Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١
(١٨) - بَابُ عَرْضٍ مَقْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٨٧)
أخرجه (المصنّف) هنا [٧١٨٦/١٨] (٢٨٦٨)، و(النسائيّ) في ((المجتبى))
(٢٠٥٨) وفي ((الكبرى)) (٢١٨٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠٣/٣ و١٧٥
و٢٠١ و٢٨٤) وفي ((السُّنَّة)) (١٣٤٥ و١٣٤٧ و١٣٥١)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٣٩٦/٧ و٤٠١)، و(الآجريّ) في ((الشريعة)) (ص٣٦٠)، و(الطبريّ)
في (تهذيب الآثار)) (٦٠٣/٢)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٣/
٢٧٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٥٣/٥)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده))
(٣٥٤/١)، و(البيهقيّ) في ((إثبات عذاب القبر)) (٩٠ و٩١)، و(البغويّ) في
((شرح السُّنَّة)) (١٥٢٦)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧١٨٧] (٢٨٦٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح)
وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ ،
قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ (ح)
وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعاً عَنْ يَحْيَى
الْقَطَّانِ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ
أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْبَرَاءِ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَهـ
بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتاً، فَقَالَ: ((يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا))).
رجال هذه الأسانيد: أربعة عشر:
١ - (عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ) السُّوائيّ - بضم السين المهملة، والمدّ -
الكوفيّ، ثقة [٤] (ت١١٦) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١١٢٤/٤٨.
٢ - (أَبُوهُ) وهب بن عبد الله السوائيّ، ويقال: اسم أبيه وهب أيضاً،
مشهور بكنيته، ويقال له: وهب الخير، صحابيّ معروف، وصَحِب عليّاً بَظُبه،
ومات تظنه سنة أربع وسبعين (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١١٢٤/٤٨.
٣ - (أَبُو أَيُّوبَ) خالد بن زيد بن كُليب الأنصاريّ، من كبار
الصحابة ﴿ه، شَهِد بدراً، ونزل النبيّ وَّل حين قَدِم المدينة علیه، ومات
مضرعنه
غازياً الروم سنة خمسين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٣/٤.
والباقون كلّهم تقدّموا قريباً.
١٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
[تنبيه]: من لطائف هذه الأسانيد:
أنها من سباعيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وفيه ثلاثة من الصحابة طو ◌ّ روى
بعضهم عن بعض، وفيه رواية الراوي عن أبيه مرتين، وأن شيخيه: ابن المثنّى،
وابن بشار من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) خالد بن زيد الأنصاريّ
مضرعنه ؛
(عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازب ◌ُِّ
أنه (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ) ولفظ البخاريّ: ((وقد
وجبت الشمس))، وهو بمعنى غربت. (فَسَمِعَ صَوْتاً) قال في ((الفتح)): قيل:
يَحْتَمِل أن يكون صوت ملائكة العذاب، أو صوت اليهود المعذّبين، أو صوت
وَقْع العذاب. قال الحافظ تَّتُهُ: وقد وقع عند الطبرانيّ، من طريق
عبد الجبّار بن العبّاس، عن عون، مفسّراً، ولفظه: ((خرجتُ مع النبيّ ◌َّ حين
غربت الشمس، ومعي كوز، من ماء، فانطلق لحاجته، حتى جاء، فوضّأته،
فقال: ((أتسمع ما أسمع؟))، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((أسمع أصوات
اليهود، يعذّبون في قبورهم)). انتهى(١).
(فَقَالَ) وَهِ: ((يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا))) ((يهود)) خبر لمحذوف؛ أي: هذه
يهود، والجملة الفعلية في محل نصب على الحال، أو ((يهود)) مبتدأ، والجملة
بعده خبره.
قال الجوهريّ: اليهود قبيلة، والأصل اليهوديّون، فحذفت ياء الإضافة،
مثل زنج، وزنجيّ، ثم عُرِّفَ على هذا الحدّ، فجُمع على قياس شعير وشعيرة،
ثم عُرِّفَ الجمع بالألف واللام، ولولا ذلك لم يَجُز دخول الألف واللام؛ لأنه
معرفة مؤنث، فجرى مجرى القبيلة، وهو غير منصرف للعَلَمية والتأنيث.
انتھی .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي أيوب الأنصاريّ ◌ُه هذا متّفقٌ عليه.
(١) ((الفتح)) ٦١١/٣.
١٠٣
(١٨) - بَابُ عَرْضٍ مَقْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٨٨)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧١٨٧/١٨] (٢٨٦٩)، و(البخاريّ) في ((الجنائز))
(١٣٧٥)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٢٠٥٩) وفي ((الكبرى)) (٢١٨٦)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٤١٧/٥ و٤١٩)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده))
(٢٢٤)، و(هناد بن السريّ) في ((الزهد)) (٢١٣/١)، و(تمام الرازيّ) في
(«فوائده)) (٦٤/٢)، و(أبو بكر الشيبانيّ) في ((الآحاد والمثاني)) (٤٤٠/٣)،
و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٣٥٩/١) و((إثبات عذاب القبر)) (٧٢/١)، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّقُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧١٨٨] (٢٨٧٠) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ،
حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ
نَبِيُّ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ
نِعَالِهِمْ))، قَالَ: ((يَأْتِيهِ مَلَكَانٍ، فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا
الرَّجُلِ؟))، قَالَ: ((فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ))، قَالَ: ((فَيُقَالُ
لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدَِ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَفْعَداً مِنَ الْجَنَّةِ»، قَالَ
نَبِيُّ اللّهِ وَهِ: ((فَيَرَاهُمَا جَمِيعاً))، قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ
ذِرَاعاً، وَيُمْلأُ عَلَيْهِ خَضِراً إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم هذا الإسناد نفسه قبل ثلاثة أبواب، فلا
حاجة إلى إعادة الكلام فيه.
شرح الحديث:
(عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السدوسيّ البصريّ؛ أنه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ
مَالِكِ) رَّهِ (قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللهِ وَهِ: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ) بالبناء للمفعول.
ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: ((إن العبد إذا وُضع في قبره، وتولّى عنه
أصحابه، إنه يسمع قرع نعالهم أتاه ملكان ... )).
قال الطيبيّ تَخْتُ: قوله: ((إذا وُضع)) شرط، جوابه قوله: ((أتاه))، والجملة
خبر ((إنّ))، وقوله: ((إنه ليسمع قرع نعالهم)) إما حال بحذف الواو، كأحد
١٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
الوجهين في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ اُلْقِيَمَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم
مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]؛ أي: ووجوههم، على أن الرؤية بمعنى الإبصار، ونحو
كلّمته فوه إلى فيّ، أو يكون جواباً للشرط على إضمار الفاء، فيكون ((أتاه)) حالاً
من فاعل ((ليسمع))، و((قد)) مقدّرة، ويَحْتَمِل أن تكون ((إذا)) ظرفاً مجرّداً، وقوله:
((إنه)) تأكيد لقوله: ((إن العبد))، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
﴾ [الكهف: ٣٠] في أحد الوجهين. انتهى (١).
٣٠
إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (
(فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ) وفي رواية للبخاريّ: ((وإنه
ليسمع قرع نعالهم)) بالواو. (قَرْعَ نِعَالِهِمْ))) ((القرع)) بفتح القاف، وسكون الراء:
هو الدقّ، و((النعال)) بكسر النون، جمع نعل؛ أي: يسمع صوت دقها، وفيه
دلالة على حياة الميت في القبر؛ لأن الإحساس بدون الحياة ممتنع عادة. وفيه
دليل على جواز المشي بالنعال في القبور؛ لكونه وَّ قاله، وأقرّه، فلو كان
مكروهاً لبيَّنه، لكن يعكر عليه احتمال أن يكون المراد: سماعه إياها بعد أن
يجاوزوا المقبرة. قال الشوكانيّ تَخْتُ: سماع الميت خفق النعال لا يستلزم
المشي على قبر، أو بين القبور. انتهى.
وأيضاً يجوز أنه و ﴿ ذكر ذلك على عادات الناس، فلا يلزم من هذه
الحكاية من غير إنكار تقرير مشيهم بها .
ويدل على الكراهة حديث الأمر بإلقاء السبتيتين للماشي بين القبور عند
أبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه، لكن يَحْتَمِل أن أمْره بالخلع كان لِقَذَر بهما،
كما قال الطحاويّ، أو لاختياله في مشيه كما قال الخطابيّ، لا لكون المشي
بين القبور بالنعال مكروهاً، ولا يتم الاستدلال به على الكراهة إلا إذا قيل: إن
الأمر بالخلع كان احتراماً للمقابر.
ومال النسائي إلى الجمع بين الحديثين بحمل حديث أنس هذا على غير
السبتيتين، والكراهة إنما هي في النعال السبتية، واختاره ابن حزم.
قال صاحب ((المرعاة)): قلت: حديث أنس يدل بإطلاقه على جواز
المشي بين القبور في النعال السبتيتين وغيرها؛ لعدم الفارق بينها وبين غيرها،
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥٨٨/٢.
١٠٥
(١٨) - بَابُ عَرْضِ مَفْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٨٨)
واحتمال كون المراد سماعه إياها بعد مجاوزتهم المقبرة بعيد جداً، وكذا حَمْله
على عادات الناس أيضاً بعيد خلاف الظاهر، وأما حديث السبتيتين، فلا يتم
الاستدلال به إلا على بعض الوجوه كما تقدم، وأيضاً حديث أنس أرجح منه
فيقدم عليه، وأيضاً هو قضية شخصية معيَّنة تَحْتَمِل الخصوص، وغير ذلك.
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد استوفيت البحث في هذه المسألة في ((شرح
النسائيّ))، ورجحت القول بمنع المشي بين القبور بالنعال مطلقاً، فراجعه (٢)
تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(قَالَ) وَهِ: ((يَأْتِيهِ مَلَكَانٍ) وفي رواية البخاريّ: ((أتاه ملكان))، زاد ابن
حبان، والترمذيّ، من طريق سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة ظُه: أسودان،
أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير، وفي رواية ابن حبّان:
(يقال لهما: منكر ونكير))، زاد الطبرانيّ في ((الأوسط)) من طريق أخرى، عن
أبي هريرة: ((أعيُنهما مِثْل قِدْر النحاس، وأنيابهما مثل صياصي(٣) البقر،
وأصواتهما مثل الرعد»، ونحوه لعبد الرزاق، من مرسل عمرو بن دينار، وزاد:
((يحفران بأنيابهما، ويطان في أشعارهما، معهما مِرْزبة، لو اجتمع عليها أهل
منى لم يُقلّوها)). وأورد ابن الجوزيّ في ((الموضوعات)) حديثاً، فيه: ((أن فيهم
رومان، وهو کبیرهم».
وذكر بعض الفقهاء أن اسم اللذَيْنِ يسألان المذنب: منكر ونكير، وأن
اسم اللذَينِ يسألان المطيع: مبشّر وبشير (٤).
قال الجامع عفا الله عنه: لم يصحّ دليل على غير منكر، ونكير، فتنبّه،
والله تعالى أعلم.
(فَيُقْعِدَانِهِ) بضم الياء، من الإقعاد، زاد في حديث البراء: ((فتعاد روحه
(١) ((مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح)) ٥٣١/١.
(٢) راجع: ((ذخيرة العقبى في شرح المجتبى)) ٧٥/٢٠ - ٧٦.
(٣) جمع صيصة بالكسر، وهو قرن البقر، والظباء. اهـ. ((ق)).
(٤) راجع: ((الفتح)) ٦٠٦/٣، (كتاب الجنائز)).
١٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
في جسده))، وزاد ابن حبّان من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة نظُله: ((فإذا
كان مؤمناً، كانت الصلاة عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصوم عن شماله،
وفِعل المعروف من قِبَل رجليه، فيقال له: اجلس، فيجلس، وقد مُثّلت له
الشمس عند الغروب))، زاد ابن ماجه، من حديث البراء: ((فيجلس، فيمسح
عينيه، ويقول: دعوني أصلي)).
[تنبيه]: قوله: ((فَيُفْعِدَانِهِ))، وفي حديث البراء: ((فيجلسانه))، قال
التوربشتيّ كَّتُهُ: هذا اللفظ أولى اللفظين بالاختيار؛ لأن الفصحاء إنما
يستعملون القعود في مقابلة القيام، فيقولون: القيام والقعود، لا نسمعهم
يقولون: القيام والجلوس، يقال: قعد الرجل عن قيامه، وجلس عن
اضطجاعه، واستلقائه.
وحَكَى النضر بن شُميل أنه دخل على المأمون عند مقدمه مَرْوَ، فمَثَلَ بين
يديه، وسلّم، فقال له المأمون: اجلس، فقال: يا أمير المؤمنين لست
بمضطجع، فأجلس، فقال: كيف أقول؟ قال: قل: اقعُد.
فعلى هذا المختارُ من بين الروايتين هو الإجلاس؛ لِمَا أشرنا إليه من
دقيق المعنى، وفصيح الكلام، وهو الأحقّ، والأجدر ببلاغة الرسول وَالچ،
ولعلّ من روى: ((فيُقعدانه)) ظنّ أن اللفظين ينزلان من المعنى بمنزلة واحدة،
ومن هذا الوجه أنكر كثير من السلف رواية الحديث بالمعنى؛ خشية أن يزِلّ في
الألفاظ المشتركة، فيذهب عن المراد جانباً .
قال الطيبيّ: أقول: لا ارتياب أن الجلوس والقعود مترادفان، وأن
استعمال القعود مع القيام، والجلوس مع الاضطجاع مناسبة لفظيّة، ونحن نقول
بموجبه إذا كانا مذكورين، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسََّ الْإِنسَنَ اُلُّرُّ دَعَنَا لِجَنْسِهِ، أَوْ
قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن ◌َّمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرٍ مَّسَّةُ، كَذَلِكَ زُيِّنَ
[يونس: ١٢]، ولا نقول: إذا لم يكن أحدهما
لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19)،
مذكوراً كان كذلك، ألا ترى إلى حديث جبريل ظلّل: ((حتى جلس إلى
النبيّ وَّ)) بعد قوله: ((إذا طلع علينا))، ولا خفاء أنه عُ لَّا لم يضطجع بعد
الطلوع عليهم، وكذلك لم يرِد في هذا الحديث الاضطجاع ليوجب أن يذكر
معه الجلوس، وأما الترجيح بما رواه عن النضر، وهو من رواة العربيّة على
١٠٧
(١٨) - بَابُ عَرْضٍ مَفْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٨٨)
رواية الشيخين الثقتين، فبعيد عن مثله، وهو من مشاهير المحدّثين. انتهى كلام
الطيبيّ ◌َُّ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد حقّق المسألة الفيّوميّ كَّتُهُ فقال: الجُلُوسُ
غير القعود، فإن الجُلُوسَ هو الانتقال من سُفْل إلى عُلْوٍ، والقعود هو الانتقال
من عُلْوِ إلى سُفْل، فعلى الأول يقال لمن هو نائم، أو ساجد: اجْلِسْ، وعلى
الثاني يقال لمن هو قائم: اقْعُدْ، وقد يكون جَلَسَ بمعنى قعد، يقال: جَلَسَ
متربعاً، وقَعَدَ متربعاً، وقد يفارقه، ومنه جَلَسَ بين شُعَبها؛ أي: حَصَل،
وتمكن؛ إذ لا يسمى هذا قعوداً، فإن الرجل حينئذ يكون معتمداً على أعضائه
الأربع، ويقال: جَلَسَ متكئاً، ولا يقال: قَعَدَ متكئاً، بمعنى الاعتماد على أحد
الجانبين، وقال الفارابيّ، وجماعة: الجُلُوسُ نقيض القيام، فهو أعمّ من
القعود، وقد يستعملان بمعنى الكون والحصول، فيكونان بمعنى واحد، ومنه
يقال: جَلَسَ متربعاً، وجَلَسَ بين شُعَبها؛ أي: حصل، وتمكّن. انتهى كلام
الفيّوميّ ◌َُّ(٢).
فتحصّل من هذا أنه يجوز استعمال الجلوس مكان القعود، والعكس،
فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَيَقُولَانِ)؛ أي: الملَكان (لَهُ)؛ أي: لهذا الميت الموضوع في القبر، (مَا
كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟»)؛ أي: في الرجل المشهور بين أظهركم، ولا يلزم
منه الحضور، وتركهما ما يشعر بالتعظيم؛ لئلا يصير تلقيناً، وهو لا يناسب
موضع الاختبار. قاله السنديّ. زاد في رواية: ((محمد {َّ))، وزاد أبو داود في
أوله: «ما كنتَ تعبد؟، فإنْ هداه الله، قال: كنت أعبد الله، فيقال له: ما كنت
تقول في هذا الرجل؟))، ولأحمد من حديث عائشة غيرنا: ((ما هذا الرجل الذي
کان فیکم؟».
ووقع في رواية البخاريّ: ((ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد وَليت))،
قال في ((المرعاة)): قوله: ((في هذا الرجل))؛ أي: في شأنه، واللام للعهد
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥٨٨/٢ - ٥٨٩.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٠٥/١.
١٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
الذهنيّ، وقوله: ((المحمد وَّ)) بيان من الراوي للرجل؛ أي: لأجل محمد وَله .
قال الطيبيّ نَّثُهُ: دعاؤه بالرجل من كلام الملك، فعبَّر بهذه العبارة التي ليس
فيها تعظيم امتحاناً للمسؤول؛ لئلا يتلقن تعظيمه عن عبارة القائل، ثم يثبّت الله
الذين آمنوا. انتهى.
ولا يلزم من الإشارة ما قيل من رَفْع الحُجُب بين الميت وبينهِ وَُّ حتى
يراه، ويُسأل عنه؛ لأن مثل ذلك لا يثبت بالاحتمال، على أنه مقام امتحان،
وعدم رؤية شخصه الكريم أقوى في الامتحان، ولا ما تفوّه به بعض الجهلة من
أنه وَلّ يحضر الميت في قبره بجسده وروحه؛ لأن الإشارة بـ((هذا)) للحاضر في
الذهن، كما في ((تنوير الحوالك)) للسيوطيّ، فإن الإشارة كما تكون للحاضر في
الخارج كذلك تكون للحاضر في الذهن أيضاً، ويدل على بطلان القولين،
وعلى كون الإشارة هنا إلى الموجود الحاضر في الذهن رواية أحمد، والطبراني
بلفظ: ((ما تقول في هذا الرجل؟ قال: من؟ قال: محمد، فيقول ... إلخ))،
فإنه لو كُشف وَّ للميت، أو حضره في القبر لَمَا احتاج إلى السؤال بقوله:
((من)) فتأمل.
قال الجامع عفا الله عنه: ومثل ما أنكره صاحب ((المرعاة)) من رفع
الحجاب، أو ما تفوّه به بعض الجهلة ما وقع لبعض المتصوفة وأهل الخرافة
من أنه وَلّ ملأ الكون كلّه بروحه وجسده، فلهذا جازت الإشارة إليه بقوله: ((ما
تقول في هذا الرجل؟))، فكلّ هذا مما لم يُنزل الله رَّت به سلطاناً، ومن التقوّل
على الله بلا علم، فمنزلة النبيّ وَلّ رفيعة فوق هذا كلّه، ولكن لا يجوز لمسلم
أن ينسب إليه ما لم يُنقل عنه نصّاً في كتاب الله ◌ُعَلَ، أو في سننه الصحيحة،
فتنبّه أيها العاقل، ولا تغترّ بمزاعم هؤلاء الجهلة، وأهل الخرافة، والله تعالى
الهادي إلى سواء السبيل.
