Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١
(١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣٢٧)
لم يأت من الآية التي أضمرها النبيّ وَ﴿ إلا بهذا اللفظ الناقص، على عادة
الكهان إذا ألقى الشيطان إليهم بقدر ما يخطف قبل أن يدركه الشهاب(١).
(فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((اخْسَأُ) بفتح السين، وسكون الهمزة: كلمة
زجر، واستهانة؛ أي: امكث صاغراً، أو ابعُد حقيراً، واسكت مزجوراً، من
الْخُسُوء، وهو زجر الكلب. (فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرََكَ)؛ أي: قدر مثلك من الكهان
الذين يحفظون من إلقاء شياطينهم ما يحفظونه مختلطاً صدقه بكذبه.
وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((لن تعدو قدرك))؛ أي: لن تُجاوز حالة
الكهّان المتخرّصين الكذابين، لا يليق بك إلا ذلك، وإنَّما اختبره النبيّ وَلِله
بذلك؛ لينظر هل طريقته طريقة الكهان، أو لا؟ فظهر أنه كذلك، وأن الشياطين
تلعب به، وتُلَبِّس عليه. انتهى(٢).
وقال القاري: ((فلن تعدو)) بضم الدال؛ أي: فلن تجاوز، ((قدرك))؛ أي:
القَدْر الذي يدركه الكهان، من الاهتداء إلى بعض الشيء، ذكره النوويّ. وقال
الطيبيّ تَخْتُهُ؛ أي: لا تتجاوز عن إظهار الخبيئات على هذا الوجه، كما هو
دأب الكهنة إلى دعوى النبوة، فتقول: أتشهد أني رسول الله؟(٣).
قال القاري: وحاصل الجملة، وزبدة المسألة: أنك وإن أخبرت عن
الخبيء، فلن تستطيع أن تجاوز عن الحد الذي حُدّ لك، يريد أن الكهانة لا
ترفع بصاحبها عن القَدْر الذي عليه هو، وإن أصاب في كهانته. انتهى(1).
(فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) وَظُبه، قال القاري: فيه التفات، أو تجريد،
ويمكن أن يكون ابن عمر مصاحباً لهم، ويدلّ عليه ما بعده: ((فقال: قال عمر:
يا رسول الله أتأذن لي فيه؟». انتهى(6) .
(ذَرْنِي)؛ أي: اتركني (يَا رَسُولَ اللهِ، أَضْرِبْ عُنُقَهُ)؛ أي: أقتله، (فَقَالَ
(١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٤١/١٦.
(٢) ((المفهم)) ٢٦٥/٧.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١١/ ٣٤٧٢.
(٤) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٤١/١٦.
(٥) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٤١/١٦.
٥٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
لَهُ)؛ أي: لعمر، (رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنْ يَكُنْهُ)؛ أي: الدجال، قال
القرطبيّ تَخْتُهُ: وقوله وَّ لعمر ◌َظُله: ((إن يكنه، فلن تسلّط عليه إلخ)) هذا يدلّ
على أن النبيّ وَل﴿ لم يتضح له شيء من أمر كونه هو الدجال أم لا، وليس هذا
نقصاً في حق النبيّ وَّ؛ لأنَّه لم يكن يعلم إلا ما أعلمه الله رَّك، وهذا مما لم
يُعلمه الله تعالى به، ولا هو مما تُرهِق إلى علمه حاجةٌ لا شرعية، ولا عاديّة،
ولا مصلحيّة، ولعل الله تعالى قد عَلِم في إخفائه مصلحة، فأخفاه، والذي
يجب الإيمان به أنه لا بدّ من خروج الدجال يدعي الإلهية، وأنه كذّاب أعور،
كما جاء في الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي قد حصلت لمن عاناها العلم
القطعيّ بذلك. انتهى(١).
ووقع في رواية للبخاريّ: ((إن يكن هو))، قال في ((الفتح)): قوله: ((إن
يكن هو)) كذا للأكثر، وللكشميهنيّ: ((إن يكن)) على وصل الضمير، واختار ابن
مالك جوازه، ثم الضمير لغير مذكور لفظاً، وقد وقع في حديث ابن مسعود،
عند أحمد: ((إن يكون هو الذي تخاف، فلن تستطيعه))، وفي مرسل عروة عند
الحارث بن أبي أسامة: ((إن يكن هو الدجالَ)). انتهى (٢).
وقال الطيبيّ: قال القاضي: قوله: ((إن يكن هو)) الضمير للدجال، ويدل
عليه ما روي أنه وَ لير قال: ((إن يكن هو فلست صاحبه، إنما صاحبه عيسى ابن
مريم، وإلا يكن هو فليس لك أن تقتل رجلاً من أهل العهد))، و((هو)) خبر
((كان))، واسمها مستكنّ فيها، وكان حقه: إن يَكُنْه، فوضع المرفوع المنفصل
موضع المنصوب المتصل، عكس قولهم: لولاه، ويَحْتَمِل أن يكون تأكيداً
للمستكنّ، والخبر محذوفاً على تقدير: إن يكن هو هذا، قال: ويجوز أن
يقدَّر: إن يكن هو الدجالَ، و((هو)) ضمير فصل، أو هو مبتدأ، والدجال خبره،
والجملة خبر ((كان)). انتهى (٣). قال القاري: وعلى الأخير يكون في ((يكن))
ضمير الشأن، كما لا يخفى. انتهى (٤).
(١) ((المفهم)) ٢٦٥/٧.
(٢) ((الفتح)) ٣٠٧/٧ - ٣٠٨.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١١/ ٣٤٧٢.
(٤) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٤١/١٦.
٥٢٣
(١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣٢٧)
(فَلَنْ تُسَلَّطَ) بالبناء للمفعول، (عَلَيْهِ) أي على قتله؛ يعني: أنك لا تقدر
على إهلاكه؛ لأن المقدَّر أن قاتله عيسى ظلَّلاً، وفي حديث جابر مظلته :
((فلست بصاحبه، إنما صاحبه عيسى ابن مريم)).
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ))) قال القرطبيّ: أي لأنه صبيّ حينئذٍ،
وقيل: لأنه كان لقومه عهد من النبيّ ◌َّ كما عاهد يهود المدينة، أو لأنه من حلفاء
بني النجار، كما تقدَّم. وهذا الضمير المتصل في ((يكنه)) هو خبرها وقد وُضع
موضع المنفصل، واسمها مستتر فيها، ونحوه قول أبي الأسود الدّؤليّ [من الطويل]:
رَأَيْتُ أَخَاهَا مُغْنِياً بِمَكَانِهَا
دَعَ الْخَمْرَ تَشْرَبْهَا الْغُوَاةُ فَإِنَّنِي
فَإِنْ لَا يَكُنْهَا أَوْ تَكُنْهُ فَإِنَّهُ أَخُوهَا غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلِبَانِهَا
أي: فإلّا يكن هو إياها، أو تكن هي إياه(١)، والله تعالى أعلم.
