Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ (١٥) - بَابُ فَنَاءِ الدُّنْيَا، وَبَيَانِ الْحَشْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - حديث رقم (٧١٧٣) أربع كلمات: أرل: اسم جبل، وورل: اسم دابة، وجرل: هو اسم للحجارة، والغرلة، وقال صاحب التوضيح: أهمل أربع كلمات أخرى: برل الديك وهو الريش الذي يستدير بعنقه، وعيش أغرل؛ أي: واسع، ورجل غَرِل: مسترخي الخلق، والهرل: ولد(١). قاله القالي. والورل بفتحتين: دابة مثل الضب، والجمع: ورلان، والجرل بفتح الجيم وفتح الراء، وكذلك الجرول، والواو للإلحاق بجعفر، وبُرل الديك بضم الباء الموحدة، وقال الجوهريّ: برائل الديك عفرته، وهو الريش الذي يستدير في عنقه، ولم يذكر برلاً، وقد برأل الديك برألة: إذا نفش برائله، وعيش أغرل بالغين المعجمة، ورجل غَرِل، بفتح الغين المعجمة، وكسر الراء، مسترخي الخلق، بالخاء المعجمة. [فإن قلت]: ما فائدة القلفة يوم القيامة؟. [قلت]: المقصود أنهم يُحشرون كما خُلقوا لا شيء معهم، ولا يفقد منهم شيء، حتى الغرلة تكون معهم. وقال ابن الجوزيّ: لذة جماع الأقلف تزيد على لذة جماع المختون. وقال ابن عقيل: بشرة حشفة الأقلف موقاة بالقلفة، فتكون بشرتها أرقّ، وموضع الحس كلما رقّ كان الحس أصدق، كراحة الكف، إذا كانت موقاة من الأعمال صلحت للحسّ، وإذا كانت يد قَصّار، أو نَجّار خفي فيها الحسّ، فلما أبانوا في الدنيا تلك البضعة لأجله أعادها الله؛ ليذيقها من حلاوة فضله، قال: والسر في الختان مع أن القلفة معفوّ عن ما تحتها من النجس، أنه سُنَّة إبراهيم - عليه الصلاة والسلام -. [فإن قلت]: روى أبو داود من حديث أبي سعيد أنه لمّا حضره الموت دعا بثياب جُدُد، فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((إن الميت يُبعث في ثيابه التي يموت فيها))، ورواه ابن حبان أيضاً في ((صحيحه))، وروى الترمذي من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، قال: سمعت (١) هكذا النسخة فيها نقص، فليُحرّر. ٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها رسول الله ◌َو يقول: ((إنكم تُحشرون رجالاً وركباناً، وتُجرّون على وجوهكم))، ففيها معارضة لحديث الباب ظاهراً. [قلت]: أجيب بأنهم يُبعثون من قبورهم في ثيابهم التي يموتون فيها، ثم عند الحشر تتناثر عنهم ثيابهم، فيُحشرون عُراة، أو بعضهم يأتون إلى موقف الحساب عراة، ثم يكسون من ثياب الجنة، وبعضهم حَمَل قوله: ((يبعث في ثيابه)) على الأعمال؛ أي: في أعماله التي يموت فيها من خير أو شر، قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَثِيَبَكَ فَطَهِرْ [المدثر: ٤]؛ أي: عملك أخْلِصه، وروى مسلم عن جابر رَظُه مرفوعاً: ((يُبعث كل عبد على ما مات عليه)). وحمَله بعضهم على الشهداء الذين أمر وم لتر بأن يزمّلوا في ثيابهم، ويُدفنوا بها، ولا يغيّر شيء من حالهم، وقالوا: يَحْتَمِل أن يكون أبو سعيد سمع الحديث في الشهداء، فتأوله على العموم. وقال بعضهم: ومما يدل على حديث الباب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَى كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤]، وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، ولا ملابس يومئذ إلا في الجنة، ذكره في ((العمدة))(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأَولى في الجمع قول من قال: إنهم يخرجون من قبورهم بثيابهم التي ماتوا فيها، ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر، فيُحشرون عراة، ثم يكون إبراهيم عليّ أول من يُكسَى، ثم يُكسون بعد ذلك، وهذا أقرب في الجمع بين هذه الأخبار، والله تعالى أعلم. (﴿كَمَا بَدَأَنَا أَوَلَ خَلْقِ تُعِيدُهُ، وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَا فَعِلِينَ﴾)، ووقع في حديث أم سلمة ﴿ّا عند ابن أبي الدنيا: ((يحشر الناس حفاة، عراة، كما بُدِئوا)). وأول الآية هو قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَآءَ كَطَيّ السّجِلِّ لِلْكُتُبِّ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]؛ أي: يوم نطوي السماء طيّاً كطي السجل الصحيفة للكتاب المكتوب، وعن عليّ، وابن عمر ﴿ه: السجل ملَك يطوي كتب ابن آدم، إذا (١) ((عمدة القاري)) ٢٤١/١٥. ٢٣ (١٥) - بَابُ فَنَاءِ الدُّنْيَا، وَبَيَانِ الْحَشْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - حديث رقم (٧١٧٣) رُفعت إليه، وعن ابن عباس ◌ّ: السجل كاتب لرسول الله وَالقول، وعنه أيضاً السجل؛ يعني: الرجل، فعلى هذه الأقوال: الكتاب: اسم الصحيفة المكتوب فيها . وقوله: ﴿أَوَّلَ خَلْقٍ﴾ مفعول لقوله: نعيد الذي يفسره ﴿تُعِيدُهُ﴾ الذي بعده، والكاف مكفوفة بـ((ما))، والمعنى: نعيد أول خلق كما بدأناه؛ تشبيهاً للإعادة بالإبداء، في تناول القدرة لهما على السواء، وقيل: كما بدأناهم في بطون أمهاتهم حُفاة عُراة غُرلاً كذلك نعيدهم يوم القيامة نظيرها . وقوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَآءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِّ كَمَا بَدَأْنَا أَوََّ خَلْقٍ تُعِيدُةُ، وَعْدًا عَلَيْنَأْ إِنَّا كُنَّا فَعِلِينَ ؛ مصدر مؤكد؛ لأن قوله: ﴿تُعِيدُهُ﴾ (١٠٤) عِدَة للإعادة، وقوله: ﴿إِنَّا كُنَا فَعِلِينَ﴾؛ أي: قادرين على ما نشاء أن نفعل، وقيل: معناه: إنا كنا فاعلين ما وعدناه، قاله في ((العمدة))(١) . (أَلَا) أداة تحضيض، (وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ عَاءُ) قال القرطبيّ كَخَّتُهُ: يجوز أن يراد بالخلائق مَن عدا نبينا بَّ، فلم يدخل في عموم خطابه نفسه، وتعقّبه تلميذه القرطبيّ أيضاً في ((التذكرة))، فقال: هذا حسنٌ لولا ما جاء من حديث عليّ رَظُه؛ يعني: الذي أخرجه ابن المبارك في (الزهد)) من طريق عبد الله بن الحارث، عن عليّ قال: ((أول من يكسى يوم القيامة خليل الله ظلّ قبطيتين، ثم يكسى محمد وَ﴾ حلة حبرة عن يمين العرش)). قال الحافظ: كذا أورده مختصراً موقوفاً، وأخرجه أبو يعلى مطوّلاً مرفوعاً، وأخرج البيهقيّ من طريق ابن عباس نحو حديث الباب، وزاد: ((أول من يكسى من الجنة إبراهيم، يكسى حلة من الجنة، ويؤتى بكرسيّ، فيطرح عن يمين العرش، ثم يؤتى بي، فأكسى حلة من الجنة، لا يقوم لها البشر، ثم يؤتى بكرسيّ، فيطرح على ساق العرش، وهو عن يمين العرش)). وفي مرسل عبيد بن عمير، عند جعفر الفريابيّ: ((يحشر الناس حفاة عراة، فيقول الله تعالى: ألا أرى خليلي عرياناً؟ فيكسى إبراهيم شوباً أبيض، فهو أول من يكسى)). وقد أخرج ابن منده من حديث حَيْدَة - بفتح المهملة، وسكون التحتانيّة - رفعه، (١) ((عمدة القاري)) ٢٤١/١٥. ٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها قال: ((أول من يكسى إبراهيم، يقول الله: اكسوا خليلي؛ ليعلم الناس اليوم فضله عليهم)) . قيل: الحكمة في كون إبراهيم عَلَّ* أول من يكسى أنه جُرّد حين ألقي في النار. وقيل: لأنه أول من سنّ التستر بالسراويل. وقيل: إنه لم يكن في الأرض أخوف لله منه، فعجّلت له الكسوة أماناً له؛ ليطمئنّ قلبه. وهذا اختيار الحليميّ، والأول اختيار القرطبيّ. ولا يلزم من تخصيص إبراهيم ظلّ بأنه أول من يكسى أن يكون أفضل من نبيّنا محمد وَّ مطلقاً؛ لأن المفضول قد يمتاز بشيء، يُخصّ به، ولا يلزم منه الفضيلة المطلقة. قال