Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ (٣) - بَابُ نُزُولِ الْفِتَنِ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ - حديث رقم (٧٢٢٢) (إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنْ، أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتَنَّ(١)، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي فِيهَا، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي إِلَيْهَا، أَلَا فَإِذَا نَزَلَتْ، أَوْ وَقَعَتْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلِّ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمْ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ))، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلٌ، وَلَا غَنَمٌ، وَلَا أَرْضٌ؟ قَالَ: ((يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ، فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ، ثُمَّ لْيَنْجُ إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ))، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ أُكْرِهْتُ حَتَّى يُنْطَلَقَ بِي إِلَى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ؟ أَوْ إِحْدَى الْفِئَتَيْنِ؟ فَضَرَبَنِي رَجُلٌ بِسَيْفِهِ، أَوْ يَجِيءُ سَهْمٌ فَيَقْتُلُنِي؟ قَالَ: ((يَبُوءُ بِثْمِهِ وَإِنْمِكَ، وَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ) البصريّ، تقدّم ثلاثة أبواب. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أبو إسماعيل البصريّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (عُثْمَانُ الشَّخَّامُ) العدويّ، أبو سلمة البصريّ، يقال: اسم أبيه ميمون، أو عبد الله، لا بأس به [٦]. روى عن عكرمة مولى ابن عباس، ومسلم بن أبي بكر الثقفيّ، وأبي رجاء العطارديّ. وروى عنه إسرائيل، ووكيع، والأصمعيّ، وعبد الرحمن بن مرزوق، وابن أبي عديّ، والقطان، وأبو عاصم، وآخرون. قال علي ابن المدينيّ: سمعت يحيى بن سعيد القطان، وذكر عثمان الشحام، فقال: يعرف وينكر، ولم يكن عندي بذاك، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال أبو زرعة، وقال أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأساً، وقال الآجريّ عن أبي داود: ثقةٌ، أو قال: ليس به بأس، قد أعيى القرون؛ يعني: اسم أبيه، فقلت: إنه (١) وفي بعض النسخ: ((فتنة)). ٢٢٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة وُجد بخط ابن معين اسم أبيه: ميمون، فأعجبه ذلك، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال مرةً: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وجزم النسائيّ في ((الكنى)) بأنه عثمان بن مسلم، وكذا أبو أحمد، وقال: ليس بالمتين عندهم، وأسند عن وكيع أنه وثقه، وقال الدارقطنيّ: بصريّ يُعتبَر به، وقال ابن عديّ: ليس له كثير حديث، ولا أرى به بأساً. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٤ - (مُسْلِمُ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ) نفيع بن الحارث الثقفيّ البصريّ، صدوقٌ [٣] مات في حدود سنة تسعين. روى عن أبيه، وعنه عثمان الشحّام، وسعيد بن جُمْهان، وأبو الفضل بن خلف الأنصاريّ، وأبو حفص سعيد بن سلمة، قال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال خليفة بن خياط: مات بعد الثمانين وقبل التسعين . أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٥ - (أَبُو بَكْرَةَ) نُفيع بن الحارث بن كَلَدة - بفتحتين - ابن عمرو الثقفيّ الصحابيّ مشهور بكنيته، وقيل: اسمه مسروح - بمهملات - أسلم بالطائف، ثم نزل البصرة، ومات بها سنة إحدى، أو اثنتين وخمسين (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٨١. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظْلُهُ، وأنه مسلسل بالتحديث، وفيه رواية الابن عن أبيه، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة ظه، قيل له: أبو بكرة؛ لأنه تدلّى من حصن الطائف ببكرة البئر إلى النبيّ وَّ، فأسلم، فأعتقه، فلُقب لذلك، فهو لقب بصورة الكنية. شرح الحدیث: (عَنْ عُثْمَانَ الشَّخَّامُ) - بفتح الشين المعجمة، وتشديد الحاء المهملة، ٢٢٣ (٣) - بَابُ نُزُولِ الْفِتَنِ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ - حديث رقم (٧٢٢٢) آخره ميم -: نسبة إلى بيع الشحم، قاله في ((اللباب))(١). (قَالَ) عثمان: (انْطَلَقْتُ أَنَا) أتى به ليمكنه عَظْف ما بعده على الضمير المتّصل من غير ضعف، كما قال في ((الخلاصة)): عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَصِلْ فِي النَّظْمِ فَاشِياً وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ (وَفَرْقَدٌ) هو: فرقد بن يعقوب، أبو يعقوب البصريّ، صدوقٌ، عابدٌ، لكنه لَيِّن الحديث، كثير الخطأ من الطبقة الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، من رجال الترمذيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا ذكر هنا، والله تعالى أعلم. وقوله: (السَّبَخِيُّ) - بفتح السين المهملة، والموحّدة، وبخاء معجمة -: قال في ((اللباب)): نسبة إلى السّبخة، وهي معروفة، والمشهور بهذه النسبة: أبو يعقوب فرقد بن يعقوب العابد، من أهل أرمينية، وانتقل إلى البصرة، وكان يأوي إلى السبخة بها، فُنُسب إليها. انتهى(٢). (إِلَى مُسْلِمٍ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ) الثقفيّ (وَهُوَ)؛ أي: والحال أن مسلماً (فِي أَرْضِهِ) ومزرعته، (فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَقُلْنَا) له (هَلْ سَمِعْتَ أَبَاَ) أبا بكرة (يُحَدِّثُ فِي الْفِتَنِ) التي تكون في الأمة (حَدِيثاً؟ قَالَ) مسلم: (نَعَمْ، سَمِعْتُ) والدي (أَبَا بَكْرَةَ) نفيع بن الحارث الثقفيّ رَُّه (يُحَدِّثُ) فيها حديثاً، ثم بيّن الحديث بقوله: (قَالَ) أبو بكرة تَبه: (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَطِّ: ((إِنَّهَا) الضمير للقصّة، وضمير القصّة هو ضمير الشأن، إلا أنه إذا كان للمؤنّث يقال له: ضمير القصّة، (سَتَكُونُ)؛ أي: ستوجد، وتحدُث، وتقع (فِتَنِّ) جمع فتنة؛ أي: فتن كثيرة مهلكة، (أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه، (ثُمَّ تَكُونُ فِتَنْ) بصيغة الجمع، وفي بعض النسخ: ((فتنة)) بالإفراد، قال الطيبيّ تَُّهُ: فيه ثلاث مبالغات: أقحم حرف التنبيه بين المعطوف والمعطوف عليه؛ لمزيد التنبيه لها، وعطف بـ ((ثُمّ))؛ التراخي مرتبة هذه الفتنة الخاصة تنبيهاً على عِظَمها، وهَوْلِها، على أنه من (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢/ ١٨٧. (٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٩٩/٢. ٢٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج- كتاب الفتن، وأشراط الساعة عطف الخاصّ على العامّ؛ لاختصاصها بما يفارقها من سائر أشكالها، وأنها كالداهية الدهياء، نسأل الله العافية منها بفضله، وعميم طَوْله. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَخْتُ: قوله: ((إنها ستكون فتنٌ إلخ)) هذا كله تضمّن الإخبار عن وقوع فتن هائلة عظيمة بعده وَّله، والأمر بالكفّ عنها، والفرار منها. (٢) . انتھی (الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي فِيهَا، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي إِلَيْهَا)؛ أي: يجعلها غاية سعيه، ومنتهى غرضه، لا يَرَى مَطلباً غيرها، ولام الغرض و((إلى)) الغاية متقاربان معنى، فحينئذ يستقيم التدرج والترقي من الماشي فيها إلى الساعي إليها. (أَلَا) أداة تنبيه، أعادها لمزيد التوكيد، (فَإِذَا نَزَّلَتْ)؛ أي: الفتن، أو تلك الفتنة، وقوله: (أَوْ وَقَعَتْ) ((أو)) للشكّ من الراوي، هل قال: (نزلت))، أو قال: ((وقعت))، (فَمَنْ كَانَ لَهُ)؛ أي: في البرية (إِبِلٌ، فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ)؛ أي: عَقار، أو مزرعة بعيدة عن الناس، (فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ)) فإن الاعتزال، والاشتغال بخُويصة نفسه حينئذ واجب؛ لوقوع عموم الفتنة العمياء بين الرجال، كما قال الشاعر [من البسيط] : إِنَّ السَّلَامَةَ مِنْ لَيْلَى وَجَارَتِهَا أَنْ لَا تَمُرَّ عَلَى حَالٍ بِوَادِيهَا (قَالَ) أبو بكرة (فَقَالَ رَجُلٌ) لم يُسمّ: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ)؛ أي: أخبرني (مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبِلٌ، وَلَا غَنَمٌّ، وَلَا أَرْضٌ؟)؛ أي: فأين يذهب؟ أو كيف يفعل؟ (قَالَ) وَلِّ: ((يَعْمِدُ) بكسر الميم؛ أي: يقصد (إِلَى سَيْفِهِ)؛ أي: إن كان له سيف، (فَيَدُقَّ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من باب نصر؛ أي: يضرب (عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ) المعنى: فليكسر سلاحه، كيلا يذهب به إلى الحرب؛ لأن تلك الحروب بين المسلمين، فلا يجوز حضورها . قال النوويّ تَّتُهُ: قيل: المراد: كسر السيف حقيقةً على ظاهر الحديث؛ ليسدّ على نفسه باب هذا القتال، وقيل: هو مجاز، والمراد: ترك القتال، (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٤٠٧/١١. (٢) ((المفهم)) ٢١١/٧. ٢٢٥ (٣) - بَابُ نُزُولِ الْفِتَنِ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ - حديث رقم (٧٢٢٢) والأول أصح. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَخُّ: قوله: ((فيدقّ عليه بحجر)) هذا محمول على ظاهره، وذلك أنه إن فعل ذلك لم يكن له شيء يستعين به على الدخول فيها، فيفرّ منها، فيسلم. انتهى (٢). (ثُمَّ لْيَنْجُ) بكسر اللام، ويسكن، وبفتح الياء، وسكون النون، وضم الجيم؛ أي: ليفرّ، ويسرع هَرَباً، حتى لا تصيبه الفتن، وينجو بنفسه (إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ) بفتح النون، والمدّ؛ أي: الخلوص منها، يقال: نجا من الهلاك ينجو نجاةً: خَلَص، والاسم: النجاء بالمدّ، وقد يُقصر، قاله الفيّوميّ ◌َّهُ(٣). قال الطيبيّ نَّثهُ: قوله: ((يعمد إلخ)) عبارة عن تجرده تجرداً تامّاً، كأنه قيل: من لم يكن له ما يشتغل به من مهامه، فلينج برأسه. انتهى (٤). قال النبيّ ◌َله بعد ذكر هذه الفتن، والتحذير عن الوقوع في محن ذلك الزمن: (اللَّهُمَّ)؛ أي: يا الله (هَلْ بَلَّغْتُ)؛ أي: قد بلّغت إلى عبادك ما أمرتني به أن أبلغه إياهم، (اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ))) كرّره ثلاث مرّات مبالغةً. (قَالَ) أبو بكرة: (فَقَالَ رَجُلٌ) لم يُعرف: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ)؛ أي: أخبرني (إِنْ أُكْرِهْتُ) بالبناء للمفعول؛ أي: أكرهني الناس (حَتَّى يُنْطَلَقَ بِي) بالبناء للمفعول أيضاً؛ أي: حتى يُذهب بي (إِلَى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ) المتحاربين (أَوْ إِحْدَى الْفِئَتَيْنِ) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي؛ أي: إحدى الجماعتين، (فَضَرَبَنِي رَجُلٌّ بِسَيْفِهِ) وقوله: (أَوْ) هنا للتنويع، (يَجِيءُ سَهْمٌ) بصيغة المضارع عطفاً على الماضي، (فَيَقْتُلُنِي؟) قال القاري: الظاهر أنه تفريع على الأخير، والإسناد مجازيّ، ويَحْتَمِل أن يشمل أيضاً الأول، والمعنى: فما حكم القاتل والمقتول؟ (قَالَ) ◌َِّ: ((يَبُوءُ)؛ أي: يرجع القاتل، وقيل: الْمُكْرِهُ، (بِئْمِهِ)؛ أي: بعقوبة ما فعله من قبلُ عموماً، (وَإِثْمِكَ)؛ أي: وبعقوبة قتلك إياه خصوصاً، أو المراد (١) ((شرح النوويّ) ٩/١٨ - ١٠. (٣) ((المصباح المنير)) ٥٩٥/٢. (٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١١/ ٣٤٠٧. (٢) ((المفهم)) ٧/ ٢١٢. ٢٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة بإثمه: قَصْده القتل، وبإثمك: لو مددت يدك إليه، أو المراد بإثمك: سيئاتك التي فعلتها بأن توضع في رقبة القاتل بعد فَقْد حسناته، على ما ورد. وقال النوويّ كَخَّتُهُ: معنى يبوء به: يَلزمه، ويرجع، ويَحتَمِله؛ أي: يبوء الذي أكرهك بإثمه في إكراهك، وفي دخوله في الفتنة، وبإثمك في قتلك غيره، ويكون من أصحاب النار؛ أي: مستحقّاً لها. انتهى(١). (وَيَكُونُ) هو (مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ))) قال الله تعالى: ﴿فَكَانَ عَقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِ النَّارِ خَلِدَيْنِ فِيَهَاً وَذَلِكَ جَزَُّؤْ الَِّلِمِينَ ﴾ [الحشر: ١٧]، وإنما لم يقل: وأنت من أصحاب الجنة، وإن كان هذا هو المفهوم منه؛ للاكتفاء؛ احتياطاً لتبادر الفهم إلى الخطاب المعيَّن، لا المفروض المقدّر المراد به الخطاب العام على طريق الإبهام، ثم الحكم مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىَّ ◌َادَمَ بِالْحَقِّ﴾ الآية [المائدة: ٢٧]، وقد قال ◌َّ: ((كُنْ خير ابْنَي آدم))، وفي رواية: ((كُنْ عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل)). قال الطيبيّ نثلثهُ: قوله: (یبوء إلخ)) فیه وجهان: أحدهما: أراد: بمثل إثمك على الاتساع؛ أي: يرجع بإثمه، ومثل إثمك المقدَّر لو قتلته. وثانيهما: أراد: بمثل قَتْلك على حذف المضاف، وإثمه السابق على القتل. انتهى (٢). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي بكرة رضيبه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٢٢/٣ و٧٢٢٣] (٢٨٨٧)، و(أبو داود) في ((الفتن)) (٤٢٥٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩/٥ - ٤٠ و٤٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٧/١٥)، و(البزّار) في («مسنده)) (١٢٧/٩)، و(الحاكم) في (١) ((شرح النوويّ)) ١٢/١٨. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٤٠٧/١١. ٢٢٧ (٣) - بَابُ نُزُولِ الْفِتَنِ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ - حديث رقم (٧٢٢٢) ((المستدرك)) (٤٤٠/٤ - ٤٤١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٩٦٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٩٠/٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان معجزة ظاهرة للنبيّ وَل حيث أخبر بما يكون بعده في أمته من الفتن، فكان كما أخبر وَاليه . ٢ - (ومنها): الأمر بالبعد عن الفتن قدر المستطاع، فلا ينبغي لمسلم أن يُعرّض نفسه للفتن، بل يهرب منها، وليتجنّب مواقعها، ويدعو الله ◌ُعَالَ أن يجنّبه منها . ٣ - (ومنها): بيان أن من أُكره على الدخول في الفتن ليس عليه إثم، وإنما الإثم على من أكرهه، قال القرطبيّ كَُّهُ: وفيه رفع الحرج عن المكره على مثل هذا، والمكره هنا هو الذي لا يملك من نفسه شيئاً؛ لقوله: ((أرأيت إن أكرهت حتى يُنطلق بي))، ولم يقل: إنه أطلق من قِبَل نفسه. انتهى(١). وقال النوويّ تَظّْثُ: في هذا الحديث رفع الإثم عن الْمُكْرَه على الحضور هناك، وأما القتل فلا يباح بالإكراه، بل يأثم المكرَه على المأمور به بالإجماع، وقد نقل القاضي وغيره فيه الإجماع، قال أصحابنا: وكذا الإكراه على الزنى، لا يرفع الإثم فيه، هذا إذا أُكرهت المرأة حتى مكّنت من نفسها، فأما إذا رُبطت، ولم يمكنها مدافعته، فلا إثم، والله أعلم. انتهى (٢). ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخّتُهُ: قد قال بظاهر هذه الأحاديث جماعة من السلف، فاجتنبوا جميع ما وقع بين الصحابة ظم من الخلاف والقتال، منهم: أبو بكرة، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأسامة بن زيد ه فأما عبد الله بن عمر ﴿يا فندم على تخلّفه عن نصر عليّ بن أبي طالب رَظُبه، وقال عند موته: ما آسى على شيء ما آسى على تركي قتال الفئة الباغية؛ يعني: فئة معاوية. وأما محمد بن مسلمة فاتخذ سيفاً من خشب، وقال: إن رسول الله وَلآه أمره بذلك، وأقام بالربذة. (١) ((المفهم)) ٢١٣/٧. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٣/١٨. ٢٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة فمن هؤلاء من تمسّك بمثل هذه الأحاديث، فانكفّ، ومنهم من أشكل عليه الأمر، فانكفّ لذلك، كعبد الله بن عمر ﴿ها إلى أن اتّضح له الحقّ، فندم . قال القاضي: ويتوجّه في هذا الحديث الكلام في دماء الصحابة وقتالهم، وللناس في ذلك غُلُوّ، وإسراف، واضطرابٌ من المقالات، واختلاف، والذي عليه جماعة أهل السنّة والحقّ حُسْن الظنّ بهم، والإمساك عما شجر بينهم، وطلبُ أحسن التأويل لفعلهم، وأنهم مجتهدون غير قاصدين للمعصية، والمجاهرة بذلك، وطلبٍ حبّ الدنيا، بل كلٌّ عَمِلَ على شاكلته، وبحَسَب ما أدّاه إليه اجتهاده، لكن منهم المخطئ في اجتهاده، ومنهم المصيب، وقد رفع الله تعالى الحرج عن المجتهد المخطئ في فروع الدين (١)، وضعّف الأجر للمصيب. وقد توقّف الطبريّ وغيره عن تعيين المحقّ منهم، وعند الجمهور أن عليّاً وأشياعه مصيبون في ذبّهم عن الإمامة، وقتالهم من نازعهم فيها؛ إذ كان أحقّ الناس بها، وأفضل مَنْ على الأرض حينئذ، وغيّره تأول وجوب القيام بتغيير المنكر في طلب قَتَلَّة عثمان ظ ◌ُبه الذين في عسكر عليّ رَظُه، وأنهم لا يُعطون بيعةً، ولا يعقدون إمامة حتى يقضوا ذلك، ولم يطلبوا سوى ذلك، ولم يَرَ هو دفعهم؛ إذ الحكم فيهم إلى الإمام، وكانت الأمور لم تستقرّ استقرارها، ولا اجتمعت الكلمة بعدُ، وفيهم عدد، ولهم شوكة ومَنَعَةٌ، ولو أظهر تسليمهم أوّلاً، أو القصاص لاضطرب الأمر، وانبتّ الحبل. ومنهم جماعة لم يروا الدخول في شيء من ذلك، محتجّين بنهي النبيّ وَّه عن التلبّس بالفتن، والنهي عن قتال أهل الدعوة، كما احتجّ أبو بكرة رَظ ◌ُه في هذا الحديث على الأحنف بن قيس، وعَذَروا الطائفتين بتأويلهم، ولم يروا إحداهما باغية، فيقاتلوها(٢). وقال النوويّ: هذا الحديث والأحاديث قبله وبعده، مما يحتج به من (١) هذا ليس شرطاً، بل الخطأ في أصول الدين مثله، فتنبّه. (٢) ((المفهم)) ٢١٢/٧ - ٢١٣. ٢٢٩ (٣) - بَابُ نُزُولِ الْفِتَنِ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ - حديث رقم (٧٢٢٣) لا يرى القتال في الفتنة بكل حال، وقد اختلف العلماء في قتال الفتنة، فقالت طائفة: لا يقاتِل في فِتَن المسلمين، وإن دخلوا عليه بيته، وطلبوا قتله، فلا يجوز له المدافعة عن نفسه؛ لأن الطالب متأوّل، وهذا مذهب أبي بكرة الصحابيّ نَظُّله وغيره، وقال ابن عمر، وعمران بن الحصين ﴿يّ وغيرهما: لا يدخل فيها، لكن إن قُصِدَ دَفَعَ عن نفسه، فهذان المذهبان متفقان على ترك الدخول في جميع فتن الإسلام، وقال معظم الصحابة، والتابعين، وعامة علماء الإسلام: يجب نصر المحقّ في الفتن، والقيام معه بمقاتلة الباغين، كما قال تعالى: ﴿فَقَائِلُواْ أَلَتِى تَبْغِى﴾ الآية [الحجرات: ٩]، وهذا هو الصحيح، وتُتأول الأحاديث على من لم يظهر له المحقّ، أو على طائفتين ظالمتين، لا تأويل لواحدة منهما، ولو كان كما قال الأولون لظهر الفساد، واستطال أهل البغي والمبطلون. انتهى (١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٢٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ، كِلَاهُمَا عَنْ عُثْمَانَ الشَّخَّامِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، حَدِيثُ ابْنِ أَبِي عَدِيِّ نَحْوَ حَدِيثٍ حَمَّادٍ إِلَى آخِرِهِ، وَانْتَهَى حَدِيثُ وَكِيعٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: (إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ))، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة : وكلهم تقدّموا قريباً . وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ عُثْمَانَ الشَّخَّامِ) ضمير التثنية لوكيع، وابن أبي عديّ. وقوله: (حَدِيثُ ابْنِ أَبِي عَدِيٌّ) برفع ((حديثُ)) على الابتداء، وقوله: (نَحْوُ حَدِيثٍ حَمَّادٍ) برفع ((نحوُ)) على أنه خبر المبتدأ، فما وقع في النُّسخ من ضبط ((نحو)) بالنصب ضَبْط قلم، فغلط، وما أَوّل به بعضهم من أنه منصوب بنزع الخافض، فبعيد، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (١) ((شرح النوويّ)) ١٨/ ١٢٣. ٢٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة [تنبيه]: أما رواية وكيع بن الجرّاح عن عثمان الشّحّام فقد ساقها أبو داود نَّتُ في ((سننه))، فقال: (٤٢٥٦) - حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن عثمان الشحّام، قال: حدّثني مسلم بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَالاول: ((إنها ستكون فتنةٌ، يكون المضطجع فيها خيراً من الجالس، والجالس خيراً من القائم، والقائم خيراً من الماشي، والماشي خيراً من الساعي)). قال: يا رسول الله ما تأمرني؟ قال: ((من كانت له إبلٌ فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه)). قال: فمن لم يكن له شيء من ذلك؟ قال: ((فليَعمِد إلى سيفه، فليضرب بحدّه على حرّة، ثم لينجو ما استطاع النجاء)). انتهى(١). وأما رواية ابن أبي عديّ - وهو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ - عن عثمان الشحّام، فقد ساقها البزّار تَّتُهُ في ((مسنده))، فقال: (٣٦٧٧) - حدّثنا عمرو بن عليّ، قال: أنا ابن أبي عديّ، عن عثمان، قال: سألنا مسلم بن أبي بكرة عن الفتن، فقال: حدّثني أبي أبو بكرة، عن النبيّ ◌َّهِ: ((أنه ستكون فتنٌّ، ثم تكون فتنةٌ، الماشي فيها خير من الساعي إليها، والقائم فيها خير من الماشي إليها، والمضطجع خير من القاعد فيها، فإذا نزلت، فمن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه، ومن كانت له إبل فليلحق بإبله))، قال: فقال رجل من القوم: يا نبي الله جعلني الله فداء، رأيت من ليست له غنم، ولا أرض، ولا إبل؟، قال: ((يأخذ سيفه، ثم يعمد به إلى الصخرة، ثم ليدُقّ على حدّه، حتى يتلثم، اللَّهُمَّ هل بلغت)) قالها ثلاثاً. انتهى(٢). ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ . (١) ((سنن أبي داود)) ٩٩/٤. (٢) ((مسند البزار)) ١٢٧/٩. ٢٣١ (٤) - بَابٌ إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا - حديث رقم (٧٢٢٤) (٤) - (بَابٌ إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َعْدَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٢٤] (٢٨٨٨) - (حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَيُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْتَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: خَرَجْتُ وَأَنَا أُرِيدُ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَحْتَفُ؟ قَالَ: قُلْتُ: أُرِيدُ نَصْرَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ وَّهِ ـِ يَعْنِي: عَلِيَاً - قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا أَحْتَفُ ارْجِعْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: ((إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ))، قَالَ: فَقُلْتُ، أَوْ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: ((إِنَّهُ قَدْ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ البصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (يُونُسُ) بن عبيد بن دينار الْعَبْديّ، أبو عبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ وَرِعٌ [٥] (ت١٣٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٣. ٣ - (الْحَسَنُ) بن أبي الحسن البصريّ، واسم أبيه: يسار، الأنصاريّ مولاهم، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهورٌ، وكان يرسل كثيراً، ويدلِّس، رأس أهل الطبقة [٣] (ت١١٠) وقد قارب التسعين (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٠٦. ٤ - (الأَحْتَفُ بْنُ قَيْسٍ) هو: الأحنف - بالمهملة، والنون - أبو بحر بن قيس، واسمه الضحاك، وقيل: صخر بن قيس بن معاوية بن حُصين بن حفص بن عبادة بن النزال بن مرة بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة من تميم، وُلد وهو أحنف، وهو الأعوج، من الحنَف، وهو الاعوجاج في الرِّجل، وهو أن ينفتل إحدى الإبهامين من إحدى الرجلين على الأخرى، وقيل: هو الذي يمشي على ظهر قدمه من شقها الذي يلي خنصرها، أدرك زمن النبيّ وََّ، وأسلم على عهده، ولم يره، وَفَد إلى عمر رَظُه، وهو الذي افتتح مَرْوَ الرُّوذ، وكان الإمامان: الحسن، وابن سيرين في جيشه، ووُلد ٢٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة الأحنف ملتزق الأليتين، حتى شُقّ ما بينهما، وكان أعور، سمع عمر، وعليّاً، والعباس، وغيرهم، وعنه الحسن، وغيره. مات بالكوفة سنة سبع وستين، في إمارة ابن الزبير وقال في ((التقريب)): الأحنف بن قيس بن معاوية بن حُصين التميميّ السعديّ، أبو بحر، اسمه الضحاك، وقيل: صخر، مخضرمٌ ثقةٌ من الثانية، قيل: مات سنة سبع وستين، وقيل: اثنتين وسبعين (ع) تقدم في ((الزكاة)) ١٠/ ٢٣٠٦. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُباعيّات المصنّف ◌َظْذُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه أربعة من التابعين، واثنان مقروناً روى بعضهم عن بعض، وهم: أيوب، ويونس، والحسن، والأحنف. [تنبيه آخر]: قوله في السند: ((حدّثنا حمّاد بن زيد)) هذا هو الصواب، كما قال الغسانيّ، ونصّه: وفي نسخة ابن ماهان: نا أبو كامل، نا حمّاد بن سلمة، عن أيوب، ويونس، جعل الحديث لحمّاد بن سلمة، والمحفوظ: حمّاد بن زيد، وكذلك خرّجه أبو داود، عن أبي كامل، عن حماد بن زيد، وخرّج البخاريّ عن عبد الرحمن بن المبارك، عن حماد بن زيد، عن أيوب ويونس بهذا. انتهى(١). شرح الحديث: (عَنِ الْحَسَنِ) البصريّ (عَنِ الأَحْتَفِ بْنِ قَيْسٍ)؛ أنه (قَالَ: خَرَجْتُ) وقوله: (وَأَنَا أُرِيدُ هَذَا الرَّجُلَ) جملة حاليّة من الفاعل، والرجل هو عليّ بن أبي طالب رَظ ◌ُه، كما يأتي بعده. (فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ) واسمه نُفَيع - بضم النون، وفتح الفاء - ابن الحارث بن كَلَدة - بالكاف، واللام المفتوحتين - ابن عمر بن علاج بن أبي سلمة، وهو عبد العزى بن غِيرة - بكسر الغين المعجمة، وفتح الياء آخر الحروف - ابن (١) ((تقييد المهمل)) ٩٢٩/٣. ٢٣٣ (٤) - بَابٌ إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا - حديث رقم (٧٢٢٤) عوف بن قَسَي - بفتح القاف، وكسر السين المهملة - وهو ثقيف بن منبه الثقفيّ، وقيل: نفيع بن مسروح، مولى الحارث بن كلدة الطبيب المشهور، وقيل: اسمه مسروح، وأمه سمية أَمَة للحارث بن كلدة، وهو أخو زياد لأمه، وهو ممن نزل يوم الطائف إلى رسول الله 18 من حصن الطائف في بكرة، وكُني أبا بكرة، وأعتقه رسول الله وَّله، وهو معدود في مواليه، وكان من فضلاء الصحابة، وصالحيهم، ولم يزل مجتهداً في العبادة، حتى توفي بالبصرة سنة اثنتين وخمسين، رُوي له عن رسول الله وَله مائة حديث واثنان وثلاثون حديثاً، اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث، روى عنه ابناه، والحسن البصريّ، والأحنف، روى له الجماعة(١). (فَقَالَ) أبو بكرة: (أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَحْتَفُ؟ قَالَ) الأحنف: (قُلْتُ: أُرِيدُ نَصْرَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ وَّ) وقوله: (يَعْنِي عَلِيّاً) العناية من الراوي، وهو الحسن، أو من دونه. (قَالَ) الأحنف: (فَقَالَ) أبو بكرة (لِي: يَا أَحْتَفُ ارْجِعْ) عما عزمت عليه، (فَإِنِّي) الفاء للتعليل؛ أي: إنما أمرتك بالرجوع لأني (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِيل يَقُولُ: ((إِذَا تَوَاجَهَ) وفي الرواية التالية: ((إذا التقى)) (الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا)؛ أي: إذا ضرب كل واحد منهما وجه صاحبه؛ أي: ذاته، وجملته، (فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي الَّارِ))) قال القاضي عياض وغيره: معناه إن جازاهما الله تعالى، وعاقبهما، كما هو مذهب أهل السُّنَّة، وهو أيضاً محمول على غير المتأوِّل، كمن قاتل لعصبية أو غيرها، مما يشبهها، ويقال: معنى ((القاتلُ والمقتولُ في النار)) أنهما يستحقانها ، وأمْرهما إلى الله رمك، كما هو مصرّح به في حديث عبادة ظُه، فإن شاء عفا عنهما، وإن شاء عاقبهما، ثم أخرجهما من النار، فأدخلهما الجنة، كما ثبت في حديث أبي سعيد وغيره في العصاة الذين يخرجون من النار، فينبتون كما تنبت الْحِبّة في جانب السيل، ونظير هذا الحديث في المعنى قوله تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ. جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] معناه: هذا جزاؤه، وليس بلازم أن يُجازَى. انتهى (٢). (١) هذه الترجمة ليس هذا الموضع هو المناسب لها، وإنما كتبتها هنا؛ لأني وجدتها في ((عمدة القاري)) للعينيّ كَُّ فأعجبتني، فأثبتها هنا، فتنبّه. (٢) ((عمدة القاري)) ٢١٢/١. ٢٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج- كتاب الفتن، وأشراط الساعة (قَالَ) أبو بكرة: (فَقُلْتُ، أَوْ قِيلَ) هذا شكّ من أبي بكرة، نسي هل هو القائل نفسه، أو القائل غيره. (يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا الْقَاتِلُ) قال الكرمانيّ ◌َّتُهُ: هو مبتدأ وخبر؛ أي: هذا يستحق النار؛ لأنه قاتل، فالمقتول لِمَ يستحقها؟ وهو مظلوم، وتعقّبه العينيّ، قائلاً: الأَولى أن يقال: ((هذا)) مبتدأ و((القاتل)) مبتدأ ثان، وخبره محذوف، والجملة خبر المبتدأ الأول، والتقدير: هذا القاتل يستحق النار؛ لكونه ظالِماً، فما بال المقتول، وهو مظلوم؟ ونظيره: هذا زيد عالم، وقد عُلم أن المبتدأ إذا اتحد بالخبر لا يحتاج إلى ضمير، ومنه قوله تُخَالَ: ﴿وَلَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقوله ◌َّهى: ((أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله)). انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: الإعراب الذي ذكره الكرمانيّ صحيح أيضاً، فلا وجه للاعتراض عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَمَا بَالُ الْمَقْئُولِ)؛ أي: فما حاله، وشأنه؟ وهو من الأجوف الواوي. (قَالَ) بَ: ((إِنَّهُ قَدْ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ))) وقوله: ((حريصاً)) من الحرص، وهو الْجَشَع، وقد حَرَص على الشيء يَحْرِص، كضرب يضرب، وحَرِص يَحْرَص كسمع يسمع، ومنه قراءة الحسن البصريّ، وأبي حيوة، وإبراهيم النخعيّ، وغيرهم: ﴿إِن تَحْرِصِّ عَلَى هُدَنهُمْ﴾ [النحل: ٣٧] بفتح الراء(٢). وقال في ((الفتح)): قال العلماء: معنى كونهما في النار أنهما يستحقان ذلك، ولكن أمْرهما إلى الله تعالى، إن شاء عاقبهما، ثم أخرجهما من النار، كسائر الموحّدين، وإن شاء عفا عنهما، فلم يعاقبهما أصلاً، وقيل: هو محمول على من استحلّ ذلك، ولا حجة فيه للخوارج، ومن قال من المعتزلة بأن أهل المعاصي مخلدون في النار؛ لأنه لا يلزم من قوله: ((فهما في النار)) استمرار بقائهما فيها(٣) . [تنبيه]: زاد البزار دَّثُ في روايته ما يُبيّن المراد بقوله: ((القاتل والمقتول في النار))، وهي: ((إذا اقتتلتم على الدنيا، فالقاتل والمقتول في النار))، ويؤيده (١) ((عمدة القاري)) ٢١٢/١. (٢) ((عمدة القاري)) ٢١٢/١. (٣) ((الفتح)) ١٦/ ٤٨٢، ((كتاب الفتن)) رقم (٧٠٨٣). ٢٣٥ (٤) - بَابٌ إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا - حديث رقم (٧٢٢٤) ما يأتي لمسلم بلفظ: ((لا تذهب الدنيا حتي يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيم قَتل؟ ولا المقتول فيم قُتل؟)) فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: ((الهرج، القاتل والمقتول في النار)). قال القرطبيّ تَخْتُ: فبيَّن هذا الحديث أن القتال إذا كان على جهل من طلب الدنيا، أو اتباع هوى، فهو الذي أُريدَ بقوله: ((القاتل والمقتول في النار)). قال الحافظ تَُّ: ومن ثَمّ كان الذين توقفوا عن القتال في الْجَمَل وصِفِّين أقلّ عدداً من الذين قاتلوا، وكلهم متأوِّل مأجور - إن شاء الله تعالى - بخلاف من جاء بعدهم ممن قاتل على طلب الدنيا، قال: ومما يؤيد ما تقدّم ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رَظ ◌ُه رفعه: ((من قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة، فقُتل فقِتْلته جاهلية)). انتهى (١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي بكرة ظ ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٢٤/٤ و٧٢٢٥ و٧٢٢٦ و٧٢٢٧] (٢٨٨٨)، و(البخاريّ) في ((الإيمان)) (٣١) و((الديات)) (٦٨٧٥) و((الفتن)) (٧٠٨٣)، و(أبو داود) في ((الفتن)) (٤٢٦٨ و٤٢٦٩)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (١٢٤/٧ - ١٢٥) و((الكبرى)) (٣١٦/٢)، و(ابن ماجه) في ((الفتن)) (٣٩٦٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٣/٥ و٤٦ - ٤٦ و٥١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٩٤٥ و٥٩٨١)، و(ابن أبي عاصم) في ((الآحاد والمثاني)) (٢٠٨/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٦٠/٨)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٥٨٦/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٩٠/٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٥٤٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم قتال المسلم أخاه المسلم. (١) ((الفتح)) ١٦/ ٤٨٣. ٢٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة ٢ - (ومنها): بيان الوعيد لمن قُتل في مواجهة المسلم؛ مع كونه مقتولاً؛ لكونه حريصاً على قَتْل صاحبه. ٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَخْلَتُهُ: فيه دلالة للمذهب الصحيح الذي عليه الجمهور، أن من نوى المعصية، وأصرّ على النية، يكون آئماً، وإن لم يفعلها، ولا تكلم، وقد سبقت المسألة واضحة في ((كتاب الإيمان)). انتهى(١). ٤ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): استَدَلّ بقوله: ((إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)) من ذهب إلى المؤاخذة بالعزم، وإن لم يقع الفعل، وأجاب من لم يقل بذلك أن في هذا فعلاً، وهو المواجهة بالسلاح، ووقوع القتال، ولا يلزم من كون القاتل والمقتول في النار أن يكونا في مرتبة واحدة، فالقاتل يعذَّب على القتال والقتل، والمقتول يعذَّب على القتال فقط، فلم يقع التعذيب على العزم المجرد، قال: وقد تقدم البحث في هذه المسألة عند الكلام على قوله: ((مَن هَمّ بحسنة، ومن هم بسيئة))، وقالوا في قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] اختيار باب الافتعال في الشرّ؛ لأنه يُشعر بأنه لا بدّ فيه من المعالجة، بخلاف الخير، فإنه يثاب عليه بالنية المجردة، ويؤيده حديث: ((إن الله تجاوز لأمتي ما حَدَّثت به أنفسها، ما لم يتكلموا به، أو يعملوا))، والحاصل أن المراتب ثلاث: الهمّ المجرد، وهو يثاب عليه، ولا يؤاخذ به، واقتران الفعل بالهمّ، أو بالعزم، ولا نزاع في المؤاخذة به، والعزم، وهو أقوى من الهمّ، وفيه النزاع. انتهى(٢). ٥ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)) أيضاً: احتَجّ بالحديث من لم ير القتال في الفتنة، وهم كل من ترك القتال مع عليّ رَظُه في حروبه، كسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأبي بكرة وغيرهم ێ، وقالوا: يجب الكفّ حتى لو أراد أحد قَتْله لم يدفعه عن نفسه، ومنهم من قال: لا يدخل في الفتنة، فإن أراد أحد قتله دفع عن نفسه. وذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى وجوب نصر الحقّ، وقتال الباغين، (١) ((شرح النوويّ)) ١٢/١٨. (٢) ((الفتح)) ٤٨٣/١٦. ٢٣٧ (٤) - بَابٌ إِذَا تَوَاجَةَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا - حديث رقم (٧٢٢٤) وحَمَل هؤلاء الأحاديث الواردة في ذلك على من ضَعُف عن القتال، أو قَصُر نظره عن معرفة صاحب الحقّ. واتفق أهل السُّنَّة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك، ولو عُرف المحقّ منهم؛ لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد، بل ثبت أنه يؤجر أجراً واحداً، وأن المصيب يؤجر أجرين، وحَمَل هؤلاء الوعيد المذكور في الحديث على من قاتل بغير تأويل سائغ، بل بمجرد طلب المُلك، ولا يَرِد على ذلك منع أبي بكرة الأحنف من القتال مع عليّ رَظُه؛ لأن ذلك وقع عن اجتهاد من أبي بكرة أداه إلى الامتناع والمنع؛ احتياطاً لنفسه، ولمن نصحه . قال الطبريّ كَخَّلهُ: لو كان الواجب في كل اختلاف يقع بين المسلمين الهرب منه بلزوم المنازل، وكسر السيوف لَمَا أقيم حدّ، ولا أُبطل باطل، ولَوَجَد أهل الفسوق سبيلاً إلى ارتكاب المحرمات، من أَخْذ الأموال، وسَفْك الدماء، وسبي الحريم، بأن يحاربوهم، ويكفّ المسلمون أيديهم عنهم، بأن يقولوا: هذه فتنة، وقد نُهينا عن القتال فيها، وهذا مخالف للأمر بالأخذ على أيدي السفهاء. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه تَخّْتُهُ: هذا الذي قاله الطبريّ تحقيقٌ نفيس جدّاً. والحاصل: أن ما ذهب إليه الجمهور من وجوب نصر صاحب الحقّ الذي تبيّن أمره هو الحقّ والصواب، وإلا لفُتح باب الشرّ والفساد أمام الفسقة والفجرة، وهذا مخالف للشريعة الإسلاميّة التي شرعها الله تعالى لصيانة النفس، والمال، والعِرض، والدِّين، فتنبّه، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٦ - (ومنها): ما أورده العينيّ كَّثُ على السؤال والجواب، فقال: منها: ما قيل في قوله: ((أَنْصُر هذا الرجل)) إن السؤال عن المكان، والجواب عن الفعل، فلا تطابق بينهما . وأجيب بأن المراد: أريد مكاناً أنصر فيه. ٢٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة ومنها: ما قيل: القاتل والمقتول من الصحابة في الجنة، إن كان قتالهم من الاجتهاد الواجب اتباعه. وأجيب بأن ذلك عند عدم الاجتهاد، وعدم ظن أن فيه الصلاح الدينيّ، أما إذا اجتهد، وظن الصلاح فيه، فهما مأجوران، مثابان، من أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر، وما وقع بين الصحابة هو من هذا القسم، فالحدیث ليس عاماً . ومنها: ما قيل: لِمَ منع أبو بكرة الأحنف منه؟ ولم امتنع بنفسه منه؟. وأجيب بأن ذلك أيضاً اجتهاديّ، فكان يؤدي اجتهاده إلى الامتناع والمنع، فهو أيضاً مثاب في ذلك. ومنها: ما قيل: إن لفظة ((في النار)) مشعرة بحقية مذهب المعتزلة، حيث قالوا بوجوب العقاب للعاصي. وأجيب بالمنع؛ لأن معناه: حقّهما أن يكونا في النار، وقد يعفو الله عنهما . ومنها: ما قيل: لِمَ أدخل الحرص على القتل، وهو صغيرة في سلك القتل، وهو كبيرة؟. وأجيب بأنه أدخلهما في سلك واحد في مجرد كونهما سبباً لدخول النار فقط، وإن تفاوتا صغراً وكبراً، وغير ذلك. ومنها: ما قيل: إنما سمى الله الطائفتين في الآية مؤمنين، وسماهما النبيّ وَّر في الحديث مسلمين حال الالتقاء، لا حال القتال وبعده. وأجيب بأن دلالة الآية ظاهرة، فإن في قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيِّنَ أَخَوَيَّكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، سمّاهما الله أخوين، وأمر بالاصلاح بينهما، ولأنهما عاصيان قبل القتال، وهو من حين سعيا إليه، وقصداه، وأما الحديث فمحمول على معنى الآية(١)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ورد في اعتزال الأحنف القتال في وقعة الجمل سبب آخر، فأخرج الطبريّ بسند صحيح، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن (١) ((عمدة القاري)) ١/ ٢١٢. ٢٣٩ (٤) - بَابٌ إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا - حديث رقم (٧٢٢٥) جاوان قال: قلت له: أرأيت اعتزال الأحنف ما كان؟ قال: سمعت الأحنف قال: حججنا، فإذا الناس مجتمعون في وسط المسجد - يعني: النبويّ - وفيهم عليّ، والزبير، وطلحة، وسعد، إذ جاء عثمان، فذكر قصة مناشدته لهم في ذكر مناقبه، قال الأحنف: فلقيت طلحة والزبير، فقلت: إني لا أرى هذا الرجل؛ يعني: عثمان إلا مقتولاً، فمن تأمراني به؟ قالا: عليّ، فقدمنا مكة، فلقيت عائشة، وقد بلغنا قَتْل عثمان، فقلت لها: من تأمريني به؟ قالت: عليّ، قال: فرجعنا إلى المدينة، فبايعت عليّاً، ورجعت إلى البصرة، فبينما نحن كذلك، إذ أتاني آتٍ، فقال: هذه عائشة، وطلحة، والزبير، نزلوا بجانب الخريبة، يستنصرون بك، فأتيت عائشة، فذكّرتها بما قالت لي، ثم أتيت طلحة، والزبير، فذكّرتهما، فذكر القصة، وفيها، قال: فقلت: والله لا أقاتلكم، ومعكم أم المؤمنين، وحواريّ رسول الله وَله، ولا أقاتل رجلاً أمرتموني ببيعته، فاعتزل القتال مع الفريقين. قال الحافظ: ويمكن الجمع بأنه هَمّ بالترك، ثم بدا له في القتال مع عليّ، ثم تَبَّطه عن ذلك أبو بكرة، أو هَمّ بالقتال مع عليّ، فثبطه أبو بكرة، وصادف مراسلة عائشة له، فرجح عنده الترك. وأخرج الطبريّ أيضاً من طريق قتادة، قال: نزل عليّ بالزاوية، فأرسل إليه الأحنف: إن شئت أتيتك، وإن شئت كففت عنك أربعة آلاف سيف، فأرسل إليه: كُفّ من قدرت على كفّه(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٢٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، وَيُونُسَ، وَالْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْتَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ))). (١) ((الفتح)) ١٦ /٤٨٤. ٢٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ) أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ رُمي بالنصب [١٠] (ت٢٤٥) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٣/١. ٢ - (الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ) القُرْدوسيّ، أبو الحسن البصريّ، صدوقٌ، قليل الحديث، زاهدٌ، اختَلَف قول ابن معين فيه [٧] (خت م ٤) تقدم في ((الإمارة)) ١٦/ ٤٧٩٣. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٢٦] (.) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ أَبِي كَامِلٍ، عَنْ حَمَّادٍ إِلَی آخِرِهِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج البغداديّ، تقدّم قريباً . ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، تقدّم أيضاً قريباً. و ((أيوب)) السختيانيّ ذُكر قبله. وقوله: (نَحْوَ حَدِيثٍ أَبِي كَامِلٍ ... إلخ)؛ يعني: أن حديث حجاج الشاعر نحوُ حديث أبي كامل. [تنبيه]: رواية معمر عن أيوب هذه ساقها النسائيّ تَخُّْ في ((الكبرى))، فقال: (٣٥٨٧) - أخبرنا أحمد بن فَضالة، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن أيوب، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن أبي بكرة قال: قال: سمعت رسول الله وَل﴿ يقول: ((إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فقَتل أحدُهما صاحبه، فالقاتل والمقتول في النار))، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل،