Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١
(٢١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ عَلَى الدَّجَّال، وَقَتْلِهِ الْمُؤْمِنَ، وَإِحْيَائِهِ - حديث رقم (٧٣٤٥)
والله لأنطلقنّ، فلأنظرنّ هذا الذي أنذرناه رسول الله وَلخلقه، فيمنعه أصحابه خشية
أن يُفتتن به، فيأتي حتى إذا أتى أدنى مسلحة من مسالحه، أخذوه، فسألوه ما
شأنه؟ فيقول: أريد الدجال الكذاب، فيكتبون إليه بذلك، فيقول: أرسلوا به
إليّ، فلما رآه عرفه)).
(فَيَقُولُ) ذلك الرجل (لَهُ)؛ أي: للدجّال، (أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي
حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ حَدِيثَهُ) وفي رواية عطية: ((أنت الدجال الكذاب الذي
أنذرناه رسول الله وَ خي))، وزاد: ((فيقول له الدجال: لتطيعني فيما آمرك به، أو
لأشقنّك شقتين، فينادي، يا أيها الناس هذا المسيح الكذاب))، (فَيَقُولُ الدَّجَالُ)
لأتباعه الحاضرين لديه: (أَرَأَيْتُمْ)؛ أي: أخبروني (إِنْ قَتَلْتُ هَذَا) الرجل الذي
حدّثكم بأني الدجال الكذّاب، (ثُمَّ أَحْبَيْتُهُ) بعد قتله (أَتَشُكّونَ فِي الأَمْرِ؟)؛ أي:
في أمر ألوهيتي، (فَيَقُولُونَ: لَا)؛ أي: لا نشكّ في ذلك، وفي رواية عطية:
(ثم يقول الدجال لأوليائه))، وهذا يوضح أن الذي يجيبه بذلك أتباعه، ويردّ
قول من قال: إن المؤمنين يقولون له ذلك؛ تَقِيّةً، أو مرادهم: لا نشكّ أي في
كفرك، وبطلان قولك.
(قَالَ) وَهِ: (فَيَقْتُلُهُ)؛ أي: يقتل الدجال ذلك الرجل (ثُمَّ يُحْسِيهِ) بعد
قتله؛ استدراجاً من الله ومك، وفي رواية أبي الوداك: ((فيأمر به الدجال،
فيُشبح، فيُشبع ظهره وبطنه ضرباً، فيقول: أما تؤمن بي؟ فيقول: أنت المسيح
الكذاب، فيؤمر به، فيوشر بالميشار من مفرقه، حتى يفرق بين رجليه، ثم
يمشي الدجال بين القطعتين، ثم يقول: قم، فيستوي قائماً))، وتقدّم في حديث
النوّاس بن سَمعان: ((فيدعو رجلاً ممتلئاً شباباً، فيضربه بالسيف، فيقطعه
جزلتين، ثم يدعوه، فيقبل، ويتهلل وجهه، يضحك))، وفي رواية عطية: ((فيأمر
به، فيُمَدّ برجليه، ثم يأمر بحديدة، فتوضع على عُجْب ذَنَبه، ثم يشقه شقتين،
ثم قال الدجال لأوليائه: أرأيتم إن أحييت لكم هذا، ألستم تعلمون أني ربكم؟
فيقولون: نعم، فيأخذ عصاً، فضرب أحد شقيه، فاستوى قائماً، فلما رأى ذلك
أولياؤه صدّقوه، وأحبوه، وأيقنوا بذلك أنه ربهم))، وعطية ضعيف.
قال ابن العربيّ كَّثُ: هذا اختلاف عظيم، يعني في قتله بالسيف،
وبالميشار، قال: فُيُجمع بأنهما رجلان يقتل كلّاً منهما قِتلةً غير قِتلة الآخر.
٦٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
قال الحافظ: كذا قال، والأصل عدم التعدد، ورواية الميشار تفسر رواية
الضرب بالسيف، فلعل السيف كان فيه فُلول، فصار كالميشار، وأراد المبالغة
في تعذيبه بالقتلة المذكورة، ويكون قوله: ((فضربه بالسيف)) مفسراً لقوله: إنه
نشره .
وقوله: ((فيقطعه جزلتين)) إشارة إلى آخر أمره لَمّا ينتهي نشره.
قال الخطابيّ: فإن قيل: كيف يجوز أن يُجري الله الآية على يد الكافر،
فإن إحياء الموتى آية عظيمة من آيات الأنبياء، فكيف ينالها الدجال، وهو
كذّاب، مُفْتَرٍ، يدعي الربوبية؟.
فالجواب أنه على سبيل الفتنة للعباد؛ إذ كان عندهم ما يدلّ على أنه
مبطل، غير محقّ في دعواه، وهو أنه أعور، مكتوب على جبهته كافر، يقرؤه
كل مسلم، فدعواه داحضة مع وسم الكفر، ونقص الذات، والقدر؛ إذ لو كان
إلهاً لأزال ذلك عن وجهه، وآيات الأنبياء سالمة من المعارضة، فلا يشتبهان.
وقال الطبريّ: لا يجوز أن تعطى أعلام الرسل لأهل الكذب، والإفك
في الحالة التي لا سبيل لمن عاين ما أتى به فيها إلا الفصل بين المحقّ منهم
والمبطل، فأما إذا كان لمن عاين ذلك السبيل إلى عِلم الصادق من الكاذب،
فمن ظهر ذلك على يده فلا ينكر إعطاء الله ذلك للكذابين، فهذا بيان الذي
أعطيه الدجال من ذلك، فتنة لمن شاهده، ومحنة لمن عاينه. انتهى.
وفي الدجال مع ذلك دلالة بينةٌ لمن عقل على كذبه؛ لأنه ذو أجزاء
مؤلفة، وتأثير الصنعة فيه ظاهر، مع ظهور الآفة به، من عَوَر عينيه، فإذا دعا
الناس إلى أنه ربهم، فأسوأ حال من يراه من ذوي العقول أن يعلم أنه لم يكن
ليسوّي خلق غيره، ويعدله، ويحسّنه، ولا يدفع النقص عن نفسه، فأقل ما
يجب أن يقول: يا من يزعم أنه خالق السماء والأرض صَوِّر نفسك، وعدّلها،
وأزل عنها العاهة، فإن زعمت أن الرب لا يُحدث في نفسه شيئاً، فأزل ما هو
مکتوب بین عینیك.
وقال المهلَّب: ليس في اقتدار الدجال على إحياء المقتول المذكور ما
يخالف ما ثبت من قوله وَله: ((هو أهون على الله من ذلك))؛ أي: من أن يُمَكَّن
من المعجزات تمكيناً صحيحاً، فإن اقتداره على قتل الرجل، ثم إحيائه لم
٦٠٣
(٢١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ عَلَى الدَّجَّل، وَقَتْلِهِ الْمُؤْمِنَ، وَإِحْيَائِهِ - حديث رقم (٧٣٤٥)
يستمر له فيه، ولا في غيره، ولا استضرّ به المقتول إلا ساعة تألمه بالقتل، مع
حصول ثواب ذلك له، وقد لا يكون وجد للقتل ألماً؛ لقدرة الله تعالى على
دفع ذلك عنه.
وقال ابن العربيّ: الذي يظهر على يد الدجال من الآيات، من إنزال
المطر، والخصب على من يصدقه، والجدب على من يكذبه، واتباع كنوز
الأرض له، وما معه من جنة ونار ومياه، تجري كل ذلك محنة من الله،
واختباراً؛ ليهلك المرتاب، وينجو المتيقن، وذلك كله أمر مخوف، ولهذا
قال ◌َله: ((لا فتنة أعظم من فتنة الدجال))، وكان يستعيذ منها في صلاته تشريعاً
لأ مته .
وأما قوله في الحديث الآخر عند مسلم: ((غير الدجال أخوف لي عليكم))
فإنما قال ذلك للصحابة؛ لأن الذي خافه عليهم أقرب إليهم من الدجال،
فالقريب المتيقن وقوعه لمن يخاف عليه يشتد الخوف منه على البعيد المظنون
وقوعه به، ولو كان أشدّ (١).
(فَيَقُولُ) ذلك الرجل (حِينَ يُحْبِيهِ: وَاللهِ مَا كُنْتُ فِيكَ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي
الآنَ) وفي رواية البخاريّ: ((مني اليوم))، وفي رواية أبي الوداك: ((ما ازددت
فيك إلا بصيرةً، ثم يقول: يا أيها الناس إنه لا يَفعل بعدي بأحد من الناس))،
وفي رواية عطية: ((فيقول له الدجال: أما تؤمن بي؟ فيقول: أنا الآن أشدّ
بصيرة فيك مني، ثم نادى في الناس، يا أيها الناس هذا المسيح الكذاب، من
أطاعه فهو في النار، ومن عصاه فهو في الجنة)).
ونقل ابن التين عن الداوديّ أن الرجل إذا قال ذلك للدجال ذاب كما
يذوب الملح في الماء، كذا قال، والمعروف أن ذلك إنما يحصل للدجال إذا
رأى عيسى ابن مريم { لَالِ.
(قَالَ) بَّهِ: (فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ))) وفي رواية أبي
الوداك: ((فيأخذه الدجال ليذبحه، فيُجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاس، فلا
يستطيع إليه سبيلاً))، وفي رواية عطية: ((فقال له الدجال: لتطيعني أو لأذبحنك،
(١) ((الفتح)) ١٦ /٥٩٢ - ٥٩٤.
٦٠٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
فقال: والله لا أطيعك أبداً، فأمر به، فأُضجع، فلا يقدر عليه، ولا يتسلط عليه
مرة واحدة))، زاد في رواية عطية: ((فأخذ يديه ورجليه، فألقي في النار، وهي
غبراء ذات دخان))، وفي رواية أبي الوداك: ((فيأخذ بيديه، ورجليه، فيقذف به،
فيحسب الناس أنه قذفه إلى النار، وانما ألقي في الجنة))، زاد في رواية عطية:
((قال رسول الله وهي: ((ذلك الرجل أقرب أمتي مني، وأرفعهم درجة))، وفي
رواية أبي الوداك: ((هذا أعظم شهادة عند رب العالمين))، ووقع عند أبي يعلى
وعبد بن حميد، من رواية حجاج بن أرطاة، عن عطية: ((أنه يُذبح ثلاث
مرات، ثم يعود ليذبحه الرابعة، فيضرب الله على حلقه بصفيحة نحاس، فلا
يستطيع ذبحه))، والأول هو الصواب.
ووقع في حديث عبد الله بن عمرو، رفعه، في ذكر الدجال: ((يدعو برجل
لا يسلطه الله إلا عليه ... ))، فذكر نحو رواية أبي الوداك، وفي آخره: ((فيهوي
إليه بسيفه، فلا يستطيعه، فيقول: أخروه عني))، وقد وقع في حديث عبد الله بن
معتمر: ((ثم يدعو برجل فيما يرون، فيؤمر به، فيقتل، ثم يقطع أعضاءه كل
عضو على حدة، فيفرق بينها، حتى يراه الناس، ثم يجمعها، ثم يضرب
بعصاه، فإذا هو قائم، فيقول: أنا الله الذي أُميت وأُحيي، قال: وذلك كله
سِحر، سَحَر أعين الناس، ليس يعمل من ذلك شيئاً))، وهو سند ضعيف جدّاً.
وفي رواية أبي يعلى من الزيادة: ((قال أبو سعيد: كنا نرى ذلك الرجل
عمر بن الخطاب؛ لِمَا نعلم من قوته، وجَلَده)).
وقوله: (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يُقَالُ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ الْخَضِرُ عَاءُ) («أبو
إسحاق)) هذا هو إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه النيسابوريّ المتوفى في
رجب سنة (٣٠٨ هـ)(١)، تلميذ الإمام مسلم، راوي كتابه هذا، ثم إن هذا الذي
قاله من أن الرجل الذي يقتله الدجال، ثم يحييه أنه الخضرلعلّ*، وكذلك
معمر في ((جامعه)) في إثر هذا الحديث، مما لا دليل عليه، وقد قدّمنا في
مناقب الخضر الل أن الصحيح أنه ليس حيّاً في زمنه وَل﴾، فكيف بزمن
الدجال؟ فلتراجع ترجمته، ولتقرأها بالإمعان، والله المستعان.
(١) تقدّمت ترجمته في ((المقدّمة)) ٧٣/٦.
٦٠٥
(٢١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ عَلَى الدَّجَّال، وَقَتْلِهِ الْمُؤْمِنَ، وَإِحْيَائِهِ - حديث رقم (٧٣٤٥)
وهذا الذي قلته من أن أبا إسحاق هو تلميذ مسلم، هو الذي قاله
القاضي عياض، والنوويّ؛ وأبو العبّاس القرطبيّ، وخالف في ذلك أبو عبد الله
القرطبيّ تلميذ أبي العبّاس، في ((تذكرته))، فقال: هو أبو إسحاق السبيعيّ، وقد
ردّ عليه الحافظ في ((الفتح))، ودونك عبارته، قال بعد إيراد النصّ المذكور:
كذا أطلق، فظنّ القرطبيّ (١) أن أبا إسحاق المذكور هو السبيعيّ أحد الثقات من
التابعين، ولم يُصِب في ظنه، فإن السند المذكور لم يجر لأبي إسحاق فيه
ذِكر، وإنما أبو إسحاق الذي قال ذلك، هو إبراهيم بن محمد بن سفيان
الزاهد، راوي ((صحيح مسلم)) عنه، كما جزم به عياض، والنوويّ، وغيرهما،
وقد ذكر ذلك القرطبي في ((تذكرته)) أيضاً قبل ذلك، فكأن قوله في الموضع
الثاني السبيعي سَبْق قلم، ولعل مستنده في ذلك ما قاله معمر في ((جامعه)) بعد
ذكر هذا الحديث: قال معمر: بلغني أن الذي يقتل الدجال: الخضر، وكذا
أخرجه ابن حبان من طريق عبد الرزاق، عن معمر، قال: كانوا يرون أنه
الخضر، وقال ابن العربيّ: سمعت من يقول: إن الذي يقتله الدجال هو
الخضر، وهذه دعوی لا برهان لها .