الحافظ: يَحْتَمِل أن يكون نبيّنا وَلّر خرج من قبره في ثيابه التي مات فيها، والحلّة التي يكساها حينئذ، من حلل الجنة خلعة الكرامة بقرينة إجلاسه على الكرسيّ عند ساق العرش، فتكون أولية إبراهيم في الكسوة بالنسبة لبقية الخلق. انتهى. وأجاب الحليميّ بأنه يكسى أولاً، ثم يكسى نبيّنا وَّ على ظاهر الخبر، لكن حلة نبيّنا وَ﴿ أعلى، وأكمل، فتَجبر نفاستها ما فات من الأولية، والله أعلم. انتهى. [تنبيه]: قال الحافظ تَخّْتُ: وقد ثبت لإبراهيم؛ أوّليّات أخرى كثيرة: منها أنه أول من ضاف الضيف، وقصّ الشارب، واختتن، ورأى الشيب، وغير ذلك، وقد أتيت على ذلك بأدلته في كتابي ((إقامة الدلائل على معرفة الأوائل)). (١) انتھی(١). (أَلَا وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ) بالبناء للمفعول، (بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) بكسر الشين ضد اليمين ويراد بها جهة اليسار؛ أي: إلى جهة النار، ووقع ذلك في حديث أبي هريرة ◌ُه عند البخاريّ من طريق عطاء بن يسار، عنه، ولفظه: ((فإذا زمرة، حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلمّ، فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار ... )) الحديث. وبيّن في حديث (١) ((الفتح)) ٣٢/١٥ - ٣٣ رقم (٦٥٢٦). ٢٥ (١٥) - بَابُ فَنَاءِ الدُّنْيَا، وَبَيَانِ الْحَشْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - حديث رقم (٧١٧٣) أنس رظُه الموضع، ولفظه: ((ليردنّ عليّ ناس، من أصحابي الحوض، حتى إذا عرفتهم اختُلِجوا دوني ... )) الحديث. وفي حديث سهل: ((ليردَنّ عليّ أقوام أعرفهم، ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم)). وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: (ليُذادَنّ رجال عن حوضي، كما يُذاد البعير الضّالّ، أناديهم: ألا هلمّ)). (فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي))) وفي رواية أحمد: ((فلأقولنّ))، وفي رواية للبخاريّ: ((فأقول: أصحابي، أصحابي)) مكرّراً، فالأول خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هؤلاء أصحابي، وأصحابي الثاني تأكيد له، ويروى: ((أصيحابي، أصيحابي))، ووجه التصغير فيه إشارة إلى قلة عدد من هذا وَصْفهم، قاله في ((العمدة))(١). (فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ) وفي حديث أبي هريرة ◌َظُ عند البخاريّ الذي تقدم الإشارة إليه: ((إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى))، وزاد في رواية سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة أيضاً: ((فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، فيقال: إنهم قد بدّلوا بعدك، فأقول: سُحْقاً سحقاً))؛ أي: بُعْداً بعداً، والتأكيد للمبالغة. وفي حديث أبي سعيد عند البخاريّ أيضاً: ((فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً لمن غيّر بعدي)). وزاد في رواية عطاء بن يسار: ((فلا أراه يَخلُص منهم إلا مثل هَمَل النعَم)). ولأحمد، والطبرانيّ، من حديث أبي بكر رظُه رفعه: ((ليردنّ عليّ الحوض رجال ممن صحبني، ورآني)). وسنده حسن. وللطبرانيّ من حديث أبي الدرداء نظُّبه نحوه، وزاد: ((فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن لا يجعلني منهم، قال: لست منهم)). وسنده حسن، قاله في ((الفتح)). (فَأَقُولُ: كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ)؛ يعني: عيسى ابن مريم ◌َّهِ: (﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧])؛ أي: كنت أشهد على أعمالهم حين كنت بين أظهرهم، (﴿فَلَمَّا تَوَفَّتَنِ كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾)؛ أي: الحفيظ عليهم، والمراقبة في الأصل: المراعاة، وقيل: أنت العالم بهم، (﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾)؛ أي: شاهد لِمَا حضر وغاب، وقيل: على من عصى، وأطاع. (١) ((عمدة القاري)) ١٥/ ٢٤٣. ٢٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها (﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَهُمْ عِبَادُكَ﴾) ذكر هذا على وجه الاستعطاف، والتسليم لأمره، (﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزَبِزُ الْحَكِيمُ﴾)؛ أي: وإن تغفر لهم فبتوبة كانت منهم؛ لأنهم عبادك، وأنت العادل فيهم، وأنت في مغفرتك عزيز، لا يمتنع عليك ما تريد، حكيم في ذلك. قال الإمام أبو جعفر الطبريّ كَُّ في ((تفسيره)): القول في تأويل قوله: ـا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمْتَنِ بِهَ أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِهِمّ فَلَمَا تَوَقَّيْتَنِ كُنْتَ أَنْتَ الَّقِيبَ عَلَيْهِمَّ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيهُ (1)﴾ [المائدة: ١١٧]. قال: وهذا خبر من الله رَّك عن قول عيسى غلَلا، يقول: ما قلت لهم إلا الذي أمرتني به من القول أن أقوله لهم، وهو أن قلت لهم: اعبدوا الله ربي وربكم، ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًاً مَّا دُمْتُ فِهِمْ﴾ يقول: وكنت على ما يفعلونه وأنا بين أظهرهم شاهداً عليهم وعلى أفعالهم وأقوالهم، ﴿فَلَمَّا تَوَفَيْتَنِ﴾، يقول: فلما قبضتني إليك ﴿كُنْتَ أَنْتَ اٌلَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾، يقول: كنت أنت الحفيظ عليهم دوني؛ لأني إنما شهدت من أعمالهم ما عملوه، وأنا بين أظهرهم. قال: وفي هذا تبيانُ أن الله وَّ إنما عرّفه أفعالَ القوم، ومقالتهم بعدما قبضه إليه، وتوفاه بقوله: ﴿َأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اٌلَّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]. وقوله: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ يقول: وأنت تشهد على كل شيء؛ لأنه لا يخفى عليك شيء، وأما أنا، فإنما شهدت بعض الأشياء، وذلك ما عاينت، وأنا مقيم بين أظهر القوم، فإنما أنا أشهد على ذلك الذي عاينت، ورأيتُ وشهدت . وقوله: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادٌُّ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِبِزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨]. ١١٨) قال الطبريّ: يقول الله مك: إنْ تعذب هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة، بإماتتك إياهم عليها ﴿فَإَِهُمْ عِبَادُكَ﴾، مستسلمون لك، لا يمتنعون مما أردت بهم، ولا يدفعون عن أنفسهم ضرّاً ولا أمراً تنالهم به، ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾، بهدايتك إياهم إلى التوبة منها، فتستر عليهم ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِبِّزُ﴾ في انتقامه ممن أراد الانتقام منه، لا يقدر أحدٌ يدفعه عنه. ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ ٢٧ (١٥) - بَابُ فَنَاءِ الدُّنْيَا، وَبَيَانِ الْحَشْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - حديث رقم (٧١٧٣) ١١٨) في هدايته من هدى من خلقه إلى التوبة، وتوفيقه فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِبِزُ الْحَكِيمُ من وفَّق منهم لسبيل النجاة من العقاب. انتهى(١). (قَالَ) بَِّ ((فَيُقَالُ لِي: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ))) قال في ((الفتح)): قال الفربريّ: ذُكِر عن أبي عبد الله البخاريّ، عن قبيصة، قال: هم الذين ارتدوا على عهد أبي بكر رَظُله، فقاتلهم أبو بكر؛ يعني: حتى قُتلوا، وماتوا على الكفر. وقد وصله الإسماعيليّ من وجه آخر عن قبيصة. وقال الخطابيّ كَثُّْهُ: لم يرتدّ من الصحابة أحد، وإنما ارتدّ قوم من جُفَاة الأعراب، ممن لا نُصْرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحاً في الصحابة المشهورين، ويدلّ قوله: ((أصيحابي)) بالتصغير على قلة عددهم. وقال غيره: قيل: هو على ظاهره من الكفر، والمراد بأمتي: أمة الدعوة، لا أمة الإجابة، ورُجّح بقوله في حديث أبي هريرة ◌َُّه، فأقول: ((بُعداً لهم، وسحقاً))، ويؤيده كونهم خفي عليه حالهم، ولو كانوا من أمة الإجابة لعرف حالهم بكون أعمالهم تُعرض عليه. قال الحافظ: وهذا يردّه قوله في حديث أنس بنظُه: ((حتى إذا عرفتهم))، وكذا في حديث أبي هريرة ظُه. وقال ابن التين: يَحْتَمِل أن يكونوا منافقين، أو مرتكبي الكبائر. وقيل: هم قوم من جفاة الأعراب، دخلوا في الإسلام، رغبة، ورهبة. وقال الداوديّ: لا يمتنع دخول أصحاب الكبائر، والبدع في ذلك. وقال النوويّ: قيل: هم المنافقون، والمرتدّون، فيجوز أن يُحشروا بالغرّة والتحجيل؛ لكونهم من جملة الأمة، فيناديهم من أجل السيما التي عليهم، فيقال: إنهم بدّلوا بعدك؛ أي: لم يموتوا على ظاهر ما فارقتهم عليه. قال عياض وغيره: وعلى هذا فيذهب عنهم الغرّة والتحجيل، ويطفأ نورهم. وقيل: لا يلزم أن تكون عليهم السيما، بل يناديهم؛ لِمَا كان يعرف من إسلامهم. وقيل: هم أصحاب الكبائر، والبدع الذين ماتوا على الإسلام، وعلى هذا فلا يُقطع بدخول هؤلاء النار؛ لجواز أن يُذادوا عن الحوض أوّلاً؛ عقوبة لهم، ثم يُرحموا، ولا يمتنع أن يكون لهم غرّة، وتحجيل، فعرفهم بالسيما، سواء كانوا في زمنه أو بعده. ورجّح عياض، والباجيّ، وغيرهما ما (١) ((تفسير الطبريّ)) ٢٣٨/١١ - ٢٤١. ٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها قال قبيصة، راوي الخبر أنهم من ارتدّ بعده وَّر، ولا يلزم من معرفته لهم أن يكون عليهم السيما؛ لأنها كرامة، يظهر بها عمل المسلم، والمرتدّ قد حبط عمله، فقد يكون عرفهم بأعيانهم، لا بصفاتهم، باعتبار ما كانوا عليه قبل ارتدادهم، ولا يبعد أن يدخل في ذلك أيضاً من كان في زمنه من المنافقين. وقد ثبت في حديث الشفاعة في ((الصحيح)): ((وتبقى هذه الأمة، فيها منافقوها))، فدلّ على أنهم يُحشرون مع المؤمنين، فيعرف أعيانهم، ولو لم تكن لهم تلك السيما، فمن عرف صورته ناداه، مستصحباً لحاله التي فارقه عليها في الدنيا . وأما دخول أصحاب البدع في ذلك، فاستُبعد؛ لتعبيره في الخبر بقوله: ((أصحابي))، وأصحاب البدع إنما حَدَثوا بعده. وأجيب بحمل الصحبة على المعنى الأعمّ. واستُبعد أيضاً أنه لا يقال للمسلم، ولو كان مبتدعاً: ((سُحْقاً)). وأجيب بأنه لا يمتنع أن يقال ذلك لمن علم أنه قُضي عليه بالتعذيب على معصية، ثم ينجو بالشفاعة، فيكون قوله: ((سحقاً)) تسليما لأمر الله، مع بقاء الرجاء، وكذا القول في أصحاب الكبائر. وقال البيضاويّ: ليس قوله: ((مرتدّين)) نصّاً في كونهم ارتدّوا عن الإسلام، بل يَحْتَمِل ذلك، ويَحتمل أن يراد أنهم عصاة المؤمنين المرتدّون عن الاستقامة، يبدّلون الأعمال الصالحة بالسيئة. انتهى. وقد أخرج أبو يعلى بسند حسن، عن أبي سعيد رظه: سمعت رسول الله وسلم - فذكر حديثاً، فقال -: ((يا أيها الناس إني فرطكم على الحوض، فإذا جئتم قال رجل: يا رسول الله أنا فلان ابن فلان، وقال آخر: أنا فلان ابن فلان ابن فلان، فأقول: أما النسب، فقد عرفته، ولعلكم أحدثتم بعدي، وارتددتم)). ولأحمد، والبزّار نحوه من حديث جابر رَظُله، ذكره في (الفