Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٣٩٤)
(وَيَبْقَى وَاحِدٌ)؛ أي: لا ينفكّ عنه، وقوله: (يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ، وَمَالُهُ، وَعَمَلُهُ) توضيح
لقوله: ((ثلاثة))، وقال في ((الفتح)): قوله: ((يتبعه أهله، وماله، وعمله)) هذا يقع
في الأغلب، ورب ميت لا يتبعه إلا عمله فقط، والمراد: من يتبع جنازته من
أهله، ورفقته، ودوابه، على ما جرت به عادة العرب، وإذا انقضى أمر الحزن
عليه رجعوا، سواء أقاموا بعد الدفن أم لا .
(فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ، وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ))) معنى بقاء عمله أنه يدخل معه القبر،
وقد وقع في حديث البراء بن عازب ها الطويل في صفة المسألة في القبر،
عند أحمد وغيره، ففيه: ((ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب
الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرّك، فهذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من
أنت؟ فوجهك الوجه يأتي بالخير، فيقول أنا عملك الصالح))، وقال في حق
الكافر: ((ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر
بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه
يجيء بالشرّ، فيقول: أنا عملك الخبيث ... )) الحديث.
قال الكرمانيّ: التبعية في حديث أنس بعضها حقيقة، وبعضها مجاز،
فيستفاد منه استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، قال الحافظ: هو في
الأصل حقيقة في الحس، ويطرقه المجاز في البعض، وكذا المال، وأما العمل
فعلى الحقيقة في الجميع، وهو مجاز بالنسبة إلى التبعية في الحسّ. انتهى(١)،
والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ◌َظ ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٩٤/١] (٢٩٦٠)، و(البخاريّ) في ((الرقاق))
(٦٥١٤)، و(الترمذيّ) في ((الزهد)) (٢٣٧٩)، و(النسائيّ) في ((المجتبى))
(١٩٣٧) و((الكبرى)) (٢٠٦٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٦٧٠)، و(الحميديّ)
(١) ((الفتح)) ٧١٠/١٤ - ٧١١.

٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
في ((مسنده)) (١١٨٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣١٠٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن العمل يدخل القبر مع الإنسان، فينتفع به إن كان
صالحاً، ويتضرّر به، إن كان غير صالح، وقد ورد ذلك في حديث البراء بن
عازب ظّ الطويل في صفة المسألة في القبر عند أحمد وغيره، ففيه: ((ويأتيه رجل
حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك
الذي كنت تُوعَد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا
عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي)).
وقال في الكافر: ((ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، مُنتِنُ الريح،
فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت تُوعَد، فيقول: من أنت؟
فوجهك الوجه يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تُقِم
الساعة)) ... الحديث. وقد ذكرت الحديث بطوله في غير هذا المحلّ.
٢ - (ومنها): التنبيه على الاهتمام بإصلاح العمل، حيث إنه لا يفارق
عامله في دار البقاء.
٣ - (ومنها): أن مما يجب على العاقل عدمَ الاشتغال بالأهل والمال عن
الأعمال الصالحات، إلا فيما له تعلّق بالآخرة، كتعليم أهله دينهم، وتوجيههم
إلى الخير، والقيام بماله، ليصل به رحمه، ويواسي به الفقراء والمحتاجين،
وينفقه في سبيل الله تعالى، فإن هذا يعدّ من أعماله الصالحات التي تدخل معه
القبر، وينتفع بها، وما عدا ذلك فهو فتنة، وقد حذّر الله تعالى منها، حيث
قال: ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
٢٨)
[الأنفال: ٢٨]، وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا
لَكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]، وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا نُذْهِكُمْ أَمْوَلُكُمْ وَلَ
أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُؤْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
[المنافقون: ٩]، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٩٥] (٢٩٦١) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ - يَعْنِي: ابْنَ
حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ النُّجِيبِيَّ - أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،

٦٣
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٣٩٥)
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ، وَهُوَ
حَلِيفُ بَنِي عَامِرٍ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْراً مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ
رَسُولُ اللهِ وَ﴿ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ
أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومٍ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَافَوْا صَلَاةَ
الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ نَّهِ انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ
رَسُولُ اللهِ نَّهِ حِينَ رَآهُمْ، ثُمَّ قَالَ: ((أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ مِنَ
الْبَحْرَيْنِ))، فَقَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ الهِ، قَالَ: ((فَأَبْشِرُوا، وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَ الهِ
مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ، كَمَا بُسِطَتْ
عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ التُّجِيِيُّ) المصريّ
[١١] تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ الفقيه [٩] تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ [٧] تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ [٤] تقدم في ((شرح المقدمة))
جـ١ ص٣٤٨.
٥ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام المدنيّ الفقيه [٣] تقدم في ((شرح
المقدمة)) جـ٢ ص٤٠٧.
٦ - (الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةً) بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة
الزهريّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، مات سنة أربع
وستين (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٧٩/١٨.
٧ - (عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ) الأنصاريّ حليف بني عامر بن لؤيّ، قال ابن
إسحاق: كان مولى سهيل بن عمرو، وأخرج الشيخان، وأصحاب ((السنن))
سوى أبي داود، من طريق الزهريّ، عن عروة، عن المسور بن مخرمة، أن
عمرو بن عوف، وهو حليف بني عامر بن لؤيّ، وكان شهد بدراً أخبره، أن
أ

٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
النبيّ وَل بعث أبا عبيدة بن الجراح، فقدم بمال من البحرين ... الحديث. وقال
ابن سعد: عمير بن عوف، مولی سهيل بن عمرو، يكنى أبا عمرو، وكان من مولّدي
أهل مكة، كان موسى بن عقبة وغيره يقولون: عمير بالتصغير، وكان ابن إسحاق
يقول: عمرو، وذكره ابن حبان في الصحابة في باب عمير، وقال ابن عبد البرّ في
باب من اسمه عمير: عمير بن عوف من مولدي مكة، شهد بدراً وما بعدها، ومات
في خلافة عمر، فصلى عليه، وقال في باب من اسمه عمرو: عمرو بن عوف
الأنصاريّ حليف بني عامر بن لؤيّ، يقال له: عمير سكن المدينة، لا عقب له،
وروى عنه المسور بن مخرمة حديثاً واحداً، وكذا فرّق العسكريّ بين الأنصاريّ
وبين حليف بني عامر، والحق أنه واحد، واسمه عمرو، وعمير تصغيره.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس
له عندهم إلا هذا الحدیث.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُباعيّات المصنّف تَذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب،
والباقون مصريون، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، وتابعيّ عن تابعيّ، وأن
صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث(١).
شرح الحديث:
(عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ الْمِسْوَرَ) بكسر الميم، وسكون السين المهملة،
وفتح الواو، (ابْنَ مَخْرَمَةً) بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الراء،
(أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ، وَهُوَ)؛ أي: عمرو، (حَلِيفُ بَنِي عَامِرٍ بْنِ لُؤَيٍّ)
الحليف، بفتح الحاء المهملة، وكسر اللام: المعاهد، يقال: تحالفا: إذا
تعاهدا، وتعاقدا على أن يكون أمرهما واحداً في النصرة، والحماية، وبينهما
حِلْف، وحِلْفةٌ؛ أي: عهد(٢). (وَكَانَ) عمرو المذكور (شَهِدَ) بكسر الهاء،
(بَدْراً)؛ أي: غزوتها، وكان في رمضان من السنة الثانية الهجريّة، (مَعَ
(١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ١٦٨/٨ - ١٦٩.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٤٦/١ - ١٤٧.
:

٦٥
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَيَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللّهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٣٩٥)
رَسُولِ اللهِ وَّهِ أَخْبَرَهُ)؛ أي: أخبر المسور، (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ
الْجَرَّاحِ) هو: عامر بن عبد الله بن الجرّاح بن هلال القرشيّ الفهريّ الصحابيّ
الشهير، أحد العشرة المبشرين بالجنّة المتوفّى بطاعون عمواس سنة ثمان عشرة
من الهجرة، وله ثمان وخمسون سنة، له في مسلم ذكر بلا رواية، وتقدّمت
ترجمته في ((الصيد والذبائح)) ٤٩٩٠/٤. (إِلَى الْبَحْرَيْنِ) البلد المشهور بالعراق،
وهي بين البصرة وهَجَر، (يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا) الجزية بكسر الجيم، وسكون الزاي:
ما يؤخذ من أهل الذمّة، وجمعه جِزَّى، مثلُ سدرة وسِدَرٍ (١)، قاله الفيّوميّ،
وقال في ((الفتح)): الجزية: من جزأت الشيءَ: إذا قسمته، ثم سُهِّلت الهمزة،
وقيل: من الجزاء؛ أي: لأنها جزاء تركهم ببلاد الإسلام، أو من الإجزاء؛
لأنها تكفي من توضع عليه في عصمة دمه. انتهى (٢).
وقوله: ((يأتي بجزيتها))؛ أي: بجزية أهلها، وكان غالب أهلها إذ ذاك
المجوس، (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَلهَ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ) على أداء الجزية،
(وَأَمَّرَ) بتشديد الميم؛ أي: ولّى (عَلَيْهِمُ)؛ أي: على أهل البحرين، (الْعَلَاءَ بْنَ
الْحَضْرَمِيِّ) اسم أبيه عبد الله بن عمّار، الصحابيّ الجليل، وكان حليف بني
أميّة، عمل على البحرين للنبيّ وَّر، وأبي بكر، وعمر، ومات رظُه سنة أربع
عشرة، وقيل: بعد ذلك، تقدّمت ترجمته في ((الحج)) ٣٢٩٨/٧٨.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((صالح أهل البحرين)) كان ذلك في سنة الوفود .
سنة تسع من الهجرة، والعلاء بن الحضرميّ صحابيّ شهير، واسم الحضرمي:
عبد الله بن مالك بن ربيعة، وكان من أهل حضرموت، فقدِم مكة، فحالف بها
بني مخزوم، وقيل: كان اسم الحضرمي في الجاهلية: زهرمز، وذكر عُمَر بن
شَبّة في ((كتاب مكة)) عن أبي غسان، عن عبد العزيز بن عمران أن كسرى لمّا
أغار بنو تميم، وبنو شيبان على ماله، أرسل إليهم عسكراً عليهم زهرمز،
فكانت وقعة ذي قار، فقتلوا الفرس، وأسروا أميرهم، فاشتراه صخر بن رزين
الديلي، فسرقه منه رجل من حضرموت، فتبعه صخر حتى افتداه منه، فقدِم به
مكة، وكان صنّاعاً، فعتق، وأقام بمكة، ووُلد له أولاد نجباء، وتزوج أبو
(١) ((المصباح المنير)) ١٠٠/١ - ١٠١.
(٢) ((الفتح)) ٤٤١/٩.

٦٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
سفيان ابنته الصعبة، فصارت دعواهم في آل حرب، ثم تزوجها عبيد الله بن
عثمان، والد طلحة أحد العشرة، فولدت له طلحة، قال: وقال غير عبد العزيز:
إن كلثوم بن رزين، أو أخاه الأسود، خرج تاجراً، فرأى بحضرموت عبداً
فارسيّاً نجاراً يقال له: زهرمز، فقدم به مكة، ثم اشتراه من مولاه، وكان
حميريّاً يكنى أبا رفاعة، فأقام بمكة، فصار يقال له: الحضرميّ، حتى غلب
على اسمه، فجاور أبا سفيان، وانقطع إليه، وكان آل رزين حلفاء لحرب بن
أمية، وأسلم العلاء قديماً، ومات الثلاثة المذكورون، أبو عبيدة، والعلاء
باليمن، وعمرو بن عوف في خلافة عمر نظ ◌ُبه(١).
وذكر ابن سعد أن النبيّ ◌َله بعد قسمة الغنائم بالجعرانة، أرسل العلاء
إلى المنذر بن ساوى عامل البحرين، يدعوه إلى الإسلام، فأسلم، وصالح
مجوس تلك البلاد على الجزية. (فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ) ◌َلُه (بِمَالٍ) كثير (مِنَ
الْبَحْرَيْنِ) روى ابن أبي شيبة من طريق حميد بن هلال، مرسلاً أن ذلك المال
كان مائة ألف، وأنه أرسل به العلاء بن الحضرميّ من خراج البحرين، قال:
وهو أول خراج حُمل إلى النبيّ ◌َليَ(٢).
(فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُوم أَبِي عُبَيْدَةَ) بمال البحرين، (فَوَافَوْا صَلَاةَ الْفَجْرِ)
وفي رواية للبخاريّ: ((فوافقت صلاة الصبح)) (مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّ) قال
القرطبيّ تَخْذَتُهُ: قوله: ((فوافوا))؛ أي: جاؤوا، فاجتمعوا عند صلاة الصبح معه؛
ليقسم بينهم ما جاء به أبو عبيدة؛ لأنَّهم أرهقتهم الحاجة، والفاقة التي كانوا
عليها، لا الحرص على الدنيا، ولا الرغبة فيها، ولذلك قال لهم رسول الله وَ لاته :
((أبشروا، وأمّلوا ما يسرّكم))، وهذا تهوين منه وَّ عليهم ما هم فيه من الشدة،
وبشارة لهم بتعجيل الفتح عليهم. انتهى (٣).
يؤخذ منه أنهم كانوا لا يجتمعون في كل الصلوات في التجميع، إلا لأمر
يطرأ، وكانوا يصلّون في مساجدهم؛ إذ كان لكل قبيلة مسجد يجتمعون فيه؛
فلأجل ذلك عَرَف النبيّ رَِّ أنهم اجتمعوا لأمر، ودلّت القرينة على تعيين ذلك
(١) ((الفتح)) ٤٤٦/٧ - ٤٤٧.
(٣) ((المفهم)) ١١٢/٧.
(٢) ((الفتح)) ١٤٧/٢.

٦٧
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَيَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ- حديث رقم (٧٣٩٥)
الأمر، وهو احتياجهم إلى المال؛ للتوسعة عليهم، فأبوا إلا أن يكون
للمهاجرين مثل ذلك، وفي حديث أنس: «فلما قَدِم المال رأوا أن لهم فيه
حقّاً))، ويَحْتَمِل أن يكون وعدهم بأن يعطيهم منه إذا حضر، وقد وعد جابراً
بعد هذا أن يعطيه من مال البحرين، فوفّى له أبو بكر ﴿به(١).
(فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّهِ انْصَرَفَ)؛ أي: رجع من صلاته، وتوجّه إلى
الناس (فَتَعَرَّضُوا لَهُ)؛ أي: سألوه بالإشارة، (فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ حِينَ رَآهُمْ)
تعجّباً من حالهم؛ لأنهم ما كانوا يصلّون معه، وإنما يصلّون في مساجدهم،
(ثُمَّ قَالَ) وَر: ((أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ) بكسر الدال، (بِشَيْءٍ) من
المال (مِنَ الْبَحْرَيْنِ))، فَقَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ) قال الأخفش: ((أجل)) في
المعنى مثل ((نعم))، لكن ((نعم)) يحسن أن تقال في جواب الاستفهام، و((أجل))
أحسن من نعم في التصديق. (قَالَ) بِهِ: ((فَأَبْشِرُوا) بقطع الهمزة، من الإبشار،
ويجوز وصلها، أمر، معناه الإخبار بحصول المقصود، (وَأَمِّلُوا) بتشديد الميم،
من التأميل؛ أي: تمنّوا، قال الفيّوميّ كَّفُ: أَملْتُهُ أَمَلاً، من باب طَلَب:
تَرَقَّبْتُه، وأكثر ما يُستعمل الأمل فيما يُستبعد حصوله، قال زهير [من البسيط]:
أَرْجُو وَآمُلُ أَنْ تَدْنُوَ مَوَدَّتُها
وَمَا إِخَالُ لَدَيْنَا مِنْكِ تَنْوِيلُ
ومَن عَزَم على السفر إلى بلد بعيد يقول: أَمَلْتُ الوصول، ولا يقول:
طَمِعت إلا إذا قَرُب منها، فإن الطمع لا يكون إلا فيما قرب حصوله، والرجاء
بين الأمل والطمع، فإن الراجي قد يخاف أن لا يحصل مأمُولُهُ، ولهذا يستعمل
بمعنى الخوف، فإذا قوي الخوف استُعمل استعمال الأمل، وعليه بيت زهير،
وإلا استُعمل بمعنى الطمع، فأنا آمِلٌ، وهو مَأْمُولٌ على فاعل، ومفعول، وأَمَّلْتُهُ
تَأْمِيلا مبالغةً وتكثيراً، وهو أكثر من استعمال المخفف، ويقال لِمَا في القلب
مما يُنال من الخير: أَمَلٌ، ومن الخوف: إيجَاسٌ، ولِمَا لا يكون لصاحبه، ولا
عليه: خَطْرٌ، ومن الشر، وما لا خير فيه: وسْوَاسٌ، وتَأَمَّلْتُ الشَّيء: إذا
تدبرته، وهو إعادتك النظر فيه مرة بعد أخرى حتى تعرفه. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: وعلى هذا فيجوز أن يقرأ: ((املوا)) بقطع
(١) ((الفتح)) ٤٤٧/٧.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٢/١ - ٢٣.

٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
الهمزة، والتشديد، وبوصل الهمزة، والتخفيف، من باب طلب، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.
وقوله: (مَا يَسُرُّكُمْ) ((ما)) موصولة مفعول ((أمّلوا))، و((يسرّكم)) بفتح أوله،
وضم الراء المشدّدة، يقال: سرّه يسرّه سُروراً بالضمّ، والاسم: السَّرُور
بالفتح: إذا أفرحه (١) .
(فَوَ اللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ) قال القرطبيّ ◌َخُّْهُ: ((الفقرَ)) منصوب على
أنه مفعول مقدم لـ((أخشى))، ولا يجوز رفعه إلا على وجه بعيد، وهو أن يُحذف
ضمير المفعول، ويُعامل معاملة الملفوظ، كما قال امرؤ القيس:
فَثَوْبٌ نَسِيتُ وَثَوْبٌ أَجُرُّ
فكأنه قال: فثوب نسيته، وثوب أجرّه، وهي قليلة بعيدة، وفيه ما يدلّ
على أن الفقر أقرب للسلامة، والاتساع في الدنيا أقرب للفتنة، فنسأل الله
الكفاف، والعفاف. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((ما الفقر أخشى عليكم)) بنصب الفقر؛ أي: ما
أخشى عليكم الفقر، ويجوز الرفع بتقدير ضمير؛ أي: ما الفقر أخشاه عليكم،
والأول هو الراجح، وخَصَّ بعضهم جواز ذلك بالشعر.
وهذه الخشية يَحْتَمِل أن يكون سببها علمه أن الدنيا ستُفتح علیھم،
ويحصل لهم الغنى بالمال، وقد ذُكر ذلك في أعلام النبوة، مما أخبر وَلـ
بوقوعه قبل أن يقع، فوقع.
وقال الطيبيّ نَظَّتُهُ: فائدة تقديم المفعول هنا الاهتمام بشأن الفقر، فإن
الوالد المشفق إذا حضره الموت كان اهتمامه بحال ولده في المال، فَأَعْلَم ◌َلِه
أصحابه أنه، وإن كان لهم في الشفقة عليهم كالأب، لكن حاله في أمر المال
يخالف حال الوالد، وأنه لا يخشى عليهم الفقر، كما يخشاه الوالد، ولكن
يخشى عليهم من الغنى الذي هو مطلوب الوالد لولده، والمراد بالفقر:
العهديّ، وهو ما كان عليه الصحابة ﴿ه من قلة الشيء، ويَحْتَمِل الجنس،
والأول أَولى، ويَحْتَمِل أن يكون أشار بذلك إلى أن مضرة الفقر دون مضرة
(١) ((المصباح المنير)) ٢٧٤/١.
(٢) ((المفهم)) ٧/ ١١٢ - ١١٢.

٦٩
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٣٩٥)
الغنى؛ لأن مضرة الفقر دنيوية غالباً، ومضرة الغنى دينية غالباً. انتهى (١).
(وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ، كَمَا بُسِطَتْ) ببناء الفعل
للمفعول في الموضعين، (عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)؛ أي: من الأمم السابقة،
(فَتَنَافَسُوهَا) أصله تتنافسوها، فحُذفت إحدى التاءين تخفيفاً، كقوله تعالى: ﴿نَارًا
تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤]، وقد تقدّم غير مرّة، والتنافس من المنافسة، وهي الرغبة في
الشيء، ومحبة الانفراد به، والمغالبة عليه، وأصلها من الشيء النفيس في
نوعه، يقال: نافست في الشيء منافسةً، ونَفاسةً، ونَفاساً، ونَفُس الشيء بالضم
نَفاسةً: صار مرغوباً فيه، ونَفِستُ به بالكسر: بَخِلت، ونَفِست عليه: لم أره
أهلاً لذلك.
(كَمَا تَنَافَسُوهَا) قال القرطبيّ: أي: تتحاسدون فيها، فتختلفون،
وتتقاتلون، فيُهلك بعضكم بعضاً، كما قد ظهر ووُجد، وقد سَمّى في هذا
الحديث التحاسد تنافساً توسُّعاً؛ لِقُرب ما بينهما. (وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ)))؛
أي: لأن المال مرغوب فيه، فترتاح النفس لِطَلَبه، فتمنع منه، فتقع العداوة
المقتضية للمقاتلة المفضية إلى الهلاك، قال ابن بطال: فيه أن زهرة الدنيا ينبغي
لمن فُتحت عليه أن يحذر من سوء عاقبتها، وشر فتنتها، فلا يطمئنّ إلى
زخرفها، ولا ينافس غيره فيها، ويُستدل به على أن الفقر أفضل من الغنى؛ لأن
فتنة الدنيا مقرونة بالغنى، والغنى مظنة الوقوع في الفتنة التي قد تجرّ إلى هلاك
النفس غالباً، والفقير آمن من ذلك(٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمرو بن عوف ريته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٩٥/١ و٧٣٩٦] (٢٩٦١)، و(البخاريّ) في
((الجزية)) (٣١٥٨) و((المغازي)) (٤٠١٥) و((الرقاق)) (٦٤٢٥)، و(الترمذيّ) في
(١) ((الفتح)) ١٤/ ٥١٥.
(٢) ((الفتح)) ١٤ /٥١٥ - ٥١٦، ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٤٢٥).

٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
(الفتن)) (٢٤٦٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٣٤/٥)، و(ابن ماجه) في
((الفتن)) (٤٠٤٥)، و(ابن المبارك) في ((الزهد)) (١٧٣/١)، و(أحمد) في
(مسنده)) (١٣٧/٤)، و(الرويانيّ) في ((مسنده)) (٣٦٣/٢)، و(البيهقيّ) في ((شعب
الإيمان)) (٢٧٦/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٥٦/١٤)، والله تعالى
أعلم .
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كرم النبيّ وَّر، وعدم التفاته إلى المال قلَّ أو كثر.
٢ - (ومنها): أن الإمام ينبغي له أن يفرق مال المصالح في مستحقيها،
ولا يؤخره.
٣ - (ومنها): جواز وضع ما يشترك المسلمون فيه، من صدقة، ونحوها،
في المسجد، ومحله ما إذا لم يَمنع مما وضع له المسجد من الصلاة،
وغيرها، مما بُني المسجد لأجله، ونحو وَضْع هذا المال وَضْع مال زكاة
الفطر.
٤ - (ومنها): جواز وَضْع ما يعم نفعه في المسجد، كالماء لِشُرب من
يعطش .
٥ - (ومنها): بيان أن طلب العطاء من الإمام لا غضاضة فيه.
٦ - (ومنها): أن فيه البشرى من الإمام لأتباعه، وتوسيع أملهم منه.
٧ - (ومنها): أن فيه من أعلام النبوة إخباره وَّ بما يفتح عليهم.
٨ - (ومنها): أن الأمر الوارد بالصلاة في مسجد الحي، ولا يتتبّع
المساجد أمر استحباب، فقد أخرج الطبرانيّ في ((المعجم الكبير)) عن ابن
عمر ◌ِّ مرفوعاً: ((ليصلّ أحدكم في مسجده، ولا يتتبّع المساجد))(١)، فهو
محمول على الاستحباب، بدليل حديث الباب، فإن الأنصار كانت لهم
مساجد، فتركوها، وصلّوا معه بَلَّ، فلم يُنكر عليهم، والله تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): أن المنافسة في الدنيا قد تجرّ إلى هلاك الدِّين، ووقع في
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ها مرفوعاً: ((تتنافسون، ثم تتحاسدون،
(١) رواه الطبراني في ((الكبير)) ٣٧٠/١٢ رقم (١٣٣٧٣).

٧١
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٣٩٦)
ثم تتدابرون، ثم تتباغضون))، أو نحو ذلك، يأتي في هذا الباب بعد حديث،
وفيه إشارة إلى أن كل خصلة من المذكورات مسبَّبة عن التي قبلها، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٩٦] (.) - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ،
جَمِيعاً عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِيٍ، عَنْ صَالِحِ (ح) وَحَدَّثَنَا
عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبَّ، كِلَاهُمَا عَنِ
الزُّهْرِيِّ، بِإِسْنَادِ يُونُسَ، وَمِثْلِ حَدِيثِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ صَالِحٍ: ((وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا
أَلْهَتْهُمْ»).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
وكلهم تقدّموا قريباً .
ووقوله: (وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ) من الإلهاء؛ أي: تشغلكم عن أمور
دینکم، وعن الاستعداد لآخرتكم.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ) ضمير التثنية لصالح بن كيسان، وشعيب بن
أبي حمزة.
[تنبيه]: أما رواية صالح بن كيسان عن الزهريّ، فقد ساقها النسائيّ دَّثُ
في ((الكبرى))، فقال:
(٨٧٦٧) - أنبأ عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد، قال: ثنا عمي،
قال: ثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن
المسور بن مخرمة أخبره، أن عمرو بن عوف، وكان شهد بدراً مع رسول الله وَليه
أخبره، أن رسول الله وَلّ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين، يأتي
بجزيتها، وكان رسول الله له صالح أهل البحرين، وأمّر عليهم العلاء بن
الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بماله من البحرين، فسمعت الأنصار بقدومه، فوافت
صلاة الفجر مع رسول الله له، فلما صلى رسول الله وَله صلاة الفجر
انصرف، فتعرضوا له، فتبسم رسول الله وَلهول حين رآهم، قال: ((أظنكم قد
سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء؟)) قالوا: أجل يا رسول الله، قال:

٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
((فأبشروا، وأمّلوا ما يسركم، فوالله ما من الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى
عليكم أن تُبسط الدنيا عليكم، كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما
تنافسوا، وتلهيكم كما ألهتهم)). انتهى(١).
وأما رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهريّ، فقد ساقها البخاريّ ◌َظُّهُ
في ((صحیحه))، فقال:
(٢٩٨٨) - حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: حدّثني
عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، أنه أخبره، أن عمرو بن عوف
الأنصاريّ، وهو حليف لبني عامر بن لؤيّ، وكان شهد بدراً، أخبره أن
رسول الله وَل بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين، يأتي بجزيتها، وكان
رسول الله رَ﴾ هو صالح أهل البحرين، وأمّر عليهم العلاء بن الحضرميّ، فقدم
أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافت صلاة
الصبح مع النبيّ وَّر، فلما صلى بهم الفجر انصرف، فتعرضوا له، فتبسم
رسول الله وَله حين رآهم، وقال: ((أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء
بشيء؟)) قالوا: أجل يا رسول الله، قال: ((فأبشروا، وأمّلوا ما يسركم، فوالله لا
الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسط عليكم الدنيا، كما بُسطت
على من كان قبلكم، فتنافسوها، كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم)).
(٢)
انتهى (٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٩٧] (٢٩٦٢) - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ رَبَاحِ
- هُوَ أَبُو فِرَاسٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِّ
عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا فُتِحَتْ عَلَيْكُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ
أَيُّ قَوْم أَنْتُمْ؟))، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا اللهُ، قَالَ
رَسُولُ اَللهِ وَّهِ: ((أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، تَتَنَافَسُونَ، ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ، ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ، ثُمَّ
(١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٢٣٤/٥.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ٣/ ١١٥٢.