قال الحافظ: وقد تمسك من قاله بما أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) من
حديث أبي عبيدة بن الجراح، رفعه، في ذكر الدجال: (لعله أن يدركه بعض
من رآني، أو سمع كلامي ... )) الحديث، ويعكر عليه قوله في رواية مسلم
المتقدّمة: ((شابّ ممتلئ شباباً))، ويمكن أن يجاب بأن من جملة خصائص
الخضر أن لا يزال شابّاً، ويحتاج إلى دليل. انتهى كلام الحافظ كَذُ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: كلام الحافظ هذا ليس واضحاً في تحقيق هذه
المسألة إلا أن آخر كلامه، وهو قوله: ويحتاج إلى دليل، هو محور المسألة،
فكلّ من قال: إنه الخضر نقول له: أين دليلك على هذا من النصوص
الصحيحة؟، فكل ما ذكرتم إنما هي بلاغات، لا تغني شيئاً، والصواب من
أقوال أهل العلم، وهو مذهب البخاريّ وغيره أن الخضر ليس حيّاً في
(١) أراد أبا عبد الله القرطبيّ صاحب ((التذكرة))، وهو تلميذ لأبي العبّاس القرطبيّ.
(٢) ((الفتح)) ٥٩٦/١٦.
٦٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
زمنه ورَّ، فكيف بعده؟ وأما الذي يدّعون حياته، فجلّ مستندهم أحاديث ساقطة،
ورؤيا مناميّة - كما حقَّقها الحافظ في مؤلف له خاصّ بالخضرعلّلُ - وكلها لا
اعتماد عليها في إثبات هذه المسألة، فالحقّ أحقّ أن يتبع، ولتراجع ما تقدّم في
ترجمة الخضر؛ في ((المناقب))، تزدد علماً، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ رَظُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٤٥/٢١ و٧٣٤٦ و٧٣٤٧] (٢٩٣٨)،
و(البخاريّ) في ((فضائل المدينة)) (١٨٨٢) و((الفتن)) (٧١٣٢)، و(النسائيّ) في
((الكبرى)» (٤٨٥/٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٩٣/١١)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٣٦/٣)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (٢١٣/٤)، و(ابن منده) في
((الإيمان)) (٩٣٧/٢)، و(ابن أبي عاصم) في ((السنّة)) (١٧١/١)، و(الحاكم) في
المستدرك)» (٤ /٥٨١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٥٩/١٥)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٤٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو
الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
وكلهم تقدّموا غير مرّة.
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) السمرقنديّ، صاحب ((السنن)).
٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع البهرانيّ الحمصيّ.
٣ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة دينار، أبو بشر الحمصيّ.
و((الزهري)) تقدم قبله.
وقوله: (فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ) يعني الإسناد الذي قبله، وهو: عن
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي سعيد الخدريّ (
[تنبيه]: رواية شعيب عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ ◌َّتُهُ في
((صحيحه))، فقال:
٦٠٧
(٢١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ عَلَى الدَّجَّال، وَقَتْلِهِ الْمُؤْمِنَ، وَإِحْيَائِهِ - حديث رقم (٧٣٤٧)
(٦٧١٣) - حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، أخبرني
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن أبا سعيد قال: حدّثنا رسول الله وَله
يوماً حديثاً طويلاً عن الدجال، فكان فيما يحدّثنا به، أنه قال: ((يأتي الدجال،
وهو محرَّم عليه أن يدخل نقاب المدينة، فينزل بعض السباخ التي تلي المدينة،
فيخرج إليه يومئذ رجل، وهو خير الناس، أو من خيار الناس، فيقول: أشهد
أنك الدجال الذي حدّثنا رسول الله وَليل حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت
هذا، ثم أحييته، هل تشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله، ثم يحييه،
فيقول: والله ما كنت فيك أشدّ بصيرة مني اليوم، فيريد الدجال أن يقتله، فلا
يسلط عليه)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٤٧] ( .. ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، مِنْ أَهْلِ مَرْوَ،
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ،
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَخْرُجُ الدَّجَّالُ، فَيَتَوَجَّهُ قِبَلَهُ
رَجُلٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَتَلْقَاهُ الْمَسَالِحُ مَسَالِحُ الدَّجَّالِ، فَيَقُولُونَ لَهُ: أَيْنَ تَعْمِدُ؟
فَيَقُولُ: أَعْمِدُ إِلَى هَذَا الَّذِي خَرَجَ، قَالَ: فَيَقُولُونَ لَهُ: أَوَ مَا تُؤْمِنُ بِرَبِّنَا؟ فَيَقُولُ:
مَا بِرَبِّنَا خَفَاءٌ، فَيَقُولُونَ: اقْتُلُوهُ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكُمْ رَبُّكُمْ أَنْ
تَقْتُلُوا أَحَداً دُونَهُ، قَالَ: فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إِلَى الدَّجَّالِ، فَإِذَا رَآهُ الْمُؤْمِنُ قَالَ: يَا أَيُّهَا
النَّاسُ هَذَا الدَّجَّالُ الَّذِي ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، قَالَ: فَيَأْمُرُ الدَّجَّالُ بِهِ، فَيُشَبَّحُ،
فَيَقُولُ: خُذُوهُ، وَشُجُوهُ، فَيُوسَعُ ظَهْرُهُ وَبَطْنُهُ ضَرْباً، قَالَ: فَيَقُولُ: أَوَ مَا تُؤْمِنُ
بِي؟ قَالَ: فَيَقُولُ: أَنْتَ الْمَسِيحُ الْكَذَّابُ، قَالَ: فَيُؤْمَرُ بِهِ، فَيُؤْشَرُ بِالْمِثْشَارِ مِنْ
مَقْرِقِهِ، حَتَّى يُفَرَّقَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، قَالَ: ثُمَّ يَمْشِي (٢) الدَّجَالُ بَيْنَ الْقِطْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ
لَهُ: قُمْ، فَيَسْتَوِي قَائِماً، قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: أَتُؤْمِنُ بِي؟ فَيَقُولُ: مَا ازْدَدْتُ فِيَكَ
إِلَّا بَصِيرَةً، قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا يَفْعَلُ بَعْدِي بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ،
(١) ((صحيح البخاري)) ٢٦٠٨/٦.
(٢) وفي نسخة: ((ثم يمر الدجال)).
٦٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
قَالَ: فَيَأْخُذُهُ الدَّجَّلُ لِيَذْبَحَهُ، فَيُجْعَلَ مَا بَيْنَ رَقَبَتِهِ إِلَى تَرْقُوَتِهِ نُحَاساً، فَلَا يَسْتَطِيعُ
إِلَيْهِ سَبِيلاً، قَالَ: فَيَأْخُذُ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَيَقْذِفُ بِهِ، فَيَحْسِبُ النَّاسُ أَنَّمَا قَذَفَهُ إِلَى
النَّارِ، وَإِنَّمَا أُلْقِيَ فِي الْجَنَّةِ))، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((هَذَا أَعْظَمُ النَّاسِ شَهَادَةً عِنْدَ
رَبِّ الْعَالَمِينَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ) - بضم القاف، وسكون الهاء، ثم
زاي - المروزيّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٦٢) (م) تقدم في ((المقدمة)) ٣٢/٥، من
أفراد المصنّف.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ) بن جَبَلة - بفتح الجيم، والموحّدة - ابن أبي
رَوّاد - بفتح الراء، وتشديد الواو - الْعَتَكيّ - بفتح المهملة، والمثناة - أبو
عبد الرحمن المروزيّ الملقب عبدان، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٢١) في شعبان
(خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٢/٥.
٣ - (أَبُو حَمْزَةَ) السُّكّريّ، محمد بن ميمون المروزيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٧].
رَوَى عن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، وزياد بن عِلاقة، وعبد الملك بن عُمير،
والأعمش، وعاصم الأحول، وعاصم بن بهدلة، ومنصور بن المعتمر، وقيس بن
وهب، وغيرهم.
وروى عنه ابن المبارك، والفضل بن موسى السِّينانيّ، وعلي بن الحسن بن
شقيق، وسلامة بن الفضل الأبرش، وعبدان بن عثمان، ونعيم بن حماد، وغيرهم.
قال الأثرم عن أحمد: ما بحديثه عندي بأس، وهو أحبّ إليّ حديثاً من
حسين بن واقد، وقال الدُّوريّ: كان من ثقات الناس، ولم يكن يبيع الشُّكّر،
وإنما سُمِّي السكريّ لحلاوة كلامه، وقال النسائيّ: ثقة، وقال حفص بن حميد
عن ابن المبارك: حسين بن واقد ليس بحافظ، ولا يُترك حديثه، وأبو حمزة
صاحب حديث، هذا أو نحوه، وقال سفيان بن عبد الملك: قال ابن المبارك:
السكري، وابن طهمان صحيحا الكتاب، وقال عليّ بن الحسن بن شقيق: سئل
عبد الله عن الأئمة الذين يُقتدى بهم، فذكر أبا بكر، وعمر، حتى انتهى إلى
أبي حمزة، وأبو حمزة حيّ، وقال يحيى بن أكثم: سئل ابن المبارك عن
٦٠٩
(٢١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ عَلَى الدَّجَّل، وَقَتْلِهِ الْمُؤْمِنَ، وَإِحْيَائِهِ - حديث رقم (٧٣٤٧)
الاتّباع، فقال الاتباع ما كان عليه حسين بن واقد، وأبو حمزة، وقال العباس بن
مصعب: كان مستجاب الدعوة، قال ابن أبي رِزْمة وغيره: مات سنة ست
وستين ومائة، وقال بشر بن محمد السختيانيّ: مات سنة ثمان وستين ومائة،
وقال ابن حبان: مات سنة سبع، أو ثمان، وقال ابن عبد البرّ في (التمهيد)):
ليس بقويّ، ذكره في ترجمة سُمَيّ، وقال النسائيّ: لا بأس بأبي حمزة، إلا أنه
كان قد ذهب بصره في آخر عمره، فمن كتب عنه قبل ذلك جيّد، وذكره ابن
القطان الفاسىّ فيمن اختلط .
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٤ - (قَيْسُ بْنُ وَهْبٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة [٥].
روى عن أنس، وأَبي عبد الرحمن السُّلميّ، وأبي الكُنُود الأزديّ، وأبي
الوَدّاك، وغيرهم.
وروى عنه الثوريّ، وإسرائيل، وأبو حمزة السُّكّريّ، والجراح بن مَلِيح،
والحسين بن واقد، وغيلان بن جامع، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، والعجليّ: ثقةٌ، زاد أحمد: شيخ، وذكره ابن
حبان في ((الثقات))، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة.
أخرج له المصنّف، وابن ماجه، وأبو داود، والترمذيّ، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث.
٥ - (أَبُو الْوَدَّاكِ) - بفتح الواو، وتشديد الدال، وآخره كاف - جَبْر بن
نَوْف - بفتح النون، وآخره فاء - الْهَمْدانيّ - بسكون الميم - البِكاليّ - بكسر
الموحّدة وتخفيف الكاف - الكوفيّ، صدوقٌ يَهِم [٤] (م د ت س ق) تقدم في
((النكاح)) ٣٥٥٤/٢٣.
٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان ﴿ًّا، تقدم في ((شرح
المقدمة)) جـ٢ ص٤٨٥.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) رَظُبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَى: ((يَخْرُجُ
الدَّجَّالُ، فَيَتَوَجَّهُ قِبَلَهُ) بكسر القاف، وفتح الموحدة؛ أي: إلى جانبه، (رَجُلٌ)
عظيم القدر عند الله تعالى، فالتنوين للتعظيم. (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) وهذا الرجل لم
٦١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
يُعرف، وما سبق من أنه الخضر ◌ُلِّلا، فقد عرفت بطلانه، فتنبّه. (فَتَلْقَاهُ) أي
تقابله، وتأخذه (الْمَسَالِحُ) بفتح الميم، وكسر اللام: جمع المسلحة، وهم
القوم ذوو السلاح، يحفظون الثغور، وقوله: (مَسَالِحُ الدَّجَّالِ) مرفوع على
الإبدال، وفيه إشارة إلى أن اللام عِوَض عن المضاف إليه، أو اللام للعهد(١)،
قال القاضي تَّتُهُ: ولعل المراد به ههنا مقدمة جيشه، وأصلها موضع السلاح،
ثم استعمل للثغر، فإنه تُعَدّ فيه الأسلحة، ثم للجند المترصدين، ثم لمقدمة
الجيش، فإنهم من الجيش، كأصحاب الثغور ممن وراءهم من المسلمين(٢).
(فَيَقُولُونَ لَهُ: أَيْنَ تَعْمِدُ؟) بكسر الميم، من باب ضرب؛ أي: تقصد، (فَيَقُولُ:
أَعْمِدُ إِلَى هَذَا الَّذِي خَرَجَ)؛ أي: خرج عن الحقّ، أو على الخلق، أو ظهر
بالباطل، والإشارة للتحقير. (قَالَ) بَّه: (فَيَقُولُونَ لَهُ: أَوَ مَا تُؤْمِنُ بِرَبِّنَا؟) يعنون
به الدجال، حيث وجدوا عنده الجاه والمال، (فَيَقُولُ) الرجل: (مَا بِرَبِّنَا)؛
أي: بربي وربكم، ففيه تغليب، أو: ما بربنا معشرَ المؤمنين (خَفَاءٌ) و((ما))
نافية؛ أي: ليس يخفى علينا صفات ربنا عن غيره؛ لنعدل عنه إليه، أو لنترك
الاعتماد عليه.
كما قال القائل [من المتقارب]:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ شَاهِدٌ
يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْوَاحِدُ
وأما ما عداه فآثار الحدوث عليه لائحة، وأنواع النقصان فيه واضحة،
ومن أظهر الأدلة القطعية، أن المخلوقية تنافي الربوبية، والعبودية تناقض
الألوهية، ما للتراب، ورب الأرباب، كيف والعيوب الظاهرة فيه تشهد لمن له
أدنى عقل، كما لا يخفى، وفيه إيماء إلى ما سبق من قوله ◌َّ﴾: ((إن الله لا
یخفی علیکم، إن الله ليس بأعور)).
قال الطيبيّ نَخْتُهُ: هذا تكذيب لهم، وبيان لتمويههم، وتلبيسهم؛ ((أوَ ما
يؤمن بربنا؟))، كما قال وَلّ: ((إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور))(٣).
(١) ((مرقاة المفاتيح)) ٧/١٦.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٤٥٩/١١.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٤٥٩/١١.
