Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
(١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣٢٤)
إما نصب على المصدر، والمعنى: تَبّ تَبّاً، أو بإضمار فعل؛ أي: ألزمك الله
هلاكاً وخسراناً، وقوله: ((سائر اليوم))؛ أي: في باقي الأوقات، أو في جميع
الأيام، قال التوربشتيّ تَخْتُ: من ذهب في ((سائر)) إلى البقية، فإنه غير مصيب؛
لأن الحرف من السير، لا من السور، وفي أمثالهم في اليأس من الحاجة:
أسائر اليوم، وقد زال الظهر، قال الطيبيّ تَخُّْهُ: وفيه نظر؛ لأنه قال صاحب
(النهاية)): السائر مهموز الباقي، والناس يستعملونه في معنى الجميع، وليس
بصحيح، وقد تكررت هذه اللفظة في الحديث، وكلها بمعنى باقي الشيء،
ويدل على تصحيح ما في ((النهاية)) ما في ((أساس البلاغة))، فإنه أورده في باب
السين مع الهمزة، قائلاً: سأر الشارب في الإناء. انتهى(١).
وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((تبّاً لك سائر اليوم))؛ أي: خسراناً، وهلاكاً
لك في باقي اليوم، وهو منصوب بفعل مضمر، متروك الإظهار. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: ((تبّاً لك سائر اليوم))؛ أي: خساراً لك دائماً؛ لأن
اليوم هنا يراد به الزمان، و((تبّاً)) منصوب بفعل مضمر، لا يُستعمل إظهاره؛
أي: لقيت تباً؛ أي: تباباً، أو صادفت، أو لقّاه الله تباباً. انتهى(٣).
والحديث من أفراد المصنّف تَّتُهُ، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله
الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٢٤] (٢٩٢٨) - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِي ابْنَ
مُفَضَّلٍ - عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾ لاِبْنِ
صَائِدٍ: ((مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟))، قَالَ: دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ، مِسْك يَا أَبَا الْقَاسِمِ، قَالَ: ((صَدَقْتَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، و((أبو مسلمة)) هو: سعيد بن يزيد
القصير البصريّ، و((أبو نضرة)) هو: المنذر بن مالك.
(١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٣١٨/١٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٨/ ٥٢.
(٣) ((المفهم)) ٧/ ٢٧٠.

٥٠٢
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ ◌َظُبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ لِاِبْنِ صَائِدٍ)
هو ابن صيّاد: ((مَا) استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء (تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟)))؛ أي: ترابها،
قَالَ: (دَرْمَكَةٌ) خبر لمحذوف؛ أي: هي درمكة، وقوله: (بَيْضَاءُ) صفة
الـ((درمكة))، وقوله: (مِسْك) خبر بعد خبر، (يَا أَبَا الْقَاسِم) قال النوويّ: قال
العلماء: معناه: أنها في البياض دَرْمكة، وفي الطيب: مسَك، والدَّرْمك بوزن
جعفر: هو الدقيق الْحُوَّارَى الخالص البياض، وذكر مسلم الروايتين في أن
النبيّ وَ ﴿ سأل ابن صياد عن تربة الجنة، أو ابن صياد سأل النبيّ وَّ، قال
القاضي: قال بعض أهل النظر: الرواية الثانية أظهر. انتهى(١).
وقال القاري تَخْتُ: قوله: ((درمكة))، في ((القاموس)): الدَّرْمَك كجعفر:
دقيق الْحُوَّارَى، والتراب الناعم، وقوله: ((بيضاء)) صفة مؤكدة، وفي ((النهاية)):
الدرمكة: الدقيق الْحُوَّارَى، شبّه تربة الجنة بها؛ لبياضها، ونعومتها، وبالمسك
لطيبها. انتهى، ويقال: دقيقٌ حُوَّارَى، بضم الحاء، وتشديد الواو، وفتح الراء:
هو ما حُوِّر؛ أي: بُيِّض من الطعام. انتهى(٢).
(قَالَ) وَلِ: ((صَدَقْتَ))) تصديق منه نَّ لابن صياد حيث أخبر بالواقع،
ولعله سمع مما في التوراة؛ لأنه يهوديّ، ثم إن الرواية التالية عكست القصّة،
فجعلت السائل هو ابن صيّاد، والمسؤول هو النبيّ وَلّ، وهذا هو المناسب،
كما استظهره بعضهم؛ لأنه أليق بجنابه وَّة، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ظ ◌ُله هذا من أفراد
المصنّف تَخْذَلُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٢٤/١٩ و٧٣٢٥] (٢٩٢٨)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٤/٣ و٢٤ و٢٥ و٤٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٨/٧)،
(١) ((شرح النوويّ)) ٥٢/١٨.
(٢) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٥٠/١٦.

٥٠٣
(١٩) - بابُ ذِكْرِ ابْنِ صَیَّادٍ - حديث رقم (٧٣٢٥ - ٧٣٢٦)
و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٢٢/٢)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٨٧٦)،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٢٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ
الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ ابْنَ صَيَّدٍ، سَأَلَ النَّبِيَّ ◌َّهِ عَنْ تُرْبَةِ
الْجَنَّةِ، فَقَالَ: ((دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ مِسْكُ خَالِصٌ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
وكلهم ذُكروا في الباب، وقبله، والحديث من أفراد المصنّف، وقد سبق
شرحه، وبيان مسألتيه قبله.
وقوله: (مسك) خبر ثان، و(خالص) صفة له.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٢٦] (٢٩٢٩) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ
عَبْدِ اللهِ، يَحْلِفُ بِاللهِ، أَنَّ ابْنَ صَائِدٍ الدَّجَّالُ، فَقُلْتُ: أَتَحْلِفُ بِاللهِ؟ قَالَ: إِنِّي
سَمِعْتُ عُمَرَ، يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ، عِنْدَ النَّبِّ نَّهِ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَِّيُّ ◌ََّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الزهريّ المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً .
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ) بن عبد الله بن الْهُدير بالتصغير التيميّ المدنيّ،
ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤.
والباقيان ذُكرا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سداسيّات المصنّف ◌َظُّهُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين،
والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وقال في ((الفتح)): رواية سعد

٥٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
عن ابن المنكدر من رواية الأقران لأنه من طبقته(١)، وفيه جابر بن عبد الله
أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً.
[فائدة]: قال الحافظ تَُّ: أخرج مسلم حديث الباب عن عبيد الله بن
معاذ بلا واسطة، وهو أحد الأحاديث التي نزل فيها البخاريّ عن مسلم،
أخرجها مسلم عن شيخ، وأخرجها البخاريّ بواسطة بينه وبين ذلك الشيخ،
وهي أربعة أحاديث، ليس في الصحيح غيرها بطريق التصريح، وفيه عدّة
أحاديث نحو الأربعين، مما يتنزل منزلة ذلك، قال: وقد أفردتها في جزء،
جمعت ما وقع للبخاريّ من ذلك، فكان أضعاف أضعاف ما وقع لمسلم،
وذلك أن مسلماً في هذه الأربعة باق على الرواية عن الطبقة الأولى، أو الثانية
من شيوخه، وأما البخاريّ، فإنه نزل فيها عن طبقته العالية بدرجتين.
مثال ذلك من هذا الحديث: أن البخاريّ إذا روى حديث شعبة عالياً كان
بينه وبينه راو واحد، وقد أدخل بينه وبين شعبة فيه ثلاثة، وأما مسلم فلا يروي
حديث شعبة بأقل من واسطتين.
والحديث الثاني من الأربعة مضى في تفسير ((سورة الأنفال))، أخرجه عن
أحمد، وعن محمد بن النضر النيسابوريينّ، عن عبيد الله بن معاذ أيضاً، عن
أبيه، عن شعبة بسند آخر، وأخرجه مسلم عن عبيد الله بن معاذ نفسه.
والحديث الثالث: أخرجه في آخر ((المغازي)) عن أحمد بن الحسن
الترمذيّ، عن أحمد بن حنبل، عن معتمر بن سليمان، عن كهمس بن الحسن،
عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، في عدد الغزوات، وأخرجه مسلم عن أحمد بن
حنبل، بهذا السند، بلا واسطة.
والحديث الرابع: وقع في ((كتاب كفارة الأيمان)) عن محمد بن
عبد الرحيم، وهو الحافظ المعروف بصاعقة، عن داود بن رشيد، عن الوليد بن
مسلم، عن أبي غسّان محمد بن مطرِّف، عن زيد بن أسلم، عن علي بن
الحسين بن علي بن سعيد بن مُرجانة، عن أبي هريرة رَُّّه في فضل العتق.
وأخرجه مسلم عن داود بن رُشيد نفسه، وهذا مما نزل فيه البخاريّ عن طبقته
(١) ((الفتح)) ٢٥١/١٧.

٥٠٥
(١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣٢٦)
درجتين؛ لأنه يروي حديث ابن غسّان بواسطة واحدة، كسعيد بن أبي مريم،
وهنا بينهما ثلاث وسائط، وقد أشرت لكل حديث من هذه الأربعة في
موضعه، وجمعتها هنا تتميماً للفائدة. انتهى كلام الحافظ تَظُّهُ(١)، وهو بحثٌ
نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ) التابعيّ الكبير، روى عنه الثوريّ، ومالك،
وغيرهما، وهو ممن جمع بين العلم، والزهد، والعبادة؛ أنه (قَالَ: رَأَيْتُ
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَحْلِفُ)؛ أي: شاهدته حين حلف (بِاللَّهِ أَنَّ) بفتح الهمزة
على تقدير الجارّ؛ أي: على أن إلخ، (ابْنَ صَائِدٍ) بوزن ظالم، وفي رواية عند
البخاريّ: ((إن ابن الصيّاد))، قال في ((الفتح)): كذا لأبي ذرّ بصيغة المبالغة،
ووقع عند ابن بطال مثله، لكن بغير ألف ولام، وقوله: (الدَّجَّالُ) خبر ((إن))،
قال ابن المنكدر: (فَقُلْتُ) لجابر: (أَتَحْلِفُ بِاللهِ) على أن ابنٍ صائد هو
الدجّال؟؛ أي: أتحلف مع أنه أمر مظنون، غير مجزوم به؟ (قَالَ) جابر نَظُه
مبيّناً متمسّكه: (إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌َّهِ (يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ)؛ أي:
على كون ابن صائد هو الدجّال، (عِنْدَ النَّبِيِّ نَّهِ)؛ أي: فسمعه (فَلَمْ يُنْكِرْهُ)؛
أي: خَلِفه على ذلك، (النَّبِيُّ ونَ﴿)، فثبت لديّ بذلك أنه هو، قال في
((العمدة)): وإنما حلف عمر رَظُه بالظنّ، ولعله سمعه من النبيّ وَّ، أو فهمه
بالعلامات والقرائن.
[فإن قلت]: جاء في خبره أن عمر نظ به قال لرسول الله وَلَ: دَعْني
أضرب عنقه، فقال: ((إن يكن هو فلن تسلَّط عليه، وإن لم يكن فلا خير لك
في قتله))، فهذا يدلّ على شكه فيه، وترك القطع عليه أنه الدجال.
[قلت]: يمكن أن يكون هذا الشك منه كان متقدماً على يمين عمر بأنه
الدجال، ثم أعلمه الله تعالى أنه الدجال.
وجواب آخر أن الكلام، وإن خرج مخرج الشك، فقد يجوز أن يراد به
(١) ((الفتح)) ٢٥٠/١٧ - ٢٥١، ((كتاب الاعتصام)) رقم (٧٣٥٥).

٥٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن ، وأشراط الساعة
اليقين والقطع، كقوله تعالى: ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥٣]، وقد
عَلِم الله تعالى أن ذلك لا يقع منه، فإنما خرج هذا منه على المتعارف عند
العرب في مخاطبتها، قال الشاعر [من الطويل]:
أَيَا ظَبْيَةَ الْوَعْسَاءِ بَيْنَ جَلاجِلٍ (١)
وَبَيَنَ النَّقَا أَنْتِ أَمْ أُمُّ سَالِم (٢)
وقال القاري كخّلُهُ: قوله: ((سمعت عمر يحلف على ذلك))؛ أي: على أن
ابن الصياد الدجال عند النبيّ 18َّ فلم ينكره النبيّ وَّر؛ أي: ولو لم يكن
صحيحاً لأنكره، ولَمَا سكت عنه، قيل: لعل عمر أراد بذلك أن ابن الصياد من
الدجالين الذين يخرجون، فيدّعون النبوة، أو يُضلون الناس، ويَلبِسون الأمر
عليهم، لا أنه المسيح الدجال؛ لأن النبيّ وَّ تردد حيث قال: ((إن يكن هو،
وإن لم يكن هو))، ولكن فيه أن الظاهر المتبادَر من إطلاق الدجال هو الفرد
الأكمل، فالوجه حَمْل يمينه على الجواز عند غلبة الظن، والله تعالى أعلم (٣).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله طيها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٢٦/١٩] (٢٩٢٩)، و(البخاريّ) في
((الاعتصام)) (٧٣٥٥)، و(أبو داود) في ((الملاحم)) (٤٣٣١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أنه استدلّ به جماعة على جواز اليمين بالظنّ، وأنه لا يشترط
فيها اليقين، قال النوويّ كَّتُهُ: وهذا متفق عليه عند أصحابنا، حتى لو رأى
بخط أبيه الميت أن له عند زيد كذا، وغلب على ظنه أنه خطه، ولم يتيقن جاز
(٤)
الحلف على استحقاقه. انتهى .
٢ - (ومنها): أن البخاريّ تَظْلُهُ احتجّ به على أن ترك النبيّ وَّ الإنكار
(١) بالفتح اسم موضع.
(٢) ((عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ)) ٤٧١/٣٥.
(٣) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٦/ ٥٣.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٨/ ٥٣.

٥٠٧
(١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَیَّادٍ - حديث رقم (٧٣٢٦)
على شيء حجةٌ، فقال: ((باب من رأى ترك النكير(١) من النبيّ وَلّ حجة))، قال
في ((الفتح)): وقد اتفقوا على أن تقرير النبيّ وَّ لِمَا يُفعل بحضرته، أو يقال،
ويَطّلع عليه بغير إنكار دال على الجواز؛ لأن العصمة تنفي عنه ما يَحْتَمِل في
حق غيره مما يترتب على الإنكار، فلا يقرّ على باطل، فمن ثم قال: لا من
غير الرسول وَلّه، فإن سكوته لا يدل على الجواز، وأشار ابن التين إلى أن
الترجمة تتعلق بالإجماع السكوتيّ، وإن الناس اختلفوا، فقالت طائفة: لا
يُنسب لساكت قول؛ لأنه في مهلة النظر، وقالت طائفة: إن قال المجتهد قولاً
وانتشر لم يخالفه غيره بعد الاطلاع عليه، فهو حجة، وقيل: لا يكون حجة،
حتى يتعدد القيل به، ومحل هذا الخلاف أن لا يخالف ذلك القول نصّ كتاب،
أو سُنَّة، فإن خالفه فالجمهور على تقديم النصّ، واحتج من منع مطلقاً أن
الصحابة ◌ّ اختلفوا في كثير من المسائل الاجتهادية، فمنهم من كان يُنكر
على غيره، إذا كان القول عنده ضعيفاً، وكان عنده ما هو أقوى منه من نصّ
كتاب أو سُنَّة، ومنهم من كان يسكت فلا يكون سكوته دليلاً على الجواز؛
لتجويز أن يكون لم يتضح له الحكم، فسكت، لتجويز أن يكون ذلك القول
صواباً، وإن لم يظهر له وجهه. انتهى (٢) .
٣ - (ومنها): أن جابراً ظُه لمّا سمع عمر رَظُه يحلف عند
رسول الله وَر، فلم يُنكر عليه فهم منه جواز العمل به، ولكن بقي أن شرط
العمل بالتقرير أن لا يعارضه التصريح بخلافه، فمن قال، أو فعل بحضرة
النبيّ وَّه شيئاً فأقرّه دلّ ذلك على الجواز، فإن قال النبيّ وَّ أو فَعَل خلاف
ذلك دل على نَسْخ ذلك التقرير، إلا إن ثبت دليل الخصوصية.
قال ابن بطال كَُّ بعد أن قرر دليل جابر عظ اته، فإن قيل: تقدم أن
عمر رَُّبه قال للنبيّ رَّ في قصة ابن صياد: دعني أضرب عنقه، فقال: ((إن
يكن هو فلن تسلّط عليه»، فهذا صريح في أنه تردد في أمره؛ يعني: فلا يدل
سكوته عن إنكاره عند حَلِف عمر على أنه هو، قال: وعن ذلك جوابان:
(١) النكير - بفتح النون، وزن عظيم -: المبالغة في الإنكار.
(٢) ((الفتح)) ٢٤٩/١٧ - ٢٥٠، ((كتاب الاعتصام)) رقم (٧٣٥٥).

٥٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
أحدهما: أن الترديد كان قبل أن يُعلمه الله تعالى بأنه هو الدجال، فلما
أعلمه لم يُنكر على عمر حَلِفِه.
والثاني: أن العرب قد تُخرج الكلام مخرج الشكّ، وإن لم يكن في
الخبر شك، فيكون ذلك من تلطّف النبيّ وَّ بعمر في صرفه عن قتله. انتهى
ملخصاً(١).
٤ - (ومنها): أن البيهقيّ ◌َخْلُ أجاب عن قصة ابن صياد بعد أن ذكر ما
أخرجه أبو داود من حديث أبي بكرة قال: قال رسول الله وَله: ((يمكث أبَوَا
الدجال ثلاثين عاماً لا يولد لهما، ثم يولد لهما غلام أعور، أضرّ شيء، وأقله
نفعاً، ونَعَتَ أباه وأمه، قال: فسمعنا بمولود وُلد في اليهود، فذهبت أنا
والزبير بن العوام، فدخلنا على أبويه، فإذا النعتُ، فقلنا: هل لكما من ولد؟
قالا: مكثنا ثلاثين عاماً لا يولد لنا، ثم وُلد لنا غلام أضرّ شيء، وأقله
نفعاً ... )) الحديث.
قال البيهقيّ: تفرّد به عليّ بن زيد بن جُدعان، وليس بالقويّ.
قال الحافظ: ويوهي حديثه أن أبا بكرة إنما أسلم لمّا نزل من الطائف
حين حوصرت سنة ثمان من الهجرة.
وفي حديث ابن عمر الذي في ((الصحيحين)) أنه وَلّ لمّا توجه إلى النخل
التي فيها ابن صياد كان ابن صياد يومئذٍ كالمحتلم، فمتى يدرك أبو بكرة زمان
مولده بالمدينة، وهو لم يسكن المدينة إلا قبل الوفاة النبوية بسنتين؟ فكيف
يتأتى أن يكون في الزمن النبويّ كالمحتلم؟ فالذي في ((الصحيحين)) هو
المعتمد، ولعل الوهم وقع فيما يقتضي تراخي مولد ابن صياد أو لا وَهْم فيه،
بل يَحْتَمِل قوله: بلغنا أنه وُلد لليهود مولود على تأخر البلاغ، وإن كان مولده
كان سابقاً على ذلك بمدة، بحيث يأتلف مع حديث ابن عمر الصحيح.
ثم قال البيهقيّ: ليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبيّ وَّل على
حَلِف عمر، فَيَحْتَمِل أن يكون النبيّ بَّرِ كان متوقفاً في أمره، ثم جاءه الثبت
من الله تعالى بأنه غيره على ما تقتضيه قصة تميم الداريّ، وبه تمسّك من جزم
(١) ((شرح البخاريّ)) لابن بطال ٣٨٦/١٠.

٥٠٩
(١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣٢٦)
بأن الدجال غير ابن صياد، وطريقه أصحّ، وتكون الصفة التي في ابن صياد
وافقت ما في الدجال.
ثم أورد حديث فاطمة بنت قيس الآتي لمسلم في قصة تميم الداريّ، قال
البيهقيّ: فيه أن الدجال الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان غير ابن صياد،
وكان ابن صياد أحد الدجالين الكذابين الذين أخبر وَلّ بخروجهم، وقد خرج
أكثرهم، وكأن الذين يجزمون بأن ابن صياد هو الدجال لم يسمعوا بقصة تميم،
وإلا فالجمع بينهما بعيد جدّاً؛ إذ كيف يلتئم أن يكون من كان في أثناء الحياة
النبوية شِبْه المحتلم، ويجتمع به النبيّ وَّه، ويسأله أن يكون في آخرها شيخاً
كبيراً مسجوناً في جزيرة من جزائر البحر، موثقاً بالحديد، يستفهم عن خبر
النبيّ هل خرج أو لا؟ فالأَولى أن يُحْمَل على عدم الاطلاع، أما عمر فيَحْتَمِل
أن يكون ذلك منه قبل أن يسمع قصة تميم، ثم لمّا سمعها لم يَعُد إلى الحَلِف
المذكور، وأما جابر فشهد حَلِفْه عند النبيّ ◌ََّ، فاستصحب ما كان اطلع عليه
من عمر بحضرة النبيّ بَير، لكن أخرج أبو داود من رواية الوليد بن عبد الله بن
جُميع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر، فذكر قصة الجساسة
والدجال بنحو قصة تميم، قال: قال - أي: الوليد -: فقال لي ابن أبي سلمة:
إن في هذا شيئاً ما حفظته، قال: شهد جابر أنه ابن صياد، قلت: فإنه قد
مات، قال: وإن مات، قلت: فإنه أسلم، قال: وإن أسلم، قلت: فإنه دخل
المدينة، قال: وإن دخل المدينة. انتهى.
وابن أبي مسلمة اسمه عمر فيه مقال، ولكن حديثه حسن، ويُتَعقَّب به
على من زعم أن جابراً لم يطلع على قصة تميم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: يتبيّن مما قرّره البيهقيّ تَخْتُهُ فيما مضى من
تحقيقه أن ابن صيّاد غير الدجال الموعود به آخر الزمان، لكنه أحد الدجاجلة
الذين شملهم قوله وقالت: ((وإن بين يدي الساعة دجالين، كذابين، قريباً من
ثلاثين، كلهم يزعم أنه نبيّ))، فهو منهم يقيناً، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أنه قد تكلم ابن دقيق العيد تَُّ على مسألة التقرير في
أوائل (شرح الإلمام))، فقال ما ملخّصه: إذا أُخبر بحضرة النبيّ وَّر عن أمر
ليس فيه حكم شرعيّ، فهل يكون سكوته وسير دليلاً على مطابقة ما في الواقع،

٥١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج- كتاب الفتن، وأشراط الساعة
كما وقع لعمر في حَلِفه على ابن صياد هو الدجال، فلم ينكر عليه، فهل يدلّ
عدم إنكاره على أن ابن صياد هو الدجال، كما فهمه جابر، حتى صار يحلف
عليه، ويستند إلى حلف عمر، أو لا يدلّ؟ فيه نظرٌ، قال: والأقرب عندي أنه
لا يدلّ؛ لأن مأخذ المسألة، ومناطها هو العصمة من التقرير على باطل، وذلك
يتوقف على تحقق البطلان، ولا يكفي فيه عدم تحقق الصحة، إلا أن يدعي
مُدّع أنه يكفي في وجوب البيان عدم تحقق الصحة، فيحتاج إلى دليل، وهو
عاجز عنه، نَعَم التقرير يسوِّغْ الحَلِف على ذلك، على غلبة الظنّ؛ لعدم توقف
ذلك على العلم. انتهى ملخصاً.
قال الحافظ: ولا يلزم من عدم تحقق البطلان أن يكون السكوت مستوي
الطرفين، بل يجوز أن يكون المحلوف عليه من قِسم خلاف الأولى. انتهى(١).
(المسألة الرابعة): قال الخطابيّ تَُّهُ: اختَلَف السلف في أمر ابن صياد
بعد كِبَره، فروي أنه تاب من ذلك القول، ومات بالمدينة، وأنهم لما أرادوا
الصلاة عليه كشفوا وجهه حتى يراه الناس، وقيل لهم: اشهدوا .
وقال النوويّ: قال العلماء: قصة ابن صياد مشكلة، وأمره مشتبه، لكن
لا شك أنه دجال من الدجاجلة، والظاهر أن النبيّ وَّ﴿ لم يوح إليه في أمره
بشيء، وإنما أُوحي إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة،
فلذلك كان ◌َّيه لا يقطع في أمره بشيء، بل قال لعمر: ((لا خير لك في قتله))،
الحديث .
وأما احتجاجاته هو بأنه مسلم إلى سائر ما ذَكَر، فلا دلالة فيه على
دعواه؛ لأن النبيّ وَّله إنما أخبر عن صفاته وقت خروجه آخر الزمان، قال:
ومن جملة ما في قصته قوله للنبيّ رَّير: أتشهد أني رسول الله، وقوله: إنه يأتيه
صادق وكاذب، وقوله: إنه تنام عينه، ولا ينام قلبه، وقوله: إنه يرى عرشاً على
الماء، وأنه لا يكره أن يكون الدجالَ، وأنه يعرفه، ويعرف مولده، وموضعه،
وأين هو الآن.
قال: وأما إسلامه، وحجه، وجهاده، فليس فيه تصريح بأنه غير الدجال؛
(١) ((الفتح)) ٢٤٩/١٧ - ٢٥٠.

٥١١
(١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣٢٦)
لاحتمال أن يُختم له بالشرّ، فقد أخرج أبو نعيم الأصبهاني في ((تاريخ أصبهان))
ما يؤيد كون ابن صياد هو الدجال، فساق من طريق شُبيل - بمعجمة،
وموحدة، مصغراً، آخره لام - ابن عرزة - بمهملة، ثم زاي، بوزن ضَرْبة - عن
حسان بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: ((لمّا افتتحنا أصبهان كان بين عسكرنا
وبين اليهودية فرسخ، فكنا نأتيها، فنمتار منها، فأتيتها يوماً، فإذا اليهود
يزفنون، ويضربون، فسألت صديقاً لي منهم، فقال: مَلِكنا الذي نستفتح به على
العرب يدخل، فبِتُّ عنده على سطح، فصليت الغداة، فلما طلعت الشمس، إذ
الرهج من قبل العسكر، فنظرت، فإذا رجل عليه قبة من ريحان، واليهود
يزفنون، ويضربون، فنظرت، فإذا هو ابن صياد، فدخل المدينة، فلم يَعُدْ حتى
الساعة)).
قال الحافظ: وعبد الرحمن بن حسان ما عرفته، والباقون ثقات.
وقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن جابر، قال: ((فقدنا ابن صياد يوم
الحرّة))، وبسند حسن مضى التنبيه عليه، فقيل: إنه مات.
قال الحافظ: وهذا يُضعف ما تقدم أنه مات بالمدينة، وأنهم صلوا عليه،
وكشفوا عن وجهه، ولا يلتئم خبر جابر هذا مع خبر حسان بن عبد الرحمن؛
لأن فتح أصبهان كان في خلافة عمر، كما أخرجه أبو نعيم في ((تاريخها»،
وبين قَتْل عمر، ووقعة الحرّة نحو أربعين سنة.
ويمكن الحمل على أن القصة إنما شاهدها والد حسان بعد فتح أصبهان
بهذه المدة، ويكون جواب لِمَا في قوله: لمّا افتتحنا أصبهان محذوفاً، تقديره:
صرت أتعاهدها، وأتردد إليها، فَجَرَتْ قصة ابن صياد، فلا يتّحد زمان فَتْحها
وزمان دخول ابن صياد فيها .
وقد أخرج الطبرانيّ في ((الأوسط)) من حديث فاطمة بنت قيس مرفوعاً:
((إن الدجال يخرج من أصبهان))، ومن حديث عمران بن حصين، أخرجه أحمد
بسند صحيح، عن أنس، لكن عنده من يهودية أصبهان.
قال أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)): كانت اليهودية من جملة قُرى
أصبهان، وإنما سمّيت اليهودية؛ لأنها كانت تختص بسكنى اليهود، قال: ولم
تزل على ذلك إلى أن مصّرها أيوب بن زياد أمير مِصْر في زمن المهديّ ابن

٥١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
المنصور، فسكنها المسلمون، وبقيت لليهود منها قطعة منفردة.
وأما ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً: ((قال: يتبع الدجال سبعون
ألفاً من يهود أصبهان))، فلعلها كانت يهودية أصبهان يريد: البلد المذكور؛ لا
أن المراد جميع أهل أصبهان يهود، وأن القَدْر الذي يتبع الدجال منهم سبعون
ألفاً .
قال الحافظ تَخْذَلُ بعد أن ذكر في هذا الموضع كثيراً من الآثار ما
محصّله: ولشدة التباس الأمر في ذلك سلك البخاريّ مسلك الترجيح، فاقتصر
على حديث جابر، عن عمر، في ابن صياد، ولم يُخرج حديث فاطمة بنت
قيس في قصة تميم، وقد توهّم بعضهم أنه غريب فَرْد، وليس كذلك، فقد رواه
مع فاطمة بنت قيس أبو هريرة، وعائشة، وجابر.
أما حديث أبي هريرة: فأخرجه أحمد من رواية عامر الشعبيّ عن
المحرّر بن أبي هريرة، عن أبيه بطوله، وأخرجه أبو داود مختصراً، وابن ماجه
عقب رواية الشعبيّ عن فاطمة، قال الشعبيّ: فلقيت المحرر، فذكره، وأخرجه
أبو يعلى من وجه آخر، عن أبي هريرة: ((قال: استوى النبيّ وَّر على المنبر،
فقال: حدّثني تميم، فرأى تميماً في ناحية المسجد، فقال: يا تميم حدّث
الناس بما حدثتني ... )) فذكر الحديث - وفيه -: ((فإذا أحد منخريه ممدود،
وإحدى عينيه مطموسة ... )) الحديث ــ وفيه -: ((لأطأن الأرض بقدميَّ هاتين
إلى مكة وطابا)).
وأما حديث عائشة: فهو في الرواية المذكورة عن الشعبيّ، قال: ثم
لقيت القاسم بن محمد، فقال: أشهد على عائشة حدّثتني كما حدثتك فاطمة
بنت قیس.
وأما حديث جابر: فأخرجه أبو داود بسند حسن، من رواية أبي سلمة،
عن جابر قال: قال رسول الله وَ ل ذات يوم على المنبر: ((إنه بينما أناس
يسيرون في البحر، فنفد طعامهم، فرُفعت لهم جزيرة، فخرجوا يريدون الخبر،
فلقيتهم الجساسة))، فذكر الحديث، وفيه سؤالهم عن نخل بيسان، وفيه أن
جابراً شهد أنه ابن صياد، فقلت: إنه قد مات، قال: وإن مات، قلت: فإنه
أسلم، قال: وإن أسلم، قلت: فإنه دخل المدينة، قال: وإن دخل المدينة.

٥١٣
(١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣٢٧)
وفي كلام جابر إشارة إلى أن أمره مُلبس، وأنه يجوز أن يكون ما ظهر
من أمره إذ ذاك لا ينافي ما تُؤُقِّع منه بعد خروجه في آخر الزمان.
وقد أخرج أحمد من حديث أبي ذرّ: ((لأن أحلف عشر مرار أن ابن
صياد هو الدجال، أحب إلي من أن أحلف واحدة أنه ليس هو))، وسنده
صحيح .
ومن حديث ابن مسعود نحوه، لكن قال: ((سبعاً)) بدل ((عشر مرات))،
أخرجه الطبرانيّ، والله أعلم(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن القول الراجح في شأن ابن صيّاد أنه
ليس هو الدجال الموعود به آخر الزمان، لكنه دجال من الدجاجلة، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٢٧] (٢٩٣٠ و٢٩٣١) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ النُّجِيِيُّ، أَخْبَرَنِ ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ
انْطَلَقَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي رَهْطٍ، قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدَهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ
عِنْدَ أُطُم بَنِي مَغَالَةَ، وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ يَوْمَئِذٍ الْحُلُمَّ، فَلَمْ يَشْعُرْ، حَتَّى ضَرَبَ
رَسُولُ اللهِ نَّهِ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ لِابْنِ صَيَّادٍ: ((أَتَشْهَدُ أَنّي
رَسُولُ اللهِ؟))، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّدٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمَّيِّينَ، فَقَالَ ابْنُ
صَيَّدٍ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ فَرَفَضَهُ رَسُولُ اللهِ، وَقَالَ:
(آمَنْتُ بِاللهِ، وَبِرُسُلِهِ))، ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَاذَا تَرَى؟»، قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ:
يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ))، ثُمَّ قَالَ لَهُ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئاً))، فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُّ، فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرََكَ))، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ذَرْنِي
(١) ((الفتح)) ١٧/ ٢٥٧ - ٢٥٨.

٥١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن ، وأشراط الساعة
يَا رَسُولَ اللهِ، أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلَ خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ)). وَقَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ
عُمَرَ يَقُولُ: انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبِ الأَنْصَارِيُّ إِلَى
النَّخْلِ الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ وَِّ النَّخْلَ، طَفِقَ يَتَّقِي
بِجُذُوعِ النَّخْلِ، وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّدٍ شَيْئاً قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ابْنُ صَيَّادٍ،
فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ بَّهِ، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِ، فِي قَطِيفَةٍ لَهُ، فِيهَا زَمْزَمَةٌ، فَرَأَتْ
أُمُّ ابْنِ صَيَّدٍ رَسُولَ اللهِ وَّهِ، وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، فَقَالَتْ لِاِبْنِ صَيَّادٍ: يَا
صَافٍ، وَهُوَ اسْمُ ابْنِ صَيَّدٍ، هَذَا مُحَمَّدٌ، فَثَارَ ابْنُ صَيَّدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ:
(لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ))، قَالَ سَالِمُ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَه فِي النَّاسِ،
فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ(١)، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: ((إِنِّي لأُنْذِرُكُمُوهُ، مَا مِنْ
نَبِّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ، وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلاً لَمْ يَقُلْهُ
نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ، تَعَلَّمُوا أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيْسَ بِأَعْوَرَ))، قَالَ ابْنُ
شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِ عُمَرُ بْنُ ثَابِتِ الأَنْصَارِيُّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابٍ رَسُولِ الهِ وَهـ
أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ يَوْمَ حَذَّرَ النَّاسَ الدَّجَّالَ: ((إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ،
يَقْرَؤُهُ مَنْ كَرِهَ عَمَلَهُ، أَوْ يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ))، وَقَالَ: ((تَعَلَّمُوا(٢) أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ
مِنْكُمْ رَبَّهُ رَتْ حَتَّى يَمُوتَ))).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم هذا الإسناد نفسه في الباب الماضي،
فتنبه .
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّاني في ((تقييده)): وقع هذا الإسناد في
رواية أبي العلاء بن ماهان منقطعاً، ذكره عن الزهريّ، عن سالم، أن عمر بن
الخطّاب، لم يذكر فيه عبد الله بن عمر، والصواب قول من أسند. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما أشار إليه الجيّاني ◌َُّ أنه وقع
(١) وفي نسخة: ((بما هو أهل)).
(٣) ((تقييد المهمل)) ٩٣٣/٣.
(٢) وفي نسخة: ((تعلمون)).

٥١٥
(١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣٢٧)
اختلاف بين رواة ((صحيح مسلم))، فرواه جمهورهم متّصلاً، فقالوا: ((عن ابن
شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطّاب
إلخ، وانفرد ابن ماهان، فأسقط ابن عمر، فجعله عن سالم أن عمر بن
الخطاب، وهو منقطع؛ لأن سالماً لم يشهد القصّة، والصواب قول الجمهور،
فالحديث متّصل صحيح، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث :
(عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ)؛ أنه (أَخْبَرَهُ)؛ أي: أخبر ابن شهاب، (أَنَّ عَبْدَ اللهِ
ابْنَ عُمَرَ﴾ ﴿َا (أَخْبَرَهُ)؛ أي: أخبر سالماً، (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ)
se
(انْطَلَقَ)؛ أي: ذهب (مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلا) هذا الحديث فيه ثلاث قصص، هذه
أولها، وقد ساقها مسلم هنا مساقاً واحداً، وأما البخاريّ فقد ساقها في
(الجهاد)) تامّة، وقطعها في أبواب أخرى (١). (فِي رَهْطٍ) هو: ما دون عشرة من
الرجال، ليس فيهم امرأة، وسكون الهاء أفصح من فتحها، وهو جمع لا واحد
له من لفظه، وقيل: الرَّهْطُ: من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة
نفر، وقال أبو زيد: الرَّهْطُ، والنَّفَرُ: ما دون العشرة من الرجال، وقال ثعلب
أيضاً: الرَّهْطُ، وَالنَّفَرُ، وَالقَوْمُ، وَالمَعْشَرُ، وَالعَشِيرَةُ معناهم الجمع، لا واحد
لهم من لفظهم، وهو للرجال دون النساء، وقال ابن السكيت: الرَّهْطُ،
وَالْعَشِيرَةُ بمعنى، ويقال: الرَّهْطُ: ما فوق العشرة إلى الأربعين، قاله الأصمعيّ
في ((كتاب الضاد والظاء))، ونقله ابن فارس أيضاً، ورَهْطُ الرجل: قومه،
وقبيلته الأقربونَ، قاله الفيّوميّ ◌َظّمُ(٢).
وفي الرواية التالية: ((انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَمَعَهُ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِهِ،
فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ))، (قِبَلَ ابْنِ صَيَّدٍ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة؛ أي:
جهته .
قال القرطبيّ كَّلُهُ: ويقال: ابن صائد، واسمه صاف، وكل ذلك في
(١) راجع: ((الفتح)) ٣٠٥/٧ رقم (٣٠٥٥).
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٤١/١، ٢٤٢.

٥١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
الحديث. قال الواقديّ: نَسَبه في بني النجار، وقيل: هو من اليهود، وكانوا
حلفاء بني النجار، وكانت حاله في صغره حالة الكهّان يصدق مرَة، ويكذب
مراراً، ثم إنه أسلم لمّا كَبِر، وظهرت منه علامة الخير، من الحج، والجهاد مع
المسلمين، ثم ظهرت منه أحوال، وسُمعت منه أقوال تشعر بأنه الدجال، وبأنه
كافر، فقيل: إنه تاب، ومات بالمدينة، ووقف على عينه هناك، وقيل: بل فُقد
في يوم الحرّة، ولم يوقف عليه، وكان جابر، وابن عمر ظنّ يحلفان أنه
الدجال، لا يشكان فيه، وعلى الجملة فأمره كله مُشْكِل على الأمة، وهو فتنة،
ومحنة. انتهى(١).
(حَتَّى وَجَدَهُ) قيل: ((حتى)) هنا حرف ابتداء، يُستأنف بعده الكلام، ويفيد
انتهاء الغاية، وقوله: (يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ) بكسر الصاد، وضمها، حال من
مفعول ((وجده)). (عِنْدَ أَطُم بَنِي مَغَالَةً) بفتح الميم، والغين المعجمة، ونُقل:
معاوية بالضم، والعين المهملة، وهم بطن من الأنصار، ((والأطم)) بضمّ،
وبضمتين: القصر، وكل حصن مبني بحجارة، وكل بيت مربع مسطح،
والجمع: آطام، وأطوم، كذا في ((القاموس))(٢).
وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((عند أطم بني مغالة)) هكذا هو في بعض
النسخ (بني مغالة))، وفي بعضها: ((ابن مغالة))، والأول هو المشهور،
و((المغالة)) بفتح الميم، وتخفيف الغين المعجمة، وذكر مسلم في رواية الحسن
الحلوانيّ التي بعد هذه أنه ((أطم بني معاوية)) بضم الميم، وبالعين المهملة،
قال العلماء: المشهور المعروف هو الأول، قال القاضي: ((وبنو مغالة)) كلُّ ما
كان على يمينك إذا وقفت آخر البلاط، مستقبل مسجد رسول الله وَله،
و((الأطم)) بضم الهمزة والطاء: هو الحصن، جَمْعه: آطام. انتهى (٣).
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: ويروى: ((أطم ابن مغالة))، و((بني مغالة))، وكلاهما
صحيح، وبنو مغالة بغين معجمة، وفي حديث ابن حميد، وفي حديث
الحلواني: بني معاوية، والأول المعروف، وبنو مغالة: كل ما كان عن يمينك
(١) ((المفهم)) ٢٦٢/٧، ٢٦٣.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٨/ ٥٣.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٥١ - ٥٢.

٥١٧
(١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣٢٧)
إذا وقفت آخر البلاط مستقبل مسجد النبيّ وَّ، وبنو جَدِيلة ما كان عن
يسارك، ومسجد النبيّ وَّ في بني مغالة، قاله الزبير. وقال بعضهم: بنو مغالة
حيّ من قضاعة، وبنو معاوية: هم بنو جَدِيلة. انتهى(١).
(وَقَدْ قَارَبَ) جملة في محلّ نصب على الحال، (ابْنُ صَيَّدٍ يَوْمَئِذٍ الْحُلُمَ)
بضمتين، أو بضمّ، فسكون؛ أي: البلوغ بالاحتلام وغيره، (فَلَمْ يَشْعُرْ) بضم
العين، وفيه إشعار بأنهم جاؤوه على غفلة منه؛ أي: لم يتفطن بإتيانهم إليه،
(حَتَّى ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ وَِّ ظَهْرَهُ)؛ أي: ظهر ابن صيّاد (بِيَدِهِ) الكريمة، (ثُمَّ
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: لِابْنِ صَيَّادٍ: ((أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟))، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ،
فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ) قال القاضي تَظْلُهُ: يريد بهم العرب؛ لأن
أكثرهم كانوا لا يكتبون، ولا يقرؤون، وما ذكره وإن كان حقّاً من قِبَل
المنطوق، لكنه يشعر بباطل من حيث المفهوم، وهو أنه مخصوص بالعرب غير
مبعوث إلى العجم، كما زعمه بعض اليهود، وهو إن قصد به ذلك فهو من
جملة ما يُلقي إليه الكاذب الذي يأتيه، وهو شيطانه. انتهى.
ويمكن أن يكون مسموعه من اليهود؛ لأنه منهم، أو هذا منه على طريقة
الحكماء في زعمهم أنهم يستغنون عن الأنبياء، قاله القاري تَخْذّتُهُ(٢).
وقال في ((الفتح)): فيه إشعار بأن اليهود الذين كان ابن صياد منهم كانوا
معترفين ببعثة رسول الله له لكن يدّعون أنها مخصوصة بالعرب، وفساد حجتهم
واضح جدّاً؛ لأنهم إذا أقروا بأنه رسول الله استحال أن يكذب على الله، فإذا
ادّعى أنه رسوله إلى العرب وإلى غيرها تعيَّن صِدقه، فوجب تصديقه.
(٣)
.
انتھی
(فَقَالَ ابْنُ صَيَّدٍ لِرَسُولِ اللهِ وَلِّ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟) وفي حديث أبي
سعيد عند الترمذيّ: ((فقال: أتشهد أنت أني رسول الله؟))، (فَرَفَضَهُ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ) قال النوويّ ◌َّتُهُ: هكذا هو في أكثر نُسخ بلادنا: ((فرفضه))
(١) ((المفهم)) ٧/ ٢٦٣.
(٢) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٤١/١٦.
(٣) ((الفتح)) ٣٠٥/٧.

٥١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
بالضاد المعجمة، وقال القاضي: روايتنا فيه عن الجماعة بالصاد المهملة، قال
بعضهم: الرفص بالصاد المهملة: الضرب بالرجل، مثل الرفس بالسين، قال:
فإن صحّ هذا فهو معناه، قال: لكن لم أجد هذه اللفظة في أصول اللغة، قال:
ووقع في رواية القاضي التميميّ: ((فرفضه)) بضاد معجمة، وهو وَهَمِّ، قال:
وفي البخاريّ من رواية المروزيّ: ((فرقصه)) بالقاف، والصاد المهملة، ولا وجه
له، وفي البخاريّ في ((كتاب الأدب)): ((فرفضه)) بضاد معجمة، قال: ورواه
الخطابيّ في غريبه: ((فرصّه)) بصاد مهملة؛ أي: ضَغَطَه حتى ضَمَّ بعضه إلى
بعض، ومنه قوله تعالى: ﴿بُذْنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤].
قال النوويّ: ويجوز أن يكون معنى ((رفضه)) بالمعجمة؛ أي: ترك سؤاله
الإسلام؛ ليأسه منه حينئذٍ، ثم شرع في سؤاله عما يرى، والله أعلم. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فرفضه)) للأكثر بالضاد المعجمة؛ أي: تركه،
قال الزين ابن الْمُنَيِّر: أنكرها القاضي، ولبعضهم بالمهملة؛ أي: دفعه برجله،
قال عياض: كذا في رواية أبي ذرّ عن غير المستملي، ولا وجه لها، قال
المازريّ: لعله رفسه بالسين المهملة؛ أي: ضربه برجله، قال عياض: لم أجد
هذه اللفظة في جماهير اللغة، يعني بالصاد، قال: وقد وقع في رواية الأصيليّ
بالقاف بدل الفاء، وفي رواية عبدوس: ((فوقصه)) بالواو والقاف. انتهى (٢).
(وَقَالَ) بَ: ((آمَنْتُ بِاللهِ، وَبِرُسُلِهِ))) قال الطيبيّ كَُّهُ: هو عطف على
((فرصّه))، والكلام خارج على إرخاء العِنان؛ أي: آمنت بالله ورسله، فتفكر،
هل أنت منهم؟ انتهى.
قال القاري: وفيه إيهام تجويز التردد في كونه من الرسل أم لا، ولا
يخفى فساده، فالصواب أنه عمل بالمفهوم، كما فعله الدجال، فالمعنى: إني
آمنت برسله، وأنت لست منهم، فلو كنت منهم لآمنت بك، وهذا أيضاً على
الفرض والتقدير، أو قبل أن يعلم أنه خاتم النبيين، وإلا فبعد العلم بالخاتميّة
فلا يجوز أيضاً الفرض والتقدير به، وقد صرّح بعض العلماء بأنه لو ادعى أحد
(١) ((شرح النوويّ)) ٥٤/١٨.
(٢) ((الفتح)) ١٣٧/٤، ((كتاب الجنائز)) رقم (١٣٥٤).

٥١٩
(١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣٢٧)
النبوة، فطلب منه شخص المعجزة كفر، وإنما لم يقتله مع أنه ادعى بحضرته
النبوة؛ لأنه صبي، وقد نُهي عن قتل الصبيان، أو أن اليهود كانوا يومئذٍ
مستمسكين بالذمة، مصالحين أن يُتركوا على أمرهم، وهو منهم، أو من
حلفائهم، فلم تكن ذمة ابن الصياد لِتُنْقَض بقوله الذي قال، كذا قاله بعضهم.
وقال بعضهم: هذا يدل على أن عهد الوالد يجزىء عن ولده الصغير،
وقيل: إنه ما ادعى النبوة صريحاً؛ لأن قوله: ((أتشهد)) استفهام لا تصريح
فيه(١) .
(ثُمَّ قَالَ لَهُ)؛ أي: لابن صيّاد، (رَسُولُ اللهِ وَ الَ: ((مَاذَا تَرَى؟)) ((ذا))
زائدة، و((ما)) استفهامية، أي ما تبصر وتُكاشف من الأمر الغيبي؟ انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((ذا)) زائدة، هذا أحد وجهيها، وهو أن
تكون ((ذا)) ملغاة مركبة مع ((ما))، والثاني أن تكون موصولة بمعنى ((الذي))،
وإلى هذا الوجهين أشار ابن مالك تَظُّ في ((الخلاصة)) حيث قال:
وَمِثْلُ ((مَا)) ((ذَا)) بَعْدَ ((مَا)) اسْتِفْهَامٍ أَوْ ((مَنْ)) إِذَا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلَامِ
(قَالَ ابْنُ صَيَّدٍ: يَأْتِينِي صَادِقٌ)؛ أي: تارة يأتيني خبر صادق، أو مخبر
صادق، (وَ) تارة يأتيني خبر (كَاذِبٌ) أو مخبر كاذب، وقال القاري: أي خبر
صادق تارةً، وكاذب؛ أي: أخرى، أو مَلِك صادق، وشيطان كاذب، وقيل:
حاصل السؤال أن الذي يأتيك ما يقول لك؟ ومجمل الجواب أنه يحدثني بشيء
قد يكون صادقاً، وقد يكون كاذباً(٢).
(فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ))) ببناء الفعل للمفعول،
مشدّداً للمبالغة والتكثير، ويجوز تخفيفه؛ أي: شُبِّه عليك الأمر؛ أي: الكذب
بالصدق، قال النوويّ تَخْدَتُهُ: أي ما يأتيك به شيطانك مخلَّط، قال الخطابيّ:
معناه أنه كان له تارات يصيب في بعضها، ويخطىء في بعضها، فلذلك التبس
عليه الأمر.
(ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ)؛ أي: أخفيت، وأضمرت
(١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٤١/١٦.
(٢) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٤١/١٦.

٥٢٠
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
(لَكَ) في نفسي (خَبِيئاً)))؛ أي: شيئاً مُضمَراً لتخبرني به، وفي رواية للبخاريّ:
((إني قد خبأت لك خِبْئاً)). قال في ((الفتح)): ((خبئاً)) بكسر الخاء المعجمة،
وبفتحها، وسكون الموحّدة، بعدها همز، وبفتح المعجمة، وكسر الموحدة،
بعدها تحتانية ساكنة، ثم همز؛ أي: أخفيت لك شيئاً. انتهى.
قيل: إنما امتحنه بذلك ليُظهر إبطال حاله للصحابة، وأنه كاهن يأتيه
الشيطان، فيلقي على لسانه، زاد في رواية أبي داود، والترمذيّ: ((وخبّأ له:
يوم تأتي السماء بدخان مبين))، والجملة حال بتقدير ((قد))، أو بدونه، قال ابن
كثير في ((تفسيره)): وهذا فيه إشعار بأنه من المنتظر المرتقب، وابن صياد
كاشَفَ على طريقة الكهان بلسان الجانّ، وهم يقرطمون العبارة، ولهذا قال:
((هو الدخ))؛ يعني: الدخان، فعندها عرف رسول الله وَ ليل مادته، وأنها شيطانية،
فقال وَلّه: ((اخسأ، فلن تعدُوَ قَدْرك)). انتهى (١).
(فَقَالَ ابْنُ صَيَّارٍ: هُوَ)؛ أي: الذي خبأته لي، (الدُّخُّ) بضم الدال
المهملة، بعدها خاء معجمة، وحَكَى صاحب ((المحكم)) الفتح، ووقع عند
الحاكم: ((الزَّخٌ)) بفتح الزاي بدل الدال، وفسّره بالجماع، واتفق الأئمة على
تغليطه في ذلك، ويردّه ما وقع في حديث أبي ذرّ: ((فأراد أن يقول الدخان،
فلم يستطع، فقال الدخ)). وللبزار، والطبرانيّ في ((الأوسط)) من حديث زيد بن
حارثة: ((قال: كان النبيّ وَلَهُ خبّأ له سورة الدخان))، وكأنه أطلق السورة،
وأراد بعضها، فإن عند أحمد، عن عبد الرزاق في حديث الباب: ((وخبأت له:
يوم تأتي السماء بدخان مبين)).
وأما جواب ابن صياد بالدخّ، فقيل: إنه اندهش، فلم يقع من لفظ
(٢)
الدخان إلا على بعض
وقال النوويّ تَخُّْهُ: هو بضم الدال، وتشديد الخاء المعجمة، وهي لغة
في الدخان، ومعنى ((خبأت)): أضمرت لك اسم الدخان، والصحيح
المشهور أنه أضمر له آية الدخان، وهي قوله تعالى: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السّمَاءُ
﴾ [الدخان: ١٠]، قال القاضي عياض ◌َّتُهُ: وأصح الأقوال أنه
بِدُخَانٍ مُبِينٍ
(١) ((تفسير ابن كثير)) ١٤٠/٤.
(٢) ((الفتح)) ٣٠٦/٧.