٧٣
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِتَعَالَی ... إلخ - حديث رقم (٧٣٩٧)
تَتَبَاغَضُونَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَنْطَلِقُونَ فِي مَسَاكِينِ الْمُهَاجِرِينَ، فَتَجْعَلُونَ بَعْضَهُمْ
عَلَى رِقَابٍ بَعْضٍ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ الْعَامِرِيُّ) - بتشديد الواو - أبو محمد المصريّ، ثقة
[١١] (ت٢٤٥) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٩/٣٤.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) أبو محمد المصريّ الحافظ [٩]، تقدم في
((المقدمة)) ٩/٣.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ المصريّ [٧]، تقدم في
((الإيمان)) ١٦/ ١٦٩
٤ - (بَكْرُ بْنُ سَوَادَةَ) بن ثُمامة الْجُذاميّ، أبو ثُمامة المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ
[٣] مات سنة بضع وعشرين ومائة (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٥٠٥/٩٣.
٥ ۔ (يَزِيدُ بْنُ رَبَاحِ أَبُو فِرَاسٍ مَوْلَی عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) هو: یزید بن
رَبَاح - بموحدة - السهميَّ أبو فِراس - بكسر الفاء - المصريّ، لقبه مشفر، ثقة [٣].
روى عن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمرو، وابن عمر، وأم سلمة.
وروى عنه بكر بن سوّادة، وجعفر بن ربيعة، والزهريّ، وعلي بن رباح،
ويزيد بن أبي حبيب، وآخرون.
قال ابن يونس: تُوفي سنة تسعين، قال سعيد بن عفير: شَهِد فتح مصر، ولا
يصحّ، وذكره يعقوب بن سفيان، وابن حبان، وقال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقة.
تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ﴿يَا تقدّم قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َخْتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمصريين، وفيه رواية
تابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بِّهَا (عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا
فُتِحَتْ) بالبناء للمفعول، (عَلَيْكُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ)؛ أي: غلبتموهما، ونُصرتم

٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
عليهما، واستوليتم على غنائمهما، (أَيُّ قَوْم أَنْتُمْ؟)؛ أي: أيّ شيء تصنعون،
فهل تقومون بأداء الشكر؟، وقال القرطبيَّ تَخَّتُهُ: هذا استفهام يشوبه إخبارٌ
منه وَّر عن أمر قبل وقوعه، وقع على نحو ما أخبر عنه، فكان ذلك من أدلة
صحة نبوته ﴿ ﴿، ورسالته، وكم له وَلّ منها وكم!، معنى: ((أيُّ قوم أنتم؟))؛
أي: على أيّ حال تكونون؟ فكأنه قال: أتبقَون على ما أنتم عليه؟ أو تتغير
بكم الحال؟ فـ(قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) أحد العشرة المبشرين بالجنّة رَظ ◌ُنّه :
(نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا الله تعالى، قال النوويّ: معناه: نحمده، ونشكره، ونسأله
المزيد من فضله، وقال القرطبيّ: أي: نقول قولاً مثل الذي أمرنا الله، وكأن
هذا منه إشارة إلى قول الله تعالى: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:
١٧٣]، وذلك أنه فَهِم أن رسول الله وَّ خاف عليهم الفتنة، من بَسْط الدنيا
عليهم، فأجابه بذلك، فكأنه قال: نستكفي الفتن، والمحن بالله تعالى، ونقول
كما أُمرنا، وهذا إخبار منهم عما يقتضيه حالهم في ذلك الوقت، فأخبرهم
النبيّ وَّه بأنهم لا يبقون على تلك الحال، وأنها تتغير بهم. وقال بعض
الشارحين: لعلّه يكون كما أمرنا الله، وهذا تقدير غلط للرواة، لا يُحتاج إليه
مع صحة المعنى الذي أبديناه، والله تعالى أعلم. انتهى(١).
(قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ) بسكون الواو، وهي القاطعة، و(غير))
بالنصب على إضمار فعل، تقديره: أو تفعلون غير ذلك، ويجوز رفعه على
تقدير: أو يكونُ غيرُ ذلك(٢).
(تَتَنَافَسُونَ)؛ أي: تتسابقون إلى أخذ الدنيا، (ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ) بعد الأخذ،
(ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ)؛ أي: تتقاطعون، فيُولّي كل واحد منكم دُبُره عن الآخر معرضاً
عنه، (ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ)؛ أي: ثم تثبت البغضاء في القلوب، وتتراكم حتى يكون
عنها الخلاف، والقتال، والهلاك، كما قد وُجد، كذا قال القرطبيّ ◌َظُّ(٣).
وقال النوويّ: قال العلماء: التنافس إلى الشيء: المسابقة إليه، وكراهة
أخذ غيرك إياه، وهو أول درجات الحسد، وأما الحسد فهو تمني زوال النعمة
(١) ((المفهم)) ١١٣/٧ - ١١٤.
(٣) ((المفهم)) ٧/ ١١٤.
(٢) ((المفهم)) ٧/ ١١٤.

٧٥
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٣٩٧)
عن صاحبها، والتدابر: التقاطع، وقد بقي مع التدابر شيء من المودّة، أو
لا يكون مودّة ولا بغض، وأما التباغض فهو بعد هذا، ولهذا رُقِّبت في
الحديث. انتهى(١).
(أَوْ) تفعلون (نَحْوَ ذَلِكَ) بأن تتقاتلوا، أو تتضاربوا، وتتناهبوا، أو
تتغاصبوا إلى غير ذلك.
(ثُمَّ تَنْطَلِقُونَ)؛ أي: تتوجهون، وتتصرّفون (فِي) شؤون (مَسَاكِينِ
الْمُهَاجِرِينَ) وضعفائهم، (فَتَجْعَلُونَ بَعْضَهُمْ عَلَى رِقَابٍ بَعْضٍ)))؛ أي: تولّون
بعضهم على بعضهم حتى يذلّوهم، ويظلموهم.
وقال القرطبيّ تَخْتُ: قوله: ((ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين فتجعلون
بعضهم على رقاب بعض))، وفي رواية السمرقنديّ: ((فتحملون))، قال بعضهم:
لعل أصول هذا الكلام: ((ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين)). قال القاضي:
لا أدري ما الذي حمل هذا على تفسير الرواية مع عدم توجيه الكلام على ما
قبله، واستقلاله بالمراد، لا سيما مع قوله بعد هذا: ((فتحملون بعضهم على
رقاب بعض))، والأشبه أن يكون الكلام على وجهه، وأراد أن مساكين
المهاجرين، وضَعَفتهم ستُفتح عليهم إذ ذاك الدنيا، حتى يكونوا أمراء بعضهم
على رقاب بعض.
قال القرطبيّ: والعجب من إنكار القاضي على هذا المتأوّل، واختياره
هذا المعنى الذي لا يقبله مساق الحديث، ولا يشهد له معناه، وذلك أن معنى
الحديث: أنه أخبرهم أنهم تتغيّر بهم الحال، وأنهم يصدر عنهم، أو عن
بعضهم أحوال غير مرضية، تخالف حالهم التي كانوا عليها معه وَلّ من
التنافس، والتباغض، وانطلاقهم في مساكين المهاجرين، فلا بدّ أن يكون هذا
الوصف غير مرضيّ كالأوصاف التي قبله، وأن تكون تلك الأوصاف المتقدمة
توجبه، وحينئذ يلتئم الكلام أوله وآخره، ولا يصحّ ذلك إلا بذلك التقدير الذي
أنكره القاضي، فيكون معنى الحديث أنه إذا وقع التنافس، والتحاسد،
والتباغض حَمَلهم ذلك على أن يأخذ القويّ ما أفاءه الله تعالى على المسكين
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨/ ٩٦ - ٩٧.

٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
الذي لا يقدر على مدافعته، فيمنعه عنه ظلماً، وهذا بمقتضى التنافس،
والتحاسد، والتباغض، ويعضده رواية السمرقنديّ: ((فيحملون بعضهم على
رقاب بعضهم))؛ أي: بالقهر والغلبة، وأما ما اختاره القاضي فغير ملائم
للحديث، فتدبّره تجده كما أخبرتك، والله تعالى أعلم (١).
مسائل تتعلَّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ضًا هذا من أفراد
المصنّف تَخْذَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٩٧/١] (٢٩٦٢)، و(ابن ماجه) في ((الفتن))
(٣٩٩٦)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٦٨٨)، و(يعقوب الفسويّ) في ((المعرفة))
(٥١٤/٢)، و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٢٨٥/٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان معجزة للنبيّ وَ﴾ حيث أخبر بما يكون بعده وَل، فكان
كما أخبر به.
٢ - (ومنها): بيان أن الفتوحات الدنيويّة سبب لحصول الفتن، من
التحاسد، والتباغض، والتدابر، والتقاتل.
٣ - (ومنها): ذم المال إذا كان يؤدّي إلى التقاطع، والتباغض،
والتحاسد، وإلا فـ((نعم المال الصالح للرجل الصالح))، فقد أخرج الإمام
أحمد، وصححه ابن حبّان عن موسى بن عُليّ، عن أبيه، قال: سمعت
عمرو بن العاص يقول: بعث إليّ رسول الله وَله، فقال: ((خذ عليك ثيابك،
وسلاحك، ثم ائتني))، فأتيته، وهو يتوضأ، فصَعَّد فيّ النظرَ، ثم طأطأه، فقال:
((إني أريد أن أبعثك على جيش، فيسلّمك الله، ويُغنمك، وأرغب لك من المال
رغبة صالحة))، قال: قلت: يا رسول الله ما أسلمت من أجل المال، ولكني
أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله وص له، فقال: ((يا عمرو نِعم
(١) ((المفهم)) ١١٥/٧ - ١١٦.

٧٧
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَيَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِتَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٣٩٨)
"المال الصالح للمرء الصالح)) (١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٩٨] (٢٩٦٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ قُتَيْبَةُ:
حَدَّثَنَا، وَقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ،
عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ
فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ مِمَّنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ)).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
وقد تقدّم هذا السند نفسه في الباب الماضي، و((يحيى)) تقدّم في هذا الباب.
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان، وفي رواية ابن وهب، عن مالك:
(حدّثني أبو الزناد))، أخرجه الدارقطنيّ في ((الغرائب)). (عَنِ الأَعْرَجِ)
عبد الرحمن بن هرمز، وفي رواية سعيد بن داود، عن مالك: ((حدّثني أبَو
الزناد، أن عبد الرحمن بن هرمز أخبره، أنه سمع أبا هريرة))، أخرجه
الدار قطنيّ أيضاً، وضاق مخرجه على أبي نعيم، فأخرجه من طريق القاسم بن
زكريا، عن البخاريّ، وأخرجه الإسماعيليّ من طريق حميد بن قتيبة، عن
إسماعيل، والدارقطنيّ من وجهين عن إسماعيل، قاله في ((الفتح))(٢).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَظُبه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ
فُضِّلَ) بالفاء، والضاد المعجمة، مبنيّاً للمفعول، (عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ) بفتح
الخاء؛ أي: الصورة، ويَحْتَمِل أن يدخل في ذلك الأولاد، والأتباع، وكل ما
يتعلق بزينة الحياة الدنيا، قال الحافظ كظّتُهُ: ورأيته في نسخة معتمدة من
((الغرائب)) للدار قطنيّ: ((والْخُلُق)) بضم الخاء واللام. انتهى(٣).
(فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ) وفي رواية عبد العزيز بن يحيى، عن
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤/ ١٩٧.
(٢) ((الفتح)) ١٤ / ٦٤٢، (كتاب الرقاق)) رقم (٦٤٩٠).
(٣) ((الفتح)) ١٤/ ٦٤٢.

٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
مالك: ((فلينظر إلى من تحته))، أخرجه الدارقطنيّ أيضاً، ويجوز في ((أسفل))
الرفع، والنصب، والمراد بذلك: ما يتعلق بالدنيا. (مِمَّنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ))) قال في
(الفتح)): قوله: ((ممن فُضِّل عليه)) كذا ثبت في آخر هذا الحديث عند مسلم،
من طريق المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، وكذا ثبت لمالك الذي
أخرجه البخاريّ من طريقه، عند الدارقطنيّ من رواية سعيد بن داود عنه، بسند
صحيح، وزاد مسلم من طريق أبي صالح المذكورة: ((فهو أجدر أن لا تزدروا
نعمة الله عليكم))؛ أي: هو حقيق بعدم الازدراء، وهو افتعال، من زريت علیه،
وأزريت به: إذا تنقّصته، وفي معناه ما أخرجه الحاكم، من حديث عبد الله بن
الشِّخِّير، رفعه: ((أَقِلُّوا الدخول على الأغنياء، فإنه أحرى أن لا تزدروا
نعمة الله))، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة نظريته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٩٨/١ و٧٣٩٩ و٧٤٠٠] (٢٩٦٣)، و(البخاريّ)
في ((الرقاق)) (٦٤٩٠)، و(الترمذيّ) في ((صفة القيامة)) (٢٥١٣)، و(ابن ماجه) في
((الزهد)» (٤١٤٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٥٤/٢ و٤٨٢)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٧١١ و٧١٢ و٧١٣)، و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب)) (٤٢٩/١)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤١٠٠ و٤٠١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أنه ينبغي للعبد دائماً أن يكون شكوراً على ما أنعم الله
تعالى به عليه، ولا ينظر إلى من هو أكثر، وأفضل نعمة منه، فإن الله رَّك هو
قسّم الأرزاق، والمعيشة حسب مقتضى حكمته، فلا ينبغي للعبد النظر إلى
غيره؛ لأنه يؤديه إلى ازدراء ما رزقه الله تعالى على مقتضى حكمته، وحكمه،
قال الله تعالى: ﴿وَعَسَّ أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمٌّ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ
شَرّ ◌َّكُمُّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ
تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اَللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].

٧٩
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِتَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٣٩٨)
٢ - (ومنها): ما قاله الحافظ وليّ الدين العراقيّ ◌َُّ: خرج بقوله: ((في
المال، والْخَلْق)) ما إذا نظر لمن فُضل عليه في العلم، والدين، والاجتهاد في
العبادة، ومعالجة النفس بدفع الأخلاق السيئة، وجلب الحسنة، فهذا ينبغي
النظر فيه إلى الفاضل؛ ليقتدى به دون المفضول؛ لأنه يتكاسل بذلك، بخلاف
الأول، فإنه لا ينظر فيه إلى الفاضل؛ لِمَا فيه من احتقار نعمة الله عليه بالنسبة
إلى نعمته على ذلك الفاضل في المال والخلق، وإنما ينبغي أن ينظر في هذا
إلى المفضول؛ ليعرف قدر نعمة الله عليه، وهذا أدب حسنٌ، أَدَّبنا به نبينا وَلِّ،
وفيه مصلحة ديننا، ودنيانا، وعقولنا، وأبداننا، وراحة قلوبنا، فجزاه الله عن
نصيحته أفضل ما جزى به نبيّاً. انتهى(١).
٣ - (ومنها): ما قاله ابن بطال تَخّْتُهُ: هذا الحديث جامع لمعاني الخير؛
لأن المرء لا يكون بحال تتعلق بالدِّين من عبادة ربه مجتهداً فيها إلا وجد من
هو فوقه، فمتى طلبت نفسه اللحاق به استقصر حاله، فيكون أبداً في زيادة،
تقربه من ربه، ولا يكون على حال خسيسة من الدنيا إلا وجد من أهلها من هو
أخسّ حالاً منه، فإذا تفكّر في ذلك عَلِم أن نعمة الله وصلت إليه دون كثير ممن
فضّل عليه بذلك من غير أمر أوجبه، فيُلزم نفسه الشكر، فيعظم اغتباطه بذلك
في معاده.
وقال غيره: في هذا الحديث دواء الداء؛ لأن الشخص إذا نظر إلى من
هو فوقه، لم يأمَن أن يؤثر ذلك فيه حسداً، ودواؤه أن ينظر إلى من هو أسفل
منه؛ ليكون ذلك داعياً إلى الشكر.
وأخرج الترمذيّ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عبد الله بن
عمرو، قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((خصلتان من كانتا فيه كتبه الله
شاكراً صابراً، ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله شاكراً ولا صابراً، من نظر في
دينه إلى من هو فوقه، فاقتدى به، ونظر في دنياه إلى من هو دونه، فحمد الله
على ما فضّله به عليه، كتبه الله شاكراً صابراً، ومن نظر في دينه إلى من هو
دونه، ونظر في دنياه إلى من هو فوقه، فأَسِف على ما فاته منه، لم يكتبه الله
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٣٩/٨.

٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
شاكراً، ولا صابراً))(١).
٤ - (ومنها): ما قاله في ((المرقاة)): وفي الحديث دلالة على أن حال
أكثر الخَلْق هو الاعتدال، ولو بحسب الإضافة والانتقال، فالسالك بالنظر إلى
حال طرفيه يحصل له حُسن الحال، وإيماء إلى أن المفضل على الخلق كلهم
من جميع الوجوه مثلاً أو فرضاً لا ينظر إلى من تحته؛ لئلا يحصل له العجب
والغرور، والافتخار والتكبر والخيلاء، بل يجب عليه أن يقوم بحق شكره على
النَّعماء، وأما من لم يكن تحته أحد في الفقر، فينبغي أن یشکر ربه، حيث لم
يبتله بالدنيا؛ لقلّة غَنائها، وكثرة عنائها، وسرعة فنائها، وخسة شركائها .
قال: ومجمل الحال، وخلاصة المقال، أن المؤمن إذا سَلِم دينه من
الخلل والزوال، فلا يبالي بنقصان الجاه والمال، وسائر المشقات الكائنة في
الحال والاستقبال(٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٩٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ،
عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي الزِّنَادِ سَوَاءً).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وقد تقدّموا قريباً .
[تنبيه]: رواية همّام بن منّه عن أبي هريرة ◌َظُه هذه ساقها ابن حبّان رَّلُ
في ((صحیحه))، فقال:
(٧١٢) - أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة، قال: حدّثنا ابن أبي
السريّ، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، عن
أبي هريرة، قال: وقال رسول الله وَله: ((إذا نظر أحدكم إلى من فُضِّل عليه
في المال والْخَلْق، فلينظر إلى من هو أسفل منه، ممن فُضل هو عليه)).
انتھی(٣).
(١) ((جامع الترمذيّ)) ٦٦٥/٤.
(٢) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٤٥/١٥.
(٣) ((صحيح ابن حبان)) ٤٨٩/٢.