ثم ذكر القصّة الثانية بقوله:
(وَقَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) وهو موصول بالإسناد الأول، وليس معلّقاً،
ووقع في حديث جابر: ((ثم جاء النبيّ وَّر، ومعه أبو بكر، وعمر، ونفر من
المهاجرين والأنصار، وأنا معهم))، ولأحمد من حديث أبي الطفيل أنه حضر
ذلك أيضاً(٢).
(سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَر) ﴿يَا (يَقُولُ: انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ) بعد ما تقدّم
ذِكرِه من اجتماع النبيّ وَّه بابن صيّاد، ومناقشته له، وتبيّن كذبه. (رَسُولُ اللهِ وَتِه
وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبِ الأَنْصَارِيُّ) برفع ((أبيّ)) بالعطف على ما قبله، ويجوز على أنه
مفعول معه، (إِلَى النَّخْلِ) قال الفيّومِيّ كَُّهُ: النَّخْلُ اسم جمع، الواحدة نَخْلَةٌ،
وكل جَمْع بينه وبين واحده الهاء، قال ابن السكِّيت: فأهل الحجاز يؤنثون
أكثره، فيقولون: هي التمر، وهي البرّ، وهي النخل، وهي البقر، وأهل نجد
وتميم يذكِّرون، فيقولون: نَخْلٌ كريم، وكريمة، وكرائم، وفي التنزيل: ﴿نَخْلِ
مُنْفَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، و﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، وأما النَّخِيلُ بالياء فمؤنّثة، قال
أبو حاتم: لا اختلاف في ذلك. انتهى (٣).
(١) ((المفهم)) ٢٦٥/٧ - ٢٦٦.
(٣) ((المصباح المنير)) ٥٩٦/٢ - ٥٩٧.
(٢) ((الفتح)) ٣٠٧/٧ - ٣٠٨.
٥٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
(الَّتِي فِيهَا)؛ أي: فيما بينها، أو في بستانها (ابْنُ صَيَّدٍ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ النَّخْلَ، طَفِقَ) بكسر الفاء: أي شرع، وأخذ رسول الله وَيهوى
(يَتَّقِي)؛ أي: يستتر (بِجُذُوعِ النَّخْلِ) جمع جَذْعٍ، بكسر، فسكون، وهو ساق
النخلة، والمعنى: أنه وَ* يتخبأ، ويستر نفسه عنّ ابن صياد؛ ليأخذه على غِرّة،
وغفلة، فإن تلك الحالة أدلّ على بطلان الرهبان.
(وَهُوَ)؛ أي: النبيّ ◌َّ (يَخْتِلُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، وضمّه، يقال:
ختله يَختله، من بابي ضرب، ونصر: خدعه، والذئب الصيد: تخفّى له، قاله
المجد رَّتُهُ(١)، والجملة حاليّة.
وقال النوويّ تَخُّْ: قوله: ((وهو يختل))؛ أي: يخدع ابن صياد،
ويستغفله؛ ليسمع شيئاً من كلامه حتى يعلم هو والصحابة حاله في أنه كاهن،
أم ساحر، ونحوهما، وفيه كَشْف أحوال مَن تُخاف مفسدته، وفيه كشف الإمام
الأمور المهمة بنفسه. انتهى (٢).
وقوله: (أَنْ يَسْمَعَ) مفعول ((يختل))، (مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئاً قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ابْنُ
صَيَّادٍ)؛ أي: يعلم بحضور النبيّ وََّ، (فَرَآهُ)؛ أي: رأى ابنَ صيّاد
(رَسُولُ اللهِ وَِّ، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ) جملة حاليّة من المفعول، (عَلَى فِرَاشِ، فِي
قَطِيفَةٍ)؛ أي: دِثار مُحَمَّل، وقيل: لِحَاف صغير، (لَهُ) أي لابن صيّاد، (فِيهَا)
أي في تلك القطيفة (زَمْزَمَةٌ) قال النوويّ تَظْلُهُ: قد وقعت هذه اللفظة في معظم
نُسخ مسلم: ((زمزمة)) بزاءين معجمتين، وفي بعضها براءين مهملتين، ووقع في
البخاريّ بالوجهين، ونقل القاضي عن جمهور رواة مسلم أنه بالمعجمتين، وأنه
في بعضها: ((رمزة) بِراء أوّلاً، وزاي آخراً، وحَذْف الميم الثانية، وهو صوت
خفيّ لا يكاد يُفهم، أو لا يُفهم. انتهى (٣).
(فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللهِ وَّهِ، وَهُوَ يَتَّقِي) جملة حاليّة، (بِجُذُوع
النَّخْلِ، فَقَالَتْ لِاِبْنِ صَيَّادٍ: يَا صَافٍ) بصاد مهملة، وفاء، وزان باغ، قاله في
((الفتح))؛ أي: فهو منقوص، وقال القاري: صاف بالضم، وفي نسخة بالكسر،
(١) ((القاموس المحيط)) ص٣٤٩.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٨/ ٥٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٥٤/١٨ - ٥٥.
٥٢٥
(١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣٢٧)
على أن أصله صافي، فحذف الياء، واكتفي بالكسرة، ويؤيد الأول ظاهر قوله:
(وهو اسمه))، ويمكن أن يكون الاسم بمعنى الوصف، فإنه قد يستعمل بالمعنى
الأعمّ، من نحو اللقب، والعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: صاف بالضمّ، لا أظنّ هذا يصحّ روايةً،
ولا دراية، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وفي حديث جابر: ((فقالت: يا عبد الله هذا أبو القاسم قد جاء))، وكأن
الراوي عَبّر باسمه الذي تسمّى به في الإسلام، وأما اسمه الأول فهو صاف(٢).
(وَهُوَ)؛ أي: صافٍ، (اسْمُ ابْنِ صَيَّادٍ)، وقوله: (هَذَا مُحَمَّدٌ) وَلّ تمام
مقول ((قالت))، والمعنى: أن هذا الذي وراءك محمد وَله، قد جاءك لاستماع
سرّك، فتنبه له. (فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ)؛ أي: نهض من مضجعه، وقام، (فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ)))؛ أي: أظهر لنا من حاله ما نطلع به على
حقيقته، والضمير لأم ابن صياد؛ أي: لو لم تُعلمه بمجيئنا، لتمادى على ما
كان فيه، فسمعنا ما نستكشف به أمره، قال الحافظ: وغفل بعض الشراح،
فجعل الضمير لـ((الزمزمة))؛ أي: لو لم يتكلم بها لفهمنا كلامه، لكن عدم فهمنا
لِمَا يقول كونه يُهمهم، كذا قال، والأول هو المعتمد(٣).
ثم ذكر القصّة الثالثة، فقال:
(قَالَ سَالِمٌ)؛ أي: ابن عبد الله، وهو أيضاً موصول بالسند الماضي،
وليس معلّقاً. (قَالَ عَبْدُ اللهِ ابْنُ عُمَرَ) ﴿َه (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي النَّاسِ، فَأَثْنَى
عَلَى الهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ) وفي نسخة: ((بما هو أهلٌ)). (ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ، فَقَّالَ) في
ذكره الدجّال: (((إِنِّي لأَنَّذِرُكُمُوهُ)؛ أي: لأحذّركم أن تغترّوا به، وبما يظهر
على يديه من خوارق العادات؛ ابتلاء من الله تعالى لعباده. (مَا) نافية، (مِنْ)
زائدة (نَبِيِّ) من الأنبياء قبلي (إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ) من الافتتان به، (لَقَدْ أَنْذَرَهُ
نُوحٌ) عَّا (قَوْمَهُ) وفي حديث أبي عبيدة بن الجراح، عند أبي داود، والترمذيّ،
(١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٤١/١٦.
(٢) ((الفتح)) ٣٠٧/٧ - ٣٠٨.
(٣) ((الفتح)) ٣٠٧/٧ - ٣٠٨.
٥٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
وحسّنه: ((لم يكن نبيّ بعد نوح إلا وقد أنذر قومه الدجال))، وعند أحمد: ((لقد
أنذره نوح أمته، والنبيون من بعده))، أخرجه من وجه آخر، عن ابن عمر.
وقد استُشكل إنذار نوح قومه بالدجال، مع أن الأحاديث قد ثبتت أنه
يخرج بعد أمور ذُكرت، وأن عيسى يقتله بعد أن ينزل من السماء، فيحكمَ
بالشريعة المحمدية .
والجواب: أنه كان وقتُ خروجه أُخفي على نوح؛ ومن بعده، فكأنهم
أُنذروا به، ولم يُذكر لهم وقت خروجه، فحذروا قومهم من فتنته.
ويؤيده قوله وَّيه في بعض طرقه: ((إن يخرج، وأنا فيكم، فأنا حجيجه))،
فإنه محمول على أن ذلك كان قبل أن يتبين له وقت خروجه، وعلاماته، فكان
يُجَوِّز أن يخرج في حياته وَّةِ، ثم بُيِّن له بعد ذلك حاله، ووقت خروجه،
فأخبر به، فبذلك تجتمع الأخبار.
وقال ابن العربيّ: إنذار الأنبياء لقلا قومهم بأمر الدجال تحذير من
الفتن، وطمأنينة لها حتى لا يزعزعها عن حسن الاعتقاد، وكذلك تقريب
النبيّ وَّ له زيادةٌ في التحذير، وأشار مع ذلك إلى أنهم إذا كانوا على الإيمان
ثابتين، دَفَعوا الشُّبَهَ باليقين(١).
(وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ) وفي رواية للبخاريّ: (ولكني سأقول لكم))، (فِيهِ قَوْلاً
لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ) قيل: إن السرّ في اختصاص النبيّ وَّ بالتنبيه المذكور، مع
أنه أوضح الأدلة في تكذيب الدجال، أن الدجال إنما يخرج في أمته، دون
غيرها، ممن تقدم من الأمم، ودل الخبر على أن عِلم كونه يختص خروجه
بهذه الأمة كان طُوِيَ عن غير هذه الأمة، كما ◌ُوِي عن الجميع عِلم وقت قيام
الساعة.
(تَعَلَّمُوا) قال النوويّ كَُّهُ: اتَّفَق الرواة على ضبط ((تَعَلَّمُوا)) بفتح العين،
واللام المشدّدة، وكذا نقله القاضي وغيره عنهم، قالوا: ومعناه: اعلموا،
وتحققوا، يقال: تَعَلَّم - بفتحات مشدد اللام - بمعنى: اعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: ((تعلّم)) هذه هي التيّ تُعدّ مع أفعال القلوب التي
(١) ((الفتح)) ١٦/ ٥٨٢، (كتاب الفتن)) رقم (٧١٢٧).
٥٢٧
(١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣٢٧)
المبتدأ والخبر على أنهما مفعولان لها، وهي التي في قول ابن مالك في
((الخلاصة)) :
أَيْضاً بِهَا انْصِبْ مُبْتَداً وَخَبَرَا
وَهَبْ تَعَلَّمْ وَالَّتِي كَصَيَّرَا
ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
فَبَالِغْ بِلُظْفِ فِي التَّحَيُّلِ وَالْمَكْرِ
تَعَلَّمْ شِفَاءَ النَّفْسِ قَهْرَ عَدُوِّهَا
(أَنَّهُ)؛ أي: الدجّال، (أَعْوَرُ) وفي رواية: ((أعور العين اليمنى))، (وَأَنَّ اللهَ)
بفتح الهمزة؛ لكونه معطوفًاً على ((أنه))، (تَبَارََ وَتَعَالَى لَيْسَ بِأَعْوَرَ))) إنما اقتصر
النبيّ وَّه على هذه الصفة مع أن أدلة الحدوث في الدجال ظاهرة؛ لكون العَوَر
أثراً محسوساً، يُدركه العالم والعاميّ، ومن لا يهتدي إلى الأدلة العقلية، فإذا
ادعى الربوبية، وهو ناقص الخلقة، والإله يتعالى عن النقص، عَلِم أنه كاذب.
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ، وهو موصول أيضاً بالسند السابق، وليس
معلّقاً، (وَأَخْبَرَنِي عُمَّرُ بْنُ ثَابِتِ الأَنْصَارِيُّ) الخزرجيّ المدنيّ، ثقة [٣] أخطأ
من عدّه في الصحابة (م ٤) تقدّم في ((الصيام)) ٢٧٥٨/٤١. (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بَعْضُ
أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَّه) فيه أن جهالة الصحابة ظَّ لا تضرّ بصحّة الحديث؛ إذ
كلّهم عدول، كما سبق غير مرّة. (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ يَوْمَ حَذَّرَ النَّاسَ
الدَّجَّالَ: ((إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ) زاد في الرواية الآتية: ((ثم تهجاها،
فقال: ك ف ر))، (يَقْرَؤُهُ مَنْ كَرِهَ عَمَلَهُ)؛ أي: من أنكر عمل الدجّال، وردّ عليه
باطله، (أَوْ) للشك من الراوي؛ أي: أو قال: (يَقْرَؤُهُ كُلَّ مُؤْمِنٍ))) وفي الرواية
الآتية: ((يقرأه كل مسلم))، وفي رواية: ((يقرأه كل مؤمن، كاتبٍ، وغير كاتب))،
وهذا إخبار بالحقيقة؛ لأن الإدراك في البصر يخلقه الله تعالى للعبد كيف شاء،
ومتى شاء، فهذا يراه المؤمن ببصره، ولو كان لا يعرف الكتابة، ولا يراه
الكافر، ولو كان يعرف الكتابة، إن هذا من أعاجيب صنع الله ◌ُعَله؛ إظهاراً
لدحض حجج هذا الطاغية، فلا يضلّ به إلا من كتب الله عليه الشقاء المؤبد.
وقال النوويّ تَّتُهُ: الصحيح الذى عليه المحققون أن هذه الكتابة على
ظاهرها، وأنها كتابة حقيقة، جعلها الله آيةً، وعلامة من جملة العلامات القاطعة
بكفره، وكذبه، وإبطاله، ويظهرها الله تعالى لكل مسلم، كاتب، وغير كاتب،
ويُخفيها عمن أراد شقاوته، وفتنته، ولا امتناع في ذلك، وذكر القاضي فيه خلافاً .
٥٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
منهم من قال: هي كتابة حقيقة، كما ذكرنا، ومنهم من قال: هي مجاز،
وإشارة إلى سمات الحدوث عليه، واحتج بقوله: ((يقرأه كل مؤمن كاتب، وغير
كاتب))، قال: وهذا مذهب ضعيف. انتهى كلام النوويّ ◌َّتُهُ(١)، وهو كلام
نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَقَالَ) عطف على قوله: ((قال يوم حذّر الناس))، أي قال ◌َالنّ:
(تَعَلَّمُوا)؛ أي: اعلموا، وفي نسخة: ((تعلمون))، وهو خبر بمعنى الأمر؛ أي:
اعلموا (أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ رَتْ حَتَّى يَمُوتَ))) وعند ابن ماجه نحو هذه
الزيادة من حديث أبي أمامة ظه، وعند البزار من حديث عبادة بن
الصامت ربه، وفيه تنبيه على أن دعواه الربوبية كَذِبٌ؛ لأن رؤية الله تعالى
مقيدة بالموت، والدجال يدعي أنه الله، ويراه الناس مع ذلك، والله تعالى
أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر
هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٢٧/١٩ و٧٣٢٨ و٧٣٢٩] (٢٩٣٠ و٢٩٣١)،
و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٣٥٤ و١٣٥٥) و((الأنبياء)) (٣٣٣٧) و((الشهادات))
(٢٦٣٨) و((الجهاد)) (٣٠٥٥ و٣٠٥٦ و٣٠٥٧) و((الأدب)) (٦١٧٣ و٦١٧٤
و٦١٧٥) و((القدر)) (٦٦١٧) و((الفتن)) (٧١٢٧) و((الأدب المفرد)» (٩٥٨)، و(أبو
داود) في ((الملاحم)) (٤٣٢٩)، و(الترمذيّ) في ((الفتن)) (٢٢٣٥)، و(عبد الرزّاق)
في ((مصنّفه)) (٢٠٨١٧ و٢٠٨١٩ و٢٠٨٢٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٤٨/٢
و١٤٩)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٧٨٥)، و(ابن منده) في ((الإيمان))
(١٠٤٠ و١٠٤١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤٢٥٥ و٤٢٧٠)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) ((شرح النوويّ)) ٦٠/١٨.
٥٢٩
(١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣٢٧)
١ - (منها): بيان شدّة اهتمام النبيّ وَّر في استكشاف أمر ابن صيّاد؛ لئلا
تغترّ أمته بتلبيساته، وتمويهاته، فتضلّ عن سواء السبيل، قال العلماء: إنما
استكشف النبيّ وَل﴿ أمره؛ ليبيّن لأصحابه تمويهه؛ لئلا يلتبس حاله على ضعيف
لم يتمكن في الإسلام.
ومحصل ما أجاب به النبيّ وَلي أنه قال له على طريق الفرض والتنزل: إن
كنت صادقاً في دعواك الرسالة، ولم يختلط عليك الأمر آمنت بك، وإن كنت
كاذباً، وخُلِّط عليك الأمر، فلا، وقد ظهر كذبك، والتباس الأمر عليك، فلا
تعدو قَدْرك.
٢ - (ومنها): اهتمام الإمام بالأمور التي يُخشى منها الفساد، والتنقيب
عليها، وإظهار كذب المدعي الباطل، وامتحانه بما يكشف حاله، والتجسس
على أهل الريب.
٣ - (ومنها): بيان أن النبيّ وَّر كان يجتهد فيما لم يوح إليه فيه.
٤ - (ومنها): الرد على من يدعي الرجعة إلى الدنيا؛ لقوله وقلقه
لعمر رُله: ((إن يكن هو الذي تخاف منه، فلن تستطيعه))؛ لأنه لو جاز أن
الميت يرجع إلى الدنيا لَمَا كان بين قتل عمر له حينئذٍ، وكون عيسى ابن مريم
هو الذي يقتله بعد ذلك منافاةٌ، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قيل، ولكنه محلّ نظر؛ فإن الرجوع إلى
الدنيا واقع، فقد كان عيسى علِّ يُحيي الموتى، وأحيى الله رَكْ عزيراً، ويأتي
في قصّة الدجال أنه يقتل رجلاً، ثم يحييه، إلى غير ذلك من الأمثلة، فتنبّه،
ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أن فيه الردَّ على من يزعم أنه يرى الله تعالى في اليقظة،
تعالى الله عن ذلك، ولا يَرِد على ذلك رؤية النبيّ وَّ له ليلة الإسراء؛ لأن
ذلك من خصائصه وَّر، فأعطاه الله تعالى في الدنيا القوة التي يُنعم بها على
المؤمنين في الآخرة.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر في ((الفتح)) رؤية النبيّ وَ لاو ربه في
الدنيا، وقد قدّمنا اختلاف العلماء في هذا، في ((كتاب الإيمان))، وأن الصواب
في ذلك عدم رؤيته ولي له؛ للأدلّة الكثيرة الصحيحة، وبه قال جماهير
٥٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن ، وأشراط الساعة
الصحابة ظه، وقد ذكرت الأدلة مفصّلة، فراجع ذلك هناك، والله تعالى
الهادي إلى سواء السبيل.
٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخْلُهُ عند قوله: ((وما من نبيّ إلا وقد أنذره
قومه إلخ)) قال: إنما كان هذا من الأنبياء لَّلا لِمَا علموا من عظيم فتنته، وشدة
محنته، ولأنهم لمّا لم يُعيَّن لواحد منهم زمان خروجه، توقّع كل واحد منهم
خروجه في زمان أمته، فبالغ في التحذير، وفائدة هذا الإنذار الإيمان بوجوده،
والعزم على معاداته، ومخالفته، وإظهار تكذيبه، وصِدق الالتجاء إلى الله تعالى
في التعوّذ من فتنته، وهذا مذهب أهل السُّنَّة، وعامّة أهل الفقه والحديث،
خلافاً لمن أنكر أمره، وأبطله من الخوارج، وبعض المعتزلة، وخلافاً للجبائيّ
من المعتزلة، ومن وافقنا على إثباته من الجهمية وغيرهم، لكن زعموا أن ما
عنده مخارق، وحِيَل، قال: لأنها لو كانت أموراً صحيحة لكان ذلك إلباساً
للكاذب بالصادق، وحينئذٍ لا يكون فرق بين النبيّ والمتنبىء، وهذا هذيان، لا
يُلتفت إليه، فإنَّ هذا إنما كان يلزم لو أن الدجال يدعي النبوة، وليس كذلك،
فإنه إنما ادَّعَى الإلهية، وكَذِبُهُ في هذه الدعوى واضح للعقول؛ إذ أدلة حدوثه
ونقصه، وفقره مُدرَك بأول الفطرة، بحيث لا يجهله من له أدنى فكرة، وقد زاد
النبيّ ◌َّ هذا المعنى إيضاحاً في هذا الحديث من ثلاثة أوجه:
[أحدها]: بقوله: ((ولكن أقول لكم فيه قولاً لم يقله نبيّ لقومه، إنه
أعور، وإن الله ليس بأعور))، وهذا تنبيه للعقول القاصرة، أو الغافلة، على أن
من كان ناقصاً في ذاته، عاجزاً عن إزالة نقصه، لم يصلح لأن يكون إلهاً؛
لعجزه وضعفه، ومن كان عاجزاً عن إزالة نقصه كان أعجز عن نفع غيره، وعن
مضرّته.
[وثانيها]: قوله: ((إنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير
كاتب))، وهذا أمر مشاهد للحسّ يشهد بكذبه، وكفره.
[وثالثها]: قوله: ((تَعَلَّموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت»، وهذا
نصّ جليّ في أن الله تعالى لا يُرى في هذه الدار، وهو موافق لقوله تعالى:
﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ آلْأَبْصَرْ﴾ [الأنعام: ١٠٣]؛ أي: في الدنيا،
ولقوله تعالى لموسى ظلَّا: ﴿لَنْ تَرَِ﴾ الآية [الأعراف: ١٤٣]؛ أي: في الدنيا .
٥٣١
(١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣٢٧)
ولقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١].
وحاصل هذا أن الصادق قد أخبر أن الله تعالى لا يراه أحد في الدنيا،
والدجال يراه الناس، فليس بإله، وهذا منه ◌َله نزول إلى غاية البيان، بحيث
لا يبقى معه ريبة الإنسان، وقد تقدَّم الخلاف في رؤية نبيّنا محمد بنَّ ربه في
(كتاب الإيمان))، وقد قلنا: إنه لم يثبت في الباب قاطعٌ يُعتمد عليه، والأصل
التمسّك بما دلت هذه الأدلة عليه.
وقد تأوّل بعض الناس قوله {وَلجر: ((مكتوب بين عينيه كافر))، وقال: معنى
ذلك ما ثبت من سمات حَدَثِه، وشواهد عجزه، وظهور نقصه، قال: ولو كان
على ظاهره وحقيقته لاستوى في إدراك ذلك المؤمن والكافر، وهذا عدولٌ،
وتحريف لحقيقة الحديث من غير موجب لذلك، وما ذكره من لزوم المساواة
بين المؤمن والكافر في قراءة ذلك لا يلزم لوجهين: أحدهما: أن الله تعالى
يمنع الكافر من إدراكه، لا سيما وذلك الزمان قد انحرفت فيه عوائد، فليكن
هذا منها، وقد نَصّ على هذا في بعض طرقه، فقال: ((يقرؤه كل مؤمن كاتب
وغير كاتب))، وقراءة غير الكاتب خارقة للعادة.
وثانيهما: أن المؤمن إنما يدركه لتثبّته، ويقظته، ولسوء ظنه بالدجّال،
وتخوّفه من فتنته، فهو في كل حال يستعيد النظر في أمره، ويستزيد بصيرة في
كذبه، فينظر في تفاصيل أحواله، فيقرأ سطور كفره، وضلاله، ويتبيّن عين محاله،
وأما الكافر فمصروف عن ذلك كله بغفلته وجهله، وكما انصرف عن إدراك
نقص عوره، وشواهد عجزه، كذلك يُصرف عن فهم قراءة سطور كفره، ورمزه.
وأما الفرق بين النبيّ والمتنبىء: فالمعجزة لا تظهر على يدي المتنبىء؛
لأنَّه يلزم منه انقلاب دليل الصدق دليل الكذب، وهو محال، وللبحث فيها
مجال في علم الكلام.
وأما من قال: إن ما يأتي به الدجال حِيَلٌ ومخارق فهو معزول عن
الحقائق؛ لأنَّ ما أخبر به النبيّ وَله من تلك الأمور حقائق، لا يُحيل العقل
شيئاً منها، فوجب إبقاؤها على حقائقها. انتهى كلام القرطبيّ تَظّتُهُ(١) وهو
بحثٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ١٠٧/٢٣.
٥٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٢٨] (٢٩٣٠) (١) - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ
حُمَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: انْطَلَّقَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ، وَمَعَهُ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، حَتَّى وَجَدَ ابْنَ
صَيَّادٍ غُلَاماً، قَدْ نَاهَزَ الْخُلُمَ، يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، عِنْدَ أُطُم بَنِي مُعَاوِيَةَ، وَسَاقَ
الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ، إِلَى مُنْتَهَى حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ، وَفِي الْحَدِيثِ
عَنْ يَعْقُوبَ قَالَ: قَالَ أَبِي - يَعْنِي فِي قَوْلِهِ -: لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ، قَالَ: لَوْ تَرَكَتْهُ أُمُّهُ
بَيَّنَ أَمْرَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ) نزيل مكة، تقدّم قريباً.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) المدنيّ، نزيل بغداد، تقدّم أيضاً
قريباً .
٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ
تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.
وقوله: (قَدْ نَاهَزَ الْحُلُمَ)؛ أي: قارب البلوغ، والجملة صفة ((غلاماً)).
وقوله: (يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ) صفة بعد صفة، أو حال.
وقوله: (عِنْدَ أَطُم بَنِي مُعَاوِيَةً) هكذا في هذه الرواية، وتقدّم أن
المشهور: ((عند أطم بني مغالة))، فتنبّه.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ إلخ) فاعل ((ساق)) ضمير صالح.
وقوله: (إِلَى مُنْتَهَى حَدِيثٍ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ)؛ يعني: أن حديث صالح مثل
حديث يونس ينتهي بانتهاء حديث عمر بن ثابت الأنصاريّ، وهو نهاية الحديث
(١) مكرّر.
٥٣٣
(١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣٢٨)
كله، والغرض منه أن صالحاً لم يُنقص من الحديث شيئاً، بل ساقه بتمامه،
والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ يَعْقُوبَ) بن إبراهيم (قَالَ) أي يعقوب (قَالَ
أَبِي) بإضافة لفظ ((أَبٍ)) إلى ياء المتكلّم؛ أي: قال أبي إبراهيم بن سعد إلخ،
وهذا هو الصواب، فما وقع في النسخ المطبوعة بضبط القلم: ((قال أُبيّ)) بضم
الهمزة، وتشديد الياء، فغلط صريح، وقع بسببه بعض الشرّاح في الخطأ(١)،
فقال: أُبيّ بن كعب، وهذا مما لا معنى له هنا، فالصواب أن يعقوب يحدّث
عن أبيه إبراهيم بن سعد أنه فسّر قوله وَّ: (لو تركته بيّن)) - معناه: لو تركته
أمه، ولم تنبّهه بحضور النبيّ ◌َّهــ، لبيّن أمره من الكهانة، وغيرها.
[تنبيه]: رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب هذه لم أجد من ساقها
بتمامها، كما قال المصنّف، وإنما ساقها ابن منده تَُّ في ((الإيمان)) إلى قوله:
(بین))، فقال:
(١٠٤٠) - أخبرنا أحمد بن محمد بن زياد، ثنا عباس بن محمد
الدُّوريّ، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن
ابن شهاب، أخبرني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر قال: انطلق
رسول الله ◌َو ومعه رهط من أصحابه، فيهم عمر بن الخطاب، حتى وجد ابن
صائد غلاماً، قد ناهز الحلم، يلعب مع الصبيان، عند أَطُم بني معاوية، فلم
يشعر به ابن صائد، حتى ضرب رسول الله وَلّ ظهره، فقال: ((أتشهد أني
رسول الله؟)) فقال ابن صياد: أشهد أنك رسول الأميين، أتشهد أني رسول
الله؟ فرفضه رسول الله وَله، وقال: ((آمنت بالله، ورسله))، ثم قال له
رسول الله وَ﴾: ((ماذا ترى؟))، قال: يأتيني صادق، وكاذب، فقال
رسول الله ص : (خلط عليك الأمر))، فقال له رسول الله وَ له: ((إني قد خبأت
لك خبيئاً))، فقال ابن صياد: هو الدخّ، فقال رسول الله وَله: ((اخسأ، فلن
تعدو قدرك))، فقال عمر: ائذن لي فيه، فأضرب عنقه، فقال رسول الله وَاليه :
((إن يك فلن تسلَّط عليه، وإن لم يكن إياه، فلا خير في قتله)).
(١) راجع: ((شرح الهرري)) ٢٢٧/٢٦.
٥٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
وقال سالم: قال عبد الله بن عمر: إنه قال: انطلق رسول الله وَّ قِبَل
ابن صياد، وحُدِّث أنه في نخل، فلما دخل رسول الله وَّ النخل طَفِق
رسول الله وَي يتقي بجذوع النخل، وابن صياد في قطيفة له، فيها زمزمة، قال:
فرأت أم ابن صياد رسول الله وَلير، فقالت: أي صاف هذا محمد، فوثب ابن
صياد، فقال رسول الله وَلير: ((لو تركته بَيّن)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٢٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، جَمِيعاً عَنْ
عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ لَّهِ مَرَّ بِابْنِ صَيَّدٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ عَّمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ
يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، عِنْدَ أُطُمٍ بَنِي مَغَالَةَ، وَهُوَ غُلَامٌ، بِمَعْنَى حَدِيثٍ يُونُسَ،
وَصَالِحِ، غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ بْنَ حُمَيْدٍ لَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي انْطِلَاقِ النَّبِّ ◌َ
مَعَ أَبَِّّ بْنِ كَعْبٍ إِلَى النَّخْلِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعِيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار
[١١] مات سنة بضع وأربعين ومائتين (م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٠.
والباقون تقدّموا قريباً.
وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثٍ يُونُسَ، وَصَالِحٍ) يعني أن حديث معمر عن الزهريّ
بمعنی حدیثهما عنه.
[تنبيه]: رواية معمر عن الزهريّ ساقها البخاريّ ◌َّلُ في ((صحیحه))،
فقال :
(٢٨٩٠) - حدّثنا عبد الله بن محمد، حدّثنا هشام، أخبرنا معمر، عن
الزهريّ، أخبرني سالم بن عبد الله، عن ابن عمر ◌ًا أنه أخبره أن عمر انطلق
في رهط من أصحاب النبيّ وَّهِ مع النبيّ ◌َّ قِبَل ابن صياد حتى وجدوه يلعب
مع الغلمان، عند أطم بني مَغَالة، وقد قارب يومئذٍ ابن صياد يحتلم، فلم
(١) ((الإيمان لابن منده)) ٢ /٩٤٤ - ٩٤٥.
٥٣٥
(١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣٢٩)
يشعر، حتى ضرب النبيّ وَّ ظهره بيده، ثم قال النبيّ وَّ: ((أتشهد أني
رسول الله ◌َّله؟)) فنظر إليه ابن صياد، فقال: أشهد أنك رسول الأميين، فقال
ابن صياد للنبيّ وَّله: أتشهد أني رسول الله؟ قال له النبيّ وَله: ((آمنت بالله
ورسله))، قال النبيّ وَّ: ((ماذا ترى؟)) قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب،
قال النبيّ وَّه: ((خلط عليك الأمر))، قال النبيّ وَّه: ((إني قد خبأت لك
خبيئاً))، قال ابن صياد: هو الدخّ، قال النبيّ وَّه: ((اخسأ، فلن تعدو قدرك)).
قال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه، أضرب عنقه، قال النبيّ ◌َّ: ((إن يكنه
فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله)).
قال ابن عمر: انطلق النبيّ وَل﴿ وأبي بن كعب، يأتيان النخل الذي فيه
ابن صياد، حتى إذا دخل النخل، طفق النبيّ وَ﴿ يتقي بجذوع النخل، وهو
يَخْتِل ابن صياد أن يسمع من ابن صياد شيئاً، قبل أن يراه، وابن صياد
مضطجع على فراشه، في قطيفة له، فيها رمزة، فرأت أم ابن صياد النبيّ وَّةِ،
وهو يتقي بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: أي صاف، وهو اسمه، فثار ابن
صياد، فقال النبيّ ◌َّ: (لو تركته بَيَّنَ)). انتهى(١).
وأما رواية عبد بن حميد التي أشار إليها المصنّف، فقد ساقها
الترمذيّ تَخْتُ في ((جامعه))، فقال:
(٢٢٤٩) - حدّثنا عبد بن حميد، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن
الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، أن رسول الله وَل﴿ مَرّ بابن صياد، في نفر
من أصحابه، فيهم عمر بن الخطاب، وهو يلعب مع الغلمان، عند أُظُم بني
مَغَالة، وهو غلام، فلم يشعر، حتى ضرب رسول الله وَّر ظهره بيده، ثم قال:
((أتشهد أني رسول الله؟))، فنظر إليه ابن صياد، قال: أشهد أنك رسول الأميين،
ثم قال ابن صياد للنبيّ ◌َّه: أتشهد أنت أني رسول الله؟ فقال النبيّ وَّ: ((آمنت
بالله وبرسله))، ثم قال النبيّ وَّير: ((ما يأتيك؟))، قال ابن صياد: يأتيني صادق،
وكاذب، فقال النبيّ وَله: ((خُلِّط عليك الأمر))، ثم قال رسول الله وَّ: ((إني
خبأت لك خبيئاً))، وخبّأ له: ﴿يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]
(١) ((صحيح البخاريّ)) ١١١٢/٣.
٥٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
فقال ابن صياد: هو الدخٌ، فقال رسول الله وَليه: ((اخسأ، فلن تعدو قدرك)).
قال عمر: يا رسول الله ائذن لي، فأضرب عنقه، فقال رسول الله وَلايقول: ((إن يك
حقّاً فلن تسلط عليه، وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله)).
قال عبد الرزاق: يعني الدجال، قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ
صحیحٌ. انتهى(١) .
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٣٠] (٢٩٣٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا
هِشَامٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: لَقِيَ ابْنُ عُمَرَ ابْنَ صَائِدٍ فِي بَعْضٍ طُرُقٍ
الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ قَوْلاً أَغْضَبَّهُ، فَانْتَفَخَ، حَتَّى مَلأَ السِّكَّةَ، فَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى
حَفْصَةَ، وَقَدْ بَلَغَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ، مَا أَرَدْتَ مِنِ ابْنِ صَائِدٍ؟ أَمَا عَلِمْتَ
أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ: ((إِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ غَضْبَةٍ يَغْضَبُهَا))؟).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (هِشَامُ) بن حَسّان الأزديّ الْقُردوسيّ - بالقاف، وضم الدال ــ أبو
عبد الله البصريّ، ثقةٌ، من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن
الحسن، وعطاء مقال؛ لأنه قيل: كان يرسل عنهما [٦] (ت٧ أو ١٤٨) (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
والباقون كلهم تقدّموا قريباً، و((أيوب)) هو: السختيانيّ.
شرح الحديث:
(ابْنَ صَائِدٍ فِي
(عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر؛ أنه (قَالَ: لَقِيَ ابْنُ عُمَرَ) ﴿ّا
بَعْضٍ طُرُقِ الْمَّدِينَةِ) النبويّة، (فَقَالَ لَهُ قَوْلاً أَغْضَبَهُ) ذلك القول، (فَانْتَفَخَ) ابن
صائد (حَتَّى مَلأَ السَِّّةَ) بكسر السين: الطريق، وجمعها سِكَكٌّ، قال أبو عبيد:
أصل السكة: الطريق المصطفة من النخل، قال: وسميت الأَزِقّة سِكَكاً؛
الاصطفاف الدور فيها. انتهى(٢). (فَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى) أخته وشقيقته (حَفْصَةَ)
بنت عمر بن الخطّاب ﴿، (وَ) الحال أنه (قَدْ بَلَغَهَا) ما فعله ابن عمر بابن
(١) ((جامع الترمذيّ)) ٥١٩/٤.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٨/ ٥٧.
٥٣٧
(١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣٣١)
صائد حتى أغضبه، (فَقَالَتْ لَهُ) حفصة: (رَحِمَكَ اللهُ) جملة دعائيّة دالّة على
جواز مثلها للأحياء، وإن كان العُرف الآن على خلاف ذلك، قاله القاري(١).
(مَا) استفهامية؛ أي: أيّ شيءٍ (أَرَدْتَ مِنِ ابْنِ صَائِدٍ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَيه
قَالَ: ((إِنَّمَا يَخْرُجُ)؛ أي: الدجّال الموعود به آخر الزمان، (مِنْ غَضْبَةٍ)؛ أي:
لأجل غضبة، يتحلل بها سلاسله، (يَغْضَبُهَا))) قال الطيبيّ: قيل: يغضبها في
محل جرّ صفة لـ((غضبة))، والضمير للغضبة، وهو في محل نصب على المصدر؛
أي: إنه يغضب غضبة، فيخرج بسبب غضبه، والقصد الإشعار بشدة غضبه،
حيث أوقع خروجه على الغضبة، وهي المرة من الغضب، ويَحْتَمِل جَعْله مفعولاً
مطلقاً على رأي من يُجَوِّز كونه ضميراً. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حفصة ﴿ّ هذا من أفراد المصنّف رَُّهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٣٠/١٩ و٧٣٣١] (٢٩٣٢)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٢٨٣/٦ و٢٨٤)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (١٩٨/٤ و١٩٩)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٧٩٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٣٦/٢٣
و٣٧٣) و((مسند الشاميين)) (٢٢٥/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٨٥/١٢)،
و(الدانيّ) في (السنن الواردة في الفتن)) (١١٩٢/٦)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٣١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ - يَعْنِي ابْنَ
حَسَنِ بْنِ يَسَارٍ - حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعِ، قَالَ: كَانَ نَافِعٌ يَقُولُ : ابْنُ صَيَّادٍ،
قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَقِيتُهُ مَرَّتَيْنٍ، قَالَ: فَلَقِّتُهُ، فَقُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: هَلْ تَحَدَّثُونَ أَنَّهُ
هُوَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، قَالَ: قُلْتُ: كَذَبْتَنِي وَاللهِ لَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُكُمْ، أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ
حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَكُمْ مَالاً وَوَلَداً، فَكَذَلِكَ هُوَ، زَعَمُوا الْيَوْمَ. قَالَ: فَتَحَدَّثْنَا، ثُمَّ
فَارَقْتُهُ، قَالَ: فَلَقِيتُهُ لَقْيَةً أُخْرَى، وَقَدْ نَفَرَتْ عَيْنُهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَتَى فَعَلَتْ عَيْنُكَ
(١) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٣٠/٩.
(٢) ((فيض القدير)) ٨/٣.
٥٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج- كتاب الفتن، وأشراط الساعة
مَا أَرَى؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، قَالَ: قُلْتُ: لَا تَدْرِي وَهِيَ فِي رَأْسِكَ؟ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ
خَلَقَهَا فِي عَصَاَ هَذِهِ، قَالَ: فَنَخَرَ كَأَشَدِّ نَخِيرٍ حِمَارٍ سَمِعْتُ، قَالَ: فَزَعَمَ بَعْضُ
أَصْحَابِي أَنّي ضَرَبْتُهُ بِعَصاً، كَانَتْ مَعِي، حَتَّى تَكَسَّرَتْ، وَأَمَّا أَنَا فَوَ اللهِ مَا
شَعَرْتُ (١)، قَالَ: وَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَحَدَّثَهَا، فَقَالَتْ: مَا تُرِيدُ
إِلَيْهِ؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ قَالَ: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا يَبْعَثُهُ عَلَى النَّاسِ غَضَبٌ يَغْضَبُهُ؟»).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (حُسَيْنُ بْنُ حَسَنِ بْنِ يَسَارٍ) بتحتانية، ومهملة، ويقال: إنه من
آل مالك بن يسار، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٨) (خ م س) تقدم
في ((الحج)) ٣٢٠١/٦٢.
والباقون تقدّموا قريباً، و(ابن عون)) هو: عبد الله.
شرح الحديث:
(عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر؛ أنه (قَالَ) ابن عون: (كَانَ نَافِعٌ يَقُولُ: ابْنُ
صَيَّادٍ) بالرفع مَّدأ خبره جملة قوله: (قَالَ) هذا مؤكد لـ((يقول))، ففاعله ضمير
نافع؛ أي: قال نافع، وقوله: (قَالَ ابْنُ عُمَرَ) ◌ِ﴿ُّ مقول ((قال))، وقوله: (لَقِيتُهُ
مَرَّتَيْنٍ) مقول ((قال ابن عمر))؛ أي: لقيت ابن صائد مرتين، وقوله: (قَالَ:
فَلَقِيتُهُ) تفصيل للمرة الأولى، (فَقُلْتُ لِبَعْضِهِمْ) وفي رواية أحمد: ((فأما مرّة
فلقيته، ومعه بعض أصحابه، فقلت لبعضهم ... )).
قال القرطبيّ تَخْثُهُ: قوله: ((فقلت لبعضهم إلخ)) يعني لبعض من كان معه،
والذي قال: لا والله هو ذلك البعض الذي خاطبه، وله قال ابن عمر: كذبتني،
ألا ترى أنه خاطبه بقوله: لقد أخبرني بعضكم، ولا يُتخيّل أن الخطاب لابن
صياد؛ لأنَّه لم يتكلم معه في هذه اللَّقيا، وإنما تكلم معه في اللُّقية الأخرى.
(٢)
انتھی
(هَلْ تَحَدَّثُونَ) أصله: تتحدّثون، فحُذفت منه إحدى التاءين تخفيفاً، وقد
(١) وفي نسخة: ((وأنا والله فما شعرت)).
(٢) ((المفهم)) ٧/ ٢٧٠.
٥٣٩
(١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣٣١)
أسلفته غير مرّة. (أَنَّهُ) أي ابن صائد (هُوَ) أي رسول. (قَالَ) ذلك البعض
المسؤول: (لَا وَاللهِ)؛ أي: لا نتحدّث به، ولا نقوله، ولا نعتقده. (قَالَ) ابن
عمر: (قُلْتُ) له: (كَذَبْتَنِي)؛ أي: أخبرتني بالكذب، حيث قلت: لا والله،
(وَاللهِ لَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُكُمْ) يعني بعض أصحاب ابن صيّاد، (أَنَّهُ) أي ابن صيّاد
(لَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَكُمْ) أي أكثر أصحابه (مَالاً وَوَلَداً، فَكَذَلِكَ هُوَ) أي
ابن صيّاد (زَعَمُوا الْيَوْمَ) في اليوم الحاضر أنه أكثر أصحابه مالاً وولداً، فقوله:
((زعموا اليوم إلخ)) فيه تقديم وتأخير؛ أي: فزعموا أنه كذلك اليوم؛ أي: فزعم
أصحابه أن ابن صيّاد كان كذلك، أي كان اليوم أكثر أصحابه مالاً وولداً،
ولعلّ مراده: أن مثل هذا القول الجازم لا يقال إلا بالوحي، فقولكم هذا يدلّ
على أنكم تزعمون فيه أنه يوحى إليه، قاله صاحب ((التكملة))(١).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((لن يموت حتى يكون أكثركم مالاً وولداً))
مثل هذا الخبر لا يُتوصل إليه إلا بالنقل، ولم يكن عندهم شيء يعتمدونه إلا
الخبر عن رسول الله وَلير، فهو مرفوع بالمعنى، لا باللفظ، فكأنه قال: أخبرني
بعضكم عن النبيّ وَل﴾(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: التوجيه الذي ذكره صاحب ((التكملة)) قبلُ أشبه
بسياق الحديث، فتأمله، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) ابن عمر: (فَتَحَدَّثْنَا) أي مع ذلك البعض، (ثُمَّ فَارَقْتُهُ) أي ابن
صيّاد. (قَالَ) ابن عمر (فَلَقِيتُهُ) أي ابن صيّاد، (لَقْيَةً أُخْرَى) قال القاضي عياض
في ((المشارق)): رويناه: لُقْية بضم اللام، قال ثعلب وغيره: يقولونه بفتحها،
قال النوويّ: والمعروف في اللغة والرواية ببلادنا الفتح. انتهى (٣).
وقال القرطبيّ: ((لُقية)) كذا وقع لأكثرهم بالضمّ، والصواب فتح اللام؛
لأَنَّه مصدر، ولم يحكه ثعلب إلا بالضمّ(٤).
وقوله: (وَقَدْ نَفَرَتْ عَيْنُهُ) قال النوويّ: بفتح النون، والفاء؛ أي: وَرِمت،
(١) (تكملة فتح الملهم)) ٣٥٧/٦ - ٣٥٨.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٨ / ٥٧.
(٢) ((المفهم)) ٧/ ٢٧٠ - ٢٧١.
(٤) ((المفهم)) ٧/ ٢٧٠ - ٢٧١.
٥٤٠
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
ونتأت، وذكر القاضي أنه رُوي على أوجه أُخَر، والظاهر أنها تصحيف.
انتهى(١) .
وقال القرطبيّ: ((نفرت)) بالنون، والفاء المفتوحتين، رواية جماعة
الشيوخ؛ أي: وَرِمت، وفي أصل القاضي التميميّ: ((نقرت)) و((فقئت)) معاً،
فقلت: ((فُقئت)) في الموضعين، وكتب على الأول بخطه: ((نقرت)) - بالنون،
والقاف .. ورواه أبو عبد الله المازريّ: ((نفرت)) بالفاء، وكلّها متقاربة،
وأشبهها الأُولى، فإنَّ عينه في ذلك الوقت لم تكن مفقوءة؛ إذ لو كان ذلك
لكان من أعظم الأدلة على أنه الدجّال، ولاستدل بذلك من قال: إنه هو على
من خالفه في ذلك، ولم يَرِد ذلك، غير أنه قد حكى أبو الفرج ابن الجوزيّ أنه
وُلد وهو أعور، مختون، مسرور، وهذا فيه نظر؛ لأنَّ الظاهر من هذا الحديث
أشهر مما ذَكَرَ .
ويَحْتَمِل أن يكون ذلك الورم مبتدأ فقء عينه، إن كان هو الدجال، والله
أعلم. وكون ابن عمر لم يشعر بضربه لابن صيّاد بالعصا حتى تكسّرت، كان
ذلك لشدة موجدته عليه، وكأنه تحقق منه أنه الدجّال. انتهى(٢).
(قَالَ) ابن عمر: (فَقُلْتُ) لابن صيّاد: (مَتَى فَعَلَتْ عَيْنُكَ مَا أَرَى؟) من
الورم، والنتوء؛ أي: متى ورمت، ونفرت؟ (قَالَ) ابن صيّاد: (لَا أَدْرِي) متى
صار لها هذا؟ (قَالَ) ابن عمر: (قُلْتُ) له: (لَا تَدْرِي وَهِيَ فِي رَأْسِكَ؟) الكلام
بتقدير همزة الاستفهام الإنكاريّ؛ أي: ألا تدري، ولا تعلم متى حصل لها
هذا، وهي في رأسك؟ (قَالَ) ابن صيّاد: (إِنْ شَاءَ اللَّهُ خَلَقَهَا)؛ أي: العلة
الموجودة في عيني، أو العين المعيبة، (فِي عَصَاَكَ هَذِهِ) قال القاري: أي خلق
هذه العلة، أو هذه العين المعيبة في عصاك التي في يدك، وأنت لا تدري،
وهي أقرب شيء إليك. انتهى(٣) .
ونقل الطيبيّ عن القاضي البيضاويّ أنه قال: قول ابن صيّاد: ((إن شاء الله
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨/ ٥٧.
(٣) ((مرقاة المفاتح)) ٤٣٠/٩.
(٢) ((المفهم)) ٧/ ٢٧١.