Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
(٢٠) - بَابُ الأَمْرِ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِالهِ تَعَالَى عِنْدَ الْمَوْتِ - حديث رقم (٧٢٠١)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر رَُّبه هذا من أفراد المصنّف دَخَُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٠١/٢٠ و٧٢٠٢ و٧٢٠٣] (٢٨٧٧)، و(أبو
داود) في ((الجنائز)) (٣١١٣)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤١٦٧)، و(ابن
المبارك) في ((الزهد)) (٣٦٦/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩٣/٣ و٣٢٥ و٣٣٤
و٣٩٠)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٧٧٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٣٦
و٦٣٧ و٦٣٨)، و(تمام الرازي) في ((فوائده)) (٢٤٥/١)، و(أبو يعلى) في
((مسنده)) (٤٤٦/٣ و١٩٢/٤)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٤٣٧/١)، و(أبو
نعيم) في ((الحلية)) (٨٧/٥)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٦٥/٢)،
و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب)) (٨٦/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٧٨/٣)
و ((شعب الإيمان)) (٨/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٤٥٥)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ على تحسين الظنّ بالله ،نُعَلَ عند الموت؛ لأن الله
تعالى قال: ((أنا عند ظنّ عبدي بي، فليظنّ بي ما شاء))، صححه ابن حبّان.
٢ - (ومنها): الحثّ على العمل الصالح المفضي إلى حسن الظن.
٣ - (ومنها): التنبيه على تأميل العفو، وتحقيق الرجاء في روح الله
تعالى، قال النوويّ كَخْتُ: قد تتبعت الأحاديث الصحيحة في الخوف والرجاء،
فوجدت أحاديث الرجاء أضعاف أحاديث الخوف، مع ظهور الرجاء فيها .
انتهى، قيل: لو لم يكن إلا حديث واحد، وهو حديث: ((سبقت - أو غلبت -
رحمتي غضبي)) لكفى دليلاً على ترجيح الرجاء، ويعضده آية: ﴿وَرَحْمَتِى
وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
٤ - (ومنها): ما قاله التوربشيّ تَخْلُهُ: الخوف والرجاء كالجناحين
للسائرين إلى الله ◌ُعَدَ، لكن في الصحة ينبغي أن يغلِّب الخوف ليتدرّج به فيها
إلى تكثير الأعمال الصالحة، فإذا جاء الموت، وانقطع العمل، ينبغي أن يغلِّب

١٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
الرجاء، وحُسن الظن بالله تعالى؛ لأن الوفادة حينئذ إلى ملك كريم رؤوف
رحيم. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٠٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا
أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ
يُونُسَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلهم تقدّموا قريباً، و((جرير)) هو: ابن عبد الحميد.
[تنبيه]: أما رواية جرير بن عبد الحميد عن الأعمش فقد ساقها ابن
حبّان تَخْتُهُ في (صحيحه)، فقال:
(٦٣٨) - أخبرنا أبو يعلى، حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا جرير، عن الأعمش،
عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله قال: سمعت النبيّ وَليوم يقول قبل موته
بثلاث: ((لا يموتنّ أحدكم، إلا وهو يحسن الظن بالله جلّ وعلا)). انتهى (٢) .
وأما رواية أبي معاوية عن الأعمش، فقد ساقها ابن ماجه تَخّْتُهُ في
((سننه))، فقال:
(٤١٦٧) - حدّثنا محمد بن طريف، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن
أبي سفيان، عن جابر قال: سمعت رسول الله وَلا يقول: ((لا يموتنّ أحد
منكم، إلا وهو يحسن الظن بالله)). انتهى(٣).
وأما رواية عيسى بن يونس عن الأعمش، فقد ساقها أبو داود رَّتُهُ في
((سننه))، فقال :
(٣١١٣) - حدّثنا مسدّد، ثنا عيسى بن يونس، ثنا الأعمش، عن أبي
سفيان، عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله وَلا يقول قبل موته
بثلاث، قال: ((لا يموت أحدكم، إلا وهو يحسن الظن بالله)). انتهى (٤).
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٣٦٥/٤.
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ٤٠٤/٢.
(٤) ((سنن أبي داود)) ١٨٩/٣.
(٣) ((سنن ابن ماجه)) ١٣٩٥/٢.

١٦٣
(٢٠) - بَابُ الأَمْرِ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ تَعَالَى عِنْدَ الْمَوْتِ - حديث رقم (٧٢٠٣ - ٧٢٠٤)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٠٣] (.) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ
عَارِمٌ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَقُولُ: (لَا
يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللّهِ رَ))).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ) بن كُوسجان - بسين مهملة، ثم جيم -
المروزيّ السِّنْجِي - بكسر المهملة، بعدها نون ساكنة، ثم جيم - ثقةٌ صاحب
حديث، رحّال، أديب [١١] (ت٢٥٧) (م ت س) تقدم في ((صلاة المسافرين
وقصرها)) ١٦٧٤/١٤.
٢ - (أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمٌ) محمد بن الفضل السَّدُوسيّ البصريّ، وعارم
لقبه، ثقةٌ ثبتٌ، تغير في آخر عمره، من صغار [٩] (ت٣ أو ٢٢٤) (ع) تقدم
في ((الحج)) ٣٠١٣/٢٨.
٣ - (مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوَليّ - بكسر الميم، وسكون المهملة،
وفتح الواو - أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من صغار [٦] (ت١٧٢) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٤٧/ ٢٩٧.
٤ - (وَاصِلُ) مولى أبي عيينة بتحتانية مصغر ابن المهلّب بن أبي صفرة،
الأزديّ البصريّ، صدوقٌ عابدٌ [٦] (خ م د س ق) تقدم في ((المساجد ومواضع
الصلاة)» ١٢٣٧/١٣.
٥ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، تقدّم قريباً.
و ((جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ ﴿َّ)) ذُكر قبله.
والحديث من أفراد المصنّف تَّتُهُ، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في
الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٠٤] (٢٨٧٨) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
قَالًا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ
النَّبِيَّ ◌َِّ يَقُولُ: (يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ))).

١٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد ذكر قبل حديث، غير قتيبة، فتقدّم قريباً.
شرح الحديث :
(عَنْ جَابِرٍ) نَظُهُ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَهِ يَقُولُ: ((يُبْعَثُ) بالبناء
للمفعول، (كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ))) زاد في رواية ابن حبّان: ((المؤمن على
إيمانه، والمنافق على نفاقه)).
والمعنى: أن العبد يبعثه الله على يوم القيامة على الحال التي مات عليها،
من خير، أو شرّ، قال الهرويّ: وليس قول من ذهب به إلى الأكفان بشيء؛
لأن الإنسان إنما يُكَفَّن بعد الموت، ثم هذا الحديث يوضحه حديث أبي داود،
عن ابن عمرو طه قيل: يا رسول الله أخبرني عن الجهاد والغزو؟ قال: ((إن
قُتلت صابراً محتسباً، بُعثت صابراً محتسباً، وإن قُتلت مرائياً مكاثراً، بُعثت
مرائياً مكاثراً، على أيّ حال قاتلت، أو قُتلت بعثك الله بتلك الحال))(١).
قال عياض: أورد مسلم هذا الحديث عقب حديث: ((لا يموتنّ أحدكم،
إلا وهو يحسن الظن بالله)) مشيراً إلى أنه مفسِّر له، ثم أعقبه بحديث: ((ثم بُعثوا
على أعمالهم)) مشيراً إلى أنه، وإن كان مفسِّراً لِمَا قبله، فليس قاصراً عليه،
وإنما هو عام فيه وفي غيره. انتهى (٢) .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ظه هذا من أفراد المصنّف ◌َظّتُهُ.
(المسألة الثانية): فى تخريجه :
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٠٤/٢٠ و٧٢٠٥] (٢٨٧٨)، و(ابن ماجه) في
((الزهد)) (٤٢٣٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣١/٣ و٣٦٦)، و(الطحاويّ) في
(شرح مشكل الآثار)) (٢٥٥)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٥٤٢/٢)، و(أبو
يعلى) في ((مسنده)) (١٩٠١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٣١٣ و٧٣١٩)،
و(أبو نعيم) في ((ذكر أخبار أصبهان)) (٤٩/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(٤٢٠٦ و٤٢٠٧)، والله تعالى أعلم.
(١) ((فيض القدير)) ٦/ ٤٥٧.
(٢) راجع: ((إكمال المعلم)) ٤١٠/٨.

١٦٥
(٢٠) - بَابُ الأَمَّرِ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ تَعَالَى عِنْدَ الْمَوْتِ - حديث رقم (٧٢٠٥ - ٧٢٠٦)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٠٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ،
عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ، وَلَمْ يَقُلْ:
سَمِعْتُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
وكلهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، و(أبو بكر بن نافع)) هو: محمد بن
أحمد بن نافع، و((سفيان)) هو: الثوريّ.
وقوله: (وَقَالَ: عَنِ النَّبِيِّ وَّه) فاعل ((قال)) ضمير سفيان الثوريّ.
[تنبيه]: رواية سفيان عن الأعمش هذه ساقها الإمام أحمد تَخّْتُهُ في
((مسنده))، فقال:
(١٤٩٨٤) - حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي
سفيان، عن جابر، عن النبيّ وَّر: ((يُبعَث كل عبد على ما مات عليه)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٠٦] (٢٨٧٩) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى النُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ
وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ
عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ عَذَاباً
أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ))).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى التُّجِيِيُّ) المصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجاد الأيليّ، أبو يزيد مولى آل أبي
سفيان، ثقة ثبتٌ، من كبار [٧] (١٥٩) على الصحيح، وقيل: سنة ستين ومائة
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٦٦/٣.

١٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل باب.
٥ - (حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب المدنيّ، شقيق سالم، ثقةٌ
[٣] (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٩٤٥/٢٢.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌َّ، تقدّم قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَذَتُهُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين،
والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر ◌َّ تقدّم القول
فيه قريباً
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمُ عَذَاباً)؛ أي: عقوبةً لهم،
(أَصَابَ) ذلك (الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ) كلمة ((مَنْ))ً من صيغ العموم؛ يعني:
يصيب الصالحين منهم أيضاً، (ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ)))؛ أي: لكنهم يبعثون
يوم القيامة على حسب أعمالهم، فيثاب الصالح بذلك؛ لأنه كان تمحيصاً له،
ويعاقَب غيره، قاله في ((العمدة))(١) .
وقال المناويّ كَّلُهُ: قوله: ((إذا أراد الله بقوم عذاباً))؛ أي: عقوبة في
الدنيا؛ كقحط، وفناء، وجَور، ((أصاب))؛ أي: أوقع العذاب بسرعة وقوّة،
((من كان فيهم، ثم بُعثوا)) بعد الممات عند النفخة الثانية، ((على أعمالهم))؛
ليجازوا عليها، فمن كانت أعماله صالحة أُثيب عليها، أو سيئة جوزي بها،
فيجازون في الآخرة بأعمالهم ونياتهم، وأما ما أصابهم في الدنيا عند ظهور
المنكر، فتطهير للمؤمنين ممن لم ينكر، وداهن مع القدرة، ونقمة لغيرهم،
وقضية ما تقرّر أن العذاب لا يعم من أنكر، ويؤيده آية: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ
يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف: ١٦٥]، لكن ظاهر: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَضَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، وخبر: ((أنهلك وفينا الصالحون،
(١) ((عمدة القاري)) ٢٠٧/٢٤.

(٢٠) - بَابُ الأَمْرِ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ تَعَالَى عِنْدَ الْمَوْتِ - حديث رقم (٧٢٠٦)
١٦٧
قال: نعم إذا كثر الخبث)) العموم. انتهى(١).
وقال ابن الجوزيّ تَخْتُهُ: قد يُستشكل هذا، فيقال: كيف يصيب العذاب
من لم يفعل أفعالهم، والجواب من وجهين:
أحدهما: أن يكون فيهم راضياً بأفعالهم، أو غير منكِر لها، فيعذّب
برضاه المعصية، وسكوته عن الإنكار، فإن الصالحين من بني إسرائيل لمّا
أنكروا على المفسدين، ثم واكلوهم، وصافَوْهم عمّ العذاب الكل.
والثاني: أن يكون إصابةُ العذاب لهم، لا على وجه التعذيب، ولكن
يكون إماتة لهم عند انتهاء آجالهم، كما هلكت البهائم والمواشي في الطوفان
بآجالها، لا بالتعذيب. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((إذا أنزل الله بقوم عذاباً))؛ أي: عقوبةً لهم على
سيئ أعمالهم، وقوله: ((أصاب العذاب من كان فيهم))، في رواية أبي النعمان،
عن ابن المبارك: ((أصاب به من بين أظهرهم))، أخرجه الإسماعيليّ، والمراد:
من كان فيهم، ممن ليس هو على رأيهم.
وقوله: ((ثم بُعثوا على أعمالهم))؛ أي: بُعث كلُّ واحد منهم على حسب
عمله، إن كان صالحاً فعقباه صالحة، وإلا فسيئة، فيكون ذلك العذاب طهرة
للصالحين، ونقمة على الفاسقين.
وفي صحيح ابن حبان، عن عائشة، مرفوعاً: ((إن الله إذا أنزل سطوته
بأهل نقمته، وفيهم الصالحون، قُبضوا معهم، ثم بُعثوا على نياتهم،
وأعمالهم))، وأخرجه البيهقيّ في ((الشعب))، وله من طريق الحسن بن محمد بن
عليّ بن أبي طالب، عنها، مرفوعاً: ((إذا ظهر السوء في الأرض، أنزل الله
بأسه فيهم))، قيل: يا رسول الله، وفيهم أهل طاعته؟ قال: ((نعم، ثم يُبعثون
إلى رحمة الله تعالى)).
قال ابن بطال تَخْتُهُ: هذا الحديث يبيّن حديث زينب بنت جحش
رضعنهنا
(١) ((فيض القدير)) ٢٦٥/١.
(٢) ((كشف المشكل من حديث الصحيحين)) ص ٦٢٧.
.

١٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
حيث قالت: ((أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث))، فيكون
إهلاك الجميع عند ظهور المنكر، والإعلان بالمعاصي.
قال الحافظ: الذي يناسب كلامه الأخير حديث أبي بكر الصديق
لضرعيّة
سمع رسول الله وَيول يقول: ((إن الناس إذا رأوا المنكر، فلم يغيروه، أوشك أن
يعمهم الله بعقاب))، أخرجه الأربعة، وصححه ابن حبان.
وأما حديث ابن عمر في الباب، وحديث زينب بنت جحش فمتناسبان،
وقد أخرجه مسلم عقبه، ويجمعهما أن الهلاك يعم الطائع مع العاصي، وزاد
حديث ابن عمر أن الطائع عند البعث يجازى بعمله، ومثله حديث عائشة
مرفوعاً: ((العجب أن ناساً من أمتي يؤمّون هذا البيت، حتى إذا كانوا بالبيداء
خُسف بهم، فقلنا: يا رسول الله إن الطريق قد تجمع الناس؟ قال: نعم، فيهم
المستبصر، والمجبور، وابن السبيل، يهلكون مهلكاً واحداً، ويصدرون مصادر
شتى، يبعثهم الله على نياتهم))، أخرجه مسلم.
وله من حديث أم سلمة رضيها نحوه، ولفظه: ((فقلت: يا رسول الله،
فكيف بمن كان كارهاً؟ قال: يُخسف به معهم، ولكنه يُبعث يوم القيامة على
نیته)) .
وله من حديث جابر نَظُه رفعه: ((يُبعث كل عبد على ما مات عليه)).
وقال الداوديّ: معنى حديث ابن عمر: أن الأمم التي تعذّب على الكفر،
يكون بينهم أهل أسواقهم، ومن ليس منهم، فيصاب جميعهم بآجالهم، ثم
يُبعثون على أعمالهم.
ويقال: إذا أراد الله عذاب أمة أعقم نساءهم خمس عشرة سنة قبل أن
يصابوا؛ لئلا يصاب الولدان الذين لم يَجْر عليهم القلم. انتهى.
قال الحافظ: وهذا ليس له أصل، وعموم حديث عائشة رضيّا يردّه، وقد
شوهدت السفينة ملأى من الرجال والنساء والأطفال، تغرق، فيهلكون جميعاً،
ومثله الدار الكبيرة تُحرق، والرفقة الكثيرة تخرج عليها قطاع الطريق، فيهلكون
جميعاً، أو أكثرهم، والبلد من بلاد المسلمين يهجمها الكفار، فيبذلون السيف
في أهلها، وقد وقع ذلك من الخوارج قديماً، ثم من القرامطة، ثم من الططر
أخيراً، والله المستعان.

١٦٩
(٢٠) - بَابُ الأَمْرِ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ تَعَالَى عِنْدَ الْمَوْتِ - حديث رقم (٧٢٠٦)
قال القاضي عياض: أورد مسلم حديث جابر: ((يُبعث كل عبد على ما
مات عليه)) عقب حديث جابر أيضاً، رفعه: ((لا يموتنّ أحدكم إلا وهو يحسن
الظن بالله)) يشير إلى أنه مفسِّر له، ثم أعقبه بحديث: ((ثم بُعثوا على أعمالهم))
مشيراً إلى أنه وإن كان مفسِّراً لِمَا قبله، لكنه ليس مقصوراً عليه، بل هو عام فيه
وفي غيره، ويؤيده الحديث الذي ذكره بعده: ((ثم يبعثهم الله على نياتهم)).
انتهى ملخصاً.
والحاصل: أنه لا يلزم من الاشتراك في الموت الاشتراك في الثواب، أو
العقاب، بل يجازى كل أحد بعمله على حسب نيته.
وجنح ابن أبي جمرة إلى أن الذين يقع لهم ذلك إنما يقع بسبب سكوتهم
عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأما من أمر ونهى فهم المؤمنون
حقّاً، لا يرسل الله عليهم العذاب، بل يدفع بهم العذاب، ويؤيده قوله تعالى:
﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَىَّ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]، وقوله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
[الأنفال: ٣٣]، ويدل على تعميم العذاب لمن لم يَنْه عن المنكر، وإن لم
يتعاطاه قوله تعالى: ﴿فَلَ نَفْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِ حَدِيثٍ غَيْرِهِّ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ﴾
[النساء: ١٤٠](١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ظها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٠٦/٢٠] (٢٨٧٩)، و(البخاريّ) في ((الفتن))
(٧١٠٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٠/٢)، و(ابن حبّان) في (صحيحه))
(٧٣١٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٣٠/٩)، و(تمّام الرازي) في ((فوائده))
(١٥٢/١)، و(الخطيب) في ((تاريخه)) (٨٨/٦ -٨٩)، و(البغويّ) في ((شرح
السُّنَّة)) (٤٢٠٤)، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٥٢٤/١٦ - ٥٢٦، ((كتاب الفتن)) رقم (٧١٠٨).

١٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان عموم عذاب الدنيا الصالح والطالح، وإنما يخصّ
عذاب الآخرة.
٢ - (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة تَخْلَتُهُ: في الحديث مشروعية الْهَرَب
من الكفار، ومن الظّلَمة؛ لأن الإقامة معهم من إلقاء النفس إلى التهلكة، هذا
إذا لم يُعِنْهم، ولم يرض بأفعالهم، فإن أعان، أو رضي فهو منهم، ويؤيده
أمْره ◌َّ بالإسراع في الخروج من ديار ثمود، وأما بعثهم على أعمالهم فحُكم
عدل؛ لأن أعمالهم الصالحة إنما يجازون بها في الآخرة، وأما في الدنيا
فمهما أصابهم من بلاء كان تكفيراً لِمَا قدّموه من عمل سيئ، فكان العذاب
المرسَل في الدنيا على الذين ظلموا يتناول من كان معهم، ولم يُنکِر علیھم،
فكان ذلك جزاء لهم على مداهنتهم، ثم يوم القيامة يُبعث كل منهم فيجازى
بعمله .
٣ - (ومنها): أن فيه تحذيراً، وتخويفاً عظيماً لمن سكت عن النهي،
فكيف بمن داهن، فكيف بمن رضي، فكيف بمن عاون، نسأل الله السلامة،
قاله ابن أبي جمرة رَّتُهُ .
قال الحافظ: ومقتضى كلامه أن أهل الطاعة لا يصيبهم العذاب في الدنيا
بجريرة العصاة، وإلى ذلك جنح القرطبيّ في ((التذكرة))، وما قدمناه قريباً أشبه
بظاهر الحديث، وإلى نحوه مال القاضي ابن العربيّ. انتهى(١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((الفتح)) ٥٢٦/١٦.

١٧١
(٥٥) - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
(٥٥) - (كِتَابُ الْفِتَنِ، وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ)
(الفتن)): جمع فتنة، قال الراغب الأصفهانيّ تَخْتُهُ: أصل الفَتْن: إدخال
الذهب في النار؛ لتظهر جودته من رداءته، ويُستعمل في إدخال الإنسان النار،
ويطلق على العذاب، كقوله تعالى: ﴿ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤]، وعلى ما
يحصل عند العذاب، كقوله تعالى: ﴿أَلَا فِىِ الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ [التوبة: ٤٩]،
وعلى الاختبار، كقوله: ﴿وَفَنَّكَ فُونَ﴾ [طه: ٤٠]، وفيما يُدفع إليه الإنسان من
شدّة، ورخاء، وفي الشدة أظهر معنى، وأكثر استعمالاً، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ
بِلشَّرِّ وَالْخَيَّرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، ومنه قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء:
٧٣]؛ أي: يوقعونك في بلية وشدة في صرفك عن العمل بما أُوحي إليك.
وقال أيضاً: الفتنة تكون من الأفعال الصادرة من الله، ومن العبد؛
كالبلية، والمصيبة، والقتل، والعذاب، والمعصية، وغيرها من المكروهات،
فإن كانت من الله فهي على وجه الحكمة، وان كانت من الإنسان بغير أمر الله
فهي مذمومة، فقد ذم الله الإنسان بإيقاع الفتنة، كقوله: ﴿وَالْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾.
[البقرة: ١٩١]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنَواْ الْمُؤْمِنِينَ وَاُلْمُؤْمِنَتِ﴾ [البروج: ١٠]، وقوله:
٦
اُلْمَفْتُونَ
ـتکمُ
(٢٢) ﴾ [الصافات: ١٦٢]، وقوله :
مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَتِنِينَ
[القلم: ٦]، وكقوله: ﴿وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ [المائدة: ٤٩].
وقال غيره: أصل الفتنة: الاختبار، ثم استعملت فيما أخرجته المحنة
والاختبار إلى المكروه، ثم أُطلقت على كل مكروه، أو آيل إليه، كالكفر،
والإثم، والتحريق، والفضيحة، والفجور، وغير ذلك. انتهى(١).
و((الأشراط)): بالفتح: جمع شَرَط بفتحتين، مثلُ سبب وأسباب، وهي
(١) ((الفتح)) ٤٣٢/١٦ رقم (٤٠٤٨).

١٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
العلامة، ومنه أشراط الساعة؛ أي: علاماتها، والشُّرَط جمع شرْطة، مثل غُرفة
وغُرَف، يُطلق على أعوان السلطان؛ لأنهم يجعلون لأنفسهم علامات يُعرفون
بها .
(١) - (بَابُ اقْتِرَابِ الْفِئَنِ، وَفَتْحِ رَدْمٍ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ)
((يأجوج))، و((مأجوج)) بغير همز لأكثر القراء، وقرأ عاصم بالهمزة الساكنة
فيهما، وهي لغة بني أسد، وقرأ العجاج وولده رؤية: أأجوج بهمزة بدل الياء،
وهما اسمان أعجميان عند الأكثر، مُنعا من الصرف للعَلَمية والعُجمة، وقيل:
بل عربيان، واختلف في اشتقاقهما، فقيل: من أجيج النار، وهو التهابها،
وقيل: من الأجة بالتشديد، وهي الاختلاط، أو شدة الحر، وقيل: من الأج
وهو سرعة العَدْو، وقيل: من الأُجاج، وهو الماء الشديد الملوحة،
ووزنهما يفعول، ومفعول، وهو ظاهر قراءة عاصم، وكذا الباقين إن كانت
الألف مسهّلة من الهمزة، فقيل: فاعول، من يج مج، وقيل: ماجوج من ماج،
إذا اضطرب، ووزنه أيضاً مفعول، قاله أبو حاتم، قال: والأصل: موجوج،
وجميع ما ذُكر من الاشتقاق مناسب لحالهم، ويؤيد الاشتقاق، وقول من جعله
من ماج إذا اضطرب، قوله تعالى: ﴿وَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوُ فِى بَعْضٍ﴾ [الكهف:
٩٩]، وذلك حين يخرجون من السدّ (١).
وقال في ((الفتح)): إنهم قبيلتان(٢) من بني آدم، ثم بني يافث بن نوح، وبه
(١) ((الفتح)) ٥٩٩/١٦ ((كتاب الفتن)) رقم (٧١٣٥).
(٢) وقال في ((الفتح)) في ((كتاب الأنبياء)) ٦٣٩/٧: ويأجوج ومأجوج قبيلتان من ولد
يافث بن نوح، روى ابن مردويه، والحاكم، من حديث حذيفة مرفوعاً: ((يأجوج
أمة، ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف رجل، لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى
ألف رجل من صُلبه، كلهم قد حَمَل السلاح، لا يمرّون على شيء إذا خرجوا إلا
أكلوه، ويأكلون من مات منهم))، قال: وقد أشار النوويّ وغيره إلى حكاية من زعم
أن آدم نام، فاحتلم، فاختلط منّه بتراب، فتولّد منه ولد يأجوج ومأجوج من نسله،
وهو قول منكَر جدّاً، لا أصل له إلا عن بعض أهل الكتاب، وذكر ابن هشام=

١٧٣
(١) - بَابُ اقْتِرَابِ الْفِتَنِ، وَقَتْحِ رَدْمٍ بَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
جزم وهب وغيره، وقيل: إنهم من التُّرك، قاله الضحاك، وقيل: يأجوج من
الترك، ومأجوج من الديلم، وعن كعب: هم من ولد آدم من غير حواء، وذلك
أن آدم نام، فاحتلم، فامتزجت نطفته بالتراب، فخُلق منها يأجوج ومأجوج،
ورُدّ بأن النبي لا يحتلم، وأجيب عنه بأن المنفيّ أن يرى في المنام أنه يجامع،
فيحتمل أن يكون دَفَق الماء فقط، وهو جائز، كما يجوز أن يبول، والأول
المعتمَد، وإلا فأين كانوا حين الطوفان؟
قال: وجاء في صفتهم ما أخرجه ابن عديّ وابن أبي حاتم، والطبرانيّ
في ((الأوسط)) وابن مردويه، من حديث حذيفة بنظُه، رفعه: ((قال: يأجوج أمة،
ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف
ذَكَر من صُلبه، كلهم قد حمل السلاح))، وهو من رواية يحيى بن سعيد العطار،
عن محمد بن إسحاق، عن الأعمش، والعطار ضعيف جدّاً، ومحمد بن
إسحاق قال ابن عديّ: ليس هو صاحب المغازي، بل هو العكاشيّ، قال:
والحديث موضوع، وقال ابن أبي حاتم: منكر.
قال الحافظ: لكن لبعضه شاهد صحيح، أخرجه ابن حبان من حديث ابن
مسعود، رفعه: ((إن يأجوج ومأجوج أقل ما يترك أحدهم لِصُلبه ألفاً من
الذرية))، وللنسائيّ من رواية عمرو بن أوس، عن أبيه، رفعه: ((إن يأجوج
ومأجوج يجامِعون ما شاؤوا، ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفاً
فصاعداً))، وأخرج الحاكم، وابن مردويه، من طريق عبد الله بن عمرو: ((إن
يأجوج ومأجوج من ذرية آدم، ووراءهم ثلاث أمم، ولن يموت منهم رجل إلا
ترك من ذريته ألفاً فصاعداً))، وأخرج عبد بن حميد بسند صحيح، عن عبد الله بن
سلام مثله، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عمرو: ((قال: الجن
والإنس عشرة أجزاء، فتسعة أجزاء يأجوج ومأجوج، وجزء سائر الناس))، ومن
طريق شُريح بن عُبيد، عن كعب: قال: هم ثلاثة أصناف: صنف أجسادهم
كالأَرْز، بفتح الهمزة، وسكون الراء، ثم زاي، هو شجر كبار جدّاً، وصنف
= في ((التيجان)) أن أمة منهم آمنوا بالله، فتركهم ذو القرنين لمّا بنى السدّ بأرمينية،
فسُمُّوا التُّرك لذلك. انتهى.

١٧٤
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
أربعة أذرع في أربعة أذرع، وصنف يفترشون آذانهم، ويلتحفون بالأخرى،
ووقع نحو هذا في حديث حذيفة، وأخرج أيضاً هو والحاكم من طريق أبي
الجوزاء، عن ابن عباس: يأجوج ومأجوج شبراً شبراً، وشبرين شبرين،
وأطولهم ثلاثة أشبار، وهم من ولد آدم، ومن طريق أبي هريرة، رفعه: ((وُلد
لنوح: سام، وحام، ويافث، فؤُلد لسام: العرب، وفارس، والروم، ووُلد
لِحام: القبط، والبربر، والسودان، ووُلد ليافث: يأجوج ومأجوج، والتُّرك،
والصقالبة))، وفي سنده ضعف، ومن رواية سعيد بن بشير، عن قتادة، قال:
((يأجوج ومأجوج اثنتان وعشرون قبيلة، بنى ذو القرنين السدّ على إحدى
وعشرين، وكانت منهم قبيلة غائبة في الغزو، وهم الأتراك، فبقوا دون السدّ))،
وأخرج ابن مردويه من طريق السديّ قال: التُّرك سَريَّة من سرايا يأجوج
ومأجوج، خرجت تُغير، فجاء ذو القرنين، فبنى السدّ، فبقوا خارجاً.
ووقع في فتاوى الشيخ محيي الدين: يأجوج ومأجوج من أولاد آدم، لا
من حواء، عند جماهير العلماء، فيكونون إخواننا لأب، كذا قال، ولم نر هذا
عن أحد من السلف، إلا عن كعب الأحبار، ويردّه الحديث المرفوع: ((إنهم
من ذرية نوح))، ونوح من ذرية حواء قطعاً. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٠٧] (٢٨٨٠) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ
جَحْشٍ، أَنَّ النَّبِيّ ◌َِّ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ
مِنْ شَرِّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْم يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ))، وَعَقَدَ سُفْيَانُ
بِيَدِهِ عَشَرَةً، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَهْلَكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ
الْخَبَثُ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو ابن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قريباً.
(١) ((الفتح)) ٥٩٩/١٦ - ٦٠٠، ((كتاب الفتن)) رقم (٧١٣٥).

١٧٥
(١) - بَابُ اقْتِرَابِ الْفِتَنِ، وَفَتْحِ رَدْمٍ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ - حديث رقم (٧٢٠٧)
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) أبو محمد الكوفيّ، ثمّ المكيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، أبو بكر المدنيّ، تقدّم في الحديث
الماضي .
٤ - (عُرْوَةُ) بن الزبير، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، تقدّم قريباً.
٥ - (زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ) بن عبد الأسد المخزومية، ربيبة النبيّ وَّ،
ماتت سنة ثلاث وسبعين، وحضر ابن عمر جنازتها بمكة، قبل أن يحجّ،
ويموت (ع) تقدمت في ((الحيض)) ٦٨٩/٢.
٦ - (أُمُّ حَبِيبَةَ) رَمْلة بنت أبي سفيان بن حرب الأمويّة، أم المؤمنين،
مشهورة بكنيتها، ماتت ثنا سنة اثنتين، أو أربع، وقيل: سنة تسع وأربعين،
وقيل: وخمسين (ع) تقدمت في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١١٨٦/٣.
٧ - (زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ) بن رئاب بن يعمر الأسديّة، أم المؤمنين، أمها
أميمة بنت عبد المطلب، يقال: ماتت سنة عشرين فى خلافة عمر
تقدمت في ((الزكاة)) ٢٤٨١/٤٩.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُباعيّات المصنّف تَّتُهُ، وأن فيه ثلاثة من الصحابيّات روى
بعضهنّ عن بعض، واثنتان من أمهات المؤمنين، وواحدة ربيبة النبيّ ◌َّ، وفيه
رواية تابعيّ عن تابعيّ، وعروة من الفقهاء السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ) ربيبة النبيّ ◌ََّ، وفي رواية يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
شِهَابِ الآتية: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ
أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، أَخْبَرَتْهَا. (عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ) رملة بنت أبي سفيان، أم
المؤمنين رضينا، وفي رواية يونس: ((أن أم حبيبة بنت أبي سفيان حدثتها)). (عَنْ
زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ) أم المؤمنين ﴿ُنَا (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ، وَ) الحال
(هُوَ يَقُولُ) تعجّباً مما رآه في منامه من الفتن التي تقع في أمته بعد وفاته وَالآتى :
((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وفي الرواية الآتية: ((قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَوْماً فَزِعاً،
مُحْمَرّاً وَجْهُهُ))، وفي رواية: ((أن النبيّ رََّ دخل عليها يوماً فَزِعَاً))، فيُجمع على

١٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
أنه دخل عليها بعد أن استيقظ النبيّ وَلّ فزعاً، وكانت حمرة وجهه من ذلك
الفزع، وجمع بينهما في رواية سليمان بن كثير، عن الزهريّ، عند أبي عوانة،
فقال: ((فَزِعاً محمرّاً وجهه))(١) .
(وَيْلٌ لِلْعَرَبِ) ((ويل)) كلمة تقال للحزن، والهلاك، والمشقة من العذاب،
وكل من وقع في الهلكة دعا بالويل(٢).
وإنما خص العرب لاحتمال أنه أراد: ما وقع من قَتْل عثمان بينهم،
وقيل: يَحْتَمِل أنه أراد: ما سيقع من مفسدة يأجوج ومأجوج، ويحتمل أنه
أراد: ما وقع من التُّرك من المفاسد العظيمة في بلاد المسلمين، وهم من نَسْل
يأجوج ومأجوج، قاله في ((العمدة)(٣).
وقال في ((الفتح)): خَصّ العرب بذلك؛ لأنهم كانوا حينئذ معظم من
أسلم، والمراد بالشرّ: ما وقع بعده من قتل عثمان، ثم توالت الفتن، حتى
صارت العرب بين الأمم؛ كالقصعة بين الأَكَلة، كما وقع في الحديث الآخر:
((يوشك أن تداعى عليكم الأمم، كما تداعى الأكلة على قصعتها))، وأن
المخاطَب بذلك العرب، قال القرطبيّ: ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالشرّ: ما
أشار إليه في حديث أم سلمة: ((ماذا أُنزل الليلة من الفتن، وماذا أُنزل من
الخزائن))، فأشار بذلك إلى الفتوح التي فُتحت بعده، فكثرت الأموال في
أيديهم، فوقع التنافس الذي جرّ الفتن، وكذلك التنافس على الإمرة، فإن معظم
ما أنكروه على عثمان تولية أقاربه من بني أمية وغيرهم، حتى أفضى ذلك إلى
قَتْله، وترتب على قَتْله من القتال بين المسلمين ما اشتهر واستمرّ. انتهى(٤).
(مِنْ شَرِّ) بيان للويل، وقوله: (قَدِ اقْتَرَبَ) جملة في محل جرّ؛ لأنه صفة
لقوله: ((من شرّ)).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((ويل للعرب ... إلخ)) هذا تنبيه على
الاختلاف، والفتن، والهرج الواقع في العرب، وأول ذلك قَتْل عثمان بنظُله،
ولذلك أخبر عنه بالقُرْب، ثم لم يزل كذلك إلى أن صارت العرب بين الأمم
(١) ((الفتح)) ٦٠٠/١٦ - ٦٠١.
(٣) ((عمدة القاري)) ٢٣٨/١٥.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٣٨/١٥.
(٤) ((الفتح)) ١٦/ ٦٠١.

١٧٧
(١) - بَابُ اقْتِرَابِ الْفِتَنِ، وَفَتْحِ رَدْمٍ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ - حديث رقم (٧٢٠٧)
كالقصعة بين الأكلة، كما قال في الحديث الآخر: ((يوشك الأمم أن تداعى
عليكم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها))(١)، قال ذلك مخاطباً للعرب، ولهم
خاطب أيضاً بقوله وَّل: ((إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع
القَطْر))(٢) .
(فُتِحَ) بالبناء للمفعول، (الْيَوْمَ مِنْ رَدْم يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ)؛ أي: من سدّ
يأجوج ومأجوج، يقال: رَدَمت الثلمة؛ أي: سددتها، الاسم والمصدر سواء،
وذلك أنهم يحفرون كل يوم حتى لا يبقى بينهم وبين أن يخرقوا النقب إلا
يسيرٌ، فيقولون: غداً نأتي، فنفرغ منه، فيأتون بعد الصباح، فيجدونه عاد
كهيأته، فإذا جاء الوقت، قالوا عند المساء: غداً إن شاء الله نأتي، فنفرغ منه،
فينقبونه، ويخرجون، أخرجه ابن مردويه في ((تفسيره)) من حديث أبي هريرة،
وحذيفة، وفي ((تفسير مقاتل)): ((يغدون إليه في كل يوم، فيعالجون حتى يولد
فيهم رجل مسلم، فإذا غدوا عليه، قال لهم المسلم: قولوا: بسم الله،
فيعالجونه حتى يتركونه رقيقاً، كقشر البيض، ويرى ضوء الشمس، فيقول
المسلم: قولوا: بسم الله غداً نرجع إن شاء الله تعالى، فنفتحه ... ))
الحديث(٣) .
(مِثْلُ هَذِهِ))، وَعَقَدَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ عَشَرَةً) وفي الرواية الآتية: ((وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ
الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا))؛ أي: جعلهما مثل الحلقة، وفي رواية: ((وعقد وهيب بيده
تسعين))، وفي رواية عن البخاريّ: ((وعقد سفيان تسعين، أو مائة))، وفي رواية
سليمان بن كثير، عن الزهريّ عند أبي عوانة، وابن مردويه: ((مثل هذه، وعقد
تسعين))، ولم يعيّن الذي عقد، ولابن حبان من طريق شريح بن يونس، عن
سفيان: ((وحلّق بيده عشرة))، ولم يعيّن أن الذي حلّق هو سفيان، وأخرجه من
طريق يونس، عن الزهريّ بدون ذِكر العقد.
قال عياض وغيره: هذه الروايات متفقة إلا قوله: ((عشرة)). قال الحافظ:
(١) رواه أحمد، وأبو داود، وهو حديث صحيح.
(٢) ((المفهم)) ٢٠٧/٧، وهذا الحديث متّفقٌ عليه.
(٣) ((عمدة القاري)) ٢٣٨/١٥.

١٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
وكذا الشك في المائة؛ لأن صفاتها عند أهل المعرفة بعقد الحساب مختلفة،
وإن اتفقت في أنها تُشبه الحلقة، فعَقْد العشرة أن يجعل طرف السبابة اليمنى
في باطن طي عقدة الإبهام العليا، وعقد التسعين أن يجعل طرف السبابة اليمنى
في أصلها، ويضمها ضمّاً محكماً، بحيث تنطوي عقدتاها، حتى تصير مثل
الحية المطوّقة.
ونقل ابن التين عن الداوديّ أن صورته أن يجعل السبابة في وسط
الإبهام، وردّه ابن التين بما تقدم، فإنه المعروف، وعقد المائة مثل عقد
التسعين، لكن بالخنصر اليسرى، فعلى هذا فالتسعون والمائة متقاربان، ولذلك
وقع فيهما الشك، وأما العشرة فمغايرة لهما .
قال القاضي عياض: لعل حديث أبي هريرة متقدم، فزاد الفتحُ بعده القدر
المذکور في حدیث زينب.
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه لو كان الوصف المذكور من أصل الرواية
لاتّجه، ولكن الاختلاف فيه من الرواة عن سفيان بن عيينة، ورواية من روى
عنه تسعين، أو مائة، أتقن، وأكثر من رواية من روى عشرة، وإذا اتّحد مخرج
الحديث، ولا سيما في أواخر الإسناد بَعُد الحمل على التعدد جدّاً. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: مما سبق يتبيّن أن الترجيح هو الأولى من
الجمع بالتعدّد، فتقدّم رواية: ((عقد تسعين))؛ لكثرة من رواها، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.
(قُلْتُ:) وفي رواية البخاريّ: ((قالت زينب بنت جحش))، وهذا يخصص
رواية سليمان بن كثير بلفظ: ((قالوا: أنهلك))، ويعيّن أن اللافظ بهذا السؤال
هي زينب بنت جحش راوية الحديث. (يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ) بكسر اللام، على
اللغة الفصيحة المشهورة، وحُكِي فتحها، وهو ضعيف، أو فاسد، قاله
النوويّ(١).
وقال المجد تَّلُهُ: «هلك)» كضرب، ومنع، وعَلِمَ هُلْكاً بالضمّ، وهَلاكاً،
وتُهْلُوكاً، وهُلُوكاً بضمّهما، ومهلكةً، وتهلكةً مثلّثي اللام: مات. انتهى.
(١) ((شرح النوويّ)) ٣/١٨.

١٧٩
(١) - بَابُ اقْتِرَابِ الْفِتَنِ، وَفَتْحِ رَدْمٍ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ - حديث رقم (٧٢٠٧)
قال الجامع عفا الله عنه: أفادت عبارة المجد أن ((نهلك)) هنا بكسر
اللام، وفَتْحها، فتفطّن، والله تعالى أعلم.
وفي رواية يزيد بن الأصم، عن ميمونة، عن زينب بنت جحش في نحو
هذا الحديث: ((فُرِج الليلةَ من رَدْم يأجوج ومأجوج فرجةٌ، قلت: يا رسول الله
أيعذبنا الله، وفينا الصالحون)). (وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟) كأنها أخذت ذلك من قوله
تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، (قَالَ) وَهِ: ((نَعَمْ)
تهلِكون، وإن كان فيكم الصالحون، (إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ))) - بفتح الخاء المعجمة،
والموحّدة، ثم مثلثة - فسّروه بالزنا، وبأولاد الزنا، وبالفسوق، والفجور، وهو
أولى؛ لأنه قابَله بالصلاح، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زينب بنت جحش ﴿ّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٠٧/١ و٧٢٠٨ و٧٢٠٩ و٧٢١٠] (٢٨٨٠)،
و(البخاريّ) في ((الأنبياء)) (٣٣٤٦) و((المناقب)) (٣٥٩٨) و((الفتن)) (٧٠٥٩
و٧١٣٥)، و(الترمذيّ) في ((الفتن)) (٢١٨٧)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٩١/٦
و٤٠٧)، و(ابن ماجه) في ((الفتن)) (٣٩٥٣)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه))
(٢٠٧٤٩)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٣٠٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(١٩٠٦١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٢٨/٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٣٢٧ و٦٨٣١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٨٢/١٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(٩٣/١٠)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤٢٠١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان معجزة للنبيّ ◌َّه حيث يُطلعه الله ◌ُعَلَ بما سيكون من
مغيّبات الأمور، فيقع على ما أخبر ناَلّ .
٢ - (ومنها): ما قاله ابن العربيّ: أن فيه البيانَ بأن الخير يهلك بهلاك
الشرير، إذا لم يغيّر عليه خبثه، وكذلك إذا غيّر عليه، لكن حيث لا يُجدي
ذلك، ويصرّ الشرير على عمله السيئ، ويفشو ذلك، ويكثر حتى يعم الفساد،

١٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
فيهلك حينئذ القليل والكثير، ثم يُحشر كل أحد على نيته، قال: وكأن
زينب ﴿ّا فَهِمت من فَتْح القَدْر المذكور من الردم أن الأمر إن تمادى على
ذلك اتسع الخرق، بحيث يخرجون، وكان عندها علم أن في خروجهم على
الناس إهلاكاً عاماً لهم. انتهى.
٣ - (ومنها): ما قاله ابن العربيّ أيضاً: في الإشارة المذكورة في الحديث
دلالةً على أنه وَي كان يعلم عقد الحساب، حتى أشار بذلك لمن يعرفه، وليس
في ذلك ما يعارض قوله في الحديث الآخر: ((إنا أمة أميّة لا نحسُب، ولا
نكتب))، فإن هذا إنما جاء لبيان صورة معيّنة خاصّة.
قال الحافظ: والأولى أن يقال: المراد بنفي الحساب ما يتعاناه أهل
صناعته من الجمع والْفَذْلكة، والضرب، ونحو ذلك، ومن ثَمّ قال: (ولا
نكتب))، وأما عقد الحساب فإنه اصطلاح للعرب تواضعوه بينهم ليستغنوا به عن
التلفظ، وكان أكثر استعمالهم له عند المساومة في البيع، فيضع أحدهما يده في
يد الآخر، فيفهمان المراد من غير تلفظ؛ لِقَصد سَتْر ذلك عن غيرهما، ممن
يحضرهما، فشَبَّه وَ لّهِ قدر ما فُتح من السد بصفة معروفة عندهم.
[تنبيه]: قال الحافظ تَخْذَتُهُ: قد أكثر الشعراء التشبيه بهذه العقود، ومن
ظريف ما وقفت عليه من النظم في ذلك قول بعض الأدباء:
رُبَّ بُرْغُوثٍ لَيْلَةً بِتُّ مِنْهُ وَفُؤَادِي فِي قَبْضَةِ النِّسْعِينِ
ذَاقَ طَعْمَ الْحِمَامِ فِي السَّبْعِينِ
أَسَرَتْهُ يَدُ الثَّلَاثِينَ حَتَّى
وعَقْد الثلاثين أن يضم طرف الإبهام إلى طرف السبابة مثل من يُمسك
شيئاً لطيفاً كالإبرة، وكذلك البرغوث، وعقد السبعين أن يجعل طرف ظفر
الإبهام بين عقدتي السبابة من باطنها، ويلوي طرف السبابة عليها مثل ناقد
الدينار عند النقد، وقد جاء في خبر مرفوع أن يأجوج ومأجوج يحفرون السدّ
كل يوم، وهو فيما أخرجه الترمذيّ وحسّنه، وابن حبان، والحاكم، وصححاه
من طريق قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، رفعه في السدّ ((يحفرونه كل
يوم حتى إذا كادوا يخرقونه، قال الذي عليهم: ارجعوا، فستخرقونه غداً،
فيعيده الله كأشدّ ما كان، حتى إذا بلغ مدتهم، وأراد الله أن يبعثهم قال الذي
عليهم: ارجعوا، فستخرقونه غداً إن شاء الله، واستثنى، قال: فيرجعون،