٦١١
(٢١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ عَلَى الدَّجَّل، وَقَتْلِهِ الْمُؤْمِنَ، وَإِحْيَائِهِ - حديث رقم (٧٣٤٧)
(فَيَقُولُونَ)؛ أي: فيما بينهم يقول بعضهم لبعض: (اقْتُلُوهُ) أي اقتلوا هذا
الرجل الجاحد لربوبية ربنا، (فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكُمْ رَبُّكُمْ)
الدجّال الكذّاب (أَنْ تَقْتُلُوا أَحَداً) أي مِن قتلكم أحَّداً (دُونَهُ) أي دون علمه،
وأمره، وإذنه. (قَالَ) وَّهِ: (فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إِلَى الدَّجَّالِ، فَإِذَا رَآهُ الْمُؤْمِنُ)؛ أي:
أبصر الدجالَ الرجلُ الموقنُ، وقد عرف علاماته، (قَالَ) تذكيراً للأمة، وتوهيناً
للغُمة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَذَا الدَّجَّالُ الَّذِي ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ)؛ أي: في أحاديثه
أنه سيخرج في آخر الزمان. (قَالَ) ◌ََّ: (فَيَأْمُرُ الدَّجَّالُ بِهِ)؛ أي: بضرب هذا
الرجل، (فَيُشَبَّحُ) بضمّ أوله، وتشديد الموحّدة المفتوحة، مبنيّاً للمفعول؛ أي:
يُمَدّ للضرب، وفي نسخة: ((فيُشجّ))، (فَيَقُولُ) الدجال تأكيداً، وتغليظاً،
وتشديداً: (خُذُوهُ)؛ أي: امسكوه أخذاً شديداً، (وَشُجُوهُ) بضم الشين
المعجمة، وتشديد الجيم؛ أي: اكسروا رأسه، قال القاري: وفي نسخة - أي:
من ((المشكاة)) -: ((فشبحوه)) بفتح الشين، وكسر الموحّدة، فحاء مهملة؛ أي:
مُدّوه على بطنه، أو على قفاه، يقال: تشبّح الحرباء على العود؛ أي: امتد،
وتشبيح الشيء: جَعْله عريضاً. انتهى(١).
(فَيُوسَعُ) بسكون الواو، وفتح السين، مبنيّاً للمفعول، هكذا أفاد القاري.
(ظَهْرُهُ وَبَطْنُهُ ضَرْباً) منصوبٍ على التمييز، يعني أنه يُكْثَر الضرب على ظهره
وبطنه. (قَالَ) بَيِّ: (فَيَقُولُ) الدجال لذلك الرجل بعدما عذّبه ظنّاً منه أنه
سيستجيب له، (أَوَ مَا تُؤْمِنُ بِي؟)؛ أي: أتنكر ألوهيتي، وما تؤمن بربوبيتي؟
(قَالَ) ◌َِّ: (فَيَقُولُ) الرجل المؤمن: (أَنْتَ الْمَسِيحُ)؛ أي: الذي يمسح الأرض
سيراً، أو الممسوح العين، (الْكَذَّابُ)؛ أي: كثير الكذب بادعائك ما ليس
لك، وتمرّدك على ربّك الذي خلقك. (قَالَ) وَهُ: (فَيُؤْمَرُ بِهِ)؛ أي: بنشره
بالمنشار، (فَيُؤْشَرُ) بضم، فسكون همز، ويبدل واواً، ففتح شين؛ أي: فيقطع
(بِالْمِثْشَارِ) بكسر الميم، وسكون الهمزة، وتبدل ياءً، وبالنون، في بعض
النسخ، وهو آلة النشر، والقطع. (مِنْ مَفْرِقِهِ) بفتح الميم، وكسر الراء، وتُفتحِ؛
أي: من مبتدأ فرق رأسه، (حَتَّى يُفَرَّقَ) بصيغة المجهول، مخفّفاً، ومشدّداً؛
أي: حتى يفصل بدنه قطعتين، واقعتين (بَيْنَ رِجْلَيْهِ)؛ أي: في طرفي قدميه.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) ١٦/ ٧.
٦١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
وقال النوويّ كَّتُهُ: قوله: ((يشبح)) بشين معجمة، ثم باء موحّدة، وحاء
مهملة، وكذا ((شَبِّحوه))؛ أي: مُدُّوه على بطنه، وجاء أيضاً: ((شُجّوه)) بجيم
مشددة، من الشج، وهو الجرح في الرأس، ثم قال: وهذه الرواية أصحّ
عندنا، وقوله: ((فيؤشر)) الرواية فيه بالهمزة، و((المئشار)) بهمز بعد الميم، وهو
الأفصح، ويجوز تخفيف الهمز فيهما، فتُجعل في الأول واواً، وفي الثاني ياء،
ويجوز المنشار، بالنون، وعلى هذا يقال: نشرت الخشبة، و((مفرقه)) بكسر
الراء: وسطه، يعني وسط فرقه، أو وسط رأسه. انتهى (١).
(قَالَ) وَهُ: (ثُمَّ يَمْشِي) وفي نسخة: ((ثم يمرّ)) (الدَّجَّالُ بَيْنَ الْقِطْعَتَيْنِ)؛
أي: الشقتين من الرجل؛ تخييلاً لتحقيق القتل، (ثُمَّ يَقُولُ) الدجّال (لَهُ)؛ أي:
للرجل المقطوع قطعتين: (قُمْ، فَيَسْتَوِي قَائِماً)؛ أي: يقوم بشراً سويّاً، ما به
شيء من آثار القطع. (قَالَ) وَلّهِ: (ثُمَّ يَقُولُ لَهُ) الدجال: (أَتُؤْمِنُ بِي؟)؛ أي:
بعد أن رأيت ما فعلته فيك من الخوارق، (فَيَقُولُ) الرجل: (مَا) نافية، (ازْدَدْتُ
فِيك) ما زدت في معرفتك بفعلك هذا من القتل، والإحياء (إِلَّا بَصِيرَةً)؛ أي:
زيادة علم ويقين بأنك كاذب مموِّه. (قَالَ) وَّهِ: (ثُمَّ يَقُولُ) الرجل: (يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِنَّهُ)؛ أي: الدجال، (لَا يَفْعَلُ) بالبناء للفاعل؛ أي: الدجّال، ويَحْتَمِل
أن يكون بالبناء للمفعول، وضمير «إنه)) على هذا الشأن. (بَعْدِي) أي: بعدما
فعل بي هذا الذي رأيتموه، (بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ) وفيه إخبار عن سلب القدرة
الاستدراجية عنه، وتسليةٌ للناس في الخوف منه. (قَالَ) وَلَ: (فَيَأْخُذُهُ)؛ أي:
الرجلَ (الدَّجَّالُ لِيَذْبَحَهُ) مرّة أخرى، (فَيُجْعَلَ) بالبناء للمفعول، (مَا بَيْنَ رَقَبَتِهِ
إِلَى تَرْقُوَتِهِ) بفتح التاء، وسكون الراء، وضم القاف، وفتح الواو: العظم الذي
بين ثَغْرة النحر والعاتق.
