Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
(٢٣) - بَابٌ فِي خُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَمُكْثِهِ فِي الأَرْضِ، وَنُزُولِ عِيسَى علا ... إلخ - حديث رقم (٧٣٥١)
الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي)؛ أي: في آخرها قرب الساعة، (فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ) أبهمه
لحكمة في ترك التمييز، أو نسيه الراوي، ولذا قال: ((لا أدري أربعين يوماً، أو
شهراً، أو عاماً)).
قال التوربشتيّ تَخْتُهُ: ((لا أدري - إلى قوله - فيبعث الله عيسى)) من قول
الراوي، الظاهر أنه الصحابيّ، أي لم يزدني النبيّ وَّ على أربعين شيئاً، يبيّن
المراد منها، فلا أدري أيّاً أراد بهذه الثلاثة. انتهى(١).
(لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْماً، أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْراً، أَوْ أَرْبَعِينَ عَاماً) يعني أنه لم
يذكره تمييز العدد، بل أبهمه، لكن تبيّن برواية غيره، كالنوّاس بن سمعان
أنه ((يمكث أربعين يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه
كأيامكم))، (فَيَبْعَثُ اللهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) بَّ، وقد سبق في حديث النوّاس أنه
(ينزل عند المنارة البيضاء شرقىّ دمشق)).
وقال النوويّ كَّتُهُ: قوله: ((فيبعث الله عيسى ابن مريم))؛ أي: ينزله من
السماء، حاكماً بشرعنا، وقد سبق بيان هذا في ((كتاب الإيمان))، قال
القاضي تَخْتُ: نزول عيسى ظلَِّ، وقَتْله الدجال حقّ، وصحيحٌ عند أهل السُّنَّة؛
الأحاديث الصحيحة في ذلك، وليس في العقل، ولا في الشرع ما يبطله،
فوجب إثباته، وأنكر ذلك بعض المعتزلة، والجهمية، ومن وافقهم، وزعموا أن
هذه الأحاديث مردودة بقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٠]
وبقوله وَلجر: ((لا نبي بعدي))، وبإجماع المسلمين أنه لا نبيّ بعد نبيّنا وَّ، وأن
شريعته مؤبدة إلى يوم القيامة، لا تُنسَخ، وهذا استدلال فاسد؛ لأنه ليس المراد
بنزول عيسى ظلّا أنه ينزل نبياً بشرع ينسخ شرعنا، ولا في هذه الأحاديث، ولا
في غيرها شيء من هذا، بل صحت هذه الأحاديث هنا، وما سبق في ((كتاب
الإيمان))، وغيرها أنه ينزل حَكَماً مُقسطاً، يحكم شرعنا، ويحيي من أمور
شرعنا ما هَجرهُ الناس. انتهى(٢).
(كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ)؛ أي: كأن عيسىِلَّلهُ يشبه عروة بن مسعود بن
مُعَتِّب - بالمهملة، والمثناة المشددة - ابن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن
(١) ((مرقاة المفاتيح)) ١٠/ ١٧٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٧٦/١٨.

٦٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
عوف بن ثقيف الثقفيّ، وهو عمّ والد المغيرة بن شعبة، وأمه سُبيعة بنت
عبد شمس بن عبد مناف أخت آمنة، كان أحد الأكابر من قومه، وقيل: إنه
المراد بقوله : ﴿عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، فالمراد
بالقريتين: مكة والطائف، وأرادوا: الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وعروة بن
مسعود الثقفيّ من أهل الطائف، وكانت له اليد البيضاء في تقرير صلح
الحديبية، وذلك قبل أن يُسلم، وهو مستوفى في ((صحيح البخاريّ)).
شَهِد صلح الحديبية كافراً، وقَدِم على النبيّ وَّ سنة تسع، بعد عوده من
الطائف، وأسلم، ثم عاد إلى قومه، ودعاهم إلى الإسلام، فقتلوه، وقيل له:
ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليّ، فليس
فيّ إلا ما في الشهداء الذين قُتلوا مع النبيّ وَّ قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني
معهم، فدفنوه معهم(١).
(فَيَطْلُبُّهُ)؛ أي: يطلب عيسى عَّهُ الدجال اللعين (فَيُهْلِكُهُ)؛ أي: فيدركه
بباب لُدّ، فيقتله بحربته، (ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ، لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ)
وعند أحمد من حديث أبي هريرة مرَّته، وفيه: ((فيدقُّ الصليب، ويقتل الخنزير،
ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، فيهلك الله في زمانه الملل كلها،
إلا الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، وتقع الآمنة على الأرض،
حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب
الصبيان بالحيات، لا تضرهم، فيمكث أربعين سنة، ثم يُتوفّى، ويصلي عليه
المسلمون)»(٢) .
(ثُمَّ) بعد سبع سنين (يُرْسِلُ اللهُ رِيحاً بَارِدَةً مِنْ قِبَلٍ) بكسر، ففتح؛ أي:
من جهة (الشَّأْمِ، فَلَ يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ)
وقوله: (أَوْ إِيمَانٍ) شكّ من الراوي، (إِلَّا قَبَضَتْهُ)؛ أي: أماتته تلك الريح،
(حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبَدٍ جَبَلٍ)؛ أي: وسطه، وداخله، وكبد كلّ
شيء: وسطه، قاله النوويّ. (لَدَخَلَتْهُ)؛ أي: دخلت تلك الريح كبد الجبل
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٤٩٢/٤ - ٤٩٣.
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢ /٤٠٦.

٦٢٣
(٢٣) - بَابٌ فِي خُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَمُكْثِهِ فِي الأَرْضِ، وَنُزُولِ عِيسَى ◌ِلئلا ... إلخ - حديث رقم (٧٣٥١)
(عَلَيْهِ)؛ أي: على ذلك الأحد، (حَتَّى تَقْبِضَهُ)؛ أي: حتى تكون سبباً في قبض
روحه؛ لأن قابض الروح هو الملِك، كما نصّ الله رَك عليه في كتابه حيث
قال: ﴿﴿ قُلْ يَنْوَقَّكُمْ مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى ◌ُّكِلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
[السجدة: ١١]. (قَالَ) عبد الله بن عمرو ظُهَا (سَمِعْتُهَا)؛ أي: هذه القصّة، أو
تلك الريح، (مِنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، قَالَ) رسول الله ◌َ: ((فَيَبْقَى) على الأرض
بعد موت كلّ مؤمن بتلك الريح، (شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ) بكسر الخاء
المعجمة، وتشديد الفاء، قال القاضي تَخَّتُهُ: المراد بخفة الطير: اضطرابها،
وتنفرها بأدنى توهّم، شَبَّه حال الأشرار في تهتّكهم، وعدم وقارهم، وثباتهم،
واختلال رأيهم، وميلهم إلى الفجور والفساد بحال الطير. (وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ)؛
أي: وفي عقولها الناقصة، جمع حُلم بالضم، أو جمع حِلم بالكسر، ففيه إيماء
إلى أنهم خالون عن العلم والحلم، بل الغالب عليهم الطيش، والغضب،
والوحشة، والإتلاف، والإهلال، وقلة الرحمة(١).
وقال النوويّ: قال العلماء: معناه يكونون في سرعتهم إلى الشرور،
وقضاء الشهوات، والفساد كطيران الطير، وفي العدوان، وظُلم بعضهم بعضاً
في أخلاق السباع العادية. انتهى(٢).
(لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًاً)؛ أي لا يعملون بما أمر به الشرع، (وَلَا يُنْكِرُونَ
مُنْكَراً)؛ أي: لا يجتنبون منهيّاً من مناهي الشرع، بل يعكسون فيما يفعلون،
(فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ)؛ أي: يتصور لهم بصورة إنسان، فكأن التشكل أقوى
على التسلط في الضلالة من طريق الوسوسة، ولذا قَدَّم الله ◌ُعَلَ شياطين الإنس
في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ الآية [الأنعام:
١١٢]، (فَيَقُولُ) لهم: (أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟) بالجيم، من الاستجابة؛ أي: ألا
تطيعوني فيما آمركم به، وفي بعض النسخ: ((ألا تستحيون)) بالحاء المهملة، من
الاستحياء.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا أصحّ رواية، يكون معناه: ألا تستحيون
(١) (مرقاة المفاتيح)) ١٠/ ١٧٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٧٦/١٨.

