Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ (١٦) - بَابُ قِصَّةٍ أَصْحَابِ الأُخْدُودِ، وَالسَّاحِرِ، وَالرَّاهِبِ، وَالْغُلَامِ - حديث رقم (٧٤٨٠) فَأَخْبَرَهُ) بالخبر، وقصّ عليه ما جرى، (فَـ)عندما سمع الراهب الخبر استغرب، وتعجّب، و(قَالَ لَهُ)؛ أي: للغلام، (الرَّاهِبُ: أَيْ بُنَيَّ) ((أي)) حرف نداء، وقد مرّ الكلام عليها غير مرّة؛ أي: يا بُني بالتصغير تصغير شفقة، ونسبه إليه إظهاراً للّطف والحنوّ، (أَنْتَ الْيَوْمَ)؛ أي: الحاضر الذي نحن فيه، (أَفْضَلُ مِنِّي) درجة ومنزلة عند الله تعالى؛ لأنه تعالى استجاب دعوتك، وأظهر كرامتك، (قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرَِ) ومنزلتك عند الله تعالى (مَا أَرَى)؛ أي: ما أعلمه، مما وقع لك من الكرامة، (وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى) بالبناء للمفعول؛ أي: سيفعل الله بك ما جرى من سنّته في أنبيائه، وأوليائه من ابتلائهم بسفهاء قومهم، (فَإِنِ ابْتُلِيتَ) بالبناء للمفعول أيضاً؛ أي: جرى لك ابتلاء من الله تعالى على ما هي سنّته في أوليائه، (فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ) بسبب شدّة الابتلاء، فإن هؤلاء الكفرة سيبتلونني. (وَكَانَ الْغُلَامُ) انتشر ذِكره، واشتهر أمره بين عامّة الناس، فكان (يُبْرِئُ) بدعائه (الأَكْمَهَ)؛ أي: الذي وُلد أعمى، يقال: كَمِهَ كَمَهاً، من باب تَعِب فهو أَكمَهُ، والمرأة كُمْهَاءُ، مثل أحمر، وحمراء، وهو الْعَمَى يولد عليه الإنسان، وربما كان من مرض، قاله الفيّوميّ (١). (وَالأَبْرَصَ)؛ أي: من أصابه داء البرص، وهو بفتحتين: بياض يظهر في ظاهر البدن؛ لفساد المزاج، وفعله كفرِحَ(٢). (وَيُدَاوِي النَّاسَ)؛ أي: يعالجهم (مِنْ سَائِرِ الأَّدْوَاءِ)؛ أي: من جميع الأمراض، وفي نسخة: ((سائر الأدواء)) بإسقاط ((من)). (فَسَمِعَ) بمداواة الغلام من جميع الأمراض (جَلِيسٌ)؛ أي: صاحبٌ مُجالس (لِلْمَلِكِ)؛ أي: من خواصّ أهل دولته، (كَانَ قَدْ عَمِيَ)؛ أي: فَقَدَ بصره، (فَأَتَاهُ)؛ أي: أتى جليس الملك الغلام (بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ) ليعالجه، (فَقَالَ) الجليس: (مَا) موصولة؛ أي: الذي (هَا هُنَا) من الهدايا (لَكَ) أيها الغلام (أَجْمَعُ) تأكيد للموصول، (إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي)؛ أي: إن أبرأتني، ورددت عليّ بصري، (فَقَالَ) الغلام: (إِنِّي لَا أَشْفِي) بفتح الهمزة مضارع شفيت ثلاثيّاً، أو بضمّها، مضارع أشفيت، رباعيّاً، يقال: شفاه يَشفيه: برّأه، وطلب له الشفاء؛ كأشفاه، قاله المجد تَّتُهُ(٣). (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٤١. (٣) ((القاموس)) ص٦٩٦. (٢) ((القاموس)) ص٩٦. ٣٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق (أَحَداً) من الناس من مرضه، ولا أردّ بصرك، (إِنَّمَا يَشْفِي اللهُ) تعالى من الأمراض، ويردّ البصر، (فَإِنْ أَنْتَ آمَنْتَ بِاللهِ)؛ أي: صدّقت بربوبيّته، واعترفت بألوهيّته، وأسمائه وصفاته (دَعَوْتُ اللهَ) تعالى لك (فَشَفَاكَ) من مرض العمى، وردّ إليك بصرك. (فَآمَنَ) الجليس (بِاللهِ) تعالى، فدعا له الغلام بالشفاء، (فَشَفَاهُ اللهُ) وردّ عليه بصره، (فَأَتَى الْمَلِكَ، فَجَلَسَ إِلَيْهِ)؛ أي: عنده (كَمَا كَانَ يَجْلِسُ) سابقاً قبل أن يصيبه العمى، (فَقَالَ لَهُ الْمَلِك) متعجّباً من حاله: (مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرََكَ؟) حتى أبصرت، وجلست جنبي، (قَالَ) الجليس: (رَبِّي)؛ أي: ردّ عليّ بصري ربي الذي آمنت به، (قَالَ) الملك: (وَلَكَ) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أوَ لك (رَبُّ غَيْرِي؟) في هذا دليل على أن ذلك الملك كان يدعي الربوبيّة، ففيه ردّ على من زعم أنه كان يهوديّاً. (قَالَ) الجليس: (رَبِّي) الذي خلقني، وربّاني، (وَرَبَُّكَ) الذي خلقك وربّاك، هو (اللهُ) مَالَ، (فَأَخَذَهُ)؛ أي: أخذ الملك جليسه الأعمى الذي ردّ الله تعالى بصره إليه لمّا آمن، (فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ) بأنواع العذاب حتى يرجع عن دينه، ويدلّ على من أرشده إليه، (حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلَام) فأرسل الملك إليه، (فَجِيءَ بِالْغُلَام) بين يدي الملك (فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: أَيْ بُنَيَّ) بالتصغير تصغير إشفاق ولطف، وقيل: تصغير تحقير وإهانة، والظاهر من السياق الأول. (قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ)؛ أي: بعض سحرك، فكيف كلّه، أو ((من)) زائدة على قول من يرى زيادتها في الإثبات، (مَا تُبْرِئُ الأَكْمَهَ) ((ما)) مصدريّة، مجرورة بـ((إلى)) مقدّرة؛ أي: إلى إبرائك الأكمه (وَالأَبْرَصَ، وَتَفْعَلُ) به كذا (وَتَفْعَلُ) به كذا، والظاهر أنه كناية عما قام به من دعوة الناس إلى الله تعالى. (فَقَالَ) الغلام: (إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَداً) بقدرتي، (إِنَّمَا يَشْفِي اللهُ) تعالى بإذنه، (فَأَخَذَهُ)؛ أي: أخذ الملك الغلام بالتعذيب، (فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ) ليدلّ على من علّمه هذا الدين (حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ) إنما دلّ عليه مع أنه أوصاه بأن لا يدلّ عليه؛ لشدّة العذاب الذي عذّبه به الملِك. وقال القرطبيّ ◌َخُّْ: فإن قيل: كيف يجوز في شرعنا ما فعل الغلام من دلالته على الراهب للقتل، ومن إرشاده إلى كيفية قتل نفسه؟ !. فالجواب من وجهين: أحدهما: أن الغلام غير مكلَّف؛ لأنَّه لم يبلغ الحلم، ولو سُلِّم أنه مكلف لكان العذر عن ذلك أنه لم يعلم أن الراهب يُقتل، ٣٠٣ (١٦) - بَابُ قِصَّةِ أَصْحَابِ الأُخْدُودِ، وَالسَّاحِرِ، وَالزَّاهِبِ، وَالْغُلام - حديث رقم (٧٤٨٠) فلا يلزم من دلالته عليه قتله، وعن معونته على قتل نفسه أنه لمّا غلب على ظنه أنه مقتولٌ ولا بد، أو علم بما جعل الله في قلبه، أرشدهم إلى طريق يُظهر الله بها كرامته، وصحة الدين الذي كانا عليه، لِيُسلم الناس، وليدينوا دين الحق عند مشاهدة ذلك كما كان، وقد أسلم عثمان رُبه نفسه عند علمه بأنه يُقتل، ولا بدّ بما أخبره النبيّ وَّ، كما بيّنّاه(١). فلما علم الملك بأمر الراهب أرسل إليه، (فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ) إلى الملك (فَقِيلَ لَهُ)؛ أي: للراهب، (ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ) الذي أنت عليه من الإيمان بالله، والدعوة إليه، (فَأَبَّى)؛ أي: أن يرجع عن دينه (فَدَعَا) الملك (بِالْمِثْشَارِ) مهموز في رواية الأكثرين، ويجوز تخفيف الهمزة بقلبها ياء، وروي بالمنشار بالنون، وهما لغتان، وهي آلة يُقطع بها الخشب، ويُنشر. (فَوَضَعَ الْمِتْشَارَ فِي مَفْرِقٍ رَأْسِهِ)؛ أي: في وسط رأس الراهب، و((المفرق)) بكسر الراء، وفتحها؛ كمقعد، ومجلس: وسط الرأس الذي يُفرق فيه الشعر، (فَشَقَّهُ) نصفين (حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ)؛ أي: جانباه على الأرض، (ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلِكِ، فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِك) الذي دخلت فيه، وهو دين الراهب، (فَأَبَى)؛ أي: امتنع عن الرجوع، (فَوَضَعَ) الملك (الْمِتْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ بِهِ)؛ أي: بذلك المنشار (حَتَّى وَقَعَ) على الأرض (شِقَّهُ)؛ أي: جانباه. (ثُمَّ جِيءَ بِالْغُلَامِ، فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى)؛ أي: امتنع عن الرجوع، (فَدَفَعَهُ)؛ أي: دفع الملك الغلام (إِلَى نَفَرٍ)؛ أي: جماعة (مِنْ أَصْحَابِهِ)؛ أي: أعوانه، (فَقَالَ) الملك لهم: (اذْهَبُوا بِهِ)؛ أي: بهذا الغلام (إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا) لجبل سمّاه، وعيّنه، (فَاصْعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ) بتثليث الذال المعجمة: أعلاه، (فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ) حُذف الجواب؛ أي: فاتركوه (وَإِلَّا)؛ أي: إنْ لم يرجع (فَاطْرَحُوهُ)؛ أي: ألقوه من ذروة الجبل؛ ليتردى، فيموت متردياً. (فَذَهَبُوا بِهِ)؛ أي: ذهب أولئك المأمورون بذلك الغلام، (فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ) ليطرحوه إن لم يرجع عن دينه، (فَـ) دعا الله تعالى، وتضرّع إليه، و(قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِيهِمْ بِمَا شِئْتَ) من مكرك بهم، (فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ)؛ أي: اضطرب، وتحرّك تحرّكاً (١) ((المفهم)) ٤٢٥/٧. ٣٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق شديداً، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [المزمل: ١٤]. وقال القاضي عياض كَخَّثهُ: روى هذا الحرف لنا الخشنيّ عن الطبريّ: ((فزحف)) بالحاء والزاي، والرواية الأولى عليها جماعة شيوخنا، وهي أصحّ، وإن كان قد يكون الزحف بمعنى الحركة والتقدّم، يقال: زحف القوم إلى عدوهم؛ أي: نهضوا. انتهى(١). (فَسَقَطُوا) من الجبل، وهلكوا جميعاً، (وَجَاءَ) الغلامِ، حال كونه (يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟» الذين ذهبوا بك إلى الجبل، أهم أحياء، أم أموات؟ (قَالَ) الغلام: (كَفَانِيهِمُ اللهُ) تعالى، فرجف بهم الجبل، فهلكوا. (فَدَفَعَهُ)؛ أي: دفع الملك الغلام مرّةً أخرى محاولاً إهلاكه بطريق أخرى، (إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ اذْهَبُوا بِهِ، فَاحْمِلُوهُ)؛ أي: اجعلوه محمولاً (فِي قُرْقُورٍ) وفي نسخة: قرقورة))، والقرقور بضمّ القافين، بينهما راء ساكنة، وذكر بعض العلماء أن القرقور سفينة كبيرة، وذكر بعضهم أنها سفينة صغيرة، والراجح الذي يدلّ عليه سياق الحديث أنها الصغيرة؛ لأنها هي التي تُستعمل في مثل هذه المواقع، لا الكبيرة، وقال ابن دُريد، وصاحب ((العين)): القرقور ضَرْب من السفن، والمناسب للحال والحديث أنه الصغير؛ لأنه الذي يُستعمل في مثل هذا الحَمْل، وفي حديث قصّة موسى لعلَّلاَ: ((فلما رأوا التابوت في اليمّ ركبوا القواقير حتى أتوا به))، والكبير إنما يستعمل في عظام الأمور، ولعل الملك قصد الكبير ليتوسّطوا به البحر، ويُبعدوه(٢) . وقال القرطبيّ: القرقور ضرب من السفن عربيّ معروف، والمعروف عند الناس فيه استعماله فيما صَغُر منها، وخفّ للتصرّف فيه. انتهى(٣) . (فَتَوَسَّطُوا بِهِ)؛ أي: بالغلام (الْبَحْرَ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ)؛ أي: فاتركوه، (وَإِلَّا فَاقْذِفُوهُ)؛ أي: ارموه فيه حتى يموت. (فَذَهَبُوا بِهِ)؛ أي: فتوسّطوا به البحر، فعند ذلك دعا الله رَت (فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ)؛ أي: بأي سبب شئت هلاكهم به، (فَانْكَفَأَتْ)؛ أي: انقلبت (بِهِمُ السَّفِينَةُ، فَغَرِقُوا) بكسر الراء؛ أي: ماتوا بالغرق، (وَجَاءَ) الغلام حال كونه (يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ (١) ((إكمال المعلم)) ٨/ ٥٥٦. (٣) ((المفهم)) ٤٢٧/٧. (٢) ((شرح الأبيّ)) ٣٠٧/٧. ٣٠٥ (١٦) - بَابُ قِصَّةِ أَصْحَابِ الأُخْدُودِ، وَالسَّاحِرِ، وَالرَّاهِبِ، وَالْغُلام - حديث رقم (٧٤٨٠) الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ) الغلام (كَفَانِيهِمُ اللهُ) فأغرقهم، ونجوت بفضله، ثم أراد الغلام أن يدخل الناس في دين الله تعالى أفواجاً (فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَائِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ)؛ أي: من كيفيّة قتلي. (قَالَ) الملك: (وَمَا هُوَ؟)؛ أي: أيّ شيء أقدر به على قتلك؟ (قَالَ) الغلام: (تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ)؛ أي: في أرض بارزة واسعة، (وَتَصْلُبُنِي)؛ أي: تعلّقني (عَلَى جِذْع) من جذوع النخل؛ أي: على خشب من الأخشاب حتى يتمكن الناس من الَّنظر إليّ حين أُقتل في الله رَتْ، فيؤمنوا به، (ثُمَّ خُذْ سَهْماً)؛ أي: نَبْلاً (مِنْ كِنَانَتِي) بكسرِ الكاف: السهام، من أَدَم، وبها سمّيت القبيلة(١). (ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ)؛ أي: في مقبضها عند الرمي، (ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ) أقتله، (ثُمَّ ارْمِنِي، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي)؛ أي: تقدرَ على قتلي، وإلا فلن تستطيع ذلك. (فَجَمَعَ) الملِك (النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعِ) كما أمره به، (ثُمَّ أَخَذَ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِأَ؛ أي: في مقبضه، (ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلَامِ) أرميه، (ثُمَّ رَمَاهُ) به (فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ)؛ أي: في صدغ الغلام، والصدغ، بضم الصاد، وسكون الدال المهملتين: ما بين لَحْظ العين إلى أصل الأذن، والجمع أصداغ، مثل قُفل وأقفال(٢). (فَوَضَعَ) الغلام (يَدَهُ فِي صُدْغِهِ)، وقوله: (فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ) بدل مما قبله، (فَمَاتَ) ذلك الغلام. قال القاضي عياض: سعيه؛ أي: تسببه في قتل نفسه إنما هو لِيُشهر أمر الإيمان في الناس، ويروا برهانه، كما وقع. قال القرطبيّ: ويجاب أيضاً بأنه غير بالغ، أو علم أنه لا بدّ أن يُقتل. والحاصل: أنه إنما علّم الملِك بكيفية قتله، مع أن قتل النفس حرام؛ لأنه عَلِم أنه لا بد أن يُقتل، وإنما نجاته الآن بطريق الكرامة لإحقاق الحقّ، فأمره بما يتضح به الحقّ لجميع الناس، فيؤمنوا، فيكون سبباً لهدايتهم، وهذا كالمجاهد الذي يُقحم نفسه في معركة القتال؛ لإعلاء كلمة الله تَعَالَ، والله تعالى أعلم. (١) (المصباح المنير)) ٥٤٢/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٣٣٥/١. ٣٠٦ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق (فَقَالَ النَّاسُ:) المجتمعون في ذلك الصعيد لما شاهدوا ذلك، وعلموا أن الدين الحق هو دين ذلك الغلام، (آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَام، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَام، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ) كرّروه للتأكيد، (فَأَتِيَ الْمَلِكُ، فَقِيلَ لَهُ) ببناء الفعل لمفعول في الموضعينَ؛ أي: أتاه آت من خواصّ دولته الذين يهتمون بشأنه، فقالوا: (أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ)؛ أي: أخبرنا عما كنت تحذره، وتخاف منه، وهو أن يؤمن جميع الناس بالله تعالى، (قَدْ وَاللهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرَُ)؛ أي: ما كنت تخافه، وهو أنه (قَدْ آمَنَ النَّاسُ) كلهم بربّ الغلام، وتركوك خائباً ذليلاً حقيراً، فعندما سمع ذلك غضب غضباً شديداً، (فَأَمَرَ بِالأُخْدُودِ)؛ أي: بشقّ الأُخدود، وهو بضمّ الهمزة، وسكون الخاء المعجمة: الشقّ العظيم، يُجمع على أخاديد، (فِي أَفْوَاهِ) وفي بعض النسخ: ((بأفواه)) (السِّكَكِ)؛ أي: على أبواب الطرق، ومداخلها، (فَخُدَّتْ) بالبناء للمفعول؛ أي: شُقّت الأخدود على أفواه الطرق، وإنما شُقّت على أفواه الطرق؛ لئلا يتمكن الناس من الهروب، (وَأَضْرَمَ) بالبناء للفاعل؛ أي: أوقد، وأشعل (النِّيرَانَ) في تلك السكك، (وَقَالَ) ذلك الملك: (مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ) الحقّ الذي هو دين ذلك الغلام (فَأَحْمُوهُ فِيهَا) قال النوويّ تَخْشُهُ: هكذا هو في عامة النسخ: ((فأحموه)) بهمزة قطع، بعدها حاء ساكنة، ونقل القاضي اتفاق النُّسخ على هذا، ووقع في بعض نُسخ بلادنا: ((فأقحموه)) بالقاف، وهذا ظاهر، ومعناه: اطرحوه فيها كُرْهاً، ومعنى الرواية الأُولى: ارموه فيها، من قولهم: حَمَيت الحديدة وغيرها: إذا أدخلتها النار؛ لتحمی. انتهى(١). (أَوْ) للشك؛ أي: أو قال: (قِيلَ لَهُ)؛ أي: لمن لم يرجع عن دينه، (اقْتَحِمْ)؛ أي: ادخل فيها . وقال القرطبيّ كَّتُهُ: وقوله: ((أو قيل: اقتحم)) هذا شكّ من بعض الرواة، ((فأحموه فيها)) معناه: ألقوه فيها، وأدخلوه إياها، يقال: أحميت الحديدَ والشيءَ في النار: إذا أدخلته فيها. قال القاضي أبو الفضل: ((واقتحم)) أدخل على كره، ومشقة (٢). (١) (شرح النوويّ)) ١٨/ ١٣٣. (٢) ((المفهم)) ٤٢٨/٧. ٣٠٧ (١٦) - بَابُ قِصَّةِ أَصْحَابِ الأُخْدُودِ، وَالسَّاحِرِ، وَالزَّاهِبِ، وَالْغُلَامِ - حديث رقم (٧٤٨٠) (فَفَعَلُوا)؛ أي: فعل أصحاب الملك ما أمرهم به من قذف من لم يرجع عن دينه في تلك النار، (حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ) لم يُعرف اسمها، ولا اسم صبيّها، (وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا) فأمرها بدخول النار، (فَتَقَاعَسَتْ)؛ أي: توقّفت، وتأخّرت، وتباطأت، (أَنْ تَقَعَ فِيهَا)؛ أي: في تلك النار. وقال القرطبيّ تَظُّ: قوله: ((فتقاعست))؛ أي: تأخرت، وامتنعت، وقد أظهر الله تعالى لهذا الملك الجبار الظالم من الآيات البيّنات ما يدلّ على القطع، والثبات أن الراهب والغلام على الدين الحقّ، والمنهج الصدق، لكن من حُرم التوفيق استدبر الطريق. وفي هذا الحديث إثبات كرامات الأولياء، وقد تقدَّم القول فيها. انتهى(١). (فَقَالَ لَهَا الْغُلَامُ)؛ أي: صبيها الذي معها، (يَا أُمَّهِ اصْبِرِي) ((أمه)) بكسر الميم على حذف ياء المتكلّم؛ اجتزاء عنها بالكسرة، وبهاء السكت، وتفتح الميم مع هاء السكت على قلب ياء المتكلّم ألفاً، وحَذْفها؛ اجتزاء عنها بالفتحة، وعلى كلا التقديرين فهاء السكت ساكنة، وإنما حُركت هنا بالكسرة؛ لالتقاء الساكنين. [تنبيه]: ذكر ابن مالك تَخْتُ في ((الخلاصة)) قاعدة الاسم إذا نودي مضافاً إلى ياء المتكلم، كيا عبدي، ويا أبي، ويا أمي، فقال: كَعَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا وَاجْعَلْ مُنَادَى صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِیَا فِي يَا ابْنَ أُمِّ يَا ابْنَ عَمِّ لَا مَفَرْ وَفَتْحٌ أَوْ كَسْرٌ وَحَذْفُ الْيَا اسْتَمَرّ وَاكْسِرْ أَوِ افْتَحْ وَمِنَ الْيَا التَّا عِوَضْ وَفِي النِّدَا أَبَتِ أُمَّتِ عَرَضْ (فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ)) الذي هو التوحيد، قيل: إن هذا الغلام الذي كلّم أمه أحد السّة الذين تكلموا في المهد، كما في ((شرح الأبيّ))، وكونه في المهد ليس صريحاً في رواية مسلم هنا، ولكن وقع عند النسائي في ((السنن الكبرى)): ((فجاءت امرأة بابن لها تُرضعه))، وهو صريح في كونه رضيعاً. ووقع في رواية الترمذيّ في آخر هذا الحديث زيادة، وهي، ((قال: يقول الله تعالى: ﴿قُلَ أَضْحَبُ الْأُخْدُودِ ﴿٣ النَّارِ ذَاتِ اٌلْوَقُودِ هَ﴾ [البروج: ٤ - ٥] (١) ((المفهم)) ٤٢٨/٧. ٣٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق قال: فأما الغلام، فإنه دُفن، فيُذكر أنه أُخرج في زمن عمر بن الخطاب، وإصبعه على صدغه، كما وضعها حين قُتل)». وبرواية الترمذيّ استدلّ بعض المفسّرين أن المراد من أصحاب الأخدود في سورة البروج: هؤلاء الذين آمنوا بالله بعد شهادة الغلام، ولكن رواية الترمذيّ ليست صريحة في ذلك، أما أولاً، فلأن تلاوة آيات من سورة البروج مدرجة من أحد الرواة، وليست جزءاً من حديث مرفوع. وأما ثانياً، فلأن مجرّد تلاوة هذه الآيات لا يقتضي أن تكون نزلت في هذه القصّة، وربما يتلو بعض الرواة الآيات لكونها مناسبة بالقصّة، أو منطبقة عليها، كما تقرّر في أصول التفسير. وقد ذكر ابن إسحاق قصّة لأهل نجران تشابه هذه القصّة، وذكر أنها هي القصّة المقصودة في القرآن الكريم، وراجع ((تفسير ابن كثير))، قاله صاحب ((التكملة))(١) . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث صهيب نَّه هذا من أفراد المصنّف رَُّهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٨٠/١٦] (٣٠٠٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٩٧٥١)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٣٤٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٧٣١٩ و٧٣٢٠)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٥١٠/٦)، و(أحمد) في (مسنده)) (١٧/٦ - ١٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٨٧٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): إثبات كرمات الأولياء، فقد ظهر على يدي هذا الغلام خوارق كثيرة. ٢ - (ومنها): صبر أولياء الله تعالى على الابتلاء في ذات الله رحمت، وما (١) (تكملة فتح الملهم)) ٥٠٩/٦. ٣٠٩ (١٦) - بَابُ قِصَّةٍ أَصْحَابِ الأُخْدُودِ، وَالسَّاحِرِ، وَالرَّاهِبِ، وَالْغُلَامِ - حديث رقم (٧٤٨٠) يلزمهم من إظهار دينه، والدعاء إليه، وهو مراد الغلام بقوله للملك: لست بقاتلي حتى تصلبني ... إلخ. ٣ - (ومنها): أن الصبي الذي كلّم أمه، وهي ترضعه ممن تكلّم في المهد، وهم جماعة، وقد سبق ذكرهم في ((كتاب البرّ والصلة)) رقم [٦٤٨٨/٢] (٢٥٥٠) فراجعه تستفد علماً، وبالله تعالى التوفيق. ٤ - (ومنها): أن الحديث دليل على إجازة الكذب لمصلحة الدِّين، ووجه التمسك به أن نبيّنا مَّ ذكر هذا الحديث كله في معرض الثناء على الراهب والغلام، عل جهة الاستحسان لِمَا صدر عنهما، فلو كان شيء مما صدر عنهما من أفعالهما محرّماً، أو غير جائز في شرعه لبيّنه وَ له لأمته، ولاستثناه من جملة ما صدر عنهما، ولم يفعل ذلك، فكل ما أخبر به عنهما حجَّة، ومسوغ الفعل، قاله القرطبيّ ◌َّفُ(١). ٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخْتُ أيضاً: وهذا الحديث كله إنما ذكره النبيّ وَلّ لأصحابه ليصبروا على ما يلقون من الأذى، والآلام، والمشقات التي كانوا عليها؛ ليتأسوا بمثل هذا الغلام في صبره، وتصلّبه في الحق، وتمسكه به، وبذله نفسه في حق إظهار دعوته، ودخول الناس في الدين مع صغر سنه، وعظيم صبره، وكذلك الراهب صبر على التمسك بالحقّ حتى نُشر بالمنشار، وكذلك كثير من الناس لمّا آمنوا بالله تعالى، ورسخ الإيمان في قلوبهم صبروا على الطرح في النار، ولم يرجعوا عن دينهم، وهذا كله فوق ما كان يُفعل بمن آمن من أصحاب النبيّ وَ﴿، فإنَّه لم يكن فيهم من فُعل به شيء من ذلك؛ لكفاية الله تعالى لهم، ولأنه تعالى أراد إعزاز دينه، وإظهار كلمته. على أني أقول: إن محمداً وَلّ أقوى الأنبياء في الله، وأصحابه أقوى أصحاب الأنبياء في الله تعالى، فقد امتُحن كثير منهم بالقتل، وبالصلب، وبالتعذيب الشديد، ولم يلتفت إلى شيء من ذلك، وتكفيك قصّة عاصم، وخبيب، وأصحابهما، وما لقي أصحابه من الحروب، والمحن، والأسر، والحرق، وغير ذلك، فلقد بذلوا في الله نفوسهم، وأموالهم، وفارقوا ديارهم، (١) ((المفهم)) ٤٢٤/٧ - ٤٢٥. ٣١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق وأولادهم، حتى أظهروا دين الله، ووفوا بما عاهدوا عليه الله، فجازاهم الله أفضل الجزاء، ووفّاهم من أجر من دخل في الإسلام بسببهم أفضل الإجزاء. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١٧) - (بَابُ حَدِيثِ جَابِرِ الطَّوِيلِ، وَقِصَّةٍ أَبِي الْيَسَرِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٨١] (٣٠٠٦) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ - وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ - وَالسِّيَاقُ لِهَارُونَ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنٍ مُجَاهِدٍ أَبِي حَزْرَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي نَطْلُبُ الْعِلْمَ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ، قَبْلَ أَنْ يَهْلِكُوا، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِينَا أَبَا الْيَسَرِ، صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ لَّهِ، وَمَعَهُ غُلَامٌ لَهُ، مَعَهُ ضِمَامَةٌ مِنْ صُحُفٍ، وَعَلَى أَبِي الْيَسَرِ بُرْدَةٌ، وَمَعَافِرِيُّ، وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدَةٌ، وَمَعَافِرِيُّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا عَمِّ إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِكَ سُفْعَةً مِنْ غَضَبٍ، قَالَ: أَجَلْ، كَانَ لِي عَلَى قُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْحَرَامِيِّ مَالٌ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ، فَسَلَّمْتُ، فَقُلْتُ: ثَمَّ هُوَ؟ قَالُوا: لَا، فَخَرَجَ عَلَيَّ ابْنٌ لَهُ جَفْرٌ، فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ أَبُوَكَ؟ قَالَ: سَمِعَ صَوْتَكَ، فَدَخَلَ أَرِبِكَةَ أُمِّي، فَقُلْتُ: اخْرُجْ إِلَيَّ، فَقَدْ عَلِمْتُ أَيْنَ أَنْتَ؟، فَخَرَجَ، فَقُلْتُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنِ اخْتَبَأْتَ مِنِّي؟ قَالَ: أَنَا وَاللهِ أُحَدِّثُكَ، ثُمَّ لَا أَكْذِبُكَ، خَشِيتُ وَاللهِ أَنْ أُحَدِّثَكَ، فَأَكْذِبَكَ، وَأَنْ أَعِدَكَ، فَأُخْلِفَكَ، وَكُنْتَ صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَكُنْتُ وَاللهِ مُعْسِراً، قَالَ: قُلْتُ: اللهِ؟ قَالَ: اللهِ، قُلْتُ: اللهِ؟ قَالَ: اللهِ، قُلْتُ: اللهِ؟ قَالَ: اللهِ، قَالَ: فَأَتَّى بِصَحِيفَتِهِ، فَمَحَاهَا بِيَدِهِ، فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتَ قَضَاءً فَاقْضِنِي، وَإِلَّا أَنْتَ فِي حِلٍّ، فَأَشْهَدُ بَصَرُ عَيْنَيَّ هَاتَيْنِ(٢) - وَوَضَعَ إِصْبَعَيْهِ عَلَى عَيْنَيْهِ - وَسَمْعُ أُذُنَيّ (١) ((المفهم)) ٤٢٦/٧. (٢) وفي نسخة: ((بصر عيناي هاتان)) و((سمع أذناي هاتان)). ٣١١ (١٧) - بَابُ حَدِيثِ جَابِرِ الطَِّيلِ، وَقِصَّةٍ أَبِي الْيَسَرِ - حديث رقم (٧٤٨١) هَاتَيْنٍ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، هَذَا - وَأَشَارَ إِلَى مَنَاطٍ قَلْبِهِ - رَسُولَ اللهِ وَّةِ، وَهُوَ يَقُولُ: (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً، أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّهِ». (٣٠٠٧) - قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ أَنَا: يَا عَمِّ لَوْ أَنَّكَ أَخَذْتَ بُرْدَةَ غُلَامِكَ، وَأَعْطَيْتَهُ مَعَافِرِيَّكَ، وَأَخَذْتَ مَعَافِرِيَّهُ، وَأَعْطَيْتَهُ بُرْدَتَكَ، فَكَانَتْ عَلَيْكَ حُلَّةٌ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، فَمَسَحَ رَأْسِي، وَقَالَ: اللَّهُمَّ بَارِْ فِيهِ، يَا ابْنَ أَخِي بَصَرُ عَبْنَيَّ هَاتَيْنِ، وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنٍ، وَوَعَاهُ قَلْبِي هَذَا - وَأَشَارَ إِلَى مَنَاطٍ قَلْبِهِ - رَسُولَ اللهِ نَّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: ((أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ))، وَكَانَ أَنْ أَعْطَيْتُهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (٣٠٠٨) - ثُمَّ مَضَيْنَا، حَتَّى أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ فِي مَسْجِدِهِ، وَهُوَ يُصَلِّي، فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، مُشْتَمِلاً بِهِ، فَتَخَطَّيْتُ الْقَوْمَ، حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمَُكَ اللهُ، أَتْصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَرِدَاؤَُ إِلَى جَنْبِكَ؟، قَالَ: فَقَالَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي هَكَذَا، وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَقَوَّسَهَا: أَرَدْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ الأَحْمَقُ مِثْلُكَ، فَيَرَانِ كَيْفَ أَصْنَعُ؟ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ. أَتَّانَا رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا، وَفِي يَلِهِ عُرْجُونُ ابْنِ طَابٍ، فَرَأَى فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ نُخَامَةً، فَحَكَّهَا بِالْعُرْجُونِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: ((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللهُ عَنْهُ؟))، قَالَ: فَخَشَعْنَا، ثُمَّ قَالَ: ((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللهُ عَنْهُ؟»، قَالَ: فَخَشَعْنَا، ثُمَّ قَالَ: ((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللهُ عَنْهُ؟))، قُلْنَا: لَا، أَيُّنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي، فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، تَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ، فَلْيَقُلْ بِثَوْبِهِ هَكَذَا))، ثُمَّ طَوَى ثَوْبَهُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: ((أَرُونِي عَبِيرً)، فَقَامَ فَتَّى مِنَ الْحَيِّ يَشْتَدُّ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَاءَ بِخَلُوقٍ فِي رَاحَتِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ الْعُرْجُونِ، ثُمَّ لَطَخَ بِهِ عَلَى أَثَرِ النُّخَامَةِ، فَقَالَ جَابِرٌ: فَمِنْ هُنَاَكَ جَعَلْتُمُ الْخَلُوقَ فِي مَسَاجِدِكُمْ. (٣٠٠٩) - سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِوَّهَ فِي غَزْوَةِ بَطْنِ بُوَاطٍ، وَهُوَ يَطْلُبُ الْمَجْدِيَّ بْنَ عَمْرٍو الْجُهَنِيَّ، وَكَانَ النَّاضِحُ يَعْتَقِبُهُ مِنَّا الْخَمْسَةُ، وَالسَِّّةُ، وَالسَّبْعَةُ، ٣١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق فَدَارَتْ عُقْبَةُ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى نَاضِحِ لَهُ، فَأَنَاخَهُ، فَرَكِبَهُ، ثُمَّ بَعَثَهُ، فَتَلَدَّنَ عَلَيْهِ بَعْضَ التَّلَّدُّنِ، فَقَالَ لَهُ: شَأْ لَعَنَكَّ اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ هَذَا اللََّّعِنُ بَعِيرَهُ؟))، قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((انْزِلْ عَنْهُ، فَلَا تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ، لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَاِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً، يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ)). (٣٠١٠) - سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ لَّهِ حَتَّى إِذَا كَانَتْ عُشَيْشِيَةٌ، وَدَنَوْنَا مَاءً مِنْ مِيَاهِ الْعَرَبِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه: ((مَنْ رَجُلٌ يَتَقَدَّمُنَا، فَيَمْدُرُ الْحَوْضَ، فَيَشْرَبُ، وَيَسْقِينَا؟))، قَالَ جَابِرٌ: فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: هَذَا رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَيُّ رَجُلِ مَعَ جَابِرٍ؟))، فَقَامَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ، فَانْطَلَقْنَا إِلَى الْبِثْرِ، فَتَزَعْنَا فِي الْحَوْضِ سَجْلاً، أَوْ سَجْلَيْنِ، ثُمَّ مَدَرْنَاهُ، ثُمَّ نَزَعْنَا فِيهِ، حَتَّى أَفْهَقْنَاهُ، فَكَانَ أَوَّلَ طَالِع عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَقَالَ: ((أَتَأْذَنَانٍ؟))، قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَشْرَعَ نَاقَتَهُ، فَّشَرِبَتْ، شَنَقَ لَهَا، فَشَجَتْ، فَبَالَتْ، ثُمَّ عَدَلَ بِهَا، فَأَنَاخَهَا، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللهِ﴿ إِلَى الْحَوْضِ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ قُمْتُ، فَتَوَضَّأْتُ مِنْ مُتَوَضٍَّ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَذَهَبَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ تَِّ لِيُصَلِّيَ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ، ذَهَبْتُ أَنْ أُخَالِفَ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، فَلَمْ تَبْلُغْ لِي، وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذِبُ، فَتَكَّسْتُهَا، ثُمَّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ جِئْتُ، حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَأَدَارَنِي، حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ وَيِّ بِيَدَيْنَا جَمِيعاً، فَدَفَعَنَا، حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ وَهُ يَرْمُقُنِي، وَأَنَا لَا أَشْعُرُ، ثُمَّ فَطِنْتُ بِهِ، فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ، يَعْنِي: شُدَّ وَسَطَكَ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ وَِّ قَالَ: ((يَا جَابِرُ))، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((إِذَا كَانَ وَاسِعاً، فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإِذَا كَانَ ضَيِّقاً، فَاشْدُدْهُ عَلَى حِقْوَِ)). (٣٠١١) - سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ ◌ّهِ، وَكَانَ قُوتُ كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا فِي كُلِّ يَوْم تَمْرَةً، فَكَانَ يَمَصُّهَا، ثُمَّ يَصُرُّهَا فِي ثَوْبِهِ، وَكُنَّا نَخْتَبِطُ بِقِسِيِّنَا، وَنَأْكُلُ، حَتَّى قَرِحَتَ ٣١٣ (١٧) - بَابُ حَدِيثِ جَابِرِ الطَِّيلِ، وَقِصَّةِ أَبِي الْيَسَرِ - حديث رقم (٧٤٨١) أَشْدَاقْنَا، فَأُقْسِمُ أُخْطِئَهَا رَجُلٌ مِنَّا يَوْماً، فَانْطَلَقْنَا بِهِ نَنْعَشُهُ، فَشَهِدْنَا أَنَّهُ لَمْ يُعْطَهَا، فَأُعْطِيَهَا، فَقَامَ، فَأَخَذَهَا. (٣٠١٢) - سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ حَتَى نَزَلْنَا وَادِياً أَفْيَحَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَاتَّبَعْتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَلَمْ يَرَ شَيْئاً يَسْتَئِرُ بِهِ، فَإِذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِلَى إِحْدَاهُمَا، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: ((انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ)، فَانْقَادَتْ مَعَهُ؛ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الأُخْرَى، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: ((انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ)، فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنَهُمَا، لأَّمَ بَيْنَهُمَا - يَعْنِي: جَمَعَهُمَا - فَقَالَ: ((الْتَِّمَا عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ))، فَالْتَأَمَنَا، قَالَ جَابِرٌ: فَخَرَجْتُ أُحْضِرُ مَخَافَةَ أَنْ يُحِسَّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِقُرْبِي، فَيَبْتَعِدَ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ: فَيَتَبَعَّدَ - فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي، فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ، فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللهِ وَّهِ مُقْبِلاً، وَإِذَا الشَّجَرَتَانِ قَدِ اقْتَرَقَتَا، فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ وَقَفَ وَقْفَةً، فَقَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا - وَأَشَارَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ بِرَأْسِهِ يَمِيناً وَشِمَالاً - ثُمَّ أَقْبَلَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيَّ قَالَ: ((يَا جَابِرُ هَلْ رَأَيْتَ مَقَامِي؟)) قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((فَانْطَلِقْ إِلَى الشَّجَرَتَيْنِ، فَاقْطَعْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنَاً، فَأَقْبِلْ بِهِمَا، حَتَّى إِذَا قُمْتَ مَقَامِي، فَأَرْسِلْ غُصْنَاً عَنْ يَمِينِكَ، وَغُصْناً عَنْ يَسَارِكَ))، قَالَ جَابِرٌ: فَقُمْتُ، فَأَخَذْتُ حَجَراً، فَكَسَرْتُهُ، وَحَسَرْتُهُ، فَاْذَلَقَ لِي، فَأَتَيْتُ الشَّجَرَتَيْنِ، فَقَطَعْتُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْناً، ثُمَّ أَقْبَلْتُ أَجُرُّهُمَا، حَتَّى قُمْتُ مَقَامَ رَسُولِ اللهِ وَّةِ أَرْسَلْتُ غُصْنَاً عَنْ يَمِينِي، وَغُصْناً عَنْ يَسَارِي، ثُمَّ لَحِقْتُهُ، فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: ((إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ، يُعَذَّبَانِ، فَأَحْبَيْتُ بِشَفَاعَتِي أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا، مَا دَامَ الْغُصْنَانِ رَطْبَيْنٍ)). (٣٠١٣) - قَالَ: فَأَتَيْنَا الْعَسْكَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ، ((يَا جَابِرُ نَادٍ بِوَضُوءٍ))، فَقُلْتُ: أَا وَضُوءَ، أَلَا وَضُوءَ، أَلَا وَضُوءَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا وَجَدْتُ فِي الرَّكْبِ مِنْ قَطْرَةٍ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، يُبَرِّدُ لِرَسُولِ اللهِ وَلِيه الْمَاءَ فِي أَشْجَابٍ لَّهُ عَلَى حِمَارَةٍ، مِنْ جَرِيدٍ، قَالَ: فَقَالَ لِيَ: ((انْطَلِقْ إِلَى فُلَانِ بْنِ ٣١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق فُلَازٍ الأَنْصَارِيِّ، فَانْظُرْ هَلْ فِي أَشْجَابِهِ مِنْ شَيْءٍ؟))، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِ، فَنَظَرْتُ فِيهَا، فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا قَطْرَةً فِي عَزْلَاءِ شَجْبٍ مِنْهَا، لَوْ أَنِّي أَفْرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا قَطْرَةً فِي عَزْلَاءِ شَجْبٍ مِنْهَا، لَوْ أَنِّي أُقْرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ، قَالَ: ((اذْهَبْ، فَأْتِنِي بِهِ))، فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ، فَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ، لَا أَدْرِي مَا هُوَ؟ وَيَغْمِزُهُ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ أَعْطَانِيهِ، فَقَالَ: ((يَا جَابِرُ نَادٍ بِجَفْنَةٍ))، فَقُلْتُ: يَا جَفْنَةَ الرَّكْبِ، فَأُتِيتُ بِهَا، تُحْمَلُ، فَوَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِيَدِهِ فِي الْجَفْنَةِ هَكَذَا، فَبَسَطَهَا، وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ وَضَعَهَا فِي قَعْرِ الْجَفْنَةِ، وَقَالَ: ((خُذْ يَا جَابِرُ، فَصُبَّ عَلَيَّ، وَقُلْ: بِاسْمِ اللهِ»، فَصَبَيْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: بِاسْمِ اللهِ، فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَتَفَوَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعٍ رَسُولِ اللهِ وََّ، ثُمَّ فَارَتِ الْجَفْنَةُ، وَدَارَتْ، حَتَّى امْتَلَأَتْ، فَقَالَ: ((يَا جَابِرُ نَادٍ مَنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِمَاءٍ؟))، قَالَ: فَأَتَى النَّاسُ، فَاسْتَقَوْا، حَتَّى رَوَوْا، قَالَ: فَقُلْتُ: هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ لَهُ حَاجَةٌ؟ فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَدَهُ مِنَ الْجَفْنَةِ، وَهِيَ مَلَأَى. (٣٠١٤) - وَشَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَ ◌ّهِ الْجُوعَ، فَقَالَ: ((عَسَى اللهُ أَنْ يُطْعِمَكُمْ))، فَأَتَيْنَا سِيفَ الْبَحْرِ، فَزَخَرَ الْبَحْرُ زَخْرَةً، فَأَلْقَى دَابَّةً، فَأَوْرَيْنَا عَلَى شِقِّهَا النَّارَ، فَاطََّخْنَا، وَاشْتَوَيْنَا، وَأَكَلْنَا، حَتَّى شَبِعْنَا، قَالَ جَابِرٌ: فَدَخَلْتُ أَنَا، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، حَتَّى عَدَّ خَمْسَةً فِي حِجَاجِ عَيْنِهَا، مَا يَرَانَا أَحَدٌ، حَتَّى خَرَجْنَا، فَأَخَذْنَا ضِلَعاً مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَقَوَّسْنَاهُ، ثُمَّ دَعَوْنَا بِأَعْظَم رَجُلٍ فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ جَمَلٍ فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ كِفْلِ فِي الرَّكْبِ، فَدَخَلَ تَحْتَهُ، مَا يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعةٌ : ١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) المروزيّ، أبو عليّ الخزاز، نزيل بغداد [١٠]، تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٠/٦٣. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزبرقان المكيّ، نزيل بغداد [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤. ٣ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو إسماعيل المدنيّ [٨]، تقدم في ((الصلاة)) ١٠٨٦/٤٢. ٣١٥ (١٧) - بَابُ حَدِيثِ جَابِرِ الطَِّيلِ، وَقِصَّةٍ أَبِي الْيَسَرِ - حديث رقم (٧٤٨١) ٤ - (يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ أَبُو حَزْرَةَ) لقبه، وكنيته أبو يوسف، المدنيّ، [٦]، تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٦/ ١٢٥٠. ٥ - (عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) الأنصاريّ المدنيّ [٤]، تقدم في ((الإمارة)) ٤٧٥٩/٨. ٦ - (أَبُو الْيَسَرِ، صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ێ) کعب بن عمرو بن عباد بن عمرو بن غَزِية بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاريّ السلميّ، وقيل في نسبه غير ذلك، شَهِد العقبة، وبدراً، وهو ابن عشرين سنة، وهو الذي أَسَر العباس يومئذ. روى عن النبيّ ◌َّ، وعنه ابنه عمار، وموسى بن طلحة بن عبيد الله، وعبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، وعمر بن الحكم بن رافع، وغيرهم. قال أبو حاتم، وغير واحد: مات بالمدينة سنة خمس وخمسين، وقيل: إنه آخر من مات من أهل بدر ه، وهو قول ابن إسحاق، وهو بقية الأنصار، وذكر العسكريّ أنه شهد مع عليّ مشاهده، وأنه مات، وله عشرون ومائة سنة، وفي ((المسند)) من حديثه أن النبيّ وَّرَ بعثه في حاجة، فرآه مولّياً، فقال: ((اللَّهُمَّ أمتعنا به)) فكان من آخر الصحابة موتاً، وكان إذا حدّث بهذا الحديث بكى، وقال: أُمتعوا بي لعمري، حتى كنت من آخرهم. أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب غير هذا الحديث. ٧ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السلميّ ◌ًَّا، تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َلتُ، وأنه مسلسل بالمدنیین سوی شیخیه، فبغداديّان، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ أَبِي حَزْرَةَ) بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي لقبه، وكنيته أبو يوسف، (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) الأنصاريّ المدنيّ؛ أنه (قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا) أتي بالضمير المنفصل؛ ليمكنه عطف الظاهر على المتصل بلا ضَعف، كما قال في ((الخلاصة)): ٣١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق عَطَفْتَ فَافْصِلْ بَالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَّصِلْ (وَأَبِي) الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاريّ المدنيّ، أبو عبادة، وُلد في عهد النبيّ وَّهِ، تقدّمت ترجمته في ((الإمارة)) ٤٧٥٩/٨، حال كوننا (نَطْلُبُ الْعِلْمَ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ، قَبْلَ أَنْ يَهْلِكُوا)؛ أي: يموتوا، أو يقتلوا في الحروب التي جرت بين المسلمين. (فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِينَا) برفع ((أولُ)) على أنه اسم ((كان))، وقوله: (أَبَا الْيَسَرِ) خبرها، وهو بفتحتين، واسمه كعب بن عمرو بن عباد، كما مرّ آنفاً. (صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَمَعَهُ غُلَامٌ)؛ أي: عبد (لَهُ) الجملة حال من أبي اليسر، وقوله: (مَعَهُ)؛ أي: مع غلامه (ضِمَامَةٌ مِنْ صُحُفٍ) جملة حاليّة من ((غلام))، و((الضمامة)) بكسر الضاد المعجمة، وتخفيف الميم: الْحُزمة، ومجموعة الشي؛ لأنها يضمّ بعضها إلى بعض، وقد وقع في بعض النسخ: إضمامة بزيادة الهمزة المكسورة في أولها، وهو المشهور في اللغة بهذا المعنى، والحاصل أنه كان عنده مجموعة من الصحف(١). (وَعَلَى أَبِي الْيَسَرِ بُرْدَةٌ) بالضمّ على وزن غُرفة: كساء صغير مربّع، ويقال: كساء أسود صغير(٢). (وَمَعَافِرِيُّ) بفتح الميم: نوع من الثياب يُصنع بقرية في اليمن تُسمّى معافر، وذكر القاضي عياض أن أصل هذه التسمية أنها لقبيل من اليمن سُمّوا بذلك، وأراهم نزلوها، أو أصل ما سُمّوا به جبل ببلادهم، يقال له: معافر، وقال ابن سرّاج: ويقال في القبيل: مُعافر بضم الميم، وأنكره (٣) . يعقوب. انتهى (وَعَلَى غُلَامِهِ)؛ أي: عبد أبي اليسر (بُرْدَةٌ، وَمَعَافِرِيُّ) مماثلتان لما يلبسه أبو اليسر. والمقصود من هذا الكلام التنبيه على أن أبا اليسر رظلاله كان يلبس ما يلبسه غلامه، وإن كان من الممكن أن يلبس معافريين، ويُلبس غلامه بُردین، أو بالعكس؛ ليصير لكل واحد منهما حُلّة متوافقة، ولكنه فعل ذلك عملاً بقوله : ((ألبسوهم مما تلبسون)) كما سيأتي في كلامه ضىعنه . (١) ((التكملة)) ٥١١/٦. (٣) ((إكمال المعلم)) ٥٥٩/٨. (٢) ((المصباح)) ٤٣/١. ٣١٧ (١٧) - بَابُ حَدِيثِ جَابِرِ الطَّوِيلِ، وَقِصَّةِ أَبِي الْيَسَرِ - حديث رقم (٧٤٨١) (فَقَالَ لَهُ)؛ أي: لأبي اليسر (أَبِي) الوليد بن عبادة: (يَا عَمِّ إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِكَ سُفْعَةً) قال الفيّوميّ تَخْذُهُ: السُّفْعة وزانُ غُرفة: سواد مُشْرب بحمرة، وسَفِعَ الشيءُ، من باب تعب: إذا كان لونه كذلك. انتهى(١). وقال القاضي عياض تَخّْثهُ: قوله: ((سفعة))؛ أي: علامة، يقال: سفعت الشيءَ: إذا أعلمته، ومنه قول الشاعر: وَكُنْتُ إِذَا نَفْسُ الْجَبَانِ نَزَتْ لَهُ . سَفَعْتُ عَلَى الْعِرْنِينِ مِنْهُ بِمِيسَم قال: يقال: سَفْعَةٌ، وسُفعة بفتح السين، وضمها، وكذا رويناهما معاً، وأصل ذلك من السواد، وهو الاربداد الذي يظهر على وجه الغضبان. (٢) انتهى (٢) . قال الجامع عفا الله عنه: ضبط السُّفعة بالضمّ هو الذي في كُتُب اللغة؛ كـ((المصباح))، و((القاموس))، و((اللسان))، وأما ما ذكره القاضي من جواز الفتح، وتبعه الشرّاح، فمحل نظر، والله تعالى أعلم. (مِنْ) أجل (غَضَبٍ) غضبته، فما سببها؟ (قَالَ) أبو اليسر: (أَجَلْ) كنعم وزناً ومعنَّى؛ أي: عندي غضبٌ، ثم ذكر السبب فقال: (كَانَ لِي عَلَى قُلَانِ بْنِ قُلَازِ الْحَرَامِيِّ) قال القاضي: رواه الأكثرون: ((الحرامي)) بفتح الحاء، وبالراء: نسبة إلى بني حرام، ورواه الطبريّ وغيره بالزاي المعجمة، مع كسر الحاء، ورواه ابن ماهان: ((الجُذاميّ)» بجيم مضمومة، وذال معجمة. انتهى(٣). و«فلان ابن فلان)) هذا لم يُعرف اسمه. (مَالٌ)؛ أي: دَين، (فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ) لأتقاضى دَيني (فَسَلَّمْتُ) على أهله (فَقُلْتُ: ثَمَّ) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أ(هُوَ؟) في ذلك المكان؟ (قَالُوا: لا)؛ أي: ليس موجوداً في ذلك المكان، (فَخَرَجَ عَلَيَّ ابْنٌ لَهُ) لم يُعرف اسمه، (جَفْرٌ) بفتح الجيم (٤)، وسكون الفاء: هو الذي قارب البلوغ، وقيل: هو الذي قَوِيَ على الأكل، وقيل: ابن خمس سنين، قاله النوويّ، وهو في أصل اللغة: (١) ((المصباح)) ٢٧٩/١. (٢) ((إكمال المعلم)) ٥٥٩/٨ - ٥٦٠. (٣) (شرح النوويّ)) ١٣٤/١٨. (٤) وأما ما وقع في شرح الشيخ الهرري بضم الجيم، فغير صحيح، فتنبه. ٣١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق ولد المعز الذي بلغ أربعة أشهر، وجفر جنباه، وفُصل عن أمه، وأخذ في الرعي، والمؤنّث منه جَفْرة، قاله في ((اللسان))(١). (فَقُلْتُ لَهُ)؛ أي: لذلك الابن (أَيْنَ أَبُولَكَ؟ قَالَ: سَمِعَ صَوْتَكَ، فَدَخَلَ أَرِبِكَةَ أُمِّي) قال ثعلب: الأريكة هو السرير الذي في الحجلة، والحجلة ستارة العروس، ولا يسمى السرير أريكة إلا إذا كان في الحجلة، وقال الزجاج: الأرائك: الفُرُش في الحجال، وقيل: الأريكة: سرير منجّد مزيّنٌ في قبة، أو في بيت، فإذا لم يكن فيه سرير فهو حجلة، قاله في ((اللسان)). قال أبو اليسر: (فَقُلْتُ) للرجل لمّا علمت أنه موجود في البيت: (اخْرُجْ إِلَيَّ، فَقَدْ عَلِمْتُ أَيْنَ أَنْتَ؟)؛ أي: في أيّ مكان من البيت، (فَخَرَجَ) إليّ (فَقُلْتُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنِ اخْتَبَأْتَ)؛ أي: اختفيت (مِنِّي؟ قَالَ) الرجل: (أَنَا وَاللهِ أُحَدِّثُكَ) في شأن اختفائي عنك، (ثُمَّ) بعد أن أحدّثك بسبب الاختفاء عنك (لَا أَكْذِبُكَ) بالوعد في قضاء دَيني، (خَشِيتُ) بكسر الشين المعجمة، (وَاللهِ أَنْ أُحَدَِّكَ) بالوعد (فَأَكْذِبَكَ) بِخُلفه، فقوله: (وَأَنْ أَعِدَكَ، فَأُخْلِفَكَ) تأكيد لِمَا قبله، (وَكُنْتَ صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ وَّه)؛ يعني: أنك أرفع من أن يكذب عليك أحد حيث كنت صاحب رسول الله صل*، والصحابة أرفع الناس قدراً، فلا ينبغي لي أن أعدك، ولا أفي لك، فإن هذا يحط من قدرك الرفيع، فهذا هو سبب الاختفاء، ثم ذكر سبب عدم وفائه بالوعد، فقال: (وَكُنْتُ وَاللهِ مُعْسِراً)؛ أي: فقيراً لا أستطيع قضاء دَينك. (قَالَ) أبو اليسر: (قُلْتُ: اللهِ؟)؛ أي: أقسمت عليك هل أنت معسر عن قضاء دَيني؟ (قَالَ) الرجل: (اللهِ)؛ أي: والله كنت معسراً، (قُلْتُ: اللهِ؟ قَالَ: اللهِ، قُلْتُ: آللهِ؟ قَالَ: اللهِ) كرّرِه ثلاث مرّات مبالغة في التأكد. فقوله: ((آلله)) بمدّ الهمزة، وهي همزة الاستفهام دخلت على همزة الوصل في كلمة ((الله))، وحرف القَسَم محذوف، فالهاء في الأخير مجرورة، وقد روى بعضهم فتح الهاء أيضاً، ولكنه غير موافق لقياس العربيّة في قول أكثر النحاة؛ لأن واو القسم إذا عُوّضت بهمزة الاستفهام، فلا يجوز فيه إلا الخفض. (١) ((لسان العرب)) ٤/ ١٤٢. ٣١٩ (١٧) - بَابُ حَدِيثِ جَابِرِ الطَِّيلِ، وَقِصَّةٍ أَبِي الْيَسَرِ - حديث رقم (٧٤٨١) وقوله: ((قال: الله)) ذكر النوويّ أن الهمزة هنا غير ممدودة، وذلك لأنه جواب، فلا تصلح فيه همزة الاستفهام، والهمزة فيه قطعيّة، وربما تعوَّض بقطع همزة الوصل، وفي مثله يجوز على الهاء الحركات الثلاث، كما حقّقه الأبيّ. وعبارة الأبيّ تَظُّ: قوله: ((آلله)) ضبطناه بكسر الهاء، ممدوداً على القَسَم والتقرير، ورويناه في غير الأمّ(١) بالفتح، وأكثر أهل العربيّة لا يجيزون فيه غير الكسر، قال الكسائيّ: كل يمين حُذف منها حرف القَسَم هي منصوبة إلا قوله: الله لآتينك، فإنها مخفوضة؛ لأن القَسَم فيه معنى الفعل؛ أي: أقسم بالله، أو والله، فإذا حذفوا حرفه عمل الفعل عمله. قال الأبيّ: إذا قلت: بالله لأفعلنّ تقديره: أقسم بالله، فإذا حُذف القسم، ولم يعوّض منه شيء جاز في المقسَم به الحركات الثلاث، فإن عوّض منه شيء، فالعوض إما همزة استفهام، أو ها التنبيه، أو قطع ألف الوصل، وها التنبيه، وقطع ألف الوصل له حكم مذكور في محله. وذكر القاضي أنه رواه في غير الأم بالفتح. قال الأبي: ولعل الذي رواه مسلم لم يعوّض منه شيء، وهو أحد الوجوه الثلاثة التي تقدّم ذكرها، وذكر عن الكسائيّ أنه ليس فيه إلا النصب، وعلّل ذلك بما ذُكر، ومعنى تعليله أنك إذا قلت: أقسم بالله، وأظهرت فعل القَسَم مع الباء لا يجوز إظهاره إلا مع الباء وحدها، لا معها ومع الواو، كما يعطيه كلام القاضي، فيتعدى فعل القسم إلى المقسَم به بحرف الجرّ، فإذا حُذف فعل القسم وحروفه، والمعوض منه وُصل الفعل المقدّر إلى المقسَم به بنفسه، فينصبه، وهو معنى قوله: عمل الفعل عمله. انتهى(٢). (قَالَ) عبادة بن الوليد: (فَأَتَى) أبو اليسر (بِصَحِيفَتِهِ) التي كتب فيها هذا الدَّين، (فَمَحَاهَا)؛ أي: أزال ما فيها من الكتابة (بِيَدِهِ) وإنما فعل ذلك لأنه عزم أن لا يطالبه بعد ذلك بالدَّين، إلا أن يجد سعة، فيقضيه بنفسه، كما بيّنه بقوله: (فَقَالَ) أبو اليسر: (إِنْ وَجَدْتَ قَضَاءً)؛ أي: شيئاً من المال تقضي به دَينك (فَاقْضِنِي، وَإِلَّا)؛ أي: وإن لم تجد ذلك فـ(أَنْتَ فِي حِلّ)؛ أي: في حلال، وبراءة من دَيني. (١) أراد بالأم: صحيح مسلم. (٢) ((شرح الأبيّ)) ٣٠٨/٦ - ٣٠٩. ٣٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق قال أبو اليسر: (فَأَشْهَدُ)؛ أي: مضارع بمعنى الماضي؛ أي: شهد، وقوله: (بَصَرُ عَيْنَيَّ) مرفوع على الفاعليّة، والإضافة من إضافة المصدر إلى فاعله، وقوله: (هَاتَيْنِ) بدل من ((عينيّ)) وفي بعض النسخ: ((بصرُ عيناي هاتان))، فيكون على لغة من يُلزم المثنى الألف في أحوالها. (وَوَضَعَ) أبو اليسر (إِصْبَعَيْهِ عَلَى عَيْنَيْهِ) والجملة حال من فاعل ((قال)) المقدّر قبل ((فأشهد))، وقوله: (وَسَمْعُ أُذُنَيّ) بفتح السين، وسكون الميم بصيغة المصدر معطوف على (بَصَرُ عينيّ))، وقوله: (هَاتَيْنِ) بدل من ((أذنيّ))، وقوله: (وَوَعَاهُ)؛ أي: حفظه؛ أي: ما سمع من النبيّ وَلِّ، وقوله: (قَلْبِي) مرفوع على الفاعليّة لـ((وعاه))، وقوله: (هَذَا) بدل من «قلبي))، (وَأَشَارَ) أبو اليسر عند قوله: ((ووعاه قلبي هذا))، (إِلَى مَنَاطِ قَلْبِهِ) بفتح الميم، وفي بعض النسخ: ((نياط)) بكسر النون، ومعناهما واحد، وهو عِرْقٌ معلَّقٌ بالقلب. وهذا الذي ذكرنا من وجه الإعراب على رواية الأكثرين، وهي ((بصرُ عينيّ))، بفتح الصاد، وضم الراء، وكذلك ((سَمْعُ أذنيّ)) بفتح السين، وسكون الميم، وضم العين، على كونهما مصدرين مضافين إلى فاعلهما، وهو أسلوب من أساليب العرب، قال سيبويه: العرب تقول: سَمْعُ أذني زيد، ورَأي عيني يقول ذلك، ويفعل ذلك، وأنشدوا : وَرَأْيُ عَيْنِي الْفَتَى أَخَاكَا يُعْطِي الْجَزِيلَ فَعَلَيْكَ ذَاكًا وهما مصدران استعيرا لمعنى الفعل لزيادة التوكيد، ومفعولهما: (رسولَ الله وَ ﴿))، وقبله جملة معترضة، وهي: ((ووعاه قلبي))؛ يعني: وعى قلبي ما رأيته، وسمعته منه ێ . . وعند العذريّ بضمّ الصاد، وفتح الراء على صيغة الماضي، و((عيناي)) بالرفع على أنه فاعل، وجملة: ((ووعاه قلبي)) معترضة بين الفعل والمفعول، وهو قوله بعدُ: ((رسول الله (وَ الآ)). والمعنى على هذه الرواية: قال أبو اليسر: فأشهد على أنه بصرت عيناي هاتان، وسمِعت أذناي هاتان رسول الله وَله، وهو يقول .... إلخ، وقد وعا قلبي ما رأيته، وسمعته منه گچټ. قال الأبيّ: الأصل في الترتيب تقديم الفعل، ثم يليه الفاعل، ثم يلي