Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ (٢٠) - بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ، وَصِفَتِهِ، وَمَا مَعَهُ - حديث رقم (٧٣٤٣) إذ ذاك، والأردنّ اسم الكورة، كما في ((الصحاح))، وبيت المقدس داخل فيه، وإن لم يكن في بيت المقدس الآن منارة، فلا بدّ أن تَحْدث قبل نزوله، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ تَخْتُ: قوله: ((فينزل عند المنارة البيضاء شرقيّ دمشق بين مهرودتين)) أما المنارة فبفتح الميم، وهذه المنارة موجودة اليوم شرقيّ دمشق، ودمشق بكسر الدال، وفتح الميم، وهذا هو المشهور، وحكى صاحب ((المطالع)) كسر الميم، وهذا الحديث من فضائل دمشق، وفي ((عند)) ثلاث لغات: كسر العين، وضمها، وفتحها، والمشهور الكسر، وأما المهروذتان فروي بالدال المهملة، والذال المعجمة، والمهملة أكثر، والوجهان مشهوران للمتقدمين والمتأخرين، من أهل اللغة، والغريب، وغيرهم، وأكثر ما يقع في النُّسخ بالمهملة، كما هو المشهور، ومعناه: لابس مهروذتين؛ أي: ثوبين مصبوغين بوَرْس، ثم بزعفران، وقيل: هما شقتان، والشقة نصف الملاءة. (١) . انتھی (بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ) بالدال المهملة، ويُعجم؛ أي: حال كون عيسى بينهما، بمعنى لابس حُلّتين مصبوغتين بورس، أو زعفران، قال النوويّ تَخّْتُهُ: روى بالدال المهملة، والذال المعجمة أكثر، والوجهان مشهوران للمتقدمين والمتأخرين، وأكثر ما يقع في النُّسخ بالمهملة، ومعناه: لابس ثوبين مصبوغين بالورس، ثم الزعفران. انتهى. وقال ابن الأنباريّ: يروى بدال مهملة، أو معجمة؛ أي: بين مِخصرتين، على ما جاء في الحديث، ولا نسمعه إلا فيه، وكذلك أشياء كثيرة لم تُسمع إلا في الحديث، والمخصرة من الثياب التي فيها صفرة خفيفة، كذا في ((النهاية))(٢) . وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((بين مهرودتين)): الرواية الصحيحة بالدال المهملة، والتاء المثناة من فوق، وبعض المحدّثين يقولها بالذال المعجمة، وحكى ابن الأنباريّ أنها تقال بهما، والمعروف الأول، وفي ((الصحاح)): (١) ((شرح النوويّ)) ١٨/ ٦٧. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٩٠/١٥. ٥٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة هَرَدت الثوب: شققته، والْهِرْدى على وزن فِعْلى بكسر الهاء: نبت يُصبغ به، وثوب مهرود؛ أي: صُبغ أصفر. ولمّا كان هذا هو المعروف في اللغة، اختَلَف الشارحون لهذا اللفظ في هذا الحديث، فقيل: إن عيسى ظلِّ* ينزل في شقي ثوب، والشقة نصف الْملاءة، أو في حلّتين، مأخوذ من الْهَرْد، وهو القطع والشقّ، وقال أكثرهم: في ثوبين مصبوغين بالصفرة، وكأنه الذي صُبغ بالْهِرْدَى. وقد اجترأ القتبيّ، وخطّأ النقلة في هذا اللفظ، وقال: هو عندي خطأ من النقلة، وأراه مَهْرُوَّتَين، يقال: هَرَيت العمامةَ: إذا لبستها صفراء، وكأن فعلت منه: هروت، وأنشدوا عليه [من الطويل]: رَأَيْتُكَ هَرَّيْتَ الْعِمَامَةَ بَعْدَمَا أَرَاكَ زَمَاناً حَاسِراً لَمْ تُعَصّبٍ قال: إنما أراد: أنك لبست العمامة صفراء، كما يلبسها السادة، وكان السيد يعتم بعمامة صفراء، ولا يكون ذلك لغيره. قال القرطبيّ: لقد صدق من قال في ابن قتيبة: هَجُوم، ولّجُ على ما لا يُحسن، وقد أخطأ ابن قتيبة فيما خَطّأ فيه الثقات، وأهل التقييد والثبت والعلم من وجھین : أحدهما: حكمه بالخطأ وجرأته به على الأئمة الحفّاظ الثقات العلماء، فكان حقّه أن يتوقف إذا لم يجد محملاً لتلك اللفظة على النحو المرويّ. وثانيهما: إن ما استدلّ به، لا حجَّة فيه، لوجهين قد أشار إليهما أبو بكر فيما حكاه الإمام أبو عبد الله عنه، فقال: ما قاله خطأ؛ لأنَّ العرب لا تقول: هروت الثوب، لكن هريت، ولا يقال أيضاً هريت إلا في العمامة خاصّة، فليس له أن يقيس على العمامة؛ لأنَّ اللغة رواية. قال القرطبيّ: والأصحّ قول الأكثر، ويشهد له ما قد وقع في بعض الروايات بدل ((مهرودتين)): ((ممصّرتين))، والممصّرة من الثياب هي المصبوغة بالصفرة - والله تعالى أعلم - انتهى(١). حال كون عيسى ◌ُلَّا (وَاضِعاً كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنٍ) وهذا بيان كيفية (١) ((المفهم)) ٧/ ٢٨٢ - ٢٨٣. (٢٠) - بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ، وَصِفَتِهِ، وَمَا مَعَهُ - حديث رقم (٧٣٤٣) ٥٨٣ نزوله، كما أن ما قبله بيان لكيفية لبسه وجماله، ثم بيّن له حالة أخرى بقوله: (إِذَا طَأْطَأَ) بهمزتين؛ أي: خفص (رَأْسَهُ قَطَرَ)؛ أي: عَرِقَ، (وَإِذَا رَفَعَهُ)؛ أي: رأسه، (تَحَدَّرَ) بتشديد الدال؛ أي: نزل (مِنْهُ)؛ أي: شعر رأسه، (جُمَانٌ)؛ أي: قطرات مثل الجمان، بضم الجيم، وتخفيف الميم، وتُشدّد: حَبّ يُتخذ من الفضة، وقال النوويّ: الجمان بضم الجيم، وتخفيف الميم: هي حبات من الفضة، تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار، والمراد: يتحدر منه الماء على هيئة اللولؤ في صفائه، فسمّي الماء جماناً؛ لِشَبَهه به في الصفاء. انتهى. (كَاللُّؤْلُؤٍ)؛ أي: في الصفاء والبياض، ففي ((النهاية)): الجمان بضم الجيم، وتخفيف الميم: يتخذ من الفضة على هيئة اللآلىء الكبار، قال الطيبيّ تَخْتُهُ: شبّهه بالجمان في الكِبَر، ثم شبّه الجمان باللؤلؤ في الصفاء والحسن، فالوجه أن يكون الوجه الكِبَر مع الصفاء والحسن. وفي ((القاموس)): الجمان كغراب: اللؤلؤ، أو هنوات أشكال اللؤلؤ، وقيل: الجمان بتشديد الميم: اللؤلؤ الصغار، وبتخفيفها: حَب يُتخذ من الفضة، وقيل: المراد بالجمان في صفة عيسى ظلّله: هو الحَب المتخذ من الفضة . وقال القرطبيّ: قوله: ((إذا طأطأ رأسه قطر))؛ أي: إذا خفض رأسه سال منه ماء، يعني به العرق، وهذا نحو مما قال في الحديث الذي تقدّم: ((يقطر رأسه ماء، كأنما خرج من ديماس))؛ يعني: الحمّام. وقوله: ((إذا رفعه تحدّر منه جمانٌ كاللؤلؤ)): الجمان: ما استدار من اللؤلؤ، والدرّ، ويستعار لكل ما استدار من الحلي، قاله أبو الفرج ابن الجوزيّ، شبّه قطرات العرق بمستدير الجوهر، وهو تشبيه واقع(١). (فَلَا يَحِلُّ) بكسر الحاء؛ أي: لا يمكن (لِكَافِرٍ بَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ) بفتح الفاء، (إِلَّ مَاتَ) قال النوويّ: هكذا الرواية: ((فلا يحل)) بكسر الحاء، و((نفسه)) بفتح الفاء، ومعنى لا يحل: لا يمكن، ولا يقع، وقال القاضي: معناه عندي حقّ وواجب، قال: ورواه بعضهم بضم الحاء وهو وهم وغلط. قال (١) ((المفهم)) ٢٨٤/٧. ٥٨٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة الطيبيّ تَخْتُهُ: معناه لا يحصل، أو لا يحقّ أن يجد من ريح نفسه، وله حال من الأحوال إلا حال الموت، فقوله: ((يجد)) مع ما في سياقه فاعل ((يحل)) على تقدير ((أن)). انتهى(١). (وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ) قال القرطبيّ: ((نفسه)) بفتح الفاء، و((طرفه)) بسكون الراء، وهو عينه، ويعني بذلك أن الله تعالى قوّى نفس عيسى ظلِّلا حتى يصل إلى المحل الذي يصل إليه إدراك بصره، فمعناه: أن الكفار لا يقربونه، وإنَّما يهلكون عند رؤيته، ووصول نفسه إليهم، تأييداً من الله له، وعصمةً، وإظهار كرامةٍ ونعمةٍ . وقال القاري: ((ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه)) بسكون الراء؛ أي: لحظه، ولمحه، ويجوز كون الدجال مستثنى من هذا الحكم؛ لحكمة إراءة دمه في الحربة؛ ليزداد كونه ساحراً في قلوب المؤمنين، ويجوز كون هذه الكرامة لعيسى أوّلاً حين نزوله، ثم تكون زائلة حين يرى الدجال؛ إذ دوام الكرامة ليس بلازم، وقيل: النفَس الذي يميت الكافر هو النفَس المقصود به إهلاك كافر، لا النفس المعتاد، فعدم موت الدجال؛ لعدم النفَس المراد، وقيل: المفهوم منه أن من وجد من نفس عيسى من الكفار يموت، ولا يفهم منه أن يكون ذلك أول وصول نفسه، فيجوز أن يحصل ذلك بهم بعد أن يريهم عيسىُالَّله دم الدجال في حربته؛ للحكمة المذكورة. قال: ثم من الغريب أن نفس عيسى ◌ُالَّ تعلق به الإحياء لبعض، والإماتة لبعض. انتهى (٢). (فَيَطْلُبُهُ)؛ أي: يطلب عسى ◌َلَُّ الدجّال (حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابٍ لُدِّ) بضم اللام، وتشديد الدال مصروف: اسم جبل بالشام، وقيل: قرية من قرى بيت المقدس، وعليه اقتصر النوويّ، وزاد غيره: سُمّي به لكثرة شجره، وفي (النهاية)): موضع بالشام، وقيل: بفلسطين، (فَيَقْتُلُهُ)؛ أي: الدجّال. (ثُمَّ يَأْنِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) اثِّْهِ (قَوْمٌ، قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ)؛ أي: من (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٤٥٦/١١. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٩٠/١٥. ٥٨٥ (٢٠) - بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ، وَصِفَتِهِ، وَمَا مَعَهُ - حديث رقم (٧٣٤٣) شرّ الدجال، (فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ)؛ أي: يزيل عنها ما أصابها من غبار سفر الغزو، ووعثائه مبالغةً في إكرامهم، وفي التلطف بهم، أو المعنى: يكشف ما نزل بهم من آثار الكآبة والحزن على وجوههم بما يَسُرّهم من خبره بقتل الدجال. وقال القاضي عياض: يَحْتمل أن يكون هذا المسح حقيقة على ظاهره، فيمسح وجوههم تبركاً، وبرّاً، ويحتمل أنه إشارةٌ إلى كشف ما هم فيه من الشدّة والخوف. انتهى. (وَيُحَدَّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ)؛ أي: بما أعدّه رَك لهم من الدرجات بصبرهم، ومصابرتهم على فتن الدجّال. (فَبَيْنَمَا هُوَ) أي الشأن، أو عيسى عَلَّا (كَذَلِكَ، إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى) ظلَُّ (إِنِّي) بكسر الهمزة، وفتحها، (قَدْ أَخْرَجْتُ)؛ أي: أظهرت (عِبَاداً لِي)؛ أي: جماعة منقادة القضائي، (لَا يَدَانٍ)؛ أي: لا قدرة، ولا طاقة (الأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ) وإنما عبّر عن الطاقة باليد؛ لأن المباشرة والمدافعة إنما تكون باليد، وثنّى مبالغةً، كأن يديه معدومتان لعَجْزه عن دفعه، ويمكن أن يكون في التثنية إيماء إلى العجز عنهما جميعاً. (فَحَرِّزْ) من التحريز، مأخوذ من الحرز؛ أي: احفظ، وضمّ (عِبَادِي إِلَى الطَّورِ)؛ أي: اجعله لهم حرزاً، والطور هو الجبل المعروف. وقال القرطبيّ: قوله: ((لا يدان)): أي لا قدرة لأحد على قتال يأجوج ومأجوج، يقال: لا يد لفلان بهذا الأمر؛ أي: لا قوة. وقوله: ((فحرِّز عبادي إلى الطور)): هذه الرواية الصحيحة بالزاي؛ أي: ارتحل بهم إلى جبل يحرزون فيه أنفسهم، والطور: الجبل بالسريانية. ويَحْتَمِل أن يكون ذلك هو طور سيناء، وقد رواه بعضهم: حوِّز بالواو، ولم تقع لنا هذه الرراية، ومعناها واضح، وهو بمعنى الأُولى. انتهى(١). وقال النوويّ: قوله: ((لا يدان)) بكسر النون: تثنية يد، قال العلماء: معناه: لا قدرة، ولا طاقة، يقال: ما لي بهذا الأمر يد، وما لي به يدان؛ لأن (١) ((المفهم)) ٢٨٥/٧. ٥٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة المباشرة والدفع إنما يكون باليد، وكأن يديه معدومتان؛ لعجزه عن دفعه، ومعنى حَرِّزهم إلى الطور؛ أي: ضمهم، واجعله لهم حرزاً، يقال: أحرزت الشيء أُحرزه إحرازاً: إذا حَفِظته، وضممته إليك، وصُنته عن الأخذ، ووقع في بعض النسخ: ((حَزِّب)) بالحاء والزاي، والباء؛ أي: اجمعهم، قال القاضي: ورُوي: حَوِّز بالواو، والزاي، ومعناه: نَجِّهم، وأزلهم عن طريقهم إلى الطور. انتهى . (وَيَبْعَثُ)؛ أي: يُخرج (اللهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) بالهمزة، ودونها، وهما القبيلتان المعروفتان، تقدّم الكلام فيهما، وقوله: (وَهُمْ)؛ أي: جميع القبيلتين، على حدّ قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ﴾ [الحج: ١٩]، (مِنْ كُلِّ حَدَبٍ) بفتحتين؛ أي: مكان مرتفع من الأرض، (يَنْسِلُونَ) بفتح الياء، وكسر السين؛ أي: يسرعون. وقال القرطبيّ: قد تقدّم القول في يأجوج ومأجوج في أول ((كتاب الفتن))، والحدب: النشز من الأرض، وهي الآكام، والكداء، وينسلون: من النسلان، وهي مقاربة الخطو مع الإسراع، كمشي الذئب: إذا بادر، قاله القتبيّ. وقال الزجاج: ينسلون: يسرعون. (فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ) بالإضافة، وبحيرة تصغير بحرة، وهي ماء مجتمع بالشام، طوله عشرة أميال، وطبرية بفتحتين: اسم موضع، وقيل : هي قصبة الأردن بالشام(١) . (فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ، فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ)؛ أي: البحيرة، أو البقعة (مَرَّةً)؛ أي: وقتاً من الأوقات الماضية (مَاءٌ) كثير، (وَيُحْصَرُ) بالبناء للمفعول؛ أي: يُحبس (نَبِيُّ اللهُ عِيسَى) عَلَُّ (وَأَصْحَابُهُ) المؤمنون في جبل الطور، (حَتَّى يَكُونَ)؛ أي: يصير من شدة المحاصرة والمضايقة (رَأْسُ الثَّوْرِ)؛ أي: البقر، مع كمال رخصه في تلك الديار، (لأَحَدِهِمْ خَيْراً مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ) قال التوربشتيّ تَظْتُهُ؛ أي: تبلغ بهم الفاقة إلى هذا الحدّ، وإنما ذكر رأس الثور ليقاس البقية عليه في القيمة. (١) ((مرقاة المفاتيح)) ٣٨٨/٩. ٥٨٧ (٢٠) - بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ، وَصِفَتِهِ، وَمَا مَعَهُ - حديث رقم (٧٣٤٣) (فَيَرْغَبُ) أي إلى الله، أو يدعو (نَبِيُّ اللّهِ عِيسى) عَُّ، فيه تنبيه نَبِيه على أن عيسى ◌ُلِّا مع متابعته لشريعة محمد نَّ باق على نبوّته. (وَأَصْحَابُهُ) قال القاضي: أي يرغبون إلى الله تعالى في إهلاكهم، وإنجائهم عن مكابدة بلائهم، ويتضرعون إليه، فيستجيب الله تعالى، فيهلكهم بالنغف، كما قال: (فَيُرْسِلُ اللهُ عَلَيْهُمُ)؛ أي: على يأجوج ومأجوج، (النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ) بفتح النون والغين المعجمة: هي دود يكون في أنوف الإبل والغنم، الواحدة نغفة، وهي وإن كانت محتقرة، فإتلافها شديد، ويقال للرجل الحقير: ما أنت إلا نغفة. (فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى) كهلکی وزناً ومعنى، وهو جمع فريس، كقتيل وقتلى، من فرس الذئب الشاة: إذا كسرها، وقتلها، ومنه فريسة الأسد. (كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) لكمال القدرة، وتعلق المشيئة، قال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّ كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، قال التوربشتيّ تَخْلُهُ: يريد أن القهر الإلهيّ الغالب على كل شيء يَفرسهم دفعة واحدة، فيصبحون قتلى، وقد نبّه بالكلمتين - أعني: النغف، وفرسى - على أنه وَلَ يهلكهم في أدنى ساعة، بأهون شيء، وهو النغف، فيفرسهم فرس السبع فريسته، بعد أن طارت نعرة البغي في رؤوسهم، فزعموا أنهم قاتِلوا من في السماء(١). (ثُمَّ يَهْبِطُ) بكسر الموحّدة، من باب ضرب؛ أي: ينزل من الطور (نَبِيُّ اللهِ عِيسَى) عَُّ (وَأَصْحَابُهُ) المؤمنون (إِلَى الأَرْضِ، فَلَا يَجِدُونَ فِي الأَرْضِ) أي: في وجهها جميعاً، وهذا هو وجه العدول عن الضمير إلى الظاهر، فاللام في الأولى للعهد، وفي الثانية للاستغراق، بدليل الاستثناء، وبه يتبيّن أن القاعدة المعروفة: أن المعرفة إذا أعيدت تكون عين الأُولى مبنية على الغالب، أو حيث لا قرينة صارفة(٢). قال الجامع عفا الله عنه: أشار بقوله: وبه يتبيّن إلخ إلى القاعدة التي ذكرها السيوطيّ تَخُْ في ((عقود الجمان))، حيث قال: ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَهْ إِذَا آتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَةْ (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٤٥٦/١١. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٣٨٨/٩. ٥٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِ لَنْ يَغْلِبَ الْيُسْرَيْنِ عُسْرٌ أَبَدَا شَاهِدُهَا الَّذِي رَوَيْنَا مُسْنَدَا وَقَالَ ذِي قَاعِدَةٌ مُسْتَشْكَلَهْ وَنَقَضَ السُّبْكِيُّ ذِي بِأَمْئِلَهْ قال الجامع: قد أجبت عن استشكال السبكي المذكور، فقلت: قُلْتُ وَلَا اسْتِشْكَالَ إِذْ ذِي تُحْمَلُ عَلَى الَّذِي يَغْلِبُ إِذْ تُسْتَعْمَلُ (مَوْضِعَ شِبْرٍ، إِلَّا مَلأَهُ زَهَمُهُمْ) بفتح الزاي والهاء، وقد تضم الزاي، وتفسيره قوله: (وَنَتْنُهُمْ) بسكون التاء، قال التوربشتيّ كَّهُ: الزهم بالتحريك مصدر قولك: زَهِمت يدي بالكسر، من الزهومة، فهي زَهِمة؛ أي: دَسِمة، وعليه أكثر الروايات فيما أعلم، وفيه من طريق المعنى وهنٌّ، وضم الزاي مع فتح الهاء أصح معنى، وهو جمع زُهمة؛ يعني: بضم الزاي وسكون الهاء، وهي الربح المنتنة . وفي ((القاموس)): الزُّهومة، والزُّهمة بضمها: ريح لحم سمينٍ منتن، والزُّهْم بالضم: الريح المنتنة، وبالتحريك: مصدر زَهِمت يدي، كفَرِح، فهي زهمة؛ أي: دسمة. انتهى. (فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللّهِ عِيسَى) عَّهُ (وَأَصْحَابُهُ) المؤمنون (إِلَى اللهِ) وَعَلَ أن يزيل عنهم تلك الزهمة، (فَيُرْسِلُ اللهُ طَيْراً) جمع طائر، وقد يقع على الواحد، والمراد هنا الأول، ولذا قال بعده: ((فتحملهم)). (كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ) بضم الموحّدة، وسكون الخاء المعجمة: نوع من الإبل؛ أي: طيراً أعناقها في الطول والكبر كأعناق البخت، (فَتَحْمِلُهُمْ)؛ أي: تحمل تلكِ الطير يأجوج ومأجوج؛ أي: جُثثهم (فَتَطْرَحُهُمْ)؛ أي: ترميهم (حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ) من البحار، أو مما وراء الديار المعمورة. (ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَراً)؛ أي: عظيماً (لَا يَكُنُّ) بفتح الياء، وضم الكاف، وتشديد النون، من كنتُ الشيءَ، من باب نصر؛ أي: سترته، أو بضمّ أوله وكسر ثانيه، من أكننت الشيء بهذا المعنى، والمفعول محذوف، والجملة صفة ((مطراً))؛ أي: لا يستر، ولا يصون شيئاً (مِنْهُ)؛ أي: من ذلك المطر، (بَيْتُ مَدَرٍ) بفتحتين: أي تراب وحجر، (وَلَا وَبَرِ) بفتحتين؛ أي: صوف، أو شعر، والمراد: تعميم بيوت أهل البدو، والحضر، ٥٨٩ (٢٠) - بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ، وَصِفَتِهِ، وَمَا مَعَهُ - حديث رقم (٧٣٤٣) قال النوويّ: أي لا يمنع من نزول الماء بيت المدر، وهو الطين الصلب، وقال القاضي: أي لا يحول بينه وبين مكان ما حائل، بل يعمّ الأماكن كلها . وقال القرطبيّ: أي لا يستر من ذلك المطر؛ لكثرته بيت مبنيّ بالطين، وبيت شعر، ولا وبر. (فَيَغْسِلُ) ذلك المطر (الأَرْضَ)؛ أي: وجهها كلها (حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ) بفتح الزاي واللام، وتُسكن، وبالفاء، وقيل: بالقاف، وهي المرآة، بكسر الميم، وقيل: ما يُتخذ لجمع الماء من المصنع، والمراد أن الماء يعم جميع الأرض، بحيث يرى الرائي وجهه فيه، قال النوويّ تَخْتُ: روي بفتح الزاي واللام، وبالفاء، وبالقاف، ورُوي بضم الزاي، وإسكان اللام، وبالفاء، وقال القاضي ◌َّهُ: رُوي بالفاء، والقاف، وبفتح اللام، وبإسكانها، وكلها صحيحة . قال: واختلفوا في معناها، فقال ثعلب، وأبو زيد، وآخرون: معناه كالمرآة، وحَكَى صاحب ((المشارق)) هذا عن ابن عباس أيضاً، شبّهها بالمرآة في صفائها، ونظافتها، وقيل: معناه كمصانع الماء؛ أي إن الماء يستنقع فيها حتى تصير الأرض كالمصنع الذي يجتمع فيه الماء، وقال أبو عبيدة: معناه الإجانة الخضراء، وقيل: كالصحفة، وقيل: كالروضة. انتهى(١). (ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرْضِ: أَنْبِي ثَمَرَتَكِ، وَرُدِّي) أي: إلى أهلك (بَرَكَتَكِ) أي: من سائر نِعمك، (فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ) بكسر العين؛ أي: الجماعة، (مِنَ الرُّمَّانَةِ)؛ أي: ويشبعون منها (وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا) بكسر القاف؛ أي: بقشرها، قال النوويّ كَّلُهُ: هو مقعر قشرها، شبّهها بقحف الآدميّ، وهو الذي فوق الدماغ، وقيل: هو ما انفلق من جمجمته، وانفصل، وقيل: أراد نصف قشرها الأعلى، وهو في الأصل: العظم المستدير فوق الدماغ، وهو أيضاً إناء من خشب على مثاله، كأنه نصف صاع، واستعير هنا لِمَا يلي رأسها من القشرة، (وَيُبَارَلُكُ) بصيغة المجهول: أي توضع البركة، والكثرة (فِي الرِّسْلِ) بكسر الراء، وسكون السين؛ أي: اللَّبَن، (حَتَّى أَنَّ اللَّقْحَةَ) بكسر اللام، وتُفتح؛ أي: الناقة (١) ((شرح النوويّ)) ٦٩/١٨. ٥٩٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة الحلوبة، قال النوويّ: اللقحة بكسر اللام، وفتحها لغتان مشهورتان، والكسر أشهر، وهي القريبة العهد بالولادة، وجمعها لِقَحُ، بكسر اللام، وفتح القاف، كبِرْكَةٍ وبِرَك، واللقوح ذات اللبن، وجمعها لقاح. انتهى. وقوله: (مِنَ الإِبِلِ) بيان للّقحة، (لَتَكْفِي)؛ أي: لبنها، (الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ) بهمز على زنة رجال، والعامة تبدل الهمز ياء: الجماعة من الناس، ولا واحد له من لفظه، والمراد به هنا: أكثر من القبيلة، كما أن القبيلة أكثر من الفخذ، وقال النوويّ: الفئام بكسر الفاء وبعدها همزة ممدودة: هي الجماعة الكثيرة، هذا هو المشهور المعروف في اللغة، ورواية الحديث، بكسر الفاء، وبالهمز، قال القاضي: ومنهم من لا يجيز الهمز، بل يقوله بالياء، وقال في ((المشارق)): وحكاه الخليل بفتح الفاء، قال: وذكره صاحب ((العين)) غير مهموز، وأدخله في حرف الياء، وحكى الخطابي أن بعضهم ذَكَره بفتح الفاء، وتشديد الياء، وهو غلط فاحش. انتهى(١). (وَاللَّقْحَةَ) بالنصب عطفاً على اسم ((إن))؛ أي: إن اللقحة (مِنَ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ) بالنصب أيضاً؛ لِمَا ذُكر. (مِنَ الْغَنَم لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ) قال النوويّ: قال أهل اللغة: الفخذ: الجماعة من الأقارب، وهم دون البطن، والبطن دون القبيلة، قال القاضي: قال ابن فارس: الفخذ هنا بإسكان الخاء، لا غير، فلا يقال: إلا بإسكانها، بخلاف الفخذ التي هي العضو، فإنها تکسر، وتسكن. انتهى. وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: الفخذ: دون القبيلة، وفوق البطن، قال الزبير بن بكار: العرب على ست طبقات: شعبٌ، وقبيلة، وعمارة، وبطن، وفخذ، وفصيلة، وما بينهما من الآباء، فإنَّها يعرفها أهلها، وسُمّيت بالشعوب؛ لأنَّ القبائل تتشعّب منها، وسمّيت القبائل بذلك؛ لأنَّ العمائر تقابلت عليها، فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطون تجمع الأفخاذ. قال ابن فارس: لا يقال في فخذ النسب إلا بسكون (١) ((شرح النوويّ)) ٦٩/١٨. ٥٩١ (٢٠) - بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ، وَصِفَتِهِ، وَمَا مَعَهُ - حديث رقم (٧٣٤٣) الخاء، بخلاف الجارحة، تلك يقال بكسر الخاء، وسكونها، وبكسر الفاء أيضاً. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد أوصل بعضهم أنساب العرب إلى عشرة أقسام، فنظمت ذلك بقولي: انْقَسَمَتْ عَشَرَةً فَاسْمَعْ تُفَدْ اعْلَمْ بِأَنَّ الْعُرْبَ فِي الأَنْسَابِ قَدْ عَمَارَةٌ بَطْنٌ فَفَخْذٌ يَا نَبِيلْ جِذْمٌ فَجُمْهُورٌ فَشَعْبٌ فَقَبِيلْ وَبَعْضُهُمْ خِلَافَ هَذَا قَدْ رَسَمْ عَشِيرَةٌ فَصِيلَةٌ رَهْطٌ خَتَمْ (فَبَيْنَمَا) ظرف متعلّق بـ(بعث))، و((ما)) عوض عن المضاف إليه، وقوله: (هُمْ) مبتدأ خبره قوله (كَذَلِكَ)؛ أي: يتنعّمون بما فتح الله عليهم من بركات الأرض، وقوله: (إِذْ) للمفاجأة؛ أي: بين أوقات يتنعمون في طيب عيش وسعة رزق فاجأهم أن (بَعَثَ اللهُ) رَتْ (رِيحاً طَيِّبَةً، فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ) بهمزة ممدودة: جمع إبط، (فَتَقْبِضُ) تلك الريح، أسند القبض إلى الريح مجازاً، (رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَكُلِّ مُسْلِم) قال النوويّ تَظُّهُ: هكذا هو في جميع نُسخ مسلم: ((وكلّ مسلم)) بالواو،ً يعني كان الظاهر أن يكون بأو التي للشك، فإنه لا فرق بين المؤمن والمسلم، فالمقصود المبالغة في التعميم، والتغاير باعتبار اختلاف الوصفين، كما في التنزيل: ﴿يَلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ وَقُرْءَانٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآية، أو بناء على الفرق اللغوي بينهما، من أن المراد بالمؤمن: المصدق، وبالمسلم: المنقاد، لكن لمّا كان أحدهما لا ينفع بدون الآخر، جُعل الموصوف بهما واحداً، وأُطلق عليه كل واحد من الوصفين بطريق التساوي، أو لكون أحدهما غالباً عليه في نفس الأمر. وقال الطيبيّ تَخْذُّهُ: المراد بالتكرار هنا: الاستيعاب؛ أي: تقبض روح خيار الناس كلهم. (وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ) بكسر الشين: جمع شرّ، (يَتَهَارَجُونَ)؛ أي: يختلطون (فِيهَا)؛ أي: في تلك الأزمنة، أو في تلك الأرض، (تَهَارُجَ الْحُمُرٍ)؛ (١) ((المفهم)) ٢٨٦/٧. ٥٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة أي: كاختلاطها، ويتسافدون، وقيل: يتخاصمون، فإن الأصل في الهرج: القتل، وسرعة عَدْو الفرس، وهَرِج في حديثه؛ أي: خلط، وقال النوويّ دَخَّتُهُ: أي يجامع الرجل النساء علانية بحضرة الناس، كما يفعل الحمير، ولا يكترثون لذلك، والهرج بإسكان الراء: الجماع، ويقال: هرج زوجته؛ أي: جامعها، يهرجها بفتح الراء، وضمها، وكسرها، (فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ))) أي: لا على غيرهم، وسيأتي عند مسلم حديث: ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس))، وقد تقدّم له في ((كتاب الإيمان)) حديث: ((لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله))، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث النوّاس بن سمعان ظُه هذا من أفراد المصنّف ◌َخَذَتْهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٤٣/٢٠ و٧٣٤٤] (٢٩٣٧)، و(أبو داود) في ((الملاحم)) (٤٣٢١)، و(الترمذيّ) في ((الفتن)) (٢٢٤٠)، و(ابن ماجه) في (الفتن)) (٤١٢٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٨١/٤)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٥٣٨/٤)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (٣٥٦/١)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٩٣٣/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٥٤/١٥)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (٢١٩/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان معجزة للنبيّ وَل حيث أخبر بما سيقع، وسيقع كما أخبر ◌َل . ٢ - (ومنها): بيان شدّة اهتمام النبيّ وَّل في ذكر الدجّال، وبيان ما يظهر على يديه مما يفتن به الناس. ٣ - (ومنها): بيان عناية الله ◌ُعَلَ وعظيم فضله على هذه الأمة حيث يدفع عنها سوء هذا اللعين، فيستطيع كل مسلم أن يدفع عنه فنتة الدجال بإبطال حججه، ودحض تمویهاته. ٥٩٣ (٢٠) - بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ، وَصِفَتِهِ، وَمَا مَعَهُ - حديث رقم (٧٣٤٤) ٤ - (ومنها): بيان بعض ما يظهر على يدي الدجّال من الشبهات، كأمره السماء أن تمطر، والأرض أن تنبت في يوم واحد، ويستغني أتباعه بذلك، حتى إن من كان منهم فقيراً في أول النهار يصير من الأثرياء آخر النهار. ٥ - (ومنها): أن في قوله وَله: ((فاقدروا قدره)) لعل فيه إشارة إلى تيسر التقدير على المسلمين في ذلك الوقت، بوجود آلات التقدير كالساعة الموجودة الآن، أو نحو ذلك، والله على كلّ شيء قدير. ٦ - (ومنها): التنويه بنزول عيسى ◌ُالَّله رحمة من الله لهذه الأمة حيث يقتل الدجال بباب لُدّ، فيريح المؤمنين، ويكتب الكافرين. ٧ - (ومنها): بيان خروج يأجوج ومأجوج، ﴿وَهُم مِّن كُلِّ حَدَدٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]. ٨ - (ومنها): بيان لُطف الله تعالى بالمؤمنين حيث يأمر عيسىلِلِّلُ بأن يحرزهم بالطور. ٩ - (ومنها): بيان آية الله تعالى في إهلاك يأجوج ومأجوج بإرسال النغف في رقابهم فيموتون موتة واحدة. ١٠ - (ومنها): بيان الريح الطيبة التي تأتي آخر الزمان، فتقبض روح كل مؤمن، ومؤمنة، وهذا من فضل الله تعالى على المؤمنين حتى لا يدركهم هول قيام الساعة، وهم أحياء. ١١ - (ومنها): بيان أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وهم الكفّار؛ إهانة لهم، وانتقاماً منهم، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٤٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم - قَالَ ابْنُ حُجْرٍ: دَخَلَ حَدِيثُ أَحَدِهِمَا فِي حَدِيثِ الآخَرِ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَنِّ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ مَا ذَكَرْنَا (١)، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ((لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ، ثُمَّ يَسِيرُونَ حَتَّى (١) وفي نسخة: ((نحو ما ذكرناه)). ٥٩٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة يَنْتَهُوا إِلَى جَبَلِ الْخَمَرِ، وَهُوَ جَبَلُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَيَقُولُونَ: لَقَدْ قَتَلْنَا مَنْ فِي الأَرْضِ، هَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ مَنْ فِي السَّمَاءِ، فَيَرْمُونَ بِنُشَّابِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَيَرُدُّ اللهُ عَلَيْهِمْ نُشَّابَهُمْ، مَخْضُوبَةً دَماً))، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حُجْرٍ: ((فَإِنِّي قَدْ أَنْزَلْتُ عِبَاداً لِي لَا يَدَيْ(١) لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ))). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ) المرزويّ، تقدّم قريباً. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ) الأزديّ أبو إسماعيل الدمشقيّ، ثقة [٨]. روى عن أبيه، وعمه يزيد، وإسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، ومحمد بن الحجاج الخولانيّ، وغيرهم. وروى عنه الوليد بن مسلم، ومروان بن محمد، وسليمان بن عبد الرحمن، ومحمد بن المبارك الصوريّ، وهشام بن عمار، وعلي بن حجر، وغيرهم. قال الحسين بن الحسن الرازي عن ابن معين: لا بأس به، وكذا قال النسائيّ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وكان أبوه أكبر منه بثلاث عشرة، أو أربع عشرة سنة. أخرج له المصنّف، وأبو داود في ((القدر))، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له عندهم إلا هذا الحديث. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (دَخَلَ حَدِيثُ أَحَدِهِمَا فِي حَدِيثِ الآخَرِ)؛ يعني: أن حديث عبد الله بن عبد الرحمن، وحديث الوليد بن مسلم تداخلا، فلم يتميّز حديث أحدهما من حديث الآخر، ومثل هذا لا يضرّ؛ لأن كليهما ثقتان، وقد تقدّم نظير هذا في حديث الزهريّ لقصّة الإفك، فلا تنس. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ إلخ) يعني عن يحيى بن جابر الطائيّ، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن النوّاس بن سمعان . عنْه . (١) وفي نسخة: ((لا يد)). ٥٩٥ (٢٠) - بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ، وَصِفَتِهِ، وَمَا مَعَهُ - حديث رقم (٧٣٤٤) وقوله: (وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ إلخ) فاعل ((زاد)) ضمير عليّ بن حجر. وقوله: (ثُمَّ يَسِيرُونَ)؛ أي: يأجوج ومأجوج، (حَتَّى يَنْتُهُوا)؛ أي: يصلوا (إِلَى جَبَلِ الْخَمَرِ) بخاء، معجمة، وميم مفتوحتين، وقد فسّره الراوي بقوله: (وَهُوَ جَبَّلُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) والخمر في الأصل: هو الشجر الملتفّ الذي يستر مَن فیه. (فَيَقُولُونَ: لَقَدْ قَتَلْنَا مَنْ فِي الأَرْضِ)؛ أي: كلّ من ظهر منهم، وقد سبق أن عيسىعَلَّ* قد حرّز المؤمنين في الطور، فلم يعلم به يأجوج ومأجوج. وقوله: (هَلُمَّ) بمعنى أقبلوا، قال الفيّوميّ تَُّهُ: هَلُمَّ كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء، كما يقال: تعال، قال الخليل: أصله لُمَّ، من الضم والجمع، ومنه: لمّ الله شعثه، وكأن المنادي أراد: لُمَّ نفسك إلينا، و((هَا)) للتّنبيه، وحُذفت الألف تخفيفاً لكثرة الاستعمال، وجُعلا اسماً واحداً، وقيل: أصلها : هَلْ أُمَّ؛ أي: قُصِد، فنُقلت حركة الهمزة إلى اللام، وسقطت، ثم جُعلا كلمة واحدة للدعاء، وأهل الحجاز ينادُون بها بلفظ واحد للمذكر، والمؤنث، والمفرد، والجمع، وعليه قوله تعالى: ﴿وَلْقَيِلِينَ ◌ِإِخْوَذِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]، وفي لغة نجد تَلْحَقها الضمائرُ، وتطابق، فيقال: هَلُمِّي، وهَلُمَّا، وهَلُمُّوا، وهَلْمُمْنَ؛ لأنهم يجعلونها فعلاً، فيلحقونها الضمائر، كما يلحقونها قُم، وقوما، وقوموا، وقمن، وقال أبو زيد: استعمالها بلفظ واحد للجميع من لغة عُقيل، وعليه قيس بعدُ، وإلحاق الضمائر من لغة بني تميم، وعليه أكثر العرب، وتستعمل لازمة، نحو: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنًا﴾: أي: أقبل، ومتعدية، نحو: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَ كُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠]؛ أي: أحضروهم. انتهى(١). وقوله: (فَلْنَقْتُلْ مَنْ فِي السَّمَاءِ)؛ أي: الملائكة. وقوله: (فَيَرْمُونَ بِنُشَّابِهِمْ) قال القاري: الباء زائدة، (إِلَى السَّمَاءِ)؛ أي: يرمي يأجوج ومأجوج بسهامهم نحو السماء. والنّشَّاب بضمّ النون، وتشديد الشين المعجمة، الواحدة نُشَّابَةٌ، وهي النبل، مشتق من نَشِبَ الشيءُ في الشيء، من باب تَعِبَ نُشُوباً: عَلِقٍ، فهو نَاشِبٌ. (١) ((المصباح المنير)) ٦٣٩/٢ - ٦٤٠. ٥٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة وقوله: (مَخْضُوبَةً دَماً)؛ أي: مصبوغة، و((دماً)) تمييز، وهذا مكر، واستدراج منه ◌َّلَ، مع احتمال إصابة سهامهم لبعض الطيور في السماء، فيكون فيه إشارة إلى إحاطة فسادهم بالسفليات والعلويات(١). وقوله: (لَا يَدَيْ لأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ)؛ أي: قال علي بن حجر: ((لا يدي)) بالتثنية بدل قول زهير: ((لا يدان))، و((يدي)) منصوب على أنه اسم ((لا)) التي لنفي الجنس، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه من المثنى الذي رَفْعه بالألف، ونصبه وجرّه بالياء، وهو مضاف لـ((أحد))، واللام زائدة، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية عليّ بن حجر هذه ساقها الترمذيّ ◌َُّ في ((جامعه)) بسند المصنّف، فقال: (٢٢٤٠) - حدّثنا عليّ بن حُجْر، أخبرنا الوليد بن مسلم، وعبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، دخل حديث أحدهما في حديث الآخر، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن يحيى بن جابر الطائيّ، عن عبد الرحمن بن جُبير عن أبيه جبير بن نُفير، عن النوّاس بن سَمعان الكلابيّ قال: ذكر رسول الله ﴿ الدجّال ذات غداة، فخفض فيه، ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل، قال: فانصرفنا من عند رسول الله وَّل، ثم رجعنا إليه، فعَرَف ذلك فينا، فقال: ((ما شأنكم؟)) قال: قلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال الغداة، فخفضت فيه، ورفعت، حتى ظنناه في طائفة النخل، قال: ((غير الدجال أخوف لي عليكم، إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج، ولست فيكم، فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه شابّ، قَطَظٌ، عينه طافئة، شبيه بعبد العزى بن قَطَن، فمن رآه منكم، فليقرأ فواتح سورة أصحاب الكهف - قال -: يخرج ما بين الشام والعراق، فعاث يميناً، وشمالاً، يا عباد الله اثبتوا))، قال: قلنا: يا رسول الله وما لَبْثه في الأرض؟ قال: ((أربعين يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم)). قال: قلنا: يا رسول الله أرأيت اليوم الذي كالسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: ((لا، ولكن اقدروا له)). قال: قلنا: يا رسول الله فما سرعته في الأرض؟ قال: (١) ((مرقاة المفاتيح)) ٢/١٦. ٥٩٧ (٢٠) - بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ، وَصِفَتِهِ، وَمَا مَعَهُ - حديث رقم (٧٣٤٤) ((كالغيث استدبرته الريح، فيأتي القوم، فَيَدْعُوهم، فيكذبونه، ويردّون عليه قوله، فينصرف عنهم، فتتبعه أموالهم، ويصبحون ليس بأيديهم شيء، ثم يأتي القوم، فيدعوهم، فيستجيبون له، ويصدقونه، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم، كأطول ما كانت ذُراً، وأمدّه خواصر، وأدرّه ضروعاً، قال: ثم يأتي الخربة، فيقول لها: أخرجي كنوزك، فينصرف منها، فيتبعه كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلاً شابّاً ممتلئاً شباباً، فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين، ثم يدعوه، فيُقبل يتهلل وجهه، يضحك، فبينما هو كذلك، إذ هبط عيسى ابن مريم؛ بشرقيّ دمشق، عند المنارة البيضاء، بين مهرودتين، واضعاً يديه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قَطَر، وإذا رفعه تحدّر منه جمان كاللؤلؤ، قال: ولا يجد ريح نَفَسه - يعني أحد - إلا مات، وريح نَفَسه منتهى بصره، قال: فيطلبه حتى يدركه بباب لُدّ، فيقتله، قال: فيلبث كذلك ما شاء الله، قال: ثم يوحي الله إليه أن حَرِّز عبادي إلى الطور، فإني قد أنزلت عباداً لي لا يَدَان لأحد بقتالهم، قال: ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم كما قال الله: ﴿مِّنِ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]، قال: فيمر أولهم ببحيرة الطبرية، فيشرب ما فيها، ثم يمر بها آخرهم، فيقول: لقد كان بهذه مرة ماء، ثم يسيرون، حتى ينتهوا إلى جبل بيت مقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هَلُمّ فلنقتل من في السماء، فيرمون بنُشّابهم إلى السماء، فيردّ الله عليهم نشّابهم مُحَمَّراً دماً، ويُحاصر عيسى ابن مريم وأصحابه، حتى يكون رأس الثور يومئذٍ خيراً لأحدهم من مائة دينار لأحدكم اليوم، قال: فيرغب عيسى ابن مريم إلى الله وأصحابه، قال: فيرسل الله إليهم النَّغَفَ في رقابهم، فيصبحون فرسى موتى كموت نَفْس واحدة، قال: ويهبط عيسى وأصحابه، فلا يجد موضع شبر إلا وقد ملأته زَهْمتهم، ونَتْنھم، ودماؤهم، قال: فيرغب عيسى إلى الله وأصحابه، قال: فيرسل الله عليهم طيراً كأعناق البخت، قال: فتحملهم، فتطرحهم بالْمَهْبَل(١)، ويستوقد المسلمون من قسيّهم، ونشّابهم، وجعابهم سبع سنين، قال: ويرسل الله عليهم مطراً، لا يُكِنّ (١) بفتح الميم، وسكون الهاء، وفتح الموحّدة: موضع، وقيل: مكان ببيت المقدس. ٥٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة منه بيت وبر، ولا مدر، قال: فيغسل الأرض، فيتركها كالزلَفَة، قال: ثم يقال للأرض: أخرجي ثمرتك، ورُدّي بركتك، فيومئذٍ تأكل العصابة من الرُّمّانة، ويستظلون بقِحْفها، ويُبارَك في الرِّسْل، حتى إن الفئام من الناس ليكتفون باللِّقحة من الإبل، وإن القبيلة ليكتفون باللقحة من البقر، وإن الفخذ ليكتفون باللقحة من الغنم، فبينما هم كذلك، إذ بعث الله ريحاً، فقبضت روح كل مؤمن، ويبقى سائر الناس يتهارجون، كما تتهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة)) . قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. انتهى (١). ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُثْبُ﴾ . (٢١) - (بَابُ تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ عَلَى الدَّجَّال، وَقَتْلِهِ الْمُؤْمِنَ، وَإِحْيَائِهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٤٥] (٢٩٣٨) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَالْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، وَالسِّيَاقُ لِعَبْدٍ - قَالَ: حَدَّثَنِي، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنٍ عُتْبَةَ، أَنَّ أَبَا سَعِيِّدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَّ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ نَِّ يَوْماً حَدِيثاً طَوِيلاً عَنِ الدَّجَّالِ، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا قَالَ: (يَأْتِي، وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ، فَيَنْتَهِي إِلَى بَعْضِ السَِّاخِ الَّتِي تَلِي الْمَدِينَةَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ، هُوَ خَيْرُ النَّاسِ - أَوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ - فَيَقُولُ لَهُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّلُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ حَدِيثَهُ، فَيَقُولُ الدَّجَالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا، ثُمَّ أَحْبَيْتُهُ، أَتَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، قَالَ: فَيَقْتُلُهُ، (١) ((جامع الترمذيّ)) ٥١١/٤ - ٥١٣. ٥٩٩ (٢١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ عَلَى الدَّجَّل، وَقَتْلِهِ الْمُؤْمِنَ، وَإِحْيَائِهِ - حديث رقم (٧٣٤٥) ثُمَّ يُحْبِيهِ، فَيَقُولُ حِينَ يُحْبِيهِ: وَاللهِ مَا كُنْتُ فِيكَ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الآنَ، قَالَ: فَيُرِيدُ الدَّجَّلُ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ)). قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يُقَالُ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ الْخَضِرُ عَلَهُ). رجال هذا الإسناد: تسعة: وكلهم تقدّموا غير مرّة. ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ. ٢ - (الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد، نزيل مكة. ٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ. ٤ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد. ٥ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدنيّ، نزيل بغداد. ٦ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم المدنيّ. ٧ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ. ٨ - (عُبَيْدُ اللهِ بَّنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود، أبو عبد الله المدنيّ. ٩ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنان الصحابيّ ابن الصحابيّ [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُباعيّات المصنّف، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، و((عبيد الله)) أحد الفقهاء السبعة، والصحابيّ من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ؛ أنه قال: (أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الفقيه المدنيّ، (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) سعد بن مالك ◌ًِّا، (قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ وَهِ يَوْماً حَدِيثاً طَوِيلاً عَنِ الدَّجَّالِ) قال في ((الفتح)): كذا ورد من هذا الوجه مبهماً، وقد ورد من غير هذا الوجه عن أبي سعيد رَّ ما لعله يؤخذ منه ما لم يُذْكَر، كما في رواية أبي نضرة، عن أبي سعيد: ((إنه يهوديّ، وإنه لا يولد له، وإنه لا يدخل المدينة، ولا مكة)). أخرجه ٦٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة مسلم، وفي رواية عطية، عن أبي سعيد، رفعه، في صفة عين الدجال، كما تقدم، وفيه: ((ومعه مثل الجنة والنار، وبين يديه رجلان، يُنذران أهل القرى، كلما خرجا من قرية دخل أوائله))، أخرجه أبو يعلى، والبزار، وهو عند أحمد بن منيع، مطولٌ، وسنده ضعيف، وفي رواية أبي الوداك، عن أبي سعيد، رفعه، في صفة عين الدجال أيضاً، وفيه: ((معه من كل لسان، ومعه صورة الجنة خضراء، يجري فيها الماء، وصورة النار سوداء، تُدَخِّن)). انتھی(١). (فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا) النبيّ ◌َِّ (قَالَ: ((يَأْتِي) ولفظ البخاريّ: ((يأتي الدجال))؛ أي: إلى ظاهر المدينة، (وَهُوَ) أي والحال أنه (مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ) بكسر النون: جمع نقب، وفي رواية البخاريّ: ((على أنقاب المدينة))، هو جمع نَقَب، بفتح النون، والقاف، بعدها موحدة، قال ابن وهب: المراد بها المداخل، وقيل: الأبواب، وأصل النقب: الطريق بين الجبلين، وقيل: الأنقاب: الطرق التي يسلكها الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَبُواْ فِ اَلْبِلَدِ﴾ [ق: ٣٦]. (فَيَنْتَهِي)؛ أي: يصل الدجّال (إِلَى بَعْضِ السِّبَاخِ) بكسر المهملة، وتخفيف الموحّدة: جمع سَبَخة، بفتحتين، وهي الأرض الرملة التي لا تُنبت؛ الملوحتها، وهذه الصفة خارج المدينة من غير جهة الحرّة (الَّتِي تَلِي الْمَدِينَةَ)؛ أي: من قِبَل الشام، (فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ، هُوَ خَيْرُ النَّاسِ - أَوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ -) ((أو)) للشكّ من الراوي، وفي رواية البخاريّ: ((فيخرج إليه يومئذٍ رجل هو خير الناس، أو من خيار الناس))، وفي رواية أبي الوداك عن أبي سعيد الآتية عند مسلم: ((فيتوجه قِبَله رجل من المؤمنين، فيلقاه مسالح الدجال، فيقولون: أوَ ما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربنا خفاء، فينطلقون به إلى الدجال بعد أن يريدوا قتله، فإذا رآه، قال: يا أيها الناس هذا الدجال الذي ذكره رسول الله (وَق))، وفي رواية عطية: ((فيدخل القرى كلها غير مكة والمدينة، حُرِّمتا عليه، والمؤمنون متفرقون في الأرض، فيجمعهم الله، فيقول رجل منهم: (١) ((الفتح)) ٥٩٢/١٦، ((كتاب الفتن)) رقم (٧١٣٢).