وقوله: (نُحَاساً) مفعول ثان لـ((يُجعل))، والأول ((ما)) الموصولة؛ أي:
يكون كالنحاس، لا يعمل فيه السيف، كما قال: (فَلَا يَسْتَطِيعُ) الدجال (إِلَيْهِ)؛
أي: إلى ذبح ذلك الرجل (سَبِيلاً)؛ أي: طريقاً يوصله إلى مراده.
قال القاري: وفي ((شرح السُّنَّة)): قال معمر: بلغني أنه يُجعل على حلقه
(١) ((شرح النوويّ)) ٧٣/١٨.
٦١٣
(٢١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ عَلَى الدَّجَّال، وَقَتْلِهِ الْمُؤْمِنَ، وَإِحْيَائِهِ - حديث رقم (٧٣٤٧)
صفحة نحاس، فلا يستطيع؛ أي: الدجال إليه؛ أي: إلى قتله، ولا يقدر على
حصول مضرته سبيلاً، تمييز؛ أي: طريقاً من التعرض(١).
(قَالَ) ◌َةِ: (فَيَأْخُذُ)؛ أي: الدجال (بِيَدَيْهِ) الرجل (وَرِجْلَيْهِ، فَيَقْذِفُ بِهِ)؛
أي: يرمي به في الهواء، (فَيَحْسِبُ) بكسر السين، وفتحها: أي: فيظنّ (النَّاسُ،
أَنَّمَا قَذَفَهُ إِلَى النَّارِ، وَإِنَّمَا أُلْقِيَ فِي الْجَنَّةِ))) قال القاري: قوله: ((إنما قذفه إلى
النار)) في تأويل المصدر؛ أي: قذفه إليها، والأظهر ما اختاره الزمخشريّ من
أن ((أنما)) بالفتح تفيد الحصر أيضاً، كما اجتمعا في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا
يُوحَّ إِلَى أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهُ وَحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨]، ويؤيده قوله: ((وإنما
ألقي)) بصيغة المجهول؛ أي: أُوقع في الجنة، واللام للعهد؛ أي: في بستان
من بساتين الدنيا، ويمكن أن يرميه في النار التي معه، ويجعلها الله عليه جنةً،
كما جعلها الله ◌ُعَلَ برداً وسلاماً على إبراهيم وَله، وتصير تلك النار روضة وجنّة،
وعلى كل تقدير، فلم يحصل له موت على يده، سوى ما تقدم. انتهى(٢).
قال أبو سعيد رَظُله: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((هَذَا)؛ أي: الرجل المؤمن
الذي عذّبه الدجال، وألقاه أخيراً في ناره، (أَعْظَمُ النَّاسِ شَهَادَةً) منصوب على
التمييز، (عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ))) ظرف لـ((شهادةً)).
وقال القاري تَخُّْ: وأما قول الراوي: ((فقال رسول الله وَليقول: هذا أعظم
الناس شهادة عند رب العالمين)) فالمراد بها قَتْله الأول، فتأمل، فإنه موضع
الزلل، والخطل، والوجل، كما وقع فيه الطيبيّ نَظُه بقوله: ((فيحسب الناس أن
الدجال قذفه فيما يزعم أنه ناره، وإنما ألقي في الجنة، وهي دار البقاء)»، يدل
عليه قوله: ((هذا أعظم الناس شهادة))، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَنَا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (3َ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن
فَضْلِهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩، ١٧٠]؛ أي: يسرحون في ثمار الجنة.
قال القاري: أقول: فهذا مناقض لقوله: ((إنه لا يفعل بعدي بأحد من
الناس))، اللَّهُمَّ إلا أن يقال: المراد بقوله: ((لا يفعل بعدي))؛ أي: بعد قتلي
ثانياً بأحد من الناس؛ أي: غيري، ولا يخفى بُعده، والله تعالى أعلم.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) ١٦/ ٧.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ١٦/ ٧.
٦١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج- كتاب الفتن، وأشراط الساعة
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى على من تأمل أن المراد بقوله هنا
((وإنما ألقي في الجنة)) هو الذي تقدّم في قول النبيّ وَّ: ((معه جنة ونار، فناره
جنّة، وجنّته نار))، فيُلقيه الدجال في ناره التي يدعي أنها نار، فإذا ألقاه فيها،
قلبها الله رَك له جنة، يتنعّم فيها المؤمن، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قبله، ولله الحمد
والمنّة.
(٢٢) - (بَابٌ فِ الدَّجَّالِ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللهِ وَات)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٤٨] (٢٩٣٩) - (حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ
حُمَيْدٍ الرُّؤَاسِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمِ، عَنِ
الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: مَا سَأَلَ أَحَدُ النَّبِيَّ ◌َّهِ عَنِ الدَّجَّالِ أَكْثَرَ مِمَّا سَأَلْتُ، قَالَ:
(وَمَا يُنْصِبُكَ مِنْهُ؟ إِنَّهُ لَا يَضُرَُّكَ))، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ
مَعَهُ الطَّعَامَ، وَالأَنْهَارَ، قَالَ: ((هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللّهِ مِنْ ذَلِكَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ الْعَبْدِيُّ) أبو عُمر الكوفيّ، ثقة [١٠].
روى عن الحمادين، وإبراهيم بن حميد الرؤاسيّ، وجعفر بن سليمان
الضُّبعيّ، وخالد بن عمرو القرشيّ، ومحمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمدانيّ،
وعیسی بن یونس، وغيرهم.
وروى له الترمذيّ، وابن ماجه، بواسطة، وأبو عبيدة بن أبي السفر،
وأحمد بن حنبل، وعلي ابن المديني، وعباس العنبري، وعمرو بن عليّ
الصيرفيّ، وغيرهم.
قال العجليّ: كوفيّ ثقة، وقال أبو حاتم: ثقةٌ رضيّ، وقال عبد الرحمن بن
محمد الجزريّ: كان ثقةً، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال مطين: مات لليلتين خلتا من جمادى الأولى سنة أربع وعشرين
ومائتين، وكذا قال ابن سعد، وقال ابن عديّ: كان من خيار الناس.
٦١٥
(٢٢) - بَابٌ فِي الدَّجَّالِ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللهِ رَت - حديث رقم (٧٣٤٨)
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث.
٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدِ الرُّؤَاسِيُّ) هو: إبراهيم بن حُميد بن عبد الرحمن
الرُّؤَاسيّ - بضم الراء، وبعدها همزة - أبو إسحاق الكوفيّ، ثقة [٨].
روى عن إسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، وثور بن يزيد، وغيرهم.
وروى عنه شهاب بن عباد، ويحيى بن آدم، وزكريا بن عدي، وغيرهم.
وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي. مات سنة ١٧٨ هـ (خ م مد ت س)
وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله
الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت١٤٦) (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٢٩٩.
٤ - (قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمِ) البجليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، مخضرم، ثقةٌ [٢]
ويقال: له رؤية، وهو الذي يَّقال: إنه اجتمع له أن يروي عن العشرة المبشّرين
بالجنّة، مات بعد التسعين، أو قبلها، وقد جاز المائة، وتغير (ع) تقدم في ((شرح
المقدمة) جـ٢ ص٤٧٥.