(قَالَ) وَِّ: ((فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ)؛ أي: في جوابه لهما مع اعترافه
بالتوحيد، كما في حديث البراء وغيره: (أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ))) ولأحمد
من حديث أبي سعيد رَُّله: ((فإن كان مؤمناً قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن
محمداً عبده ورسوله، فيقال له: صدقت)). زاد أبو داود: ((فلا يسألانه عن
شيء غيرهما))، وفي حديث أسماء بنت أبي بكر ◌ًا في ((الصحيحين)): ((فأما
١٠٩
(١٨) - بَابُ عَرْضٍ مَقْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٨٨)
المؤمن، أو الموقن، فيقول: محمد رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى،
فأجبنا، وآمنّا، واتبعنا، فيقال له: نَمْ صالحاً)). وفي حديث أبي سعيد، عند
سعيد بن منصور: «فيقال له: نَمْ نَوْمة العروس، فيكون في أحلى نومة نامها
أحد، حتى يُبعث)). وللترمذيّ في حديث أبي هريرة: ((ويقال له: نم نومة
العروس الذي لا يوقظه إلا أحبّ أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك)).
ولابن حبّان، وابن ماجه، من حديث أبي هريرة، وأحمد من حديث عائشة:
((ويقال له: على اليقين كنت، وعليه متّ، وعليه تُبعث إن شاء الله)).
(قَالَ) وَهِ: ((فَيُقَالُ لَهُ)؛ أي: على لسان الملَكين، (انْظُرْ إِلَى مَفْعَدَِ مِنَ
النَّارِ) لو لم تكن مؤمناً ولم تُجب الملَكين، (قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ)؛ أي: بمقعدك
هذا (مَقْعَداً مِنَ الْجَنَّةِ))) وفي رواية أبي داود: ((فيقال له: هذا بيتك كان في
النار، ولكن الله رم عصمك، ورحمك، فأبدلك به بيتاً في الجنّة، فيقول:
دعوني حتى أذهب، فأبشّر أهلي، فيقال له: اسكت)). وفي حديث أبي سعيد
عند أحمد: ((كان هذا منزلك لو كفرت بربك)). ولابن ماجه من حديث أبي
هريرة ظُه بإسناد صحيح: ((فيقال له: هل رأيت الله؟ فيقول: ما ينبغي لأحد
أن يرى الله، فتُفرج له فرجة قِبَل النار، فينظر إليها، يحطم بعضها بعضاً، فيقال
له: انظر ما وقاك الله)). وفي رواية للبخاريّ عن أبي هريرة: ((لا يدخل أحد
الجنة إلا أُري مقعده من النار، لو أساء؛ ليزداد شكراً))، وذكر عكسه.
(قَالَ نَبِيُّ اللّهِ وَ: ((فَيَرَاهُمَا)؛ أي: المقعدين، (جَمِيعاً))) ليزداد فرحه.
وقوله: (قَالَ قَتَادَةُ) بن دِعامة: (وَذُكِرَ لَنَا) بالبناء للمفعول، لم يذكر من
ذكر له، (أَنَّهُ) بفتح الهمزة؛ لوقوعه نائب فاعل لـ«ذُكر))، (يُفْسَحُ لَهُ) بالبناء
للمفعول أيضاً؛ أي: يوسّع لذلك الميت (فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعاً) وفي حديث
البراء نظُّه عند أحمد: ((ويفسح له في قبره مدّ بصره))، (وَيُمْلأُ) بالبناء للمفعول
أيضاً، (عَلَيْهِ خَضِراً) قال النوويّ كَُّهُ: ((الخضر)) ضبطوه بوجهين: أصحهما
بفتح الخاء، وكسر الضاد، والثاني: بضم الخاء، وفتح الضاد، والأول أشهر،
ومعناه: يُملأ نِعَماً غضّةً، ناعمة، واصلة من خضرة الشجر، هكذا فسَّروه، قال
القاضي: يَحْتَمِل أن يكون هذا الفسح له على ظاهره، وأنه يُرفع عن بصره ما
يجاوره من الحُجُب الكثيفة، بحيث لا تناله ظلمة القبر، ولا ضيقة إذا رُدت إليه
١١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
روحه، قال: ويَحْتَمِل أن يكون على ضَرْب المَثَل، والاستعارة للرحمة،
والنعيم، كما يقال: سقى الله قبره، والاحتمال الأول أصحّ، والله أعلم.
انتھی(١).
وفي رواية أحمد بعد ذكر السؤال والجواب: ((فينادي منادٍ في السماء:
أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى
الجنة، قال: فيأتيه من رَوْحها، وطيبها، ويُفسح له في قبره مَدَّ بصره، قال:
ويأتيه رجل حَسَن الوجه، حَسَن الثياب، طيّب الريح، فيقول: أبشر بالذي
يسرّك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء
بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى
أهلي ومالي)).
وقوله: (إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)؛ أي: هذا النعيم مستمرّ، لا ينقطع إلى اليوم
الذي يُبعث فيه الخلائق، وهو يوم القيامة، فقوله: ((إلى يوم)) يجوز في (يوم))
الجرّ بالكسرة، والبناء على الفتح؛ لأنه مضاف إلى جملة فعليّة معربة، فيجوز
فيه الوجهان، والإعراب أرجح، وإلى هذا أشار ابن مالك تَخُّ في ((الخلاصة))
بقوله :
وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلِ بُنِيَا
وَابْنٍ أَوَ اعْرِبْ مَا كَـ((إِذْ)) قَدْ أُجْرِيَا
أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا
وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا
وقد ذكر البخاريّ قول قتادة هذا مختصراً، ولفظه: ((قال قتادة: وذُكر لنا
أنه يُفسح له في قبره))، قال في ((الفتح)): زاد مسلم من طريق شيبان، عن
قتادة: ((سبعون ذراعاً، ويُملأ خضراً إلى يوم يبعثون)). قال الحافظ: ولم أقف
على هذه الزيادة موصولة من حديث قتادة. وفي حديث أبي سعيد، من وجه
آخر عند أحمد: ((ويُفسح له في قبره)). وللترمذيّ، وابن حبان من حديث أبي
هريرة: ((فيُفسح له في قبره سبعين ذراعاً))، زاد ابن حبان: ((في سبعين ذراعاً)).
وله من وجه آخر عن أبي هريرة: ((ويرَّّب له في قبره سبعون ذراعاً، وينوّر له
كالقمر ليلة البدر)). وفي حديث البراء الطويل: ((فينادي منادٍ من السماء: أن
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٣/١٧ - ٢٠٤.
١١١
(١٨) - بَابُ عَرْضِ مَفْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٨٨)
صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له باباً في الجنة، وألبسوه من
الجنة، قال: فيأتيه من رَوْحها، وطيبها، ويُفسح له فيها مدّ بصره)). زاد ابن
حبان من وجه آخر، عن أبي هريرة: «فيزداد غِبْطةً وسروراً، فيعاد الجلد إلى ما
بدأ منه، وتُجعل روحه في نَسَم طائر يَعْلُقُ في شجر الجنّة)). وعند النسائيّ من
حديث كعب بن مالك عن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((إنما نسمة المؤمن طائر في
شجر الجنة، حتى يبعثه الله ريك إلى جسده يوم القيامة)). وفي ((صحيح مسلم))
من حديث ابن مسعود نظراته: ((أرواح الشهداء في جوف طير خُضْر، لها قناديل
معلّقة بالعرش، تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل ... ))
الحديث، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رَُّّه هذا متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: تكلّم الحافظ رشيد الدين ابن العطّار في قول قتادة المذكور،
فقال في ((غرره)) :
أورده مسلم في أواخر الكتاب من حديث شيبان بن عبد الرحمن، عن
قتادة، عن أنس قال: قال نبيّ الله وَّر: ((إن العبد إذا وُضع في قبره، وتولى
عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم ... )) الحديث، وفي آخره: ((قال قتادة:
وذُكر لنا أنه يُفسح له في قبره سبعون ذراعاً، ويُملأ عليه خَضِراً إلى يوم
یبعثون)).
قال العطّار: وهذا حديث انفرد به مسلم من هذا الوجه دون البخاريّ،
وأخرجه النسائي في ((سننه)) من هذا الوجه، ولم يذكر هذه الزيادة، وقد أخرج
البخاريّ هذا الحديث من وجه آخر، عن قتادة، عن أنس، فذكره أَتَمَّ من
حديث شيبان، عن قتادة، ولم يذكر فيه هذه الزيادة كلها، غير أنه قال فيه:
((قال قتادة: وذُكر لنا أنه يُفسح له في قبره)) فقط، وأخرجه مسلم أيضاً من
حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، مختصراً، ولم يذكر فيه هذه
الزيادة أيضاً، والله ريّ أعلم، ولا أعلم الآن من أسندها، وإنما أوردها مسلم
جرياً على عادته في ترك الاختصار من الحديث، وإيراده إياه كاملاً كما سمعه،
١١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
والله رَك أعلم. انتهى كلام الرشيد العطار وَّهُ(١).
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧١٨٨/١٨ و٧١٨٩ و٧١٩٠] (٢٨٧٠)،
و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٣٣٨ و١٣٧٤)، و(أبو داود) في ((الجنائز))
(٣٢٣١)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٢٠٥١ و٢٠٤٩ و٢٠٥٠) وفي ((الكبرى))
(٢١٧٦ و٢١٧٧ و٢١٧٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٢٦/٣) وفي ((السنّة))
(١٣٨٨)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٣٥٦/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٣١٢٠)، و(الآجريّ) في ((الشريعة)) (ص٣٦٥)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل
السنّة)) (١١٣١/٦)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٣٦٦/٢)، و(ابن أبي عاصم)
في ((السنّة)) (٤١٦/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨٠/٤) و((إثبات عذاب القبر))
(١٣ و١٤ و١٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٥٢٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): (اعلم): أن المصنّف تَخْتُهُ اختصر حديث أنس
هذا على ذِكر ما يتعلّق بالمؤمن فقط، وتَرْك ما يتعلّق بالكافر، وقد ساقه
البخاريّ مطوّلاً، فقال:
(١٣٧٤) - حدّثنا عيّاش بن الوليد، حدّثنا عبد الأعلى، حدّثنا سعيد، عن
قتادة، عن أنس بن مالك ربه، أنه حدّثهم أن رسول الله وَل قال: ((إن العبد
إذا وُضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان،
فيُقعدانه، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد وَلقر، فأما المؤمن،
فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد
أبدلك الله به مقعداً من الجنة، فيراهما جميعاً - قال قتادة: وذُكر لنا أنه يُفسح
في قبره - ثم رجع إلى حديث أنس قال: وأما المنافق، والكافر، فيقال له: ما
كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس،
فيقال: لا دَرَيتَ، ولا تَلَيتَ، ويُضرب بمطارق من حديد ضربةً، فيصيح
صيحة، يسمعها مَن يليه غير الثقلين)). انتهى(٢).
(١) ((غرر الفوائد)) ٢٩٨/١ - ٢٩٩، وتقدّم في ((شرح المقدّمة)) ١٣١/١.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ١/ ٤٦٢.
١١٣
(١٨) - بَابُ عَرْضٍ مَقْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٨٨)
قال الجامع عفا الله عنه: أما ما يتعلّق بالجزء الأول، فقد مضى شرحه
في سياق المصنّف، فلنشرح ما يتعلّق بالجزء الثاني، فنقول:
قوله: ((وأما المنافق، والكافر)) كذا في هذه الطريق بواو العطف، وتقدم
بلفظ: ((وأما الكافر، أو المنافق)) بالشكّ، وفي رواية أبي داود: ((وأن الكافر
إذا وُضع)) وكذا لابن حبان من حديث أبي هريرة، وكذا في حديث البراء
الطويل، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد: ((وإن كان كافراً، أو منافقاً))
بالشك، وله في حديث أسماء: ((فإن كان فاجراً، أو كافراً))، وفي ((الصحيحين)
من حديثها: ((وأما المنافق، أو المرتاب))، وفي حديث جابر عند عبد الرزاق،
وحديث أبي هريرة عند الترمذيّ: ((وأما المنافق))، وفي حديث عائشة عند
أحمد، وأبي هريرة عند ابن ماجه: ((وأما الرجل السوء»، وللطبرانيّ من حديث
أبي هريرة: ((وإن كان من أهل الشك)).