٦٢٤
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
مني في ترك ما آمركم به؟، وليس المراد: الاستحياء من الله تعالى، كما زعم
القاري(١)، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَيَقُولُونَ) له: (فَمَا تَأْمُرُنَا؟)؛ أي: فأيّ شيء تأمرنا به حتى نطيعك؟ قال
القاري: ((ما)) موصولة، أو استفهامية، والمعنى: فأيّ شيء تأمرنا لنطيعك فيه؟
(فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الأَوْثَانِ) توسّلاً بها إلى رضا الله رمّ، كما قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ أُمَّخَذُواْ مِن دُونِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر:
٣]، وقال: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَوْنَا عِندَ اللّهِ﴾ الآية [يونس: ١٨]، (وَهُمْ فِي
ذَلِك)؛ أي: والحال أنهم فيما ذُكر من الأوصاف الردية، والعبادات الوثنية،
(دَارٌّ رِزْقُهُمْ) بتشديد الراء؛ أي: نازل عليهم بكثرة، (حَسَنٌ عَيْشُهُمْ) قال
القاري كَخْتُهُ: الأول إشارة إلى الكمية، والثاني إلى الكيفية، أو الأول إيماء
إلى كثرة الأمطار، وما يترتب عليه من الأنهار، وأثمار الأشجار، والثاني من
جهة الأمن، وعدم الظلم، وكثرة الصحة، والغنى بالمال، والجاه (٢).
(ثُمَّ يُنْفَخُ) بالبناء للمفعول، (فِي الصُورِ) هو قرن يُنفخ فيه، والنافخ هو
إسرافيل عليّ، كما جاء في الحديث. (فَلَا يَسْمَعُهُ)؛ أي: النفخ في الصور،
(أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتاً) بكسر اللام، قال التوربشتيّ تَخَّثُ: أي أمال صفحة عنقه
خوفاً ودهشة، (وَرَفَعَ لِيتاً) والمراد منه هنا: أن السامع يصعق، فيصغي ليتاً،
ويرفع ليتاً؛ أي: يصير رأسه هكذا، وكذلك شأن من يصيبه صيحة، فيشق قلبه،
فأول ما يظهر منه سقوط رأسه إلى أحد الشقين، فأسند الإصغاء إليه إسناد
الفعل الاختياري. (قَالَ) بَّهِ: (وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ)؛ أي: النفخ، (رَجُلٌ يَلُوطُ)
من باب قال؛ أي: يطيّن، ويصلح (حَوْضَ إِبِلِهِ) ليسقيها ماء نظيفاً. (قَالَ) وَلٍِّ :
(فَيَصْعَقُ) من باب تَعِب؛ أي: يموت ذلك الرجل الذي يلوط حوض إبله
لسماعه، (وَيَصْعَقُ)؛ أي: يموت (النَّاسُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ) رَتْ، وقوله: (أَوْ قَالَ)
شكّ من الراوي، (يُنْزِلُ اللهُ مَطَراً، كَأَنَّهُ الطَّلُّ) بفتح الطاء المهملة، وتشديد
اللام؛ أي: المطر الضعيف، الصغير القطر، وقوله: (أَوِ الظُّلُّ) شكّ من
الراوي، كما قال: (ثُعْمَانُ) بن سالم (الشَّالََّ) في أي لفظة قال يعقوب بن
(١) ((مرقاة المفاتيح)) ١٧٥/١٠.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ١٠/ ١٧٥.

٦٢٥
(٢٣) - بَابٌ فِي خُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَمُكْثِهِ فِي الأَرْضِ، وَنُزُولِ عِيسَى عَلا ... إلخ - حديث رقم (٧٣٥١)
عاصم، قال النوويّ: الأصحّ: الطلّ بالمهملة، وهو الموافق للحديث الآخر
أنه كمنيّ الرجال، وقال القرطبيّ تَخَُّهُ: هكذا شك، والأصح أنه الطل بالطاء
المهملة، لقوله في حديث أبي هريرة تَظُه: ((ثم ينزل من السماء ماء))، وفي
حديث آخر: ((كمنيّ الرجال))، (فَتَنْبُتُ مِنْهُ)؛ أي: من ذلك المطر (أَجْسَادُ
النَّاسِ)؛ أي: أجسامهم، (ثُمَّ يُنْفَخُ) ((ثم)) للترتيب مع التراخي؛ أي: ثم بعد
مدّة من النفخة الأولى، قيل: هو أربعون سنة، (فِيهِ)؛ أي: في ذلك الصُّور،
(أُخْرَى)؛ أي: نفخة أخرى، وهي النفخة الثانية، نفخة البعث والنشور، (فَإِذَا)
نُفخ أخرى (هُمْ)؛ أي: الناس (قِيَامٌ)؛ أي: قائمون من قبورهم (يَنْظُرُونَ) ما
يُفعل بهم، أو ينظر بعضهم إلى بعض، قائلين: من بعثنا من مرقدنا. (ثُمَّ) بعد
قيامهم من قبورهم (يُقَالُ)؛ أي: ينادي المنادي، وهو إسرافيل علِّلا، قائلاً: (يَا
أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمَّ)؛ أي: أقبلوا (إِلَى رَبِّكُمْ) تقدّم قريباً أن هلمّ فيها لغتان:
تستعمل بلفظ واحد، فيقال: هلم يا زيد، ويا زيدان، وزيدون إلى آخره،
وتطابِق، فيقال: هلمًا، وهلمّوا إلى آخره. (﴿وَقِفُوهُمْ﴾)؛ أي: قفوا الناس في
الموقف (﴿إِنَّهُم ◌َسْئُولُونَ﴾)؛ أي: لأنهم يُسألون عن أعمالهم، فيجازون عليها،
إن خيراً فخيرٌ، وإن شرّاً، فشرّ.
أي: احبسوهم، يقال:
وقال الشوكانيّ ◌َظ ◌ُّه: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ
وقفتُ الدابة أقفها وقفاً، فوقفتْ هي وقوفاً، يتعدّى، ولا يتعدّى، وهذا الحبس
لهم يكون قبل السَّوْق إلى جهنم؛ أي: وَقِفوهم للحساب، ثم سوقوهم إلى
النار بعد ذلك، وجملة ﴿إِنَّهُ مَسْئُولُونَ﴾ تعليل للجملة الأولى. قال الكلبي: أي:
مسؤولون عن أعمالهم، وأقوالهم، وأفعالهم. وقال الضحاك: عن خطاياهم،
وقيل: عن لا إله إلّا الله، وقيل: عن ظلم العباد، وقيل: هذا السؤال هو
، أي: أيّ شيء لكم لا ينصر
٢٥
﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ
المذكور بعد هذا بقوله :
بعضكم بعضاً كما كنتم في الدنيا، وهذا توبيخ لهم، وتقريع وتهكم بهم،
وأصله: تتناصرون، فطرحت إحدى التاءين تخفيفاً. قرأ الجمهور: ﴿إِنَّهُم
◌َسْئُولُونَ﴾ بكسر الهمزة، وقرأ عيسى بن عمر بفتحها، قال الكسائيّ: أي لأنهم،
أو بأنهم. انتهى(١).
(١) (فتح القدير)) للشوكانيّ تَخَذْتُهُ ٦/ ١٩٢.

٦٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن ، وأشراط الساعة
(قَالَ) وَّهِ: (ثُمَّ يُقَالُ)؛ أي: يقول الله تعالى لآدم عظّلا، كما تقدّم في
(كتاب الإيمان)) من حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َظُه، قال: قال رسول الله،وَاخيه
يقول الله رحمك: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، قال: يقول:
أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة
وتسعين، قال: فذاك حين يشيب الصغير، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ خَملَهَا وَتَرَى
النَّاسَ سُكَرَىْ وَمَا هُم بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢]، قال:
فاشتد ذلك عليهم، قالوا: يا رسول الله أينا ذلك الرجل؟ فقال: ((أبشروا، فإن
من يأجوج ومأجوج ألفاً، ومنكم رجل ... )) الحديث.
(أَخْرِجُوا)؛ أي: افصلوا، وميّزوا (بَعْثَ النَّارِ)؛ أي: جماعتها، وحظّها،
ونصيبها (فَيُقَالُ)؛ أي: يقول المأمورون بالإخراج: (مِنْ كَمْ؟)؛ أي: بأيّ نسبة
نُخِرِجِ بعث النار من بين سائر الناس؟ (فَيُقَالُ) من قِبَل الرب وَالَ: أخرجوا (مِنْ
كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ) شخصاً. (قَالَ) وَِّ: (فَذَاَكَ)؛ أي: ذلك
اليوم الذي يقع فيه هذا، (يَوْمَ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً) ببناء (يوم)) على الفتح؛
لإضافته إلى جملة، ويجوز إعرابه بالرفع؛ لكونه مضافاً إلى معرب، وبالوجهين
قرىء قوله ◌َّ: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُّهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩]، وإلى هذا أشار
ابن مالك ◌َّتُهُ في ((الخلاصة)) حيث قال:
وَابْنٍ أَوَ اعْرِبْ مَا كَإِذْ قَدْ أُجْرِيَا
وَاخْتَرْ بِنَا مَثْلُوٌّ فِعْلٍ بُنِيا
أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا
وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا
ومعنى ﴿يَجْعَلُ اٌلْوِلْدَنَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧]؛ أي: يصيّر الصبيان شيباً بالكسر
جمع أشيب؛ أي: أصحاب شَيْب، وهو بالكسر: الشَّعر الأبيض، والولدان جمع
وليد، وهو الصغير؛ أي: يجعل ذلك اليوم الصغار شيباً، لشدّة هوله، وقيل:
هذا على سبيل التمثيل والتهويل، والأول هو الصواب، والله تعالى أعلم.
(وَذَلِكَ) اليوم أيضاً (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) بفتح ((يوم)) ورفعه، كما مرّ
آنفاً، والمراد بكشف الساق: هو كشف الله وَالَ عن ساقه؛ ففيه إثبات صفة
الساق لله ومت على ما يليق بجلاله، وهو المذكور في الحديث الصحيح، من
حديث أبي سعيد الخدريّ رَظُنُه قال: سمعت النبيّ وَّه يقول: ((يكشف ربنا عن
ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء،

٦٢٧
(٢٣) - بَابٌ فِي خُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَمُكْثِهِ فِي الأَرْضِ، وَنُزُولِ عِيسَى عَلا ... إلخ - حديث رقم (٧٣٥٢)
وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقاً واحداً ... )) قال الحافظ ابن
كثير كَخَّلُهُ: هذا الحديث مخرَّج في ((الصحيحين))، وفي غيرهما، من طرُق، وله
ألفاظ، وهو حديث طويل مشهور. انتهى(١).
وبالجملة فينبغي الإيمان بما دلّ عليه هذا الحديث، ولا التفات إلى ما
كتبه الشرّاح المتأخّرون من التأويل، فإنه مخالف لِمَا عليه سلف الأمة، فإنهم
يُثبتون لله ربّ ما جاء في الكتاب والسُّنَّة الصحيحة على ظاهره، وينزّهون الله
تعالى عن التشبيه والتمثيل، فمذهبهم الإثبات بلا تعطيل، ولا تأويل، ولا
تشبيه، ولا تمثيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو ضًا هذا من أفراد
المصنّف نَخْذَتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٥١/٢٣ و٧٣٥٢] (٢٩٤٠)، و(أبو داود) في
((الملاحم)) (٤٣١٠)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٥٠١/٦)، و(ابن ماجه) في
((الفتن)) (٤١٢٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦٦/٢)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٧٣٥٣)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٥٤٣/٤)، و(ابن منده) في
((الإيمان)) (٩٥٨/٢)، و(الدانيّ) في ((السنن الواردة في الفتن)) (١٢٨٩/٦)،
و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٣٠٨/١) و((الاعتقاد)) (ص٢١٣ - ٢١٤)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٩٣/١٥)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْدَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٥٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِم، قَالَ: سَمِعْتُ يَعْقُوبَ بْنَ عَاصِمِ بْنٍ غُرْوَةَ بْنِ
مَسْعُودٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلاً قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: إِنََّكَ تَقُولُ: إِنَّ السَّاعَةَ
تَقُومُ إِلَى كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أُحَدَّثَكُمْ بِشَيْءٍ، إِنَّمَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ
(١) ((تفسير ابن كثير)) ٤ /٤٠٨.