٥ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) بن مسعود بن مُعَتِّب الثقفيّ الصحابيّ المشهور،
أسلم قبل الحديبية، وولي إِمْرة البصرة، ثم الكوفة، ومات ضُه سنة خمسين
على الصحيح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث المغيرة بن شعبة تظله هذا متفقٌ عليه،
وقد مضى للمصنّف في ((كتاب الآداب)) برقم [٥٦١٢/٧] (٢١٥٢) وقد
استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: ((وَمَا يُنْصِبُكَ مِنْهُ) ((ما)) استفهاميّة إنكاريّة، و((يُنصب)) بضمّ أوله،
وفتحه، من الإنصاب، أو النَّصَب، وهو التعب والمشقّة؛ أي: ما يشقّ عليك،
ويُتعبك منه؟.
وقوله: (إِنَّهُ لَا يَضُرَُّكَ))) قال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((إنه لا يضرّك)) يَحْتَمِل
أن يريد: لأنك لا تُدرك زمان خروجه، ويَحْتَمِل أن يكون إخباراً منه بأنه يُعْصَم
من فتنته، ولو أدرك زمانه، والله تعالى ورسوله أعلم. انتهى(١).
(١) ((المفهم)) ٤٧٢/٥.
٦١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج- كتاب الفتن، وأشراط الساعة
وقوله: (يَقُولُونَ: إِنَّ مَعَهُ الطَّعَامَ، وَالأَنْهَارَ) هذا يدلّ على أن المغيرة كان
قد سمع هذا الأمر عن الدَّجال من غير النبيّ وَّهِ، ولم يحققه، فعرض ذلك على
النبيّ ◌َ ﴿، فأجابه بقوله: ((هو أهون على الله من ذلك))، وظاهر هذا الكلام: أن
الدَّجال لا يُمَكَّن من ذلك؛ لهوانه على الله، وخسة قدره، غير أن هذا المعنى قد
جاء ما يناقضه في أحاديث الدجال الآتية، فَيَحْتَمِل أن يكون هذا القول صدر
عنه وَّ قبل أن يوحى إليه بما في تلك الأحاديث، ويَحْتَمِل أن يعود الضمير إلى
تمكين الدجال من أنهار الماء، وجبال الخبز؛ أي: فِعل ذلك على الله هيّن،
والأوَّل أسبق، والثاني لا يمتنع، والله تعالى أعلم، قاله القرطبيّ تَظُّهُ(١).
وقوله: (قَالَ: ((هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ ذَلِكَ))) قال القاضي عياض تَذْتُهُ(٢):
معناه: هو أهون من أن يجعل ما يَخلقه على يديه مضلّاً للمؤمنين، ومشكّكاً
لقلوب الموقنين، بل ليزداد الذين آمنوا إيماناً، ويرتاب الذين في قلوبهم مرض،
فهو مثل قول الذي يقتله: ما كنت أشدّ بصيرةً مني فيك، لا أن قوله: ((هو أهون
على الله من ذلك)) إنه ليس شيء من ذلك معه، بل المراد: أهون من أن يجعل شيئاً
من ذلك آيةً على صدقه، ولا سيما، وقد جُعل فيه آية ظاهرة في كَذِبه، وكفره،
يقرأها من قرأ، ومن لا يقرأ، زائدة على شواهد كذبه، من حَدَثِه، ونقصه.
قال الحافظ: الحامل على هذا التأويل أنه ورد في حديث آخر مرفوع: ((ومعه
جبل من خبز، ونهر من ماء))، أخرجه أحمد، والبيهقيّ في ((البعث)) من طريق
جُنادة بن أبي أمية، عن مجاهد، قال: انطلقنا إلى رجل من الأنصار، فقلنا: حدّثنا
بما سمعت من رسول الله وَله في الدجال، ولا تحدّثنا عن غيره، فذكر حديثاً فيه:
(«تُمْطَرُ الأرضُ، ولا يَنْبُتُّ الشجر، ومعه جنة، ونار، فناره جنة، وجنته نار، ومعه
جبل خبز ... )) الحديث بطوله، ورجاله ثقات، ولأحمد من وجه آخر عن جنادة،
عن رجل من الأنصار: ((معه جبال الخبز، وأنهار الماء))، ولأحمد من حديث جابر:
((معه جبال من خبز، والناس في جَهد إلا من تبعه، ومعه نهران ... )) الحديث.
فدلّ ما ثبت من ذلك على أن قوله: ((هو أهون على الله من ذلك)) ليس
المراد به ظاهره، وأنه لا يجعل على يديه شيئاً من ذلك، بل هو على التأويل
(١) ((المفهم)) ٤٧٢/٥.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٢٧/٧.
٦١٧
(٢٢) - بَابٌ فِي الدَّجَّالِ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللهِ رَبَتْ - حديث رقم (٧٣٤٩ - ٧٣٥٠)
المذكور، وقد تقدّم البحث بأتمّ مما هنا بالرقم المذكور، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٤٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ،
عَنْ قَيْسٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: مَا سَأَلَ أَحَدُ النَّبِيَّ وَِّ عَنِ الدَّجَّالِ أَكْثَرَ
مِمَّا سَأَلْتُهُ، قَالَ: ((وَمَا سُؤَالُكَ؟))، قَالَ: قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَعَهُ جِبَالٌ مِنْ خُبْزٍ،
وَلَحْمٍ، وَنَهَرٌ مِنْ مَاءٍ، قَالَ: ((هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللّهِ مِنْ ذَلِكَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) أبو الحارث المرّوذيّ، تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥.
٢ - (هُشَيْمُ) بن بشير الواسطيّ، تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى الكلام فيه في الذي قبله.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٥٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا
وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ،
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ (ح)
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ،
نَحْوَ حَدِيثٍ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حُمَيْدٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ يَزِيدَ: فَقَالَ لِي: (أَيْ بُنَّيَّ)).
رجال هذا الإسناد:
كلّهم تقدّموا غير مرّة، و((وكيع)) هو: ابن الجرّاح. و((جرير)) هو: ابن
عبد الحميد. و(ابن أبي عمر)) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم
المكيّ. و((سفيان)) هو: ابن عيينة. و((أبو أسامة)) هو: حماد بن أسامة.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ) ضمير الجماعة للخمسة المذكورين، وهم:
وكيع، وجرير، وابن عيينة، ويزيد بن هارون، وأبو أسامة.
وقوله: (وَزَادَ فِي حَدِيثِ يَزِيدَ) فاعل ((زاد)) ضمير ابن أبي شيبة، و((يزيد))
هو ابن هارون.
٦١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
[تنبيه]: روايات هؤلاء الخمسة قد تكلّمت عليها في ((كتاب الأدب))
بالرقم المذكور، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَّهِ أُنْبُ﴾ .
(٢٣) - (بَابٌ فِي خُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَمُكْثِهِ فِي الأَرْضِ،
وَنُزُولٍ عِيسَى ◌َُّ، وَقَتْلِهِ إِنَّهُ، وَذَهَابٍ أَهْلِ الْخَيْرِ، وَالإِيمَانِ،
وَبَقَاءِ شِرَارِ النَّاسِ، وَعِبَادَتِهِمُ الأَوْثَانَ، وَالنَّفْخِ فِي الصُّورِ،
وَبَعْثٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌ََّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٥١] (٢٩٤٠) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِم، قَالَ: سَمِعْتُ يَعْقُوبَ بْنَ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ
مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، وَجَاءَهُ رَجُلٌ (١)،َ فَقَالَ: مَا هَذَا
الْحَدِيثُ الَّذِي تُحَدِّثُ بِهِ، تَقُولُ: إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ إِلَى كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ:
سُبْحَانَ اللهِ، أَوْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهُمَا، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أُحَدِّثَ أَحَداً
شَيْئاً أَبَداً، إِنَّمَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدَ قَلِيلِ أَمْراً عَظِيماً، يُحَرَّقُ الْبَيْتُ، وَيَكُونُ،
وَيَكُونُ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: (يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي، فَيَمْكُثُ
أَرْبَعِينَ - لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْماً، أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْراً، أَوْ أَرْبَعِينَ عَاماً - فَيَبْعَثُ اللهُ
عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، فَيَطْلُبُهُ، فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ
سِنِينَ، لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ رِيحاً بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّأْمِ، فَلَا يَبْقَى
عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، أَوْ إِيمَانٍ، إِلَّا قَبَضَتَّهُ، حَتَّى لَوْ
أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبَدٍ جَبَلٍ، لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ، حَتَّى تَقْبِضَهُ))، قَالَ: سَمِعْتُهَا مِنْ
رَسُولِ اللهِ وَ ﴿ِ، قَالَ: ((فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ، وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ، لَا
يَعْرِفُونَ مَعْرُوفً، وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَراً، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ، فَيَقُولُ: أَلَا
(١) وفي نسخة: ((وجاء رجل)).
٦١٩
(٢٣) - بَابٌ فِي خُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَمُكْثِهِ فِي الأَرْضِ، وَنُزُولِ عِيسَى عَلَّا ... إلخ - حديث رقم (٧٣٥١)
تَسْتَجِيبُونَ؟(١) فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ دَارٌّ
رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتاً، وَرَفَعَ
لِيْتاً، قَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِهِ، قَالَ: فَيَصْعَقُ، وَيَصْعَقُ النَّاسُ،
ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ، أَوْ قَالَ: يُنْزِلُ اللهُ مَطَرَأَ، كَأَنَّهُ الطَّلُّ، أَوِ الظُّلُّ - نُعْمَانُ الشَّالُّ - فَتَنْبُتُ
مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى، فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا
· [الصافات: ٢٤]، قَالَ: ثُمَّ
٢٤
أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ، ﴿وَقِقُوْ إِنَّهُم ◌َّسْئُولُونَ
يُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ، فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً
وَتِسْعِينَ، قَالَ: فَذَالَكَ يَوْمَ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً، وَذَلِكَ يَوْمَ يُكْثَفُ عَنْ سَاقٍ)).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (التُّعْمَانُ بْنُ سَالِم) الطائفيّ ثقة [٤] (م ٤) تقدم في ((صلاة المسافرين
وقصرها)) ١٦٩٤/١٦.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَاصِم بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ) أخو نافع، مقبول [٣]
(م د س) تقدم في ((الشعر)) ١ / ٥٨٧٢.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعيد بالتصغير
ابن سعد بن سهم السهميّ، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، أحد السابقين
المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليالي
الحرّة، على الأصح بالطائف، على الراجح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف نَخْتُهُ، وأنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وفيه
رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو أحد العبادلة الأربعة.
شرح الحديث:
(عَنِ التُّعْمَانِ بْنِ سَالِم)؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ يَعْقُوبَ بْنَ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ
(١) وفى نسخة: (ألا تستحيون)).
٦٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
(وَ) الحال أنه قد (جَاءَهُ
مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو)
رَجُلٌ) وفي نسخة: ((وجاء رجلٌ))، ولم يسمّ ذَلَك الرجل. (فَقَالَ) ذلك الرجل
لعبد الله بن عمرو ﴿هَا: (مَا هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي تُحَدِّثُ بِهِ) الناسَ، ثم بيّن
الحديث بقوله: (تَقُولُ: إِنَّ السَّاعَةَ)؛ أي: القيامة، (تَقُومُ إِلَى كَذَا وَكَذَا؟) كناية
شيء مبهم. (فَقَالَ) عبد الله بن عمرو للرجل: (سُبْحَانَ اللهِ) تعجّباً من قول
الرجل، (أَوْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ﴾ ((أو)) في الموضعين للشكّ من الراوي، (أَوْ كَلِمَةً
نَحْوَهُمَا)؛ أي: نحو ((سبحان الله))، أو ((لا إله إلا الله))، كقوله: الله أكبر،
وإنما قال عبد الله ذلك تعجباً من اتهام الرجل له بالكذب على رسول الله وَلآ،
ثم قال عبد الله: (لَقَدْ هَمَمْتُ)؛ أي: والله لقد قصدت (أَنْ لَا أُحَدِّثَ أَحَداً شَيْئاً
أَبَداً)؛ أي: ما عشت في مستقبل الزمان، قال القرطبيّ تَخّْتُهُ: إنما قال ذلك
عبد الله؛ لأنَّهم نسبوا إليه ما لم يقل، فشقّ ذلك عليه، ثم إنَّه لمّا عَلِم أنه لا
يجوز له ذلك، ذَكَر ما عنده من علم ذلك، فقال: (إِنَّمَا قُلْتُ) لكم (إِنَّكُمْ
سَتَرَوْنَ بَعْدَ قَلِيلٍ) من الزمن (أَمْراً عَظِيماً)؛ أي: فظيعاً مما يدلّ على قرب
الساعة، فمن ذلَّك أنه (يُحَرَّقُ) من التحريق، أو الإحراق، (الْبَيْتُ) الكعبة؛
لأنه صار عَلَماً لها بالغلبة، كما قال ابن مالك تَخْذّتُهُ في ((الخلاصة)):
وَقَدْ يَصِيرُ عَلَماً بِالْغَلَبْهْ مُضَافٌ أَوْ مَصْحُوبُ ((أَلْ)) كَـ((الْعَقَبَهْ))
قال القرطبيّ ◌َثْتُ: قد كان تحريق البيت في عهد ابن الزبير ﴿ه، وذلك
أن يزيد بن معاوية وجّه من الشام مسلم بن عقبة في جيش عظيم لقتال ابن
الزبير، فنزل بالمدينة، وقاتل أهلها، وهزمهم، وأباحها ثلاثة أيّام، وهي وقعة
الحرّة، وقد قدّمنا ذكرها، ثم سار يريد مكّة، فمات بقُديد، وولِيَ الجيش
الحصين بن نُمير، وسار إلى مكة، فحاصر ابن الزبير، وأحرقت الكعبة، حتى
انهدم جدارها، وسقط سقفها، وجاء الخبر بموت يزيد، فرجعوا. انتهى.
وكان عبد الله بن عمرو ﴿ها إذ ذاك حيّاً، وروي أنه توفّي أيام تلك
الفتنة، والله تعالى أعلم.
(وَيَكُونُ)؛ أي: من الفتن (وَيَكُونُ) يعني أنه يقول: كنت ذكرت أشياء من
الفتن التي ستقع قبل قيام الساعة، فمنها ما ذكرت من تحريق البيت، ومنها
الدجّال، كما ذكره بقوله: (ثُمَّ قَالَ) عبد الله ◌َّه: (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((يَخْرُجُ