حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا عثمان بن عمر، حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: اشترى أبو بكر من أبي رَحْلاً بثلاثة عشر درهماً، فقال: مُر البراء يحمله إلى رحلي، فقال: لا حتى تخبرني كيف خرج رسول الله ﴿ من مكة إلى المدينة، فقال: ارتحلنا، فاحتسبنا يومنا وليلتنا، حتى قام ظهراً، أو قال: قام قائم الظهيرة، فرميت ببصري، فإذا أنا بصخرة لها بقية من ظل، فرششته، وفرشت لرسول الله وَ﴾ فيه فَرْوة، فقلت: نم يا رسول الله، ثم انطلقت أنفض ما حولي، هل أرى من الطلب أحداً؟ فإذا (١) ((سيرة ابن هشام)) ٤٩٥/١. ٣٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق أنا براعي غنم يريد من الصخرة مثل ما أردت، فقلت: من أنت(١) يا غلام؟ قال: لرجل من قريش، فعرفته، فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم، قلت: هل أنت حالبنا؟ قال: نعم، فأمرته، فاعتقل شاة من الغنم، فأمرته، فنفض ضرعها، ثم أمرته، فنفض كفيه من الغبار، فحلب لي كثبة من لبن، ومعي إداوة على فمها خرقة، فصببت الماء على اللبن، ثم أتيت به رسول الله وَية، فوافقته قد استيقظ، قلت: اشرب يا رسول الله، وارتحلنا، فلم يلحقنا من الطلب أحد، غير سراقة بن مالك بن جعشم، على فرس له، فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله، قال: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] فلما دنا دعا عليه رسول الله وَ﴾، فساخ فرسه في الأرض إلى بطنه، ووثب عنه، وقال: يا محمد، قد علمت أن هذا عملك، فادع الله أن يُخلِّصني مما أنا فيه، ولك علي لأَعَمِّيَنّ على من ورائي، وهذه كنانتي، فخذ سهماً منها، فإنك ستمر على إبلي، وغلماني، بمكان كذا وكذا، فخذ منها حاجتك، فقال: ((لا حاجة لي في إبلك))، فقدمنا إلى المدينة ليلاً، فتنازعوا أيهم ينزل عليهم؟ فقال: ((أنزل على بني النجار أخوال عبد المطلب، أُكرمهم بذلك))، فصعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرّق الغلمان، والخدم في الطرق، ينادون: یا محمد، يا رسول الله، یا محمد، يا رسول الله. انتهى (٢). ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ . (١) كذا النسخة، والظاهر أن الصواب: ((لمن أنت)). (٢) ((مسند أبي يعلى)) ١/ ١٠٧.