قال الحافظ تَخَّتُهُ: فاختلفت هذه الروايات لفظاً، وهي مجتمعة على أن
كلّاً من الكافر والمنافق يُسأل، ففيه تعقُّب على من زعم أن السؤال إنما يقع
على من يدّعي الإيمان، إن مُحقّاً وإن مبطلاً، ومستندهم في ذلك ما رواه
عبد الرزاق، من طريق عبيد بن عمير أحد كبار التابعين، قال: ((إنما يُفتن
رجلان: مؤمن، ومنافق، وأما الكافر فلا يُسأل عن محمد وَّهِ، ولا يعرفه))،
وهذا موقوف، والأحاديث الناصّة على أن الكافر يُسأل مرفوعة مع كثرة طرقها
الصحيحة، فهي أولى بالقبول، وجزم الترمذيّ الحكيم بأن الكافر يُسأل،
واختلف في الطفل غير المميِّز، فجزم القرطبيّ في ((التذكرة)) بأنه يُسأل، وهو
منقول عن الحنفية، وجزم غير واحد من الشافعية بأنه لا يُسأل، ومن ثَمَّ قالوا:
لا يستحب أن يُلَقَّن، واختلف أيضاً في النبيّ هل يُسأل؟ وأما الملَك فلا أعرف
أحداً ذَكَره، والذي يظهر أنه لا يُسأل؛ لأن السؤال يختص بمن شأنه أن يُفتن.
وقد مال ابن عبد البرّ إلى الأول، وقال: الآثار تدلّ على أن الفتنة لمن
كان منسوباً إلى أهل القبلة، وأما الكافر الجاحد فلا يُسأل عن دينه.
وتعقبه ابن القيم في ((كتاب الروح))، وقال: في الكتاب والسُّنَّة دليل على
أن السؤال للكافر والمسلم، قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ
الثَّابِتِ فِ الْخَيَوةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وفي
١١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
حديث أنس في البخاريّ: ((وأما المنافق والكافر)) بواو العطف، وفي حديث
أبي سعيد: ((فإن كان مؤمناً ... )) فذكره، وفيه: ((وإن كان كافراً ... ))، وفي
حديث البراء: ((وإن الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا ... )) فذكره، وفيه:
((فيأتيه منكر ونكير ... )) الحديث، أخرجه أحمد، هكذا قال.
وأما قول أبي عمر: فأما الكافر الجاحد فليس ممن يُسأل عن دينه،
فجوابه أنه نفيٌ بلا دليل، بل في الكتاب العزيز الدلالة على أن الكافر يُسأل
عن دينه، قال الله تعالى: ﴿فَلَنَسَْلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ
ـ﴾﴾ [الحجر: ٩٢]، لكن
[الأعراف: ٦]، وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
للنافي أن يقول: إن هذا السؤال يكون يوم القيامة (١).
قوله: ((فيقول: لا أدري))، في رواية أبي داود المذكورة: ((وإن الكافر إذا
وُضع في قبره أتاه ملك، فينتهره، فيقول له: ما كنت تعبد؟))، وفي أكثر
الأحاديث: ((فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟))، وفي حديث البراء:
((فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟
فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟
فيقول: هاه هاه لا أدري))، وهو أتمّ الأحاديث سياقاً.
قوله: ((كنت أقول ما يقول الناس))، في حديث أسماء: ((سمعت الناس
يقولون شيئاً، فقلته))، وكذا في أكثر الأحاديث.
قوله: ((لا دريت، ولا تليت)) كذا في أكثر الروايات بمثناة مفتوحة، بعدها
لام مفتوحة، وتحتانية ساكنة، قال ثعلب: قوله: ((تليت)) أصله تلوت؛ أي: لا
فهمت، ولا قرأت القرآن، والمعنى: لا دريت، ولا اتّبعت من يدري، وإنما
قاله بالياء لمواخاة ((دريت))، وقال ابن السكيت: قوله: ((تليت)) إتباع، ولا معنى
لها، وقيل: صوابه: ولا انتليت بزيادة همزتين قبل المثناة، بوزن افتعلت، من
قولهم: ما ألوت؛ أي: ما استطعت، حُكي ذلك عن الأصمعيّ، وبه جزم
الخطابيّ، وقال الفراء: أي: قصّرت، كأنه قيل له: لا دريت، ولا قصّرت في
طلب الدراية، ثم أنت لا تدري، وقال الأزهريّ: الألو يكون بمعنى الجهد،
(١) ((الفتح)) ١٦٦/٤ - ١٦٧، (كتاب الجنائز)) رقم (١٣٧٤).
١١٥
(١٨) - بَابُ عَرْضٍ مَفْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٨٨)
وبمعنى التقصير، وبمعنى الاستطاعة، وحكى ابن قتيبة عن يونس بن حبيب أن
صواب الرواية: لا دريت، ولا أَتْليت، بزيادة ألف، وتسكين المثناة، كأنه
يدعو عليه بأن لا يكون له من يتبعه، وهو من الإتلاء، يقال: ما أَثْلت إبله؛
أي: لم تَلِد أولاداً يتبعونها، وقال: قول الأصمعيّ أشبه بالمعنى؛ أي: لا
دريت، ولا استطعت أن تدري.
ووقع عند أحمد من حديث أبي سعيد: ((لا دريت، ولا اهتديت))، وفي
مرسل عبيد بن عمير، عند عبد الرزاق: ((لا دريت، ولا أفلحت)).
قوله: ((بمطارق من حديد ضربة)) تقدم في باب خفق النعال بلفظ:
((بمطرقة)) على الإفراد، وكذا هو في معظم الأحاديث، قال الكرمانيّ: الجمع
مُؤذِن بأن كل جزء من أجزاء تلك المطرقة مطرقة برأسها مبالغةً. انتهى.
وفي حديث البراء: ((لو ضُرب بها جبل لصار تراباً))، وفي حديث أسماء:
((ويسلَّط عليه دابة في قبره معها سوط، ثمرته جمرة، مثل غرب البعير، تضربه
ما شاء الله، صمّاء، لا تسمع صوته، فترحمه))، وزاد في أحاديث أبي سعيد،
وأبي هريرة، وعائشة التي أشرنا إليها: ((ثم يُفتح له باب إلى الجنة، فيقال له:
هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذا كفرت، فإن الله أبدلك هذا، ويُفتح له باب
إلى النار))، زاد في حديث أبي هريرة: ((فيزداد حسرةً وثبوراً، ويضيق عليه
قبره، حتى تختلف أضلاعه))، وفي حديث البراء: ((فينادي مناد من السماء:
أفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حَرّها
وسمومها)).
قوله: ((من يليه)) قال المهلب: المراد: الملائكة الذين يلون فتنته، كذا
قال، ولا وجه لتخصيصه بالملائكة، فقد ثبت أن البهائم تسمعه، وفي حديث
البراء: ((يسمعه مَن بين المشرق والمغرب))، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد:
((يسمعه خَلْق الله كلهم غير الثَّقلين))، وهذا يدخل فيه الحيوان، والجماد، لكن
يمكن أن يُخَصّ منه الجماد، ويؤيده أن في حديث أبي هريرة، عند البزار:
((يسمعه كل دابة إلا الثقلين))، والمراد بالثقلين: الإنس والجن، قيل لهم ذلك؛
لأنهم كالثِّقَل على وجه الأرض.
قال المهلب: الحكمة في أن الله يُسمع الجن قول الميت: ((قدّموني))،
١١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
ولا يُسمعهم صوته إذا عُذّب بأن كلامه قبل الدفن متعلق بأحكام الدنيا، وصوته
إذا عُذب في القبر متعلق بأحكام الآخرة، وقد أخفى الله على المكلفين أحوال
الآخرة، إلا من شاء الله؛ إبقاءً عليهم، كما تقدم.
وقد جاء في عذاب القبر غير هذه الأحاديث منها عن أبي هريرة، وابن
عباس، وأبي أيوب، وسعد، وزيد بن أرقم، وأم خالد، في ((الصحيحين))، أو
أحدهما، وعن جابر عند ابن ماجه، وأبي سعيد عند ابن مردويه، وعمر،
وعبد الرحمن ابن حسنة، وعبد الله بن عمرو، عند أبي داود، وابن مسعود،
عند الطحاويّ، وأبي بكرة، وأسماء بنت يزيد، عند النسائيّ، وأم مبشر، عند
ابن أبي شيبة، وعن غيرهم، قاله في ((الفتح))(١).
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): إثبات سماع الميت قرع نعال من يدفنه، إذا انصرفوا من دفنه.
٢ - (ومنها): إثبات سؤال المؤمن في القبر، وهذا مما لا خلاف فيه.
٣ - (ومنها): إثبات سؤال الكافر في القبر، وهذا القول هو الراجح، كما
تقدم قريباً .
٤ - (ومنها): أن الذي يَسأل في القبر ملَكان، اسم أحدهما منكر، واسم
الآخر نكير.
٥ - (ومنها): أن سؤال القبر يكون عن التوحيد، ففيه بيان عِظَم شأن
التوحید.
٦ - (ومنها): أن من يُسأل في قبره ينقسم إلى قسمين: مؤمن مخلص
موفّق للإجابة، فيُبشّر برحمة الله، وجنته، وغير مؤمن، فيَضِلّ عن الجواب،
فيبشَّر بعذاب الله، وسوء عاقبته، نسأل الله تعالى أن يثبّتنا بالقول الثابت في
الحياة الدنيا، وفي الآخرة، إنه بعباده لرؤوف رحيم.
٧ - (ومنها): أن فيه ذمّ التقليد في أمور الدين، ولا سيما باب العقائد؛
لمعاقبة من قال: ((كنت أسمع الناس، يقولون شيئاً، فقلته))، فالواجب على
المكلّف الاتباع، لا التقليد.
(١) ((الفتح)) ١٦٨/٤.
١١٧
(١٨) - بَابُ عَرْضِ مَفْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٨٨)
وليُعلَم الفرق بين الاتباع والتقليد، فإن الأول الاقتداء عن جزم، ويقين،
وهو الذي أمر الله تعالى به من لا يعلم، فقال: ﴿فَتَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا
تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، ومن علامته أن المتبع إذا بُيِّنَ له أن العالم الذي أفتاه قد
أخطأ في هذه المسألة، يتركه، ويسأل من هو أعلم منه، وما هو الصواب
فيها، فیتبعه، ولا يعاند.
وأما التقليد فهو الأخذ بقول الغير، من غير معرفة دليله، بل هو مجرّد
اتباع للرأي المحض، سواء أصاب، أو أخطأ، ومن علامته أنه يعتقد أن خطأه
أفضل من صواب غيره، بدليل أنه إذا ذُكر له أن مقلّده مخطئ مخالف
للنصوص في هذه المسألة لا يتراجع عنه، بل يتمادى، ويعارض النصوص
بدعوى أن مُقلَّدَه أعلم من غيره بالنصوص، وهذه هي الطامّة الكبرى التي حلّت
بالمسلمين بعد القرون المفضّلة، ومن العجب العُجاب أن ترى هذه الصفة فيمن
ينتسب إلى العلم، بل ربما يدّعي معرفة الأحاديث، فإنا لله، وإنا إليه راجعون.
٨ - (ومنها): أن الميت يحيا في قبره للمسألة؛ خلافاً لمن ردّه، واحتجّ
بقوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا أَمَّتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]، قال: فلو كان
يحيا في قبره للزم أن يحيا ثلاث مرّات، ويموت ثلاثاً، وهذا خلاف النصّ.
والجواب عنه: أن المراد بالحياة في القبر للمسألة، ليست الحياة
المستقرّة المعهودة في الدنيا التي تقوم فيها الروح بالبدن، وتدبيره، وتصرّفه،
وتحتاج إلى ما يحتاج إليه الأحياء، بل هي مجرّد إعادة لفائدة الامتحان، الذي
وردت به الأحاديث الصحيحة، فهي إعادة عارضة، كما حيي خلق لكثير من
الأنبياء؛ لمسألتهم لهم عن أشياء، ثم عادوا موتى، والله تعالى أعلم.
(المسألة الخامسة): قال في ((الفتح)) ما حاصله: هل تختصّ مسألة القبر
بهذه الأمة، أم وقعت على الأمم قبلها؟ ظاهر الأحاديث الأَوّلُ، وبه جزم
الحكيم الترمذيّ، وقال: كانت الأمم قبل هذه الأمة، تأتيهم الرسل، فإن
أطاعوا، فذاك، وإن أبوا اعتزلوهم، وعوجلوا بالعذاب، فلما أرسل الله
محمداً وَله رحمة للعالمين أُمسك عنهم العذاب، وقُبل الإسلام ممن أظهره،
سواء أسرّ الكفر، أو لا، فلما ماتوا قيّض الله لهم، فَتَّاني القبر؛ ليستخرج
١١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
سرّهم بالسؤال، وليميّز الله الخبيث من الطيب، ويُثَبِّت الله الذين آمنوا،
ويُضلّ الله الظالمين. انتهى.
قال الحافظ تَخْلُهُ: ويؤيّده حديث زيد بن ثابت، عند مسلم في هذا الباب
مرفوعاً: ((إن هذه الأمة تُبتلى في قبورها ... )) الحديث. ومثله عند أحمد، عن
أبي سعيد، في أثناء حديث. ويؤيّده أيضاً قول الملَكين: ((ما تقول في هذا
الرجل محمدٍ وَل#)). وحديث عائشة عند أحمد أيضاً، بلفظ: ((وأما فتنة القبر
فبي تُفتتنون، وعنّي تسألون)).
وجنح ابن القيّم إلى الثاني، وقال: وليس في الأحاديث ما ينفي المسألة
عمن تقدّم من الأمم، وإنما أخبر النبيّ ◌َّر أمته بكيفية امتحانهم في القبور، لا
أنه نفى ذلك عن غيرهم، قال: والذي يظهر أن كلّ نبيّ مع أمته كذلك، فتعذّب
كفارهم في قبورهم، بعد سؤالهم، وإقامة الحجة عليهم، كما يُعذّبون في
الآخرة بعد السؤال، وإقامة الحجة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الأوّل أرجح؛ لظواهر
الأحاديث، وأَمَّا إثباته للأمم السابقة، فيحتاج إلى دليل خاصّ، وأما ثبوت
العذاب لهم في القبر، وما بعده، فهذا مما لا يُنكَر، للنصوص الدالة عليه،
كقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾﴾ [غافر: ٤٦]، لكن لا يلزم منه أن يكون هناك سؤال
على الكيفية التي ثبتت لهذه الأمة، كما تقدم بيانه، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٧١٨٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالِ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع،
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنٍ مَالِكِ، قَالَ: قَأَلَ
رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((إِنَّ الْمَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ، إِذَا
انْصَرَفُوا»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالِ الضَّرِيرُ) أبو عبد الله، أو أبو جعفر البصريّ
التميميّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣١) (خ م د س) تقدم في (الإيمان) ٣٣٦/٦٠.
١١٩
(١٨) - بَابُ عَرْضٍ مَقْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٨٩)
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) بتقديم الزاي، مصغراً العيشيّ أبو معاوية البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (َع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
وقوله: (إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ) جواب ((إذا))، و((الخفق)) بفتح الخاء
المعجمة، وسكون الفاء؛ أي: صوت نعالهم(١) .
وقوله: (إِذَا انْصَرَفُوا)؛ أي: رجعوا من قبره إلى بيوتهم.
والحديث متّفق عليه، وهو مختصر من الحديث الماضي، وقد أخرجه
البخاريّ مطوّلاً بهذا السند، من رواية يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة
فقال :
(١٢٧٣) - حدّثنا عياش، حدّثنا عبد الأعلى، حدّثنا سعيد، قال: وقال
لي خليفة: حدّثنا ابن زُريع، حدّثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس ◌َظُه، عن
النبيّ وَّه قال: ((العبد إذا وُضع في قبره، وتولّى، وذهب أصحابه، حتى إنه
ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان، فأقعداه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا
الرجل محمد وَلا؟ فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك
من النار، أبدلك الله به مقعداً من الجنة، قال النبيّ وَّر، فيراهما جميعاً، وأما
الكافر، أو المنافق، فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا
دريت، ولا تليت، ثم يُضرب بمطرقة من حديد ضربةً بين أذنيه، فيصيح صيحة
يسمعها من يليه إلا الثقلين)). انتهى (٢).
[تنبيه]: ترجم البخاريّ ◌َُّهُ في (صحيحه)) على هذا الحديث، فقال:
((باب الميت يسمع خَفْق النعال))، قال الزين ابن الْمُنيِّر: جرد البخاريّ ما ضمّنه
هذه الترجمة ليجعله أول آداب الدفن من التزام الوقار، واجتناب اللغط، وقرع
الأرض بشدّة الوطء عليها، كما يلزم ذلك مع الحيّ النائم، وكأنه اقتطع ما هو
من سماع الآدميين من سماع ما هو من الملائكة، وترجم بالخفق ولفظ المتن
بالقرع إشارة إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ الخفق، وهو ما رواه أحمد،
(١) ((عون المعبود)) ٦٣/١٣.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ٤٤٨/١.
١٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
وأبو داود، من حديث البراء بن عازب(١)، في أثناء حديث طويل فيه: ((وإنه
ليسمع خفق نعالهم)). ورَوى إسماعيل بن عبد الرحمن السديّ عن أبيه، عن
أبي هريرة، عن النبيّ ◌َّر: ((إن الميت ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين))،
أخرجه البزار، وابن حبان في ((صحيحه)) هكذا مختصراً، وأخرج ابن حبان
أيضاً، من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبيّ وَلِيل
نحوه في حديث طويل.
واستُدلّ به على جواز المشي بين القبور بالنعال، ولا دلالة فيه، قال ابن
الجوزيّ ليس في الحديث سوى الحكاية عمن يدخل المقابر، وذلك لا يقتضي
إباحة ولا تحريماً. انتهى.
وإنما استَدَلّ به من استدلّ على الإباحة أخذاً من كونه وَّ قاله، وأقره،
فلو كان مكروهاً لبيَّنه، لكن يعكر عليه احتمال أن يكون المراد: سماعه إياها
بعد أن يجاوز المقبرة، ويدل على الكراهة حديث بشير بن الخصاصية: ((أن
النبيّ وَلّ رأى رجلاً يمشي بين القبور، وعليه نعلان سبتيتان، فقال: يا صاحب
السبتيتين ألق نعليك))، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وصححه الحاكم، وأغرب
ابن حزم، فقال: يحرم المشي بين القبور بالنعال السبتية، دون غيرها، وهو
جمود شدید.
وأما قول الخطابيّ: يشبه أن يكون النهي عنهما لِمَا فيهما من الخُيَلاء،
فإنه متعقّب بأن ابن عمر كان يلبس النعال السبتية، ويقول: إن النبيّ وَّ كان
يلبسها، وهو حديث متّفقٌ عليه.
وقال الطحاويّ: يُحمل نهي الرجل المذكور على أنه كان في نعليه قَذَر،
فقد كان النبيّ وَّ يصلي في نعليه ما لم ير فيهما أذى. انتهى(٢).
(١) كذا نقله الحافظ في ((الفتح))، وهو من الغرائب، فإن الحديث بهذا اللفظ عند مسلم
من حديث كما ترى، فكيف غفل عنه، وعزاه إلى أحمد، وأبي داود من حديث
البراء؟ !.
(٢) ((الفتح)) ٢٠٦/٣.