Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ (١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٣٠٦) أحد جانبيها الذي في البحر، (ثُمَّ يَقُولُوا) هكذا في بعض النُّسخ بإسقاط نون الرفع، دون ناصب، أو جازم، وهو لغة، لا ضرورة، قال ابن مالك ◌َّتُهُ في ((الكافية الشافية)) مشيراً إلى قاعدة نون الرفع: وَاتَذْهَبَانٍ)) ثُمَّ ((تَذْهَبِينَا)) بِالنُّونِ رَفْعُ نَحْوِ ((يَذْهَبُونَا)» كَـ(لَمْ تَكُونَا لِتَرُومَا سُحْتَا)) وَاحْذِفْ إِذَا جَزَمْتَ أَوْ نَصَبْتَا وَالْفَكُّ وَالإِذْغَامُ أَيْضاً ثَبَتَا وَحَذْفُهَا فِي الرَّفْعِ قَبْلَ (نِي)) أَتَّى فِي النَّثْرِ وَالنَّظْمِ وَمِمَّا قَدْ رَوَوْا وَدُونَ ((نِي)) فِي الرَّفْعِ حَذْفَهَا حَكَوْا وَجْهَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الذَّكِي)) ((أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيتِي تَدْلُكِي وفي النسخة الهنديّة: (ثم يقول)) بلا واو الجمع، فيكون الفاعل ضمير الجيش؛ أي: ثم يقول الجيش (الثَّانِيَةَ)؛ أي: المرّة الثانية، (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، فَيَسْقُطُ جَانِبُهَا الآخَرُ)؛ أي: الذي في البرّ، (ثُمَّ يَقُولُوا) على التوجيه السابق، وفي الهنديّة: ((ثم يقول))، (الثَّالِئَةَ)؛ أي: المرّة الثالثة، (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، فَيُفَرَّجُ) بتشديد الراء المفتوحة، من التفريج؛ أي: فيفتح، وقوله: (لَهُمْ) نائب فاعل ((يفرّج))، (فَيَدْخُلُوهَا، فَيَغْنَمُوا) هكذا بحذف النون فيهما، وقد مرّ توجيهه آنفاً، وفي الهنديّة: ((فيدخلونها، ويغنموا)) بإثباتها في الأول، وحذفها من الثاني، (فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْمَغَانِمَ)؛ أي: يريدون الاقتسام، ويشرعون فيه (إِذْ جَاءَهُمُ الصَّرِيخُ)؛ أي: المنادي المستغيث، (فَقَالَ: إِنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَرَجَ) وخَلَفَكم في ذراريّكم، (فَيَتْرُكُونَ كُلَّ شَيْءٍ)؛ أي: من الغنائم، وغيرها من الأنفال، (وَيَرْجِعُونَ))) مسرعين لمقاتلة الدجال، وإنقاذ الأهل والعيال، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رظُبه هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٠٦/١٨ و٧٣٠٧] (٢٩٢٠)، و(الحاكم) في (المستدرك)) (٥٢٣/٤)، و(الدانيّ) في ((السنن الواردة في الفتن)) (١١٤٤/٦)، والله تعالى أعلم. ٤٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٠٧] ( .. ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ الدِّيلِيُّ فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ) هو: محمد بن محمد بن مرزوق الباهليّ البصريّ ابن بنت مهديّ بن ميمون، نُسب لجده مرزوق، صدوق، له أوهام [١١] (ت٢٤٨) (م ت ق) تقدم في (الحج)) ٣١٨٤/٥٩. ٢ - (بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ) - بفتح الزاي - هو: بشر بن عمر بن الحكم الأزديّ، أبو محمد البصريّ، ثقة [٩] (ت٧ أو ٢٠٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٣. ٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، وأبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤. و((ثور)) ذُكر قبله. وقوله: (فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ) ((في)) بمعنى الباء؛ أي: حدّث بهذا الإسناد الذي مرّ، وهو: عن أبي الغيث، عن أبي هريرة ◌ُبه، بمثل حديث عبد العزيز بن محمد الدراورديّ. [تنبيه]: رواية سليمان بن بلال عن ثور بن زيد هذه ساقها الحاكم تَّتُهُ في ((المستدرك))، فقال: (٨٤٦٩) - حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا الربيع بن سليمان، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة نظبه: أن رسول الله وَلّه قال: ((هل سمعتم بمدينة جانب منها في البرّ، وجانب منها في البحر؟)) فقالوا: نعم يا رسول الله، قال: ((لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق، حتى إذا جاؤوها نزلوا، فلم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم - قال -: فيقولون: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها - قال ثور -: ولا أعلمه إلا قال: جانبها الذي يلي البرّ(١)، (١) هكذا النسخة، وهو مخالف لِمَا في مسلم بلفظ: ((الذي في البحر))، فليُحرّر. ٤٦٣ (١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٣٠٨) ثم يقولون الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولون الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر، فيفرّج لهم، فيدخلونها، فيغنمون، فبينما هم يقتسمون الغنائم، إذا جاءهم الصريخ، أن الدجال قد خرج، فيتركون كل شيء، ويرجعون))، يقال: إن هذه المدينة هي القسطنطينية، قد صحت الرواية أن فتحها مع قيام الساعة. انتهى. [٧٣٠٨] (٢٩٢١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّهِ قَالَ: (لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ، فَلَقْتُلُنَّهُمْ، حَتَّى يَقُولَ الْحَجَرُ: يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ، فَتَعَالَ، فَاقْتُلْهُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١/ ١٠٧. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، و((عبيد الله)) هو: ابن عمر العمريّ. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَُّ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من عبيد الله، والباقيان كوفيّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر ظُرًّا أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة . شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿هَا (عَنِ النَّبِيِّ نََّ)؛ أنه (قَالَ: ((لَتُقَاتِلُنَّ) خطاب للحاضرين، والمراد غيرهم من أمته وَل*، فإن هذا إنما يكون إذا نزل عيسى ابن مريم بالتّال فإن المسلمين يكونون معه، واليهود مع الدجال. وفي الرواية الآتية: ((تقاتلكم اليهود، فتسلطون عليهم))، وفي رواية أحمد من طريق أخرى عن سالم، عن أبيه: ((ينزل الدجال هذه السبخة - أي: خارج المدينة - ثم يسلط الله عليه المسلمين، فيقتلون شيعته، حتى إن اليهودي ليختبئ تحت الشجرة والحجر، فيقول الحجر والشجرة للمسلم: هذا يهوديّ، فاقتله)). وعلى هذا فالمراد بقتال اليهود: وقوع ذلك إذا خرج الدجال، ونزل ٤٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة عيسى ظلَّا، وكما وقع صريحاً في حديث أبي أمامة في قصة خروج الدجال، ونزول عيسى ◌ُالَّله، وفيه: ((وراء الدجال سبعون ألف يهوديّ، كلهم ذو سيف مُحَلَّى، فيدركه عيسى عند باب لُدّ، فيقتله، وينهزم اليهود، فلا يبقى شيء مما يتوارى به يهوديّ إلا أنطق الله ذلك الشيء، فقال: يا عبد الله - للمسلم - هذا يهوديّ، فتعال، فاقتله، إلا الغرقد، فإنها من شجرهم))، أخرجه ابن ماجه مطوّلاً، وأصله عند أبي داود، ونحوُه في حديث سمرة عند أحمد، بإسناد حسن، وأخرجه ابن منده في ((كتاب الإيمان)) من حديث حذيفة بإسناد صحيح، قاله في ((الفتح))(١) . (الْيَهُودَ) قال الفيّوميّ تَخْتُ: يقال: هم يهود غير منصرف؛ للعلميّة ووزن الفعل، ويجوز دخول الألف واللام، فيقال: اليهود، وعلى هذا فلا يمتنع التّنوين؛ لأنه نُقل عن وزن الفعل إلى باب الأسماء، والنِّسبة إليه يَهُودِيٌّ، وقيل: اليهوديُّ نسبة إلى يهودا بن يعقوب؛ هكذا أورد الصغانيّ يَهُودًا في باب المهملة. انتھی(٢). (فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ، حَتَّى يَقُولَ الْحَجَرُ)؛ أي: ينطق الحجر حقيقةً، فيقول: يا مسلم هذا يهوديّ، وقيل: هو مجازٌ، وهو ضعيف، والأول هو الصواب. (يَا مُسْلِمُ) وفي الرواية الآتية: ((يا مسلم، يا عبد الله))، (هَذَا يَهُودِيٌّ، فَتَعَالَ، فَاقْتُلْهُ))) ((تَعَالَ)) أمْر من تَعَالَى يَتَعَالَى، قال الفيّومِيّ ◌َخْتُهُ: وأصله أن الرجل العالي كان ينادي السافل، فيقول: تَعَالَ، ثم كَثُر في كلامهم حتى استُعمل بمعنى هَلُمّ مطلقاً، وسواء كان موضع المدعوّ أعلى، أو أسفل، أو مساوياً، فهو في الأصل لمعنى خاصّ، ثم استُعمل في معنى عامّ، ويتصل به الضمائر باقياً على فتحه، فيقال: تَعَالَوا، تَعَالَيَا، تَعْالَينْ، وربما ضُمّت اللام مع جمع المذكر السالم، وكسرت مع المؤنثة، وبه قرأ الحسن البصريّ في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوًا﴾ [آل عمران: ٦٤]؛ لمجانسة الواو. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٢٧١/٨ - ٢٧٢، ((كتاب المناقب)) رقم (٣٥٩٣). (٣) ((المصباح المنير)) ٤٢٨/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٦٤٢/٢. ٤٦٥ (١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٣٠٨) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ◌ّها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٠٨/١٨ و٧٣٠٩ و٧٣١٠ و٧٣١١] (٢٩٢١)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٢٩٢٥) و((المناقب)) (٣٥٩٣)، و(الترمذيّ) في ((الفتن)) (٢٢٣٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٢٢/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٨٠٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤٢٤٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: حيث أخبر بما سيقع عند نزول ١ - (منها): بيان معجزة للنبيّ عيسى ◌ُالَّله من تكلم الجماد، والإخبار، والأمر بقتل اليهود، وإظهاره إياهم في مواضع اختفائهم، وسيقع طبق ما أخبر به وَالتى . ٢ - (ومنها): ظهور الآيات قرب قيام الساعة، من كلام الجماد، من شجر، وحجر، وظاهره أن ذلك ينطق حقيقةً، وما قيل: إنه مجازٌ، بأن يكون المراد أنهم لا يفيدهم الاختباء، فضعيف، فتنبّه. ٣ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى بقاء شريعة نبيّنا محمد نَّ إلى أن ينزل عيسى ◌ِلَّلا، فإنه الذي يقاتل الدجال، ويستأصل اليهود الذين هم تَبَع الدجال، على ما ورد من طريق أخرى، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن في قوله وَليقول: ((تقاتلكم اليهود)) جواز مخاطبة الشخص والمراد غيره، ممن يقول بقوله، ويعتقد اعتقاده؛ لأنه من المعلوم أن الوقت الذي أشار إليه وَير لم يأت بعدُ، وإنما أراد بقوله: ((تقاتلون)) مخاطبة المسلمين الذين يأتون بعد الصحابة بدهر طويل، لكن لمّا كانوا مشتركين معهم في أصل الإيمان ناسب أن يخاطبوا بذلك. ٥ - (ومنها): أنه يستفاد منه أن الخطاب الشفاهي يعم المخاطبين ومن بعدهم، وهو متفق عليه من جهة الحكم، وإنما وقع الاختلاف فيه في حكم الغائبين، هل وقع بتلك المخاطبة نفسها، أو بطريق الإلحاق؟ وهذا الحديث يؤيّد من ذهب إلى الأول، وهو الحقّ، والله تعالى أعلم. ٤٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٠٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْبَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: ((هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي))). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلهم ذُكروا في الباب وقبل باب، و((عبيد الله بن سعيد)) هو: أبو قُدامة السرخسيّ، و(يحيى)) هو: ابن سعيد القطّان، و((عبيد الله)) هو: العمريّ. [تنبيه]: رواية يحيى القطان عن عبيد الله هذه ساقها المقرئ الدانيّ تَظّتُهُ في ((السنن المرويّة في الفتن))، فقال: (٤٤٧) - حدّثنا أحمد بن محمد بن بدر، قال: حدّثنا الحسين بن محمد، قال: حدّثنا محمد بن هشام، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، قال: حدّثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ وَّر قال: ((ليقتلن، حتى إن الحجر ليقول: يا مسلم هذا يهوديّ ورائي، تعال، فاقتله)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣١٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَالِماً يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((تَقْتَتِلُونَ أَنْتُمْ وَيَهُودُ، حَتَّى يَقُولَ الْحَجَرُ: يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي، تَعَالَ، فَاقْتُلْهُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب الْعُمَريّ المدنيّ، ضعيف [٦] (خت م د ت ق) تقدم في ((النكاح)) ٣٥٤٢/٢٢. [فإن قلت]: كيف أخرج مسلم لعمر بن حمزة مع كونه ضعيفاً؟ [قلت]: لم يُخرج له أصالة، وإنما أخرج له متابعة، ويُغتفر في المتابعة ما لا يُغتفر في الأصول، كما غير مرّة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٢ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب الفقيه المدنيّ، تقدّم قبل باب. (١) ((السنن الواردة في الفتن)) ٤ /٨٦٩. ٤٦٧ (١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٣١١ -٧٣١٢) والباقون ذُكروا في الباب، و((أبو أسامة)) هو: حمّاد بن أسامة الكوفيّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣١١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِّ قَالَ: ((تُقَاتِلُكُمُ الْيَهُودُ، فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ، حَتَّى يَقُولَ الْحَجَرُ: يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِ، فَاقْتُلْهُ))). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم ذُكروا في الباب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّْهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣١٢] (٢٩٢٢) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَّ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ، حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ، أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ بَا عَبْدَ اللهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ، فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ)). قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم هذا الإسناد نفسه في هذا الباب، فليُتنبّه. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َتْه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ)؛ أي: غالبهم، أو المعنى: فيغلبونهم، (حَتَّى يَخْتَبِئَ)؛ أي: يختفي (الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ، أَوِ الشَّجَرُ)؛ أي: كلاهما، أو أحدهما، (يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ) جمعاً بين الوصفين؛ لزيادة التعظيم. (هَذَا)؛ أي: تنبّه، فإن ذا (يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ، فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ) استثناء من الشجر، وهو نوع شجر، وشوك، يقال له: العوسج، وفي ((النهاية)): هو ضَرْب من شجر العضاه، وشجر الشوك، ٤٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة والغرقدة واحدته، ومنه قيل لمقبرة أهل المدينة: بقيع الغرقد؛ لأنه كان فيه غرقد، وقُطع (١). (فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ))) أضيف إليهم بأدنى ملابسة، قيل: هذا يكون بعد خروج الدجال حين يقاتل المسلمون من تبعه من اليهود، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رَظ ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣١٢/١٨] (٢٩٢٢)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٢٩٢٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٧/٢)، و(الدانيّ) في ((السنن الواردة في الفتن)) (٨٧٠/٤)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣١٣] (٢٩٢٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ سِمَاكِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ كَذَّابِينَ))، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ أَبِي الأَحْوَصِ: قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ (٢) سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ؟ قَالَ: نَعَمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُو الأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقةٌ متقرٌ، صاحب حديث [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٥/٤. والباقون ذُكروا في الباب. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) طَّ؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ كَذَابِينَ))) قال المظهر: أراد منه كثرة الجهل، وقلة العلم، والإتيان (١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٣٦٢/٣. (٢) وفي نسخة: ((أنت)). ٤٦٩ (١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٣١٤) بالموضوعات من الأحاديث، وما يفترونه على رسول الله وَله، ويَحْتَمِل أن يراد به: ادعاء النبوة، كما كان في زمانه، وبَعد زمانه، وأن يراد بهم جماعة يدّعون أهواء فاسدة، ويسندون اعتقادهم الباطل إليه، كأهل البدع كلهم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره المظهر من الاحتمالات فيه نظر لا يخفى، والصحيح أنه مفسّر بحديث آخر؛ لأن الرواية يفسّر بعضها بعضاً، قال القرطبيّ تَخْتُهُ: هذا يفسّره الحديث الآخر الذي قال فيه: ((لا تقوم السَّاعة حتى يخرج ثلاثون، كذّابون، كلهم يزعم أنه نبيّ، وأنا خاتم النبيين)). زاد في الرواية التالية: ((قَالَ جَابِرٌ: فَاحْذَرُوهُمْ)). (وَزَادَ فِي حَدِيثٍ أَبِي الأَخْوَصِ) سلام بن سُليم، (قَالَ) سماك: (فَقُلْتُ لَهُ)؛ أي: لجابر بن سمرة ﴿ها، (آنْتَ) هكذا بمدّ الهمزة، وأصلها أأنت، فأبدلت الثانية مدّاً، وفي بعض النسخ: ((أنت)) بهمزة واحدة، وهو بتقدير الاستفهام، (سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّرَ؟ قَالَ) جابر: (نَعَمْ) سمعته منه، وإنما سأله مع أنه صرّح في الحديث بأنه سمع رسول الله وَّه يقول، من باب التأكّد، والاطمئنان، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن سمرة ◌ًا هذا من أفراد المصنّف تَخْذَلُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣١٣/١٨ و٧٣١٤] (٢٩٢٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٩٦/٥ و٨٧ و٨٨ و٩٤ و١٠١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣١٤] (.) - (وَحَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، قَالَ سِمَاكُ: وَسَمِعْتُ أَخِي، يَقُولُ: قَالَ جَابِرٌ: فَاحْذَرُوهُمْ). (١) ((مرقاة المفاتيح)) ١٠/ ٧٥ - ٧٦. ٤٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة رجال هذا الإسناد: خمسة : وکلهم ذُكروا في الباب. قوله: (قَالَ سِمَاك: وَسَمِعْتُ أَخِي) لم أجد من سمّى أخاه هذا، ولا من ترجم له، والله تعالى أعلم. وقوله: (مِثْلَهُ)؛ أي: مثل الحديث الماضي في رواية أبي الأحوص، وأبي معاوية. وقوله: (قَالَ جَابِرٌ: فَاحْذَرُوهُمْ)؛ يعني: أن هذا الكلام لجابر بن سمرة ﴿يا موقوفاً عليه، زاده بعد حديث النبيّ وَّر، زيادة في التحذير، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية شعبة عن سماك هذه ساقها الإمام أحمد نَّهُ في ((مسنده))، فقال : (٢٠٨٥٢) - حدّثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت جابر بن سمرة قال: سمعت النبيّ وَّ: ((إن بين يدي الساعة كذابين))، قال سماك: وسمعت أخي يقول: قال جابر: فاحذروهم. انتهى (١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣١٥] (١٥٧) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - وَهُوَ ابْنُ مَهْدِيٌّ - عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ، كَذَّابُوَنَ، قَرِيبٌ(٢) مِنْ ثَلَائِينَ، كُلَّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ))). رجال هذا الإسناد: سبعة : ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ) البصريّ، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في الباب. (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٨٨/٥. (٢) وفي نسخة: ((قريباً)). ٤٧١ (١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٣١٥) شرح الحديث : (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ (عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ)؛ أنه (قَالَ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ) بضم أوله؛ أي: يخرج، وليس المراد بالبعث معنى الإرسال المقارن للنبوة، بل هو كقوله تعالى: ﴿أَلَمّ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِينَ﴾ الآية [مريم: ٨٣]. (دَجَّالُونَ) هو فعّال بفتح أوله، وتشديد ثانيه، من الدّجْل، وهو التغطية، وسُمّي الكذابُ دجّالاً؛ لأنه يُغَطِّي الحق بباطله، ويقال: دَجَلَ البعيرَ بالقَطِران: إذا غطاه، والإناءَ بالذهب: إذا طلاه، وقال ثعلب: الدجال الممَوِّه، سيفٌ مُدَجَّل: إذا طُلي، وقال ابن دُريد: سّمي دجالاً؛ لأنه يغطي الحقّ بالكذب، وقيل: لضربه نواحي الأرض، يقال: دَجَلَ مخففاً، ومشدّداً: إذا فَعَلَ ذلك، وقيل: بل قيل ذلك؛ لأنه يغطي الأرض، فرجع إلى الأول، وقال القرطبيّ في ((التذكرة)): اختلف في تسميته دجّالاً على عشرة أقوال، ذكره في (١) ((الفتح))(١). وقال أيضاً: الدجل: التغطية، والتمويه، ويطلق على الكذب أيضاً، فعلى هذا يكون قوله: (كَذَّابُونَ) تأكيداً. وقال في ((العمدة)): قوله: ((حتى يُبعث))؛ أي: حتى يظهر ((دجالون)) جمع دجال؛ أي: خلّاطون بين الحق والباطل، مُمَوِّهون، والفرق بينهم وبين الدجال الأكبر، أنهم يدّعون النبوة، وهو يدّعي الإلهية، لكنهم كلهم مشتركون في التمويه، وادعاء الباطل العظيم، وقد وُجد كثير منهم، فضحهم الله، وأهلكهم. انتھی(٢) . وقوله: (قَرِيبٌ) بالرفع على الصفة، وفي بعض النسخ: ((قريباً)) بالنصب على الحال من النكرة؛ لكونها موصوفةً، كما قال في ((الخلاصة)): وَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِباً ذُو الْحَالِ إِنْ لَمْ يَتَأَخَّرْ أَوْ يُخَصَّصْ أَوْ يَبِنْ يَبْغِي امْرُؤٌ عَلَى امْرِئ مُسْتَسْهِلَا)) مِنْ بَعْدِ نَفْيٍ أَوْ مُضَاهِيهِ كَـالَا وقال في ((العمدة)): قوله: ((قريب)) مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ (١) ((الفتح)) ٥٧٤/١٦، ((كتاب الفتن)) رقم (٧١٢٢). (٢) ((عمدة القاري)) ٢١٥/٢٤. = ٤٧٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة أي: عددهم قريب، قال الكرمانيّ: أو منصوب مكتوب بلا ألف على اللغة الربيعية. انتهى(١). (مِنْ ثَلَائِينَ) كذا في هذه الرواية بأنهم قريبٌ من ثلاثين، وقد جزم بأنهم ثلاثون في رواية أبي داود، فقد أخرج في ((سننه)) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالون، كلهم يزعم أنه رسول الله))، وفي رواية: ((حتى يخرج ثلاثون كذاباً دجالاً، كلهم يكذب على الله، وعلى رسوله)). وروى أبو يعلى بإسناد حسن عن عبد الله بن الزبير تسمية بعض الكذابين المذكورين بلفظ: ((لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذاباً، منهم مسيلمة، والعنسيّ، والمختار)). وقد ظهر مصداق ذلك في آخر زمن النبيّ ◌َل، فخرج مسيلمة باليمامة، والأسود العنسيّ باليمن، ثم خرج في خلافة أبي بكر طليحة بن خُويلد، في بني أسد بن خزيمة، وسَجَاح التميمية، في بني تميم، وفيها يقول شبيب بن ربعي، وكان مؤدبها [من البسيط]: أَضْحَتْ نَبِيَّتُنَا أُنْثَى نُطِيفُ بِهَا وَأَصْبَحَ أَنْبِيَاءُ النَّاسِ ذُكْرَانًا وقُتل الأسود قبل أن يموت النبيّ وَّ، وقُتل مسيلمة في خلافة أبي بكر، وتاب طليحة، ومات على الإسلام على الصحيح، في خلافة عمر، ونُقل أن سجاح أيضاً تابت، وأخبار هؤلاء مشهورة عند الأخباريين. ثم كان أول من خرج منهم: المختار بن أبي عبيد الثقفيّ، غَلَب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير، فأظهر محبة أهل البيت، ودعا الناس إلى طلب قتلة الحسين، فتبعهم، فقَتَل كثيراً ممن باشر ذلك، أو أعان عليه، فأحبه الناس، ثم إنه زين له الشيطان أن ادَّعَى النبوة، وزعم أن جبريل يأتيه، فروى أبو داود الطيالسيّ بإسناد صحيح عن رفاعة بن شدّاد، قال: كنت أبْطنَ شيء بالمختار، فدخلت عليه يوماً، فقال: دخلت، وقد قام جبريل قبلُ من هذا الكرسيّ . (١) ((عمدة القاري)) ٢١٥/٢٤. ٤٧٣ (١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٣١٥) وروى يعقوب بن سفيان بإسناد حسن، عن الشعبيّ أن الأحنف بن قيس أراه كتاب المختار إليه، يذكر أنه نبيّ. وروى أبو داود في ((السنن)) من طريق إبراهيم النخعيّ قال: قلت لعَبِيدة بن عمرو: أترى المختار منهم؟ قال: أما إنه من الرؤوس، وقُتل المختار سنة بضع وستین . ومنهم: الحارث الكذّاب خرج في خلافة عبد الملك بن مروان، فقُتل. وخرج في خلافة بني العباس جماعة، وليس المراد بالحديث من ادَّعَى النبوة مطلقاً، فإنهم لا يحصون كثرة؛ لكون غالبهم ينشأ لهم ذلك عن جنون، أو سوداء، وإنما المراد: من قامت له شوكة، وبدت له شبهة، كمن وصفنا، وقد أهلك الله تعالى من وقع له ذلك منهم، وبقي منهم من يُلحقه بأصحابه، وآخرهم الدجال الأكبر، ذكره في (الفتح))(١). وقال في ((العمدة)): وقد وقع في حديث ثوبان بالجزم أنهم ثلاثون، وهو: ((سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبيّ، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي))، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وصححه ابن حبان، وروى أبو يعلى من حديث عبد الله بن عمرو: ((بين يدي الساعة ثلاثون دجالاً كذاباً))، وكذا رواه أحمد من حديث عليّ رَظُه، والطبرانيّ من حديث ابن مسعود، وروى أحمد، والطبرانيّ من حديث سمرة المصدّر بالكسوف، وفيه: ((ولا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذاباً، آخرهم الأعور الدجال)). وروى الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو: ((لا تقوم الساعة حتى يخرج سبعون كذاباً))، وسنده ضعيف، وكذا عند أبي يعلى من حديث أنس، وهو أيضاً ضعيف، وهو وإن ثبت فمحمول على المبالغة في الكثرة، لا على التحدید . وروى أحمد بسند جيد عن حذيفة: «يكون في أمتي دجالون كذابون، سبعة وعشرون منهم أربع نسوة، وإني خاتم النبيين، ولا نبي بعدي)) (٢). وممن ظهر في هذه العصور المتأخّرة من هؤلاء الدجّالين مرزا غلام (١) ((الفتح)) ٦/ ٦١٧. (٢) ((عمدة القاري)) ٢١٥/٢٤. ٤٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة أحمد القادياني في الهند، ولا يزال أتباعه مبثوثين في العالم اليوم، فهو من الدجاجلة الذين أخبر النبيّ وَّ﴿ بخروجهم، فصَدَق ما أخبر به(١)، أعاذنا الله من شرّهم آمين. وقوله: (كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ)) ظاهر في أن كلّاًّ منهم يَدّعي النبوة، وهذا هو السرّ في قوله في الحديث الآخر: ((وإني خاتم النبيين))، ويَحْتَمِل أن يكون الذين يدّعون النبوة منهم ما ذكر من الثلاثين، أو نحوها، وأن من زاد على العدد المذكور يكون كذاباً فقط، لكن يدعو إلى الضلالة، كغلاة الرافضة، والباطنية، وأهل الوحدة، والحلولية، وسائر الفرق الدعاة إلى ما يُعلم بالضرورة أنه خلاف ما جاء به محمد رسول الله وَية، ويؤيده أن في حديث عليّ رَُّه عند أحمد: ((فقال عليّ لعبد الله بن الكواء: وإنك لمنهم))، وابن الكواء لم يدّع النبوة، وإنما كان يغلو في الرفض(٢)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رحلته هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣١٥/١٨ و٧٣١٦] (١٥٧)، و(البخاريّ) في (المناقب)) (٣٦٠٩)، و(أبو داود) في ((الملاحم)) (٤٣٣٣ و٤٣٣٤)، و(الترمذيّ) في ((الفتن)) (٢٢١٨)، و(همام بن منبّه) في ((صحيفته)) (٢٥)، و(أحمد) في (مسنده)) (٢٣٧/٢)، و(وابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٦٥١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤٢٤٤)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣١٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: يَنْبَعِثَ). (١) راجع: (تكملة فتح الملهم)) ٢٤٠/٦. (٢) ((الفتح)) ٥٦٨/١٦، ((كتاب الفتن)) رقم (٧١٢١). ٤٧٥ (١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣١٧) قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم هذا الإسناد نفسه في هذا الباب، فتنبّه. وقوله: (بِمِثْلِهِ)؛ أي: بمثل حديث الأعرج عن أبي هريرة مظ لته. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) الضمير لهمّام بن منّه. وقوله: (يَنْبَعِثَ) مطاوع بعثه؛ أي: ينبعث بنفسه، ويدّعي نبوّته بترّهاته، وأباطله. [تنبيه]: رواية همّام بن منبّه عن أبي هريرة ◌َظُه هذه ساقها الترمذيّ ◌َخُّْهُ في ((جامعه))، فقال: (٢٢١٨) - حدّثنا محمود بن غيلان، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلاير: ((لا تقوم الساعة حتى ينبعث دجالون، كذابون، قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله))، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. انتهى(١) . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْثُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ . (١٩) - (بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣١٧] (٢٩٢٤) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَمَرَرْنَا بِصِبْيَاٍ، فِيهِمُ ابْنُ صَيَّادٍ، فَفَرَّ الصِّبْيَانُ، وَجَلَسَ ابْنُ صَيَّادٍ، فَكَأَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ﴿ كَرِهَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ وَّهِ: («تَرِبَتْ يَدَاَ، أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟»، فَقَالَ: لَا، بَلْ تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ذَرْنِي يَا رَسُولَ اللهِ، حَتَّى أَقْتُلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِنْ يَكُنِ الَّذِي تَرَى، فَلَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ)). (١) ((جامع الترمذيّ)) ٤٩٨/٤. ٤٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أبو الحسن الكوفيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضاً في الباب الماضي. ٤ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، تقدّم قريباً . ٥ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الكوفيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٦ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود تَظُه، تقدّم أيضاً قريباً. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذُ، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير إسحاق، فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وفيه ابن مسعود من أكابر الصحابة ﴿، ذو مناقب جمّة. شرح الحديث : (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود رَظُه؛ أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَمَرَرْنَا بِصِبْيَانٍ) بكسر الصاد، وضمّها: جمع صبيّ، كما في ((القاموس))، وقوله: (فِيهِمُ ابْنُ صَيَّادٍ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ((صبيان))، (فَفَرَّ الصِّبْيَانُ)؛ أي: هربوا هيبة من رسول الله وَ له، (وَجَلَسَ ابْنُ صَيَّادٍ) أي لم يفرّ معهم؛ لجراءته، وعناده، (فَكَأَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ كَرِهَ ذَلِك) أي جلوس ابن صيّاد، وعدم فراره كسائر الصبيان؛ لكون ذلك يدلّ على عناده. (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ وَّهِ: (تَرِبَتْ يَدَاَكَ) أي افتقرت يداك، ولصِقتا بالتراب، قال في ((النهاية)): يقال: تَرِب الرجلُ: إذا افتقر؛ أي: لَصِق بالتراب، وأترب: إذا استغنى، وهذه الكلمة جارية على ألسنة العرب، لا يريدون بها الدعاء على المخاطب، ولا وقوع الأمر به، قال: وكثيراً تَرِدُ للعرب ألفاظ ظاهرها الذم، وإنما يريدون بها المدح، كقولهم: لا أب لك، ولا أُمّ لك، ولا أرض لك، ونحو ذلك. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: لكن المقام هنا يدلّ على أنه ◌َّه يريد حقيقة (١) ((تحفة الأحوذيّ)) ١٧٤/٤. ٤٧٧ (١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣١٧) الدعاء عليه؛ لأنه مُعادٍ، وكافر يدّعي الرسالة لنفسه، فهو كافر مستحقّ للعن، فتأمل، والله تعالى أعلم. (أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟)) فَقَالَ) ابن صيّاد: (لَا)؛ أي: لا أشهد بذلك، (بَلْ تَشْهَدُ) أنت يا محمد (أَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) تَظُه: (ذَرْنِي)؛ أي: اتركني (يَا رَسُولَ اللهِ، حَتَّى أَقْتُلَهُ)؛ أي: كي أقتله؛ لأنه يستحقّ القتل لكفره، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((إِنْ يَكُنِ الَّذِي تَرَى)؛ أي: تعتقد أنه الدجال الذي يفتن الناس، (فَلَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ)))؛ أي: لأن الذي يقتله هو عيسى ظلَّارِ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود نظرائه هذا من أفراد المصنّف رَخَذْتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣١٧/١٩ و٧٣١٨] (٢٩٢٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٠/١ و٤٥٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٨٦/١٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٩٩/٧)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٠٤/٩)، و(البزّار)) في ((مسنده)) (١١٠/٥)، و(الشاشيّ) في ((مسنده)) (٧٦/٢)، و(الدانيّ) في ((السنن الواردة في الفتن)) (١١٩٣/٦ و١٢٠٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن ابن صياد هذا يقال له: ابن صياد، وابن صائد، وسُمي بهما في هذه الأحاديث، واسمه: صاف، قال العلماء: وقصته مشكلة، وأمره مشتبه، في أنه هل هو المسيح الدجال المشهور، أم غيره؟ ولا شك في أنه دجال من الدجاجلة، قال العلماء: وظاهر الأحاديث أن النبيّ وَّ لم يوحَ إليه بأنه المسيح الدجال، ولا غيره، وإنما أوحي إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان النبيّ وَطّ لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره، ولهذا قال لعمر نظُّبه: ((إن يكن هو فلن تستطيع قتله))، وأما احتجاجه هو بأنه مسلم، والدجال كافر، وبأنه لا يولد للدجال، وقد وُلد له هو، وأنه لا يدخل ٤٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة مكة والمدينة، وأن ابن صياد دخل المدينة، وهو متوجه إلى مكة، فلا دلالة له فيه؛ لأن النبيّ وَّه إنما أخبر عن صفاته وقت فتنته، وخروجه في الأرض. ومن اشتباه قصته، وكونه أحدَ الدجاجلة الكذابين قوله للنبيّ وَليقول: ((أتشهد أني رسول الله))، ودعواه أنه يأتيه صادق وكاذب، وأنه يرى عرشاً فوق الماء، وأنه لا يَكره أن يكون هو الدجال، وأنه يعرف موضعه، وقوله: إني لأعرفه، وأعرف مولده، وأين هو الآن، وانتفاخه حتى ملأ السِّكّة، وأما إظهاره الإسلام، وحجه، وجهاده، وإقلاعه عما كان عليه فليس بصريح في أنه غير الدجال. قال الخطابيّ: واختلف السلف في أمره بعد كِبَره، فرُوي عنه أنه تاب من ذلك القول، ومات بالمدينة، وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حتی رآه الناس، وقيل لهم: اشهدوا . قال: وكان ابن عمر وجابر فيما رُوي عنهما يحلفان أن ابن صياد هو الدجال، لا يشكان فيه، فقيل لجابر: إنه أسلم، فقال: وإن أسلم، فقيل: إنه دخل مكة، وكان في المدينة، فقال: وإن دخل. ورَوَى أبو داود في ((سننه)) بإسناد صحيح عن جابر قال: فقدنا ابن صياد يوم الحرّة، وهذا يُبْطل رواية من روى أنه مات بالمدينة، وصُلي عليه. وقد روى مسلم في هذه الأحاديث أن جابر بن عبد الله ضيًّا حلف بالله تعالى أن ابن صياد هو الدجال، وأنه سمع عمر بظلاله يحلف على ذلك عند النبيّ وَّهِ، فلم يُنكره النبيّ ◌َّ. وروى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يقول: والله ما أشك في أن ابن صياد هو المسيح الدجال. قال البيهقيّ في كتابه ((البعث والنشور)): اختَلَف الناس في أمر ابن صياد اختلافاً كثيراً، هل هو الدجال؟، قال: ومن ذهب إلى أنه غيره احتج بحديث تميم الداريّ في قصة الجساسة الذي ذكره مسلم بعد هذا، قال: ويجوز أن تُوافق صفة ابن صياد صفة الدجال، كما ثبت في ((الصحيح)) أن أشبه الناس بالدجال عبد العزى بن قطن، وليس هو هو . ٤٧٩ (١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣١٧) قال: وكان أمر ابن صياد فتنةً ابتلى الله تعالى بها عباده، فعصم الله تعالى منها المسلمين، ووقاهم شرها . قال: وليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبيّ وَّر، وقول عمر، فَيَحْتَمِل أنه وَّ كان كالمتوقف في أمره، ثم جاءه البيان أنه غيره، كما صرح به في حديث تميم. هذا كلام البيهقيّ، واختار أنه غيره. وقدّمنا أنه صحّ عن عمر، وعن ابن عمر، وجابر ظه أنه الدجال، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن التوقّف في شأن ابن صيّاد هذا هو الأرجح؛ لقوة أدلّة الجانبين، فمثل هذا يُتوقّف فيه، ويفوّض أمره إلى العالم الخبير، والله تعالى أعلم. انتهى(١). وقال في ((العمدة)): وفي ((كتاب الفتوح)) لسيف: لمّا نزل النعمان على السوس، أعياهم حصارها، فقال لهم القسيسون: يا معشر العرب إن مما عهد علماؤنا، وأوائلنا أن لا يفتح السوس إلا الدجال، فإن كان فيكم تستفتحونها، فإن لم يكن فيكم فلا، قال: وصاف ابن صياد في جند النعمان، وأتى باب السوس غضبان، فدقه برجله، وقال: انفتح، فتقطعت السلاسل، وتكسرت الأغلاق، وانفتح الباب، فدخل المسلمون(٢). وقال ابن التين: والأصح أنه ليس هو؛ لأن عينه لم تكن ممسوحة، ولا عينه طافية، ولا وُجدت فيه علامة. انتهى(٣). ٢ - (ومنها): ما ذكره في ((العمدة)) بصيغة الأسئلة والأجوبة: السؤال الأول: كيف سكت رسول الله وَلّ عمن يدعي النبوة كاذباً؟ وكيف تركه بالمدينة يساكنه في داره، ويجاوره فيها؟ وأجيب بأن هذا فتنة امتحن الله بها عباده المؤمنين، وقد امتُحن قوم موسى في زمانه بالعجل، فافتتن به قوم، وهلكوا، ونجا من هداه الله تعالى، (١) ((تحفة الأحوذيّ)) ٦/ ٤٢٧. (٢) هذه قصّة لا سند لها، فالظاهر عدم صحّتها . (٣) ((عمدة القاري)) ١٧٣/٨. ٤٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة وعصمه منهم، وقال الخطابيّ: والذي عندي أن هذه القصة إنما جرت معه أيام مهادنة رسول الله وَل# اليهود وحلفاءهم، وذلك أنه بعد مقدمه المدينة كتب بينه وبينهم كتاباً صالحهم فيه على أن لا يهاجُوا، وأن يُتركوا على أمرهم، وكان ابن صياد منهم، أو دخيلاً في جملتهم، وقيل: لأنه كان من أهل الذمة، وقيل: لأنه كان دون البلوغ، وهو ما اختاره عياض، فلم تَجْر عليه الحدود. السؤال الثاني: لِمَ اشتغل به النبيّ وَّ؟، ولِمَ حاور معه المحاورات المذكورة؟ . وأجيب بأنه كان يبلغه ما يدعيه من الكهانة، ويتعاطاه من الكلام في الغيب، فامتحنه ليعلم حقيقة حاله، ويُظهر أمره الباطل للصحابة، وأنه كاهن ساحر، يأتيه الشيطان، فيلقي على لسانه ما تلقيه الشياطين للكهنة. السؤال الثالث: رَوَى الترمذيّ وغيره من حديث أنس قال: قال رسول الله وَالى: ((ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا أنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه: ك ف ر))؛ قال: هذا حديث صحيح. وفي رواية مسلم: ((الدجال مكتوب بين عينيه: ك ف ر)) أي كافر، وفي لفظ له: ((يقرؤه كل مسلم))، وفي حديث عبد الله بن عمر: ((ما من نبيّ إلا قد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه ... )) الحديث، رواه مسلم، وقد ثبت في أحاديث الدجال أنه يخرج بعد خروج المهديّ، وأن عيسى؛ يقتله إلى غير ذلك، فما وجه إنذار الأنبياء لّلُ أمتهم عنه؟. وأجيب بأن المراد به تحقيق خروجه؛ يعني: لا يشكّون في خروجه، فإنه يخرج لا محالة، ونبّهوا على فتنته، فإن فتنته عظيمة جدّاً تُدهش العقول، وتحيّر الألباب، مع سرعة مروره في الأرض، وقلة مكثه. [فإن قلت]: لم خصّ النبيّ نوحاً مُلَّهُ بالذكر؟. [قلت]: لأنه تعلّ مقدَّم المشاهير من الأنبياء عل﴿ كما قدّمه في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا﴾ الآية [الشورى: ١٣]. ٣ - (ومنها): أن أحاديث هذا الباب حجة لمذهب أهل الحقّ في صحة وجوده، وأنه شخص بعينه ابتلى الله تعالى عباده به، وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى، من إحياء الميت الذي يقتله، وظهور زَهْرة الدنيا