٦٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
تَرَوْنَ بَعْدَ قَلِيلِ أَمْراً عَظِيماً، فَكَانَ حَرِيقَ الْبَيْتِ، قَالَ شُعْبَةُ: هَذَا، أَوْ نَحْوَهُ، قَالَ
عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه: ((يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي))، وَسَاقَ
الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ مُعَاذٍ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: ((فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ
مِنْ إِيمَانٍ، إِلَّا قَبَضَتْهُ))، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَرَّاتٍ،
وَعَرَضْتُهُ عَلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) البصريّ، المعروف ببندار، أحد مشايخ الجماعة
بلا واسطة، تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر البصريّ، ربيب شعبة، لازمه
عشرين سنة، تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ إلخ) فاعل ((ساق)) ضمير محمد بن جعفر.
وقوله: (وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: ((فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ، إِلَّا
قَبَضَتْهُ))) أراد به أن محمد بن جعفر ذكر الحديث بلا شك، فقال: ((مثقال ذرّة
من إيمان)) ولم يذكر الشكّ، بخلاف معاذ بن معاذ، فإنه ذكر الشكّ، حيث
قال: ((مثقال ذرّة من خير، أو إيمان)) بالشكّ، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر عن شعبة هذه ساقها أحمد تَخّْتُهُ في
((مسنده))، فقال:
(٦٥٥٥) - حدّثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن النعمان بن سالم،
سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود، سمعت رجلاً قال لعبد الله بن
عمرو: إنك تقول: إن الساعة تقوم إلى كذا وكذا، قال: لقد هممت أن لا
أحدثكم شيئاً، إنما قلت: إنكم سترون بعد قليل أمراً عظيماً، كان تحريق
البيت، قال شعبة: هذا، أو نحوه، ثم قال عبد الله بن عمرو: قال
رسول الله قال: ((يخرج الدجال في أمتي، فيلبث فيهم أربعين، لا أدري أربعين
يوماً، أو أربعين سنةً، أو أربعين ليلة، أو أربعين شهراً، فيبعث الله رَّ عيسى
ابن مريم ، كأنه عروة بن مسعود الثقفيّ، فيظهر، فيهلكه، ثم يلبث الناس

٦٢٩
(٢٣) - بَابٌ فِي خُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَمُكْثِ فِي الأَرْضِ، وَنُزُولِ عِيسَى عَلا ... إلخ - حديث رقم (٧٣٥٣)
بعده سنين سبعاً، ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحاً باردةً من قِبَل
الشام، فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان، إلا قبضته، حتى لو أن
أحدهم كان في كبد جبل لدخلت عليه، قال: سمعتها من رسول الله وَل،
ويبقى شرار الناس في خفة الطير، وأحلام السباع، لا يعرفون معروفاً، ولا
يُنكرون منكراً، قال: فيتمثل لهم الشيطان، فيقول: ألا تستجيبون، فيأمرهم
بالأوثان، فيعبدونها، وهم في ذلك دارّة أرزاقهم، حسنٌّ عيشهم، ثم يُنفخ في
الصُّور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى له، وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه،
فيُصعق، ثم لا يبقى أحد إلا صُعق، ثم يرسل الله، أو ينزل الله قطراً، كأنه
الظَّلّ، أو الظل - نعمان الشاّ - فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى،
فإذا هم قيام ينظرون، قال: ثم يقال: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم، ﴿وَقِفُوهْ
. قال: ثم يقال: أخرجوا بعث النار، قال: فيقال: كم؟ فيقال:
٢٤
إِنَّهُم مَسْتُولُونَ
من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فيومئذ يُبعث الولدان شيباً، ويومئذٍ
يُكشف عن ساق)). قال محمد بن جعفر: حدّثني بهذا الحديث شعبة مرات،
(١).
.
وعرضت عليه. انتهى
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٥٣] (٢٩٤١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ،
عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ
رَسُولِ اللهِ ﴿ حَدِيثاً، لَمْ أَنْسَهُ بَعْدُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ أَوَّلَ
الآيَاتِ خُرُوجاً طُلُوُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوِجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحَّى،
وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا، فَالأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيباً))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
وكلهم تقدّموا غير مرّة، و((محمد بن بشر)) هو: العبدي الكوفيّ. و((أبو
حيّان)) هو: يحيى بن حيّان التيميّ الكوفيّ. و((أبو زرعة)) هو: ابن عمرو بن
جرير البجليّ الكوفيّ.
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٦٦/٢.

٦٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَقْتُهُ، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير
الصحابيّ، فمصريّ، ثم طائفيّ.
شرح الحديث :
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) ◌ًِّا؛ أنه (قَالَ: حَفِظْتُ) بكسر الفاء، من باب
علم، واشتهر على ألسنة العوامّ فتحها، فليُتنبّه. (مِنْ رَسُولِ اللهِ،وَهِ حَدِيثاً)،
وقوله: (لَمْ أَنْسَهُ) في محل نصب صفة ((حديثاً))، (بَعْدُ) من الظروف المبنيّة على
الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: بعد سماعي إياه منه وَلِّ،
وقوله: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ ﴿) مستأنف استئنافاً بيانيّاً، وهو ما وقع جواباً عن
سؤال مقدّر، كأنه قيل له: ما هو الحديث الذي حفظته منه وَالر؟، فأجاب
بقوله: ((سمعت رسول الله وَ لّ)، حال كونه (يَقُولُ) وهذا الكلام له قصّة، بُيّنت
في الرواية التالية، حيث قال: ((عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، قَالَ: جَلَسَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ
الْحَكَمِ بِالْمَدِينَةِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَسَمِعُوهُ، وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنِ الْآيَاتِ،
أَنَّ أَوَّلَّهَا خُرُوجاً الدَّجَّالُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: لَمْ يَقُلْ مَرْوَانُ شَيْئاً، قَدْ
حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّةٍ ... )) الحديث.
فقوله: ((لم يقل مروان شيئاً))؛ أي: لم يقل شيئاً يُعتبر به، ويعتدّ.
وقال في ((فتح الودود)»: يريد أن ما قاله باطل، لا أصل له، لكن نقل
البيهقيّ عن الْحَلِيميّ أن أول الآيات ظهوراً الدجال، ثم نزول عيسى ظلَّا، ثم
خروج يأجوج ومأجوج، ثم خروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وذلك
لأن الكفار يُسلمون في زمان عيسى ظلَّ* حتى تكون الدعوة واحدة، فلو كانت
الشمس طلعت من مغربها قبل خروج الدجال، ونزل عيسى لم ينفع الكفار
إيمانهم أيام عيسى، ولو لم ينفعهم لَمَا صار الدين واحداً، ولذلك أَوَّلَ بعضهم
هذا الحديث بأن الآيات: إما أمارات دالّة على قرب القيامة، وعلى وجودها،
ومن الأول الدجال، ونحوه، ومن الثاني طلوع الشمس، ونحوه، فأولية طلوع
الشمس إنما هي بالنسبة إلى القسم الثاني. انتهى(١).
(١) ((عون المعبود)) ٢٨٦/١١.

٦٣١
(٢٣) - بَابٌ فِي خُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَمُكْثِ فِي الأَرْضِ، وَنُزُولِ عِيسَى عَلا ... إلخ - حديث رقم (٧٣٥٣)
(إِنَّ أَوَّلَ الآيَاتِ)؛ أي: العلامات التي تتقدّم قيام الساعة، وقوله:
(خُرُوجاً) منصوب على التمييز؛ أي: من حيث الخروج، والظهور للناس،
(طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا) قال الحافظ ابن كثير تَخْتُهُ: أي أول الآيات التي
ليست مألوفة، وإن كان الدجال، ونزول عيسى ابن مريم؛ قبل ذلك، وكذلك
خروج يأجوج ومأجوج، كل ذلك أمور مألوفة؛ لأنهم بَشَر مشاهدتهم وأمثالهم
مألوفة، فإن خروج الدابة على شكل غريب، غير مألوف، ومخاطبتها الناس،
ووَسْمها إياهم بالإيمان، أو الكفر، فأمر خارج عن مجاري العادات، وذلك
أول الآيات الأرضية، كما أن طلوع الشمس من مغربها على خلاف عادتها
المألوفة أول الآيات السماوية. انتهى(١).
وقال الطيبيّ تَخَّثهُ: فإن قيل: طلوع الشمس من مغربها ليس أول الآيات؛
لأن الدخان والدجال قبله.
قلنا: الآيات إما أمارات لقرب قيام الساعة، وإما أمارات دالة على
وجود قيام الساعة وحصولها، ومن الأول الدخان، وخروج الدجال،
ونحوهما، ومن الثاني ما نحن فيه من طلوع الشمس من مغربها، والرجفة،
وخروج النار، وطردها الناس إلى المحشر، وإنما سمي أولاً؛ لأنه مبتدأ القِسم
الثاني، ويؤيده حديث أبي هريرة رَالله مرفوعاً: ((لا تقوم الساعة حتى تطلع
الشمس من مغربها)) حيث جعل طلوع الشمس من مغربها غاية لعدم قيام
الساعة. انتهى (٢).
(وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحَّى)؛ أي: وقت ارتفاع الشمس، قال
القرطبيّ في ((التذكرة)): روى ابن الزبير أنها جُمعت من كل حيوان، فرأسها
رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيّل، وعنقها عنق
النعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هرّ، وذَنَبها
ذَنَب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصل ومفصل اثني عشر ذراعاً،
ذكره الثعلبيّ، والماورديّ، وغيرهما .
(١) ((عون المعبود)) ٢٨٦/١١.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٤٤٩/١١.

٦٣٢
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
قال الجامع عفا الله عنه: وصفُ الدابّة بهذه الصفات يحتاج إلى نقل
صحيح، والله تعالى أعلم.
وقال القاري: قوله: ((وخروج الدابة)) بالرفع عطفاً على ((طلوع الشمس))،
وهو خبرُ ((أولُ)) فيلزم أن يكون الأول متعدداً، ولهذا قال ابن الملك: ولعل
الواو بمعنى ((أو))، ويؤيده ما في روايةٍ أخرى: ((أو خروج الدابة على الناس
ضحى)) بالتنوين؛ أي: وقت ارتفاع النهار، و((ما كانت)): ((ما)) زائدة، وقعت
قبل صاحبتها، ((فالأخرى على أثرها)) قريباً؛ أي: حصولاً، أو وقوعها قريباً.
وقد تقدم ما يتعلق بتحقيق الترتيب بينهما. وقال ابن الملك: إن قيل كل منهما
ليس بأول الآيات؛ لأن بعض الآيات وقع قبلهما، قلنا: الآيات إما أمارات
دالة على قربها، فأولها بعثة نبيّنا، أو أمارات متوالية دالة على وقوعها قريباً،
وهي المرادة هنا، وأما حديث أن أولها خروج الدجال، فلا صحة له، كذا في
جامع الأصول.
ثم الظاهر أن نسبة الأولية الحقيقية إليهما مبهمة، وأنها بالنسبة إلى
أحدهما مجازية، ولذا قال: (وَأَيُّهُمَا) وفي لفظ: ((فأيتهما)) بالفاء، والتأنيث،
(مَا) زائدة، (كَانَتْ)؛ أي: وأيّ الآيتين المذكورتين وقعت (قَبْلَ صَاحِبَتِهَا،
فَالأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا) بفتحتين، أو بكسر، فسكون؛ أي تحصل عقبها (قَرِيباً)).
قال الحليمي: طلوع الشمس يصلح أن يكون آية لأن الكفار يسلمون
زمان عيسى حتى لا يكون إلا ملة واحدة، ولذلك أوَّلَ بعضهم هذا الحديث
بأن الآيات إما أمارات دالة على قرب القيامة أو على وجودها. ومن الأول
الدجال ونحوه، ومن الثاني طلوع الشمس ونحوه، فآية طلوع الشمس إنما هي
بالنسبة إلى القسم الثاني. وقال ابن كثير: المراد في الحديث بيان أول الآيات
الغير المألوفة لكونه بشراً، فأما خروج الدابة على شكل غريب غير مألوف،
ومخاطبتها الناس ووَسْمها إياهم بالإيمان والكفر، فأمر خارج من مجاري
العادات، وذلك أول الآيات الأرضية، كما أن طلوع الشمس من مغربها على
خلاف عادتها المألوفة أول الآيات السماوية(١).
(١) ((حاشية السندي على ابن ماجه)) ٧/ ٤٣١.

٦٣٣
(٢٤) - بَابُ قِصَّةِ الْجَسَّاسَةِ - حديث رقم (٧٣٥٦)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٥٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
أَبُو حَيَّنَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، قَالَ: جَلَسَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمَ بِالْمَدِينَةِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ،
مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَسَمِعُوهُ، وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنِ الْآيَاتِ، أَنَّ أَوَّلَهَا خُرُوجاً الدَّجَالُ، فَقَلَ
عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: لَمْ يَقُلْ مَرْوَانُ شَيْئاً، قَدْ حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ حَدِيثاً، لَمْ
أَنْسَهُ بَعْدُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَِّ يَقُولُ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ).
وقوله: (لَمْ يَقُلْ مَرْوَانُ شَيئاً)؛ أي كلاماً يُعتبَر.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٥٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثْنَا
سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، قَالَ: تَذَاكَرُوا السَّاعَةَ عِنْدَ مَرْوَانَ، فَقَالَ
عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، وَلَمْ يَذْكُرْ ضُحَّى).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٢٤) - (بَابُ قِصَّةِ الْجَسَّاسَةِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٥٦] (٢٩٤٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ،
وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ - وَاللَّفْظُ لِعَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ
عَبْدِ الصَّمَدِ - حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنٍ ذَكْوَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ بُرَيْدَةَ،
حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيُّ، شَعْبُ هَمْدَانَ، أَنَّهُ سَأَلَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أُخْتَ
الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلِ، فَقَالَ: حَدِّثِيْنِي حَدِيثاً
سَمِعْتِيهِ (١) مِنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، لَا تُسْنِدِيهِ إِلَى أَحَدٍ غَيْرِهِ، فَقَالَتْ: لَئِنْ شِئْتَ
لأَفْعَلَنَّ، فَقَالَ لَهَا: أَجَلْ، حَدِّقِينِ، فَقَالَتْ: نَكَحْتُ ابْنَ الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ مِنْ خِيَارِ
شَبَابٍ قُرَيْشٍ يَوْمَئِذٍ، فَأُصِيبَ فِي أَوَّلِ الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَلَمَّا تَأَيَّمْتُ
(١) وفي نسخة: (سمعته).

٦٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
خَطَبَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَخَطَبَنِي
رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَلَى مَوْلَاهُ أُسَامَة بْنِ زَيْدٍ، وَكُنْتُ قَدْ حُدَّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَه
قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ أُسَامَةَ))، فَلَمَّا كَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ وَلِ قُلْتُ: أَمْرِي بِيَدِلَ،
فَأَنْكِحْنِي مَنْ شِئْتَ، فَقَالَ: ((انْتَقِلِي إِلَى أُمِّ شَرِيكِ))، وَأُمُّ شَرِيِكِ امْرَأَةٌ غَنِيَّةٌ مِنَ
الأَنْصَارِ، عَظِيمَةُ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، يَنْزِلُ عَلَيْهَا الضِّيفَانُ، فَقُلْتُ: سَأَفْعَلُ،
فَقَالَ: ((لَا تَفْعَلِي، إِنَّ أُمَّ شَرِيِكِ امْرَأَةٌ كَثِيرَةُ الصِّيفَانِ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْكِ
خِمَارُكِ، أَوْ يَنْكَشِفَ الثَّوْبُ عَنْ سَاقَيْكِ، فَيَرَى الْقَوْمُ مِنْكِ بَعْضَ مَا تَكْرَهِينَ،
وَلَكِنِ انْتَقِي إِلَى ابْنِ عَمِّكِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ))، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي
فِهْرٍ فِهْرِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ مِنَ الْبَطْنِ الَّذِي هِيَ مِنْهُ، فَانْتَقَلْتُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتِي،
سَمِعْتُ نِدَاءَ الْمُنَادِي مُنَادِي رَسُولِ اللهِ وَّه يُنَادِي: ((الصَّلَاةَ جَامِعَةً))، فَخَرَجْتُ
إِلَى الْمَسْجِدِ، فَصَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ الهِ نََّ، فَكُنْتُ فِي صَفِّ النِّسَاءِ الَّتِي(١) تَلِي
ظُهُورَ الْقَوْمِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ نَّهِ صَلَاتَهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَضْحَلُك،
فَقَالَ: ((لِيَلْزَمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلَّاهُ))، ثُمَّ قَالَ: ((أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ؟))، قَالُوا: اللهُ
وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((إِنِّي وَاللهِ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ، وَلَا لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لأَنَّ
تَمِيماً الدَّارِيَّ كَانَ رَجُلاً نَصْرَانِيّاً، فَجَاءَ، فَبَايَعَ، وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثاً، وَافَقَ
الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ مَسِيحِ الدَّجَّالِ، حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ، مَعَ
ثَلَاثِينَ رَجُلاً مِنْ لَخْمِ، وَجُذَامَ، فَلَعِبَ بِهِمُ الْمَوْجُ شَهْراً فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ أَرْفَوُوا إِلَى
جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ ، حَّتَّى (٢) مَغْرِبِ الشَّمْسِ، فَجَلَسُوا فِي أَقْرُبِ السَّفِينَةِ، فَدَخَلُوا
الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ، أَهْلَبُ، كَثِيرُ الشَّعَرِ، لَا يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ، مِنْ كَثْرَةٍ
الشَّعَرِ، فَقَالُوا: وَيْلَكِ، مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، قَالُوا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟
قَالَتْ: أَيُّهَا الْقَوْمُ انْطَلِّقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ، فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالأَشْوَاقِ،
قَالَ: لَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلاً فَرِقْنَا مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا سِرَاعاً، حَتَّى
(١) وفي نسخة: ((الذي)).
(٢) وفي نسخة: ((حين)).

٦٣٥
(٢٤) - بَابُ قِصَّةِ الْجَسَّاسَةِ - حديث رقم (٧٣٥٦)
دَخَلْنَا الدَّيْرَ، فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقاً، وَأَشَدُّهُ وِثَاقاً، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ
إِلَى عُنُقِهِ، مَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى كَعْبَيْهِ بِالْحَدِيدِ، قُلْنَا: وَيْلَكَ مَا أَنْتَ؟ قَالَ: قَدْ
قَدَرْتُمْ عَلَى خَبَرِي، فَأَخْبِرُونِي مَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ، رَكِبْنَا فِي
سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ، فَصَادَقْنَا الْبَحْرَ حِينَ اغْتَلَمَ، فَلَعِبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْراً، ثُمَّ أَرْفَأْنَا إِلَى
جَزِيرَتِكَ هَذِهِ، فَجَلَسْنَا فِي أَقْرُبِهَا، فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ، كَثِيرُ
الشَّعَرِ، لَا يُدْرَى مَا قُبُلُهُ (١) مِنْ دُبُرِهِ، مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقُلْنَا: وَيْلَكِ مَا أَنْتِ؟
فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، قُلْنَا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتِ: أعْمِدُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي
الدّيْرِ، فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالأَشْوَاقِ، فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعاً، وَفَزِعْنَا مِنْهَا، وَلَمْ نَأْمَنْ أَنْ
تَكُونَ شَيْطَانَةً، فَقَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ، قُلْنَا: عَنْ أَِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟
قَالَ: أَسْأَلُكُمْ عَنْ نَخْلِهَا، هَلْ يُثْمِرُ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ(٢) يُوشِكُ أَنْ لَا
تُثْمِرَ، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ بُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ(٣)، قُلْنَا: عَنْ أَِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ:
هَلْ فِيهَا مَاءٌ؟ قَالُوا: هِيّ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، قَالَ: أَمَا إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ، قَالَ:
أَخْبِرُونِي عَنْ عَيْنِ زُغَرَ، قَالُوا: عَنْ أَبِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِي الْعَيْنِ مَاءٌ؟
وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِنْ
مَائِهَا، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَبِيِّ الأُمِّيِّينَ مَا فَعَلَ؟ قَالُوا: قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ، وَنَزَلَ
يَثْرِبَ، قَالَ: أَقَاتَلَهُ(٤) الْعَرَبُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ، أَنَّهُ
قَدْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ، وَأَطَاعُوهُ، قَالَ لَهُمْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ،
قَالَ: أَمَا إِنَّ ذَكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي إِنِّي أَنَا الْمَسِيحُ، وَإِنِّي
أُوشِكَ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، فَأَخْرُجَ، فَأَسِيرَ فِي الأَرْضِ، فَلَا أَدَعَ قَرْيَةً إِلَّا
هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، غَيْرَ مَكَّةَ، وَطَيْبَةَ، فَهُمَا مُحَرَّمَتَانٍ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا، كُلَّمَا
أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً، أَوْ وَاحِداً مِنْهُمَا، اسْتَقْبَلَنِي مَلَكَ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتاً،
يَصُدُّنِي عَنْهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَائِكَةً، يَحْرُسُونَهَا، قَالَتْ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ فِي الْمِنْبَرِ: ((هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ))،
(١) وفي نسخة: ((لا ندري ما قبله)).
(٣) وفي نسخة: ((عن بحيرة طبرية)).
(٢) وفي نسخة: ((إنها)).
(٤) وفي نسخة: ((أقاتلته)).

٦٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
يَعْنِي الْمَدِينَةَ، ((أَلَا هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ ذَلِكَ؟»، فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، ((فَإِنَّهُ أَعْجَبَنِي
حَدِيثُ تَمِيمٍ أَنَّهُ وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدَّثُكُمْ عَنْهُ، وَعَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، أَلَا إِنَّهُ فِي
بَحْرِ الشَّامِ، أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ، لَا، بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ما هُوَ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا
هُوَ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ))، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ، قَالَتْ: فَحَفِظْتُ هَذَا مِنْ
رَسُولِ اللهِ وََّ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ) أبو عبيدة البصريّ،
صدوق [١١] (٢٥٢) (م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣١١/٤٩.
٢ - (حَجَّاجُ ابْنُ الشَّاعِرِ) ابن يوسف الثقفيّ البغداديّ، تقدّم قريباً.
٣ - (أَبُوهُ) عَبْدُ الصَّمَدِ بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنْبَريّ مولاهم التُّّوري أبو
سهل البصريّ، ثقةٌ ثبت في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٢.
٤ - (جَدُّهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عبيدة
التَّنُّوريّ - بفتح المثناة، وتشديد النون - البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، ولم
يثبت عنه [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٦/١٨.
٥ - (الْحُسَيْنُ بْنُ ذَكْوَانَ) المعلم المكتب الْعَوْذيّ - بفتح المهملة،
وسكون الواو، بعدها معجمة - البصريّ، ثقةٌ ربّما وَهِم [٦] (ت١٤٥) (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ١٧٩/١٩.
٦ - (ابْنُ بُرَيْدَةَ) هو: عبد الله بن بريدة بن الْحُصيب الأسلميّ، أبو سهل
المروزيّ، قاضيها، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) وقيل: بل (١١٥) وله مائة سنة (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٠٢/١.
٧ - (عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيُّ) - بفتح المعجمة - عامر بن شَرَاحيل، أبو
عمرو الكوفيّ، ثقةٌ مشهورٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] قال مكحول: ما رأيت أفقه منه،
مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٨ - (فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ) بن خالد الْفِهريّة، أخت الضحاك صحابية
مشهورة، وكانت من المهاجرات الأُوَل، وعاشت إلى خلافة معاوية يها (ع)
تقدمت في ((الطلاق)) ٣٦٩٦/٦.

٦٣٧
(٢٤) - بَابُ قِصَّةِ الْجَسَّاسَةِ - حديث رقم (٧٣٥٦)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سباعيّات(١) المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير حجاج
فبغداديّ، والشعبيّ فكوفي، وفاطمة ◌ّا فمدنيّة، وابن بُريدة فمروزيّ، وفيه
رواية تابعيّ عن تابعيّ، ابن بريدة عن الشعبيّ، وهو من رواية الأقران، وفيه
قوله: ((ابن بريدة) وهو يُطلق على سليمان، وعبد الله ابني بريدة، ويميّز
بالراوي، وقد نظمت ذلك بقولي:
أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ وَالْفَرْقَ خُذَا
ابْنُ بُرَيْدَةَ سُلَيْمَانُ كَذَا
وَأَعْمَشٌ مُحَارِبٌ فَلْتَعْلَمَا
عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْئَدٍ إِنْ أَبْهَمَا
فَهْوَ سُلَيْمَانُ وَنِعْمَ الْمُحْتَذَى
مُحَمَّدُ نَجْلُ جُحَادَةً كَذَا
وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ إِنْ أَبْهَمَ قُلْ
إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ تَوْءَمُ الرَّجُلْ
فعلى هذا فابن بُريدة هنا هو عبد الله؛ لِمَا ذكرناه، فتنبّه.
شرح الحديث:
(عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ) المعلم المكتب، أنه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ بُرَيْدَةَ)
عبد الله، كما أسلفته آنفاً، (حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيُّ) بفتح الشين
المعجمة، وسكون العين المهملة، وقوله: (شَعْبُ هَمْدَانَ) بيان إلى أن نسبة
الشعبيّ هذا إلى شعب همدان - بفتح الهاء، وسكون الميم - بطن من هَمْدان،
وهو شعب بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن
الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير، قاله في
((اللباب)).
والظاهر أنه إنما أضافه إلى همدان للاحتراز عما يضاف إلى غيره، ولكن
لم أجد من ذكر غير هذا، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
(أَنَّهُ سَأَلَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ) بن خالد، من بني محارب بن فهر بن مالك،
وهي (أُخْتَ الضَّخَّاكِ بْنِ قَيْسٍ) الذي وَلِي العراق ليزيد بن معاوية، وقُتِلَ بِمَرْج
راهط، وهو من صغار الصحابة، وهي أسنّ منه، يقال: بعشر سنين، قَدِمتَ
(١) فقول الشيخ الهرريّ: من ثمانيّاته فيه نظر، فتنبّه.

٦٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
على أخيها الكوفةَ، وهو أميرها، فَرَوَى عنها الشعبيّ قصّةَ الجسّاسة بطولها،
فانفردت بها مطوّلة، وتابعها جابرٌ وغيره.
(وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلِ)؛ أي: النساء اللاتي هاجرن في أوائل
الهجرة إلى المدينة، (فَقَالَ) الشعبيّ: (حَدِّثِينِي حَدِيثاً سَمِعْتِهِ) هذا هو الجاري
على اللغة، ووقع في بعض النسخ: ((سمعتيه)) بزيادة الياء، وفيه إشكال. (مِنْ
رَسُولِ اللهِ نَّهِ، لَا تُسْنِدِيهِ إِلَى أَحَدٍ غَيْرِهِ) وَِّ (فَقَالَتْ) فاطمة: (لَئِنْ شِئْتَ
الأَفْعَلَنَّ)؛ أي: لأحدّثنّك حديثاً سمعته منه وَّهَ بلا واسطة. (فَقَالَ) الشعبيّ
(لَهَا)؛ أي: لفاطمة، (أَجَلْ) كنعم وزناً ومعنّى، (حَدِّثِيني) حديثاً بهذا الوصف.
(فَقَالَتْ) فاطمة: (نَكَحْتُ ابْنَ الْمُغِيرَةِ) هو: أبو عمرو بن حفص بن المغيرة بن
عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، زوج فاطمة بنت قيس، وهو
ابن عمّ خالد بن الوليد بن المغيرة، وقيل: هو أبو حفص بن عمرو بن
المغيرة، وأمه دُرّة بنت خُزَاعِيّ الثقفيّة، وكان خرج مع عليّ إلى اليمن في عهد
النبيّ وََّ، فمات هناك، ويقال: بل رجع إلى أن شَهِد فتوح الشام، ذكر ذلك
عليّ بن رَبَاح، عن ناشرة بن سُميّ، سمعت عمر يقول: إني معتذرٌ لكم من
عزل خالد بن الوليد، فقال أبو عمرو بن حفص: عزلت عنّا عاملاً استعمله
رسول الله ◌َله، فذكر القصّة، أخرجه النسائيّ، وقال البغويّ: سكن المدينة،
أفاده في ((الإصابة))(١) .
واختلفوا في اسمه، والأكثرون على أن اسمه عبد الحميد، وقال
النسائيّ: اسمه أحمد، وقال آخرون: اسمه كنيته، قاله النوويّ (٢).
(وَهُوَ) ابن المغيرة (مِنْ خِيَارِ شَبَابٍ قُرَيْشٍ يَوْمَئِذٍ)؛ أي: يوم إذ تزوّجني،
(فَأُصِيبَ فِي أَوَّلِ الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) ظاهر هذا الكلام أنه استُشهد في
الجهاد مع رسول الله وَّة، وليس كذلك، فإنه لم يُستشهد في غزوة غزاها
معه وَله، فتأول بعض العلماء بأن المراد من قولها: ((أُصيب)) أنه أصيب
بجراحات، لا أنه مات في الجهاد، وإنما ذكرته فاطمة لبيان فضائله، لا لسبب
بينونتها منه، وذكر الحافظ في ((الفتح)) أن رسول الله وَيُ بعثه مع عليّ إلى
(١) راجع: ((الإصابة)) ٢٦٦/١١.
(٢) ((شرح النوويّ) ١٠ / ٩٤ - ٩٥.

٦٣٩
(٢٤) - بَابُ قِصَّةِ الْجَسَّاسَةِ - حديث رقم (٧٣٥٦)
اليمن، وذكر جماعة أنه مات هناك، فيصدق أنه أصيب في الجهاد مع
رسول الله وَر؛ أي: في طاعته، ولا يلزم من هذا أن تكون بينونتها منه
بالموت، وإنما هو بالطلاق السابق على الموت، ولكن هذا التأويل لا يلتئم مع
قولها: ((في أول الجهاد))؛ لأن ذهابه إلى اليمن لا يصدق عليه أنه أول الجهاد،
ثم إنه مخالف لقولها: ((تأيمت))، فإن ظاهره أنها تأيّمت باستشهاد زوجها في
الجهاد، وذكر جماعة من أهل السِّيَر أنه لم يمت في اليمن، بل بقي إلى خلافة
عمر څئه .
واستظهر صاحب ((التكملة)) أن هذا وَهَمٌ من بعض الرواة، وذلك لأنه
روى هذا الحديث سيّار أبو الحكم عن الشعبيّ، كما سيأتي في الرواية التالية،
فلم يذكر فيه إصابته في الجهاد، وإنما ذكر قول فاطمة: ((طلقني بعلي ثلاثاً))
فلعلها ذكرت فضائل زوجها، ومن جملتها كونه أصيب بجهاد معه وَّ، فلعلّ
أحد الرواة ظنّ أن تأيمها كان بسبب موت زوجها في الجهاد، فذكره بالسياق
المذكور، وقد ذكر الحافظ في ((الفتح)) احتمال كونه وهماً. انتهى(١).
(فَلَمَّا تَأَيَّمْتُ) قال النوويّ تَُّهُ: أي صرت أيّماً، وهي التي لا زوج لها،
قال العلماء: قولها: ((فأصيب)) ليس معناه أنه قُتل في الجهاد مع النبيّ دَلّ،
وتأيمت بذلك، إنما تأيمت بطلاقه البائن، كما ذكره مسلم في الطريق الذي بعد
هذا، وكذا ذكره في ((كتاب الطلاق))، وكذا ذكره المصنفون في جميع كتبهم،
وقد اختلفوا في وقت وفاته، فقيل: توفّي مع عليّ بن أبي طالب نَظُله عقب
طلاقها باليمن، حكاه ابن عبد البرّ، وقيل: بل عاش إلى خلافة عمر رقپله،
حكاه البخاريّ في ((التاريخ))، وإنما معنى قولها: ((فأصيب))؛ أي: بجراحة، أو
أصيب في ماله، أو نحو ذلك، هكذا تأوله العلماء، قال القاضي: إنما أرادت
بذلك عَدّ فضائله، فابتدأت بكونه خير شباب قريش، ثم ذكرت الباقي.
انتھی(٢).
وعبارة الحافظ تَّتُ في ((الفتح)): واتفقت الروايات عن فاطمة بنت قيس
على كثرتها عنها أنها بانت بالطلاق، ووقع في آخر ((صحيح مسلم)) في حديث
(١) ((تكملة فتح الملهم)) ٤٠٥/٦ - ٤٠٦.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٧٨/١٨ - ٧٩.

٦٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
الجسّاسة عن فاطمة بنت قيس: (نَكَحْتُ ابنَ المغيرة، وهو من خيار شباب
قريش يومئذ، فأصيب في الجهاد مع رسول الله وَله، فلما تأيّمتُ خطبني أبو
جهم ... )) الحديث، وهذه الرواية وَهَمٌّ، ولكن أوّلها بعضهم على أن المراد
بقولها: ((أصيب))؛ أي: مات على ظاهره، وكان في بعث عليّ إلى اليمن،
فيصدق أنه أُصيب في الجهاد مع رسول الله ◌َّير؛ أي: في طاعة رسول الله وَل،
ولا يلزم من ذلك أن تكون بينونتها منه بالموت، بل بالطلاق السابق على
الموت، فقد ذهب جمع جمّ إلى أنه مات مع عليّ باليمن، وذلك بعد أن أرسل
إليها بطلاقها، فإذا جُمع بين الروايتين استقام هذا التأويل، وارتفع الوهم،
ولكن يَبْعُد بذلك قول من قال: إنه بقي إلى خلافة عمر. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن كون هذه الرواية وهماً من بعض
الرواة هو الظاهر؛ لأن التأويل الذي ذكروه بعيد عن سياق الحديث، فليُتنبّه،
والله تعالى أعلم.
(خَطَبَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) أحد العشرة المبشّرين بالجنّة المتوفّى سنة
(٣٢هـ)، (فِي نَفَرٍ)؛ أي: مع جماعة من الصحابة ﴿ه، (مِنْ أَصْحَابٍ
رَسُولِ اللهِ وََّ﴾ تقدّم في الطلاق من جملة من خطبها معاوية، وأبو الجهم.
قال النوويّ تَخْذَتُهُ: ظاهره أن الْخِطبة كانت في نفس العدّة، وليس كذلك
إنما كانت بعد انقضائها، كما صُرّح به في الأحاديث السابقة في ((كتاب
الطلاق))، فيتأول هذا اللفظ الواقع هنا على ذلك، ويكون قوله: ((انتقلي إلى أم
شريك)) و((إلى ابن أم مكتوم)) مقدّماً على الخِطبة، وعطف جملة على جملة من
غير ترتيب. انتهى.
(وَخَطَبَنِي رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَلَى مَوْلَاهُ)؛ أي: ليزوجني مولاه (أُسَامَةَ بْنِ
زَيْد) بن شَرَاحيل الكلبيّ الأمير الصحابيّ ابن الصحابيّ، حِبّ رسول الله وَخلال،
وابن حبّه طًّا، أبي محمد، وأبي زيد، مات سنة (٥٤هـ) وهو ابن (٧٥)،
تقدّمت ترجمته في ((الإيمان)) ٢٨٤/٤٣.
قالت فاطمة: (وَكُنْتُ قَدْ حُدِّثْتُ) بالبناء للمفعول؛ أي: أخبرني بعض
(١) ((الفتح)) ١٠/ ٥٩٩.