Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
(١٧) - بَابٌ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعْبُدَ دَوْسٌ ذَا الْخَلَصَةِ - حديث رقم (٧٢٧١)
بعث إلى رسول الله وَله، فقال رسول جرير: والذي بعثك بالحقّ ما جئتك حتى
تركتها كأنها جمل أجرب، قال: فبارك في خيل أحمس، ورجالها خمس
مرات .
وفي رواية للبخاريّ: ((وذو الخلصة طاغيةُ دوس التي كانوا يعبدون)).
وقوله: (بِتَبَالَةَ) - بفتح المثناة، وتخفيف الموحّدة، وبعد الألف لام، ثم
هاء تأنيث - قرية بين الطائف واليمن، بينهما ستة أيام، وهي التي يُضرب بها
المثل، فيقال: أهون من تبالة على الحجاج، وذلك أنها أول شيء وَلِيَهُ، فلما
قَرب منها سأل من معه عنها، فقال: هي وراء تلك الأكمة، فرجع، فقال: لا
خير في بلد يسترها أكمة، وكلام صاحب ((المطالع)) يقتضي أنهما موضعان،
وأن المراد في الحديث غير تبالة الحجاج، وكلام ياقوت يقتضي أنها هي،
ولذلك لم يذكرها في المشترك، وعند ابن حبان من هذا الوجه، قال معمر: إن
عليه الآن بيتاً مبنياً مغلقاً .
وقال ابن التين: فيه الإخبار بأن نساء دوس يركبن الدواب من البلدان
إلى الصنم المذكور، فهو المراد باضطراب ألياتهن.
قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون المراد: أنهنّ يتزاحمن بحيث تضرب
عجيزة بعضهنّ الأخرى، عند الطواف حول الصنم المذكور.
وفي معنى هذا الحديث ما أخرجه الحاكم، عن عبد الله بن عمر قال:
((لا تقوم الساعة حتى تَدافَع مناكب نساء بني عامر على ذي الخلصة))، وابن
عديّ من رواية أبي معشر، عن سعيد، عن أبي هريرة، رفعه: ((لا تقوم الساعة
حتى تُعبد اللات والعزى)).
قال ابن بطال: هذا الحديث وما أشبهه ليس المراد به أن الدين ينقطع
كله في جميع أقطار الأرض، حتى لا يبقى منه شيء؛ لأنه ثبت أن الإسلام
يبقى إلى قيام الساعة، إلا أنه يضعف، ويعود غريباً كما بدأ، ثم ذكر حديث:
((لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ... )) الحديث، قال: فتبيّن في هذا
الحديث تخصيص الأخبار الأخرى، وأن الطائفة التي تبقى على الحقّ تكون
بيت المقدس، إلى أن تقوم الساعة، قال: فبهذا تأتلف الأخبار.
وتعقّبه الحافظ، قائلاً: ليس فيما احتَجّ به تصريح إلى بقاء أولئك إلى

٣٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
قيام الساعة، وإنما فيه حتى يأتي أمر الله، فيَحْتَمِل أن يكون المراد بأمر الله ما
ذُكر من قبض من بقي من المؤمنين، وظواهر الأخبار تقتضي أن الموصوفين
بكونهم ببيت المقدس أن آخرهم من كان مع عيسى ◌ِالَّله، ثم إذا بعث الله
الريح الطيبة، فقبضت روح كل مؤمن، لم يبق إلا شرار الناس.
وقد أخرج مسلم من حديث ابن مسعود رَظُه، رفعه: ((لا تقوم الساعة إلا
على شرار الناس))، وذلك إنما يقع بعد طلوع الشمس من مغربها، وخروج
الدابة، وسائر الآيات العظام، وقد ثبت أن الآيات العظام مثل السلك، إذا
انقطع تناثر الخرز بسرعة، وهو عند أحمد.
وفي مرسل أبي العالية: ((الآيات كلُّها في ستة أشهر)).
وعن أبي هريرة: ((في ثمانية أشهر)).
وقد أورد مسلم عقب حديث أبي هريرة من حديث عائشة ما يشير إلى
بيان الزمان الذي يقع فيه ذلك، ولفظه: ((لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد
اللات والعزى - وفيه - يبعث الله ريحاً طيبة، فَتَوفَّى كلَّ من في قلبه مثقال حبة
من خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم)) .
وعنده في حديث عبد الله بن عمرو طها، رفعه: ((يخرج الدجال في
أمتي ... الحديث ــ وفيه - فيبعث الله عيسى ابن مريم، فيطلبه، فيهلكه، ثم
يمكث الناس سبع سنين، ثم يرسل الله ريحاً باردةً من قِبَل الشام، فلا يبقى على
وجه الأرض أحد في قلبه مثقال حبة من خير، أو إيمان إلا قبضته - وفيه - فيبقى
شرار الناس في خِفّة الطير، وأحلام السباع، لا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون
منكراً، فيتمثل لهم الشيطان، فيأمرهم بعبادة الأوثان، ثم يُنفخ في الصُّور)).
فظهر بذلك أن المراد ((بأمر الله)) في حديث: ((لا تزال طائفة)): وقوع
الآيات العظام التي يعقبها قيام الساعة، ولا يتخلف عنها إلا شيئاً يسيراً.
ويؤيده حديث عمران بن حصين ، رفعه: ((لا تزال طائفة من أمتي
يقاتلون على الحقّ، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهم الدجال))،
أخرجه أبو داود، والحاكم.
قال: ويؤخذ منه صحة ما تأولته، فإن الذين يقاتلون الدجال يكونون بعد
قتله مع عيسى الِثَلا، ثم تُرسل عليهم الريح الطيبة، فلا يبقى بعدهم إلا
الشرار، كما تقدم.

٣٨٣
(١٧) - بَابٌ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعْبُدَ دَوْسٌ ذَا الْخَلَصَةِ - حديث رقم (٧٢٧١)
قال: ووجدت في هذا مناظرة لعقبة بن عامر، ومحمد بن مسلمة، فأخرج
الحاكم من رواية عبد الرحمن بن شِماسة، أن عبد الله بن عمرو قال: ((لا تقوم
الساعة إلا على شرار الخلق، هم شرّ من أهل الجاهلية))، فقال عقبة بن عامر:
عبدُ الله أعلم ما يقول، وأما أنا فسمعت رسول الله وَله يقول: ((لا تزال عصابة
من أمتي يقاتلون على أمر الله، ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم، حتى تأتيهم
الساعة، وهم على ذلك))، فقال عبد الله: أَجَلْ، ويبعث الله ريحاً ريحها ريح
المسك، ومسّها مسّ الحرير، فلا تترك أحداً في قلبه مثقال حبة من إيمان، إلا
قبضته، ثم يبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة)).
فعلى هذا فالمراد بقوله في حديث عقبة: ((حتى تأتيهم الساعة)) ساعتهم
هم، وهي وقت موتهم بهبوب الريح، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ(١) رَّتُهُ.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الحافظ تَقْتُ تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً.
خلاصته: أنه لا تنافي بين قوله وَله: ((حتى تأتيهم الساعة، وهم على
ذلك))، وبين قصّة الريح الليّنة، فإن تلك الريح هي الساعة في حقّهم، فهم
يقومون على القتال في سبيل الله إلى أن تهبّ تلك الريح، فتقبض أرواح
جميعهم، فعند ذلك يبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة، فلا تقوم الساعة
إلا على شرار الخلق، وهذا فضل الله تعالى عظيم، حيث لا يرى المؤمن
أهوال قيام الساعة، ﴿وَاَللّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٧١/١٧] (٢٩٠٦)، و(البخاريّ) في ((الفتن))
(٧١١٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٧٩٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/
٢٧١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٧٤٩)، و(ابن أبي عاصم) في ((السنّة))
(٧٧ و٧٨)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (١٦٦/٤)، و(الدانيّ) في ((السنن
(١) ((الفتح)) ١٣/ ٧٧.

٣٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
الواردة في الفتن)) (٨٢٩/٤)، و(نعيم بن حمّاد) في ((الفتن)) (٦٠٠/٢)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤٢٨٥)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَُّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٧٢] (٢٩٠٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، وَأَبُو مَعْنٍ زَيْدُ بْنُ يَزِيدَ
الرَّقَاشِيُّ - وَاللَّفْظُ لأَبِي مَعْنٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ جَعْفٍَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقُولُ: ((لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ
وَالْعُزَّى))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ كُنْتُ لِأَظُنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ
﴾ [الصف: ٩] أَنَّ
رَسُولَهُ بِلْمُدَى وَدِينِ الَّ لِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
ذَلِكَ تَامّاً، قَالَ: ((إِنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحاً طَيِّبَةً،
فَتَوَفَى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ،
فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِمْ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الأَسْوَدُ بْنُ الْعَلَاءِ) بن جارية - بالجيم - الثقفيّ، ويقال له: سُويد،
ثقةٌ [٦] (م س) تقدم في ((الحدود)) ١٢ / ٤٤٦٠.
والباقون تقدّموا قريباً، و((أبو كامل)) هو: فضيل بن حسين، و((خالد بن
الحارث)) هو: الْهُجيميّ، و((أبو سلمة)) هو: ابن عبد الرحمن بن عوف.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ◌َّا؛ أنها (قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقُولُ:
((لَا) نافيةٌ، ولذا رُفع الفعل بعدها، (يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ)؛ أي: لا تنتهي الدنيا
(حَتَّى تُعْبَدَ) بالبناء للمفعول، (اللَّاتُ وَالْعُزَّى))) اسما صنمين، قال الواحديّ
وغيره: وكانوا يشتقون لها أسماء من أسماء الله تعالى، فقالوا من الله: اللات،
ومن العزيز العزّى، وهي تأنيث الأعزّ بمعنى العزيزة، ومناة من مَنَى الله
الشيءَ: إذا قدّره. قرأ الجمهور: ﴿اَللَّتَ﴾ [النجم: ١٩] بتخفيف التاء، فقيل:
هو مأخوذ من اسم الله سبحانه كما تقدّم، وقيل: أصله: لات يليت، فالتاء

٣٨٥
(١٧) - بَابٌ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعْبُدَ دَوْسٌ ذَا الْخَلَصَةِ - حديث رقم (٧٢٧٢)
أصلية، وقيل: هي زائدة، وأصله لوى يلوي؛ لأنهم كانوا يلوون أعناقهم
إليها، أو يلّون عليها، ويطوفون بها. واختلف القراء هل يوقف عليها بالتاء،
أو بالهاء؟ فوقف عليها الجمهور بالتاء، ووقف عليها الكسائي بالهاء، واختار
الزجاج، والفراء الوقف بالتاء؛ لاتباع رسم المصحف، فإنها تُكتب بالتاء،
وقرأ ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، ومنصور بن المعتمر، وأبو الجوزاء،
وأبو صالح، وحميد: ﴿اَللَّهَ﴾ بتشديد التاء، ورُويت هذه القراءة عن ابن كثير،
فقيل: هو اسم رجل كان يلتّ السويق، ويطعمه الحاج، فلما مات عكفوا على
قبره يعبدونه، فهو اسم فاعل في الأصل غلب على هذا الرجل. قال مجاهد:
كان رجلاً في رأس جبل يتخذ من لبنها وسمنها حَيْساً، ويُطعم الحاج، وكان
ببطن نخلة فلما مات عبدوه. وقال الكلبي: كان رجلاً من ثقيف له صِرْمة غنم،
وقيل: إنه عامر بن الظرب العدواني، وكان هذا الصنم لثقيف، وفيه يقول
الشاعر :
وَكَيْفَ يَنْصُرُكُمْ مَنْ لَيْسَ يَنْتَصِرُ
لا تَنْصُروا اللاتَ إِنَّ اللَّهَ مُهْلِكُها .
قال في ((الصحاح)): و﴿اللَّتَ﴾ اسم صنم لثقيف، وكان بالطائف، وبعض
العرب يقف عليها بالتاء، وبعضهم بالهاء. ﴿وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩]: صنم قريش،
وبني كنانة. قال مجاهد: هي شجرة كانت بغطفان، وكانوا يعبدونها، فبعث
إليها النبيّ وَّ خالد بن الوليد، فقطعها، وقيل: كانت شيطانة تأتي ثلاث
سمرات ببطن نخلة. وقال سعيد بن جبير: العزى: حجر أبيض كانوا يعبدونه.
وقال قتادة: هي بيت كان ببطن نخلة. ﴿وَمَنَّوَةَ﴾ [النجم: ٢٠]: صنم بني هلال.
وقال ابن هشام: صنم هذيل وخزاعة. وقال قتادة: كانت للأنصار. انتهى (١).
قالت عائشة رضيُّ: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ كُنْتُ) ((إن)) مخفّفة من
الثقيلة، ولذا وقعت بعدها اللام لعدم عملها، كما قال في ((الخلاصة)):
وَخُفِّفَتْ ((إِنَّ) فَقَلَّ الْعَمَلُ وَتَلْزَمُ اللََّمُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
(لأَظُنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ)،وَ قوله: (﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْمُدَى وَدِينِ الْحَقِّ
٩
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
(١) ((فتح القدير) للشوكانيّ تَخَّهُ ٧٠/٧ - ٧١.

٣٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
قال أبو جعفر الطبريّ كَّلهُ: يقول تعالى ذكره: الله الذي يأبى إلا إتمام
دينه، ولو كره ذلك جاحدوه، ومنكروه، (الذي أرسل رسوله)، محمداً وَل
(بالهدى)؛ يعني: ببيان فرائض الله على خلقه، وجميع اللازم لهم (و) بـ(دين
الحق) وهو الإسلام، (ليظهره على الدين كله)، يقول: ليُعلي الإسلام على
الملل كلها، (ولو كره المشركون)، بالله ظهورَه عليها .
ثم ذكر اختلاف أهل التأويل في معنى قوله: (ليظهره على الدين كله)
فقال بعضهم: ذلك عند خروج عيسى ظلّها، حين تصير المللُ كلُّها واحدةً،
وقال آخرون: معنى ذلك: ليعلمه شرائعَ الدين كلها، فيطلعه عليها، فعن ابن
عباس ها قوله: (ليظهره على الدين كله)، قال: ليُظهر الله نبيّه وَّه على أمر
الدين كله، فيعطيه إيّاه كله، ولا يخفى عليه منه شيء، وكان المشركون واليهود
یکرهون ذلك. انتھی(١).
(أَنَّ ذَلِكَ) المذكور في الآية من ظهور الإسلام على الأديان كلها يكون
(تَامّاً) مستمرّاً إلى يوم القيامة، تعني أنها فَهِمت من هذه الآية الكريمة أن
المسلمين لن يُغلبوا أبداً، ولن يعود الكفر بعدما أظهر الله تعالى الإسلام على
جميع الأديان، فـ(قَالَ) رسول الله وَّ: ((إِنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي: إن الحال
والشأن، (سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ) الذي فهمته، من ظهور الإسلام على الأديان كلها
(مَا شَاءَ اللهُ) كونه .
حاصل الجواب: أن ما دلّت عليه الآية من ظهور الإسلام على الدين كلّه
ليست قضيّة دائمة مستمرّة إلى يوم القيامة، بل هي مغيّبات بما بيّنه بقوله:
(ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ) وَ (رِيحاً طَيِّبَةً) في رائحتها، ليّنة في هبوبها، (فَتَوَنَّى) أصله
فتتوقَّى، فحُذفت منه إحدى التاءين؛ تخفيفاً، كما في قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَى﴾.
[الليل: ١٤]، وقوله: ﴿فَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، كما قال في («الخلاصة»:
فِيهِ عَلَى تَا كَـاتَبَيَّنُ الْعِبَرْ))
وَمَا بِتَاءَيْنِ اِبْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ
وقوله: (كُلَّ مَنْ) بالنصب على المفعوليّة، (فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ خَرْدَلٍ مِنْ
إِيمَانٍ)؛ أي: فيموت بسببها كلّ مؤمن، (فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ) من الكفرة،
(١) ((تفسير الطبريّ)) ٢١٤/١٤ - ٢١٥.

٣٨٧
(١٧) - بَابٌ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعْبُدَ دَوْسٌ ذَا الْخَلَصَةِ - حديث رقم (٧٢٧٣)
والمنافقين، (فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِمْ)))؛ أي: وهو عبادة الأصنام، كما قال
في أول الحديث: ((لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللاتُ والعزى))، والله
تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ؤها هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه :
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٧٢/١٧ و٧٢٧٣] (٢٩٠٧)، و(أبو يعلى) في
(مسنده)) (٤٥٦٤)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (١٣٤/٧)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٩/ ١٨١)، و(الدانيّ) في ((السنن الواردة في الفتن)) (٨٣٠/٤)، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٧٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ - وَهُوَ
الْحَنَفِيُّ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة :
١ - (أَبُو بَكْرِ الْحَنَفِيُّ) عبد الكبير بن عبد المجيد بن عُبيد الله البصريّ،
ثقةٌ [٩] (ت٢٠٤) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١١٣٦/٤٩.
والباقيان ذُكرا في الباب، والباب الماضي.
[تنبيه]: رواية أبي بكر الحنفيّ عن عبد الحميد بن جعفر هذه ساقها أبو
يعلى ◌َّتُهُ في ((مسنده))، فقال:
(٤٥٦٤) - حدّثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، حدّثنا أبو بكر الحنفيّ،
حدّثنا عبد الحميد بن جعفر، عن الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة، عن
عائشة، قالت: قال رسول الله وَله: ((لن يذهب الليل والنهار حتى يُعبد اللاتُ
والعزى)) قالت: قلت: يا رسول الله، فقد كنتُ أظن حين قال الله: ﴿هُوَ
الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ
[التوبة: ٣٣] وأن ذلك تامّاً، فقال رسول الله وَله: ((سيكون من
(٣٣)
اُلْمُشْرِكُنَ
ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحاً طيبةً، فتَقبِض روح من كان في قلبه

٣٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
مثقال حبة من خردل من خير، ويبقى الآخرون، فيرجعون إلى دين آبائهم)).
(١)
انتھی
﴿إِنْ أُرِيِّدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(١٨) - (بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ
بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٧٤] (١٥٧)(٢) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ،
فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّـ
قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُزَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ، فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي
مَكَانَهُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقيان ذُكرا في البابين الماضيين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَُّهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه،
فبغلانيّ، وقد دخلا المدينة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأنه أحد ما قيل:
إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة نظرته، وفيه أبو هريرة رضيبه أكثر من روى الحديث
في دهره.
(١) ((مسند أبي يعلى)) ٨/ ٤٧.
(٢) هذا مكرّر، هكذا جعله مكرّراً، وهو غير صحيح، فإن الحديث الذي مضى بهذا
الرقم غير هذا الحديث سنداً ومتناً، فلتراجعه لترى الصواب، والله تعالى أعلم.

٣٨٩
(١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٧٤)
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُهُ؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نِِّ قَالَ: (لا) نافية، (تَقُومُ
السَّاعَةُ)؛ أي: القيامة، (حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ) المراد بهما الجنس،
فهما في قوة النكرة، ويمكن أن يراد بهما الاستغراق، فكل فرد في هذا
الاستحقاق. (فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ)))؛ أي: ميتاً، وفي الرواية التالية: ((وليس
به الدِّين)) بكسر الدال ((إلا البلاء»؛ أي: الحامل له على التمني ليس الدِّين، بل
البلاء، وكثرة المحن، والفتن، وسائر الضراء.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فيقول: يا ليتني مكانه))؛ أي: كنتُ ميتاً، قال
ابن بطال: تَغَبُّط أهل القبور، وتمنّي الموت عند ظهور الفتن إنما هو خوف
ذهاب الدِّين بغلبة الباطل وأهله، وظهور المعاصي والمنكر. انتهى.
قال الحافظ: وليس هذا عامّاً في حق كل أحد، وإنما هو خاصّ بأهل
الخير، وأما غيرهم فقد يكون لِمَا يقع لأحدهم من المصيبة في نفسه، أو أهله،
أو دنياه، وإن لم يكن في ذلك شيء يتعلق بدينه، ويؤيده ما أخرجه في رواية
أبي حازم، عن أبي هريرة، عند مسلم: ((لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على
القبر، فيتمرغ عليه، ويقول: يا ليتني مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدِّين،
إلا البلاء)).
وذِكر الرجل فيه للغالب، وإلا فالمرأة يُتصور فيها ذلك، والسبب في
ذلك ما ذُكر في رواية أبي حازم أنه يقع البلاء، والشدة، حتى يكون الموت
الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء، فيتمنى أهون المصيبتين في
اعتقاده، وبهذا جزم القرطبيّ، وذكره عياض احتمالاً، وأغرب بعض شرّاح
((المصابيح))، فقال: المراد بالدِّين هنا العادة، والمعنى أنه يتمرغ على القبر،
ويتمنى الموت في حالة ليس المتمرّغ فيها من عادته، وإنما الحامل عليه
البلاء.
وتعقبه الطيبيّ بأن حمل الدِّين على حقيقته أولى؛ أي: ليس التمني
والتمرغ لأمر أصابه من جهة الدِّين، بل من جهة الدنيا.
وقال ابن عبد البرّ: ظن بعضهم أن هذا الحديث معارض للنهي عن تمني
الموت، وليس كذلك، وإنما في هذا أن هذا القدر سيكون؛ لشدة تنزل بالناس

٣٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
من فساد الحال في الدِّين، أو ضعفه، أو خوف ذهابه، لا لضرر ينزل في
الجسم، كذا قال.
قال الحافظ: وكأنه يريد أن النهي عن تمني الموت هو حيث يتعلق بضرر
الجسم، وأما إذا كان لضرر يتعلق بالدِّين فلا .
وقد ذكره عياض احتمالاً أيضاً، وقال غيره: ليس بين هذا الخبر وحديث
النهي عن تمني الموت معارضةٌ؛ لأن النهي صريح، وهذا إنما فيه إخبار عن
شدة ستحصل، ينشأ عنها هذا التمني، وليس فيه تعرض لحكمه، وإنما سيق
للإخبار عما سيقع.
قال الحافظ: ويمكن أخذ الحكم من الإشارة في قوله: ((وليس به الدِّين،
إنما هو البلاء))، فإنه سيق مساق الذمّ والانكار، وفيه إيماء إلى أنه لو فعل ذلك
بسبب الدِّين، لكان محموداً.
ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمر الدِّين عن جماعة من السلف،
قال النوويّ: لا كراهة في ذلك، بل فعله خلائق من السلف، منهم عمر بن
الخطاب، وعيسى الغفاريّ، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم.
ثم قال القرطبيّ: كأن في الحديث إشارةً إلى أن الفتن والمشقة البالغة
ستقع حتى يخفّ أمر الدِّين، ويقل الاعتناء بأمره، ولا يبقى لأحد اعتناء إلا
بأمر دنياه، ومعاش نفسه، وما يتعلق به، ومن ثَمَّ عَظُم قدر العبادة أيام الفتنة،
كما أخرج مسلم من حديث مَعْقِل بن يسار، رفعه: ((العبادة في الْهَرْج، كهجرة
إليّ)) .
ويؤخذ من قوله: ((حتى يمر الرجل بقبر الرجل)) أن التمني المذكور إنما
يحصل عند رؤية القبر، وليس ذلك مراداً، بل فيه إشارة إلى قوّة هذا التمني؛
لأن الذي يتمنى الموت بسبب الشدة التي تحصل عنده، قد يذهب ذلك
التمني، أو يخفّ عند مشاهدة القبر، والمقبور، فيتذكر هول المقام، فيضعف
تمنّيه، فإذا تمادى على ذلك دلّ على تأكد أمر تلك الشدة عنده، حيث لم
يصرفه ما شاهده من وحشة القبر، وتذكّر ما فيه من الأهوال عن استمراره على
تمني الموت.
وقد أخرج الحاكم من طريق أبي سلمة قال: ((عُدت أبا هريرة، فقلت:

٣٩١
(١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٧٤)
اللَّهُمَّ اشف أبا هريرة، فقال: اللَّهُمَّ لا ترجعها، إن استطعت يا أبا سلمة
فَمُت، والذي نفسي بيده ليأتينّ على العلماء زمانٌ الموت أحب إلى أحدهم من
الذهب الأحمر، وليأتين أحدهم قبر أخيه، فيقول: ليتني مكانه)).
وفي ((كتاب الفتن)) من رواية عبد الله بن الصامت، عن أبي ذرّ قال:
((يوشك أن تمر الجنازة في السوق على الجماعة، فيراها الرجل، فيهز رأسه،
فيقول: يا ليتني مكان هذا، قلت: يا أبا ذرّ: إن ذلك لمن أمر عظيم، قال:
أَجَلْ))(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رَُّله هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٧٤/١٨ و٧٢٧٥] (١٥٧)، و(البخاريّ) في
((الفتن)) (٧١١٥ و٧١٢١)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٢٤١/١)، و(عبد الرزّاق)
في ((مصنّفه)) (٣٧٨/١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٦/٢ و٥٣٠)، و(ابن
حبّان)) في ((صحيحه)) (٦٧٠٧)، و(الدانيّ) في ((السنن الواردة في الفتن)) (٢/
٤٥٣ و٤٥٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن من أشراط الساعة التي لا بدّ من وقوعها مرور
الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه، وهذا إن لم يكن قد وقع فهو واقع
لا محالة، وليس يلزم أن يكون في كل البلدان، ولا في كل الأزمنة، ولا
لجميع الناس، بل يصدق هذا بأن يتفق لبعضهم في بعض الأقطار، وقد ذكر
ابن عبد البرّ، والقاضي عياض أن ذلك قد وقع.
٢ - (ومنها): أنه يَحْتَمِل أن يكون سبب هذا التمني ما يُرى من البلاء،
والمحن، والشدائد، والفتن، فيرى الموت الذي هو أعظم المصائب أهون مما
هو فيه، فيتمنى المصيبة الهيّنة في اعتقاده، ويَحْتَمِل أن يكون سببه ما يرى من
(١) ((الفتح)) ٥٤٨/١٦ - ٥٤٩، ((كتاب الفتن)) رقم (٧١١٥).

٣٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
تغيير الشريعة، وتبديل الدين، فيتمنى الموت لسلامة دينه، وقد ذكر الاحتمالين
القاضي عياض، والثاني منهما مردود؛ لقوله في الرواية الأخرى: ((وليس به
الدِّين إلا البلاء))؛ أي: لا يحمله على ذلك أمر الدين، وإنما يحمله عليه
البلاء، وقد جزم ابن عبد البر بهذا الاحتمال المردود، فقال: ظن بعض الناس
أن هذا الحديث معارض للنهي عن تمني الموت، وقال: في هذا إباحة تمنيه،
وليس كما ظن، وإنما هذا خبر أن ذلك سيكون؛ لشدة تنزل بالناس من فساد
الحال في الدين، وضعفه، وخوف ذهابه، لا لضرر ينزل بالمؤمن في جسمه.
انتهى .
قال وليّ الدين: وقد عرفت أن رواية مسلم من طريق أبي حازم تردّه.
[فإن قلت]: إذا لم يكن كذلك فما الجمع بينه وبين النهي عن تمني
الموت؟
[قلت]: لا معارضة بينهما حتى يحتاج إلى الجمع؛ لأن هذا الحديث
إخبار عن شدةٍ تحصل، ينشأ عنها هذا التمني، وليس فيه الحكم على هذا
التمني بشيء، لا بتحريم، ولا كراهة، ولا إباحة، فالحديث إنما سيق للإخبار
عما سيقع، وأما حكم التمني فمأخوذ من حديث آخر، وجزم أبو العباس
القرطبيّ بالاحتمال الأول الراجح، ثم قال: وكأن هذا إشارة إلى أن أكثر الفتن
والمشقات والأنكاد قد أذهبت الدِّين من أكثر الناس، أو قلَّلت الاعتناء به من
الذي يتمسك بالدين عند هجوم الفتن، ولذلك عَظُم قَدْر العبادة في حالة الفتن،
حتى قال ◌َّ: ((العبادة في الهُرْج كهجرة إليّ)). انتهى (١).
٣ - (ومنها): أن قوله: ((حتى يمر الرجل بقبر الرجل)) الظاهر أن ذكر
الرجل في الموضعين خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، فالمرأة في ذلك
كالرجل، ويَحْتَمِل أنه إنما يحصل هذا التمني للرجال خاصة، فإنهم الذين
يُبْتَلون بالشدائد، والمحن، ويظهر فيهم ثمرة الفتن، بخلاف النساء، فإنهن
محجوبات في الأغلب، لا يَصْلَين نار الفتن، قال الشاعر:
كُتِبَ الْقَتْلُ وَالْقِتَالُ عَلَيْنَا وَعَلَى الْغَانِيَاتِ جَرُّ الذُّيُولِ
(١) ((المفهم)) ٢٤٥/٧.

٣٩٣
(١٨) - بَابُ بَيَّانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٧٥)
٤ - (ومنها): أنه قد يُفْهَم من الحديث أن هذا التمني لا يَعرِض للإنسان
إلا عند رؤية القبر، وذلك قد يدلّ على خفة هذا التمني، وعدم تأكده، فلو
تأكد لاستحضره من غير رؤية القبر.
ويَحْتَمِل أن يقال: هذا أبلغ؛ لأن الإنسان قد يتمنى الموت من غير
استحضار لهيئته وصورته، فإذا استحضره وتصوّره، وشاهد الموتى، ورأى
القبور نفر من هذا الأمر، وأحب الحياة، ولم يعد يتمنى الموت، ولمّا كان
الرجل مستمرّاً على تمني الموت مع ذلك، دل على تأكد هذا الأمر، وقوته
عنده، إذ لم يصرفه عنه ما شاهد من وحشة القبور، وفي تلك الرواية التي عند
مسلم مبالغة في ذلك الأمر، وهو أنه يتمرغ على القبر، وذلك يدل على تأكد
تمنّه، وشدة تعلقه به، والله أعلم(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٧٥] (.) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ،
وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرِّفَاعِيُّ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ أَبَانَ - قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِّي
إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَاً حَتَّى يَمُزَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ، فَيَتَمَرَُّ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ: يَا
لَيْتَنِي (٢) كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبٍ هَذَا الْقَبْرِ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ، إِلَّا الْبَلَاءُ)).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرِّفَاعِيُّ) هو: محمد بن يزيد بن محمد بن كثير
العجليّ، أبو هشام الكوفيّ، قاضي المدائن، ليس بالقويّ، من صغار [١٠]
وذكره ابن عديّ في شيوخ البخاريّ، وجزم الخطيب بأن البخاريّ روى عنه،
لكن قد قال البخاريّ: رأيتهم مُجْمِعين على ضَعْفه، مات سنة ثمان وأربعين
ومائتين (م د ق) تقدم في ((الزكاة)) ٢٣٤١/١٨.
٢ - (أَبُو إِسْمَاعِيلَ) أو أبو مُنَين - بنونين، مصغّراً - يزيد بن كيسان
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٣٨/٣ - ٢٤٠.
(٢) وفي نسخة: ((يا ليتني مكان)).

٣٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج- كتاب الفتن، وأشراط الساعة
اليشكريّ الكوفيّ، صدوق يخطئ [٦] (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤٢.
٣ - (أَبُو حَازِم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤٢.
والباقون ذُكروا في البابين الماضيين.
وقوله: (فَيَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ) الظاهر أنه منصوب بالعطف على ((يمرّ))، وكذا
(يقول))، وضُبط بالقلم بالرفع، وله وجه، وهو أن يقدّر له مبتدأ؛ أي: فهو
يتمرّغ، ويقول، والتمرّغ: التقلّب، يقال: تمرّغ؛ أي: تقلّب، وتلوّى من وجع
یجده، قاله المجد.
وقوله: (وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ، إِلَّ الْبَلَاءُ))) قال المظهر: الدِّين هنا العادة،
((وليس)) في موضع الحال من الضمير في ((يتمرغ))؛ يعني: يتمرغ على رأس
القبر، ويتمنى الموت في حال ليس التمرغ من عادته، وإنما حَمَل عليه البلاء.
قال الجامع عفا الله عنه: تفسيره الدِّين بالعادة غير صحيح، بل الصواب
أنه الدّين على حقيقته؛ أي: ليس ذلك التمرغ والتمني لأمر أصابه من جهة
الدِّين، وإنما هو من جهة الدنيا، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبله، ولله الحمد
والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٧٦] (٢٩٠٨) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ
يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ - عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِه:
((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَّمَانٌ، لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِي أَيِّ شَيْءٍ قَلَ،
وَلَا يَدْرِي الْمَقْتُولُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ (١) قُتِلَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) محمد بن يحيى بن أبي عمر، تقدّم قريباً.
٢ - (مَرْوَانُ) بن معاوية الفزاريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
(١) وفي نسخة: ((في أيّ شيءٍ)).

٣٩٥
(١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٧٧)
والباقون ذُكروا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ،
لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ)؛ أي: يوم عظيمٌ، فيه شرّ جسيم، (لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِي
أَِّ شَيْءٍ قَتَلَ) بالبناء للفاعل؛ أي: قَتَلَ المقتولَ، هل يجوز قتله أم لا؟ (وَلَا
يَدْرِي الْمَقْتُولُ) نفسه، أو أهله (عَلَى أَيِّ شَيْءٍ) وفي نسخة: ((في أيّ شيءٍ))،
(قُتِلَ))) بالبناء للمفعول؛ أي: هل بسبب شرعيّ، أو بغيره؟ زاد في الرواية
التالية: ((فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟)) قَالَ: ((الْهَرْجُ، الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ))؛
أي: سئل النبيّ وَّل ما سبب وقوع القتل بحيث لا يَعرف القاتل، ولا المقتول
بسببه؟ قال: الهرج؛ أي: الفتنة، والاختلاطات الكثيرة الموجبة للقتل
المجهول، والمعنى: أن سببه ثوران الهرج بالكثرة، وهيجانه بالشدة، وقوله:
((القاتل والمقتول في النار))، أما القاتل فلقتله مسلماً، وأما المقتول فلأنه كان
حريصاً على قَتْل مسلم أيضاً ولكنه لم يجد الفرصة، قال النوويّ تَظُّهُ: أما
القاتل فظاهر، وأما المقتول، فإنه أراد قَتْل صاحبه، وفيه دلالة للمذهب
الصحيح المشهور أن من نوى المعصية، وأصرّ على النية يكون آثماً، وإن لم
يفعلها، ولم يتكلم بها. انتهى.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظ ◌ُبه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٧٦/١٨ و٧٢٧٧] (٢٩٠٨)، و(ابن أبي شيبة)
في ((مصنّفه)) (٤٨٧/٧)، و(الدانيّ) في ((السنن الواردة في الفتن)) (٥٢٦/٣)،
و(الرافعيّ) في ((أخبار قزوين)) (١٠٦/٣)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٧٧] (.) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ، وَوَاصِلُ بْنُ
عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِي
حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَذْهَبُ

٣٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
الدُّنْيَا حَتَّى يَأْنِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ (١) قَتَلَ، وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ
قُتِلَ))، فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((الْهَرْجُ، الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ))، وَفِي
رِوَايَةِ ابْنِ أَبَانَ: قَالَ: هُوَ يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ(٢)، لَمْ يَذْكُرِ
الأَسْلَمِيَّ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
وکلهم ذُكروا قبله، غیر:
١ - (أَبِي إِسْمَاعِيلَ الأَسْلَمِيِّ) فهو بشير بن سلمان الكنديّ الكوفيّ، والد
الحكم، ثقةٌ يُغْرِب [٦] (بخ م ٤) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٨٨٩/٤٦.
[تنبيه]: قال النوويّ تَخّْلُهُ: وفي الرواية: ((حدّثنا محمد بن فضيل، عن
أبي إسماعيل الأسلميّ، عن أبي حازم))، ثم قال مسلم: ((وفي رواية أبان:
قال: هو يزيد بن كيسان، عن أبي إسماعيل، لم يذكر الأسلميّ)). هكذا هو في
النُّسخ، ويزيد بن كيسان هو أبو إسماعيل، وفي الكلام تقديم وتأخير، ومراده:
وفي رواية ابن أبان قال: عن أبي إسماعيل، هو يزيد بن كيسان، وظاهر اللفظ
يوهم أن يزيد بن كيسان يرويه عن أبي إسماعيل، وهذا غلط، بل يزيد بن
كيسان هو أبو إسماعيل، ووقع في بعض النُّسخ: ((عن يزيد بن كيسان؛ يعني:
أبا إسماعيل)) وهذا يوضح التأويل الذي ذكرناه، وقد أوضحه الأئمة بدلائله كما
ذكرته، قال أبو عليّ الغسانيّ: اعلم أن يزيد بن كيسان يكنى أبا إسماعيل، وأن
بشير بن سلمان يكنى أبا إسماعيل الأسلميّ، وكلاهما يروي عن أبي حازم،
فقد اشتركا في أحاديث عنه، منها هذا الحديث، رواه مسلم أوّلاً عن يزيد بن
كيسان، ثم رواه عن رواية أبي إسماعيل الأسلميّ، إلا في رواية ابن أبان، فإنه
جعله عن يزيد بن كيسان أبي إسماعيل، ولهذا لم يذكر الأسلميّ في نسبه،
والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ◌َّتُهُ(٣).
(١) وفي نسخة: ((فيما)) في الموضعين.
(٢) هذا غلط، والصواب يعني: ((أبا إسماعيل))، وسيأتي الكلام عليه، فتنبّه.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٣٤/١٨ - ٣٥.

٣٩٧
(١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٧٧)
قال الجامع عفا الله عنه: عبارة الحافظ أبي عليّ الجيّاني الغسّاني ◌َُّهُ
في «تقییده)» :
قال مسلم: حدّثنا ابن أبي عمر المكيّ إلخ، ثم عقّب بعده بإسناد آخر،
فقال: نا عبد الله بن عمر بن أبان، وواصل بن عبد الأعلى، قالا: نا محمد بن
فُضيل، عن أبي إسماعيل الأسلميّ، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن
النبيّ ◌َّ بهذا.
قال: وفي رواية ابن أبان قال: هو يزيد بن كيسان؛ يعني: أبا إسماعيل،
لم يذكر الأسلميّ.
هكذا وقع في النُّسخ، يريد مسلم أن شيخيه اختلفا، فقال واصل: عن
ابن فضيل، عن أبي إسماعيل الأسلميّ - يعني به: بشير بن سلمان - وقال
عبد الله بن عمر بن أبان: عن ابن فُضيل، عن أبي إسماعيل، ولم يذكر
الأسلميّ؛ يعني به: یزید بن كيسان.
وهذا يحتاج إلى مقدّمة نذكرها هنا، وهي أن نعلم أن يزيد بن كيسان
اليشكريّ يُكنى أبا إسماعيل، وأن أبا إسماعيل الأسلميّ رجل آخر اسمه بشير بن
سلمان، وكلاهما روى عن أبي حازم، وقد اشتركا في غير حديث عن أبي
حازم الأشجعيّ، وقد بيّن ذلك أبو محمد بن الجارود في كتاب ((الكنى)) له،
فقال: أبو إسماعيل بشير بن سلمان كوفيّ عن أبي حازم، روى عنه زهير،
ومحمد بن فُضیل .
ثم قال بعد هذا: أبو إسماعيل يزيد بن كيسان اليشكريّ، عن أبي حازم،
كناه عبد الواحد.
قال أبو محمد بن الجارود: وقد اشترك بشير أبو إسماعيل الأسلميّ،
وأبو إسماعيل يزيد بن كيسان اليشكريّ في غير حديث، ثم ذكر منها عدّة
أحاديث.
منها: ما رواه أبو حازم عن أبي هريرة: أن رجلاً أتى رسول الله وَله ،
فقال: إني تزوّجت امرأةً من النصارى على ثماني أواقي، فقال رسول الله وَاليه :
((كأنما تَنْحِتون الفضّة من عُرْض هذا الجبل))، رواه مسلم.
ومنها: حديث آخر يرويه أبو حازم عن أبي هريرة: أن عمر خرج من

٣٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
بيته، وذكر ذهاب النبيّ ◌َّ، وأبي بكر، وعمر إلى بيت رجل من الأنصار،
وقوله لهما: ((ما أخرجكما؟)) قالا: الجوع ... الحديث بطوله، رواه مسلم.
ومنها: ما رواه أبو حازم عن أبي هريرة في تعريس النبيّ ◌َّ بطريق مكة،
أن رسول الله وَ﴿ قضى ركعتي الفجر بعدما طلعت الشمس، رواه مسلم.
ومنها: حديث أبي حازم عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّر قال: ((والذي
نفسي بيده لن تذهب الدنيا حتى يتمرّغ الرجل على القبر، فيقول: ليتني صاحب
هذا القبر))، رواه مسلم.
ذكر ابن الجارود هذه الأحاديث عن أبي إسماعيل الأسلميّ، وأبي
إسماعيل اليشكريّ، عن أبي حازم، عن أبي هريرة.
وخرّج مسلم من هذه الأحاديث المشترك فيها، مما لم يذكره ابن
[الإخلاص: ١] من حديث
الجارود: حديث فضل ﴿قُلُّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
يزيد بن كيسان، وبشير أبي إسماعيل، كلاهما عن أبي حازم، عن أبي هريرة،
رواه مسلم.
ثم قال أبو محمد: فقد بان بما ذكرنا من الدلائل أن أبا إسماعيل بشيراً
غير أبي إسماعيل يزيد، وإن اتّفقا في الرواية؛ لأن بشيراً هو ابن سلمان
الأسلميّ، وأبو إسماعيل: يزيد بن كيسان.
قال أبو عليّ: فكذلك هذا الحديث الواقع في (كتاب الفتن)) أخرجه
مسلم أوّلاً من حديث يزيد بن كيسان، ثم أخرجه بعد ذلك من حديث أبي
إسماعيل الأسلميّ، إلا في رواية عبد الله بن عمر بن أبان، فإنه جعله عن
يزيد بن كيسان أبي إسماعيل، ولذلك لم يذكر الأسلميّ في نسبه، والله أعلم.
انتهى كلام الحافظ الغسّاني كَّتُهُ.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكر الحافظ أبو عليّ الغسّاني بحث
نفيس جدّاً.
خلاصته: أن هذا الحديث رواه مسلم عن كلّ من يزيد بن كيسان،
وبشير بن سلمان، وكلاهما يُكنى أبا مسلم، ففي رواية ابن أبي عمر صرّح بأنه
يزيد بن كيسان، وفي رواية عبد الله بن عمر بن أبان، وواصل بن عبد الأعلى،
قالا : حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي إسماعيل، ثم اختلف شيخا مسلم،

٣٩٩
(١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٧٨)
فواصل زاد ((الأسلميّ))، فبان أنه بشير بن سلمان، وأما ابن أبان فقال: عن أبي
إسماعيل هو يزيد بن كيسان، ولم يذكر الأسلميّ، فصرّح أنه يزيد بن كيسان،
ولذا لم يَزِد الأسلميّ.
والحاصل أن أبا إسماعيل في رواية واصل هو بشير، وفي رواية ابن أبان
هو یزید .
وأما قوله أخيراً: ((عن أبي إسماعيل)) فغلط صريح، والصواب: يعني:
أبا إسماعيل، كما هو موجود في بعض النُّسخ، فتأمله بالإمعان، والله تعالى
وليّ التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٧٨] (٢٩٠٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ
- وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ عَنِ النَّبِيِّ وَهُ: «يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو
السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ) بن عبد الرحمن الخراسانيّ، نزيل مكة، ثم اليمن،
ثقةٌ، ثبتٌ، قال ابن عيينة: كان أثبت أصحاب الزهريّ [٦] (ع) تقدم في
((الطهارة)) ٢٦/ ٦٥٣.
والباقون تقدّموا قريباً، و((ابن أبي عمر)) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر
المكيّ، و((سعيد)) هو: ابن المسيِّب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَلُهُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمكيين،
غير ابن أبي شيبة، فكوفيّ، والثاني مسلسلٌ بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ، عن
تابعيّ، وفيه ابن المسيِّب من الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة ر ◌ُله رأس
المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) من الأحاديث.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيد) بن المسيِّب تَخْذُ؛ أنه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رَبُه (يَقُولُ عَنِ

٤٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
النَّبِيِّ وَّهِ: ((يُخَرِّبُ) بضم أوله، وفتح ثانيه، وتشديد الراء المكسورة، من
التخريب، أو بضم، فسكون، وتخفيف راء مكسورة، من الإخراب، قال
الفيّوميّ كَظْلُهُ: خَرِب المنزل - بكسر الراء، من باب تعب -، فهو خَرَابٌ،
ويتعدّى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: أخربته، وخرّبته. انتهى.
وهذا التخريب عند قُرب القيامة، حيث لا يبقى في الأرض أحد
يقول: الله، الله.
(الْكَعْبَةَ) اسم بيت الله الحرام، سمّيت بذلك؛ لنتوئها، وقيل: لتربيعها،
وارتفاعها. (ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ) بضم السين المهملة، وفتح الواو تثنية سُويقة، وهي
تصغير الساق، وهي مؤنثة، فلذا ظهرت التاء في تصغيرها؛ لأن التصغير،
والتكسير، والضمير تردّ الكلمات إلى أصولها، كما أشار إليه ابن مالك تَخْشُهُ
في ((الخلاصة))، حيث قال:
وَيُعْرَفُ التَّقْدِيرُ بِالضَّمِيرِ وَنَحْوِهِ كَالرَّدِّ فِي التَّصْغِيرِ
وإنما صغّر الساقين لأن الغالب على سُوق الحبشة الدقّة، والحُمُوشة؛
أي: له ساقان دقيقتان.
قال الطيبيّ ◌َُّ: سرّ التصغير الإشارة إلى أن مثل هذه الكعبة المعظّمة
يَهتك حرمَتَها مثل هذا الحقير الذميم الخلقة. ويَحْتَمِل أن يكون الرجل اسمه
ذلك، أو أنه وَصْف له؛ أي: رجل دقيق الساقين، رقيقهما جدّاً، والحبشة،
وإن كان شأنهم دقة السوق، لكن هذا يتميّز بمزيد من ذلك. انتهى.
(مِنَ الْحَبَشَةِ))) - بفتحات - قال في ((القاموس)): الْحَبَشُ، والْحَبَشَةُ،
والأُخْبُش بضم الباء جنس من السودان، والجمع: حُبْشَان، وأحابيش. انتهى.
قال الرشاطيّ: وهم من وَلَدِ كوش بن حام، وهم أكثر ملوك السودان، وجميع
ممالك السودان يعطون الطاعة للحبش. وقال أبو حنيفة الدِّينوريّ: كان أولاد
حام سبعة إخوة، كأولاد سام: السند، والهند، والزنج، والقبط، والحبش،
والنوبة، وكنعان، فأخذوا ما بين الجنوب، والدبور، والصبا(١).
وقد وقع هذا الحديث عند أحمد (٣٥١/٢) من طريق سعيد بن سمعان،
(١) ((عمدة القاري)) ٧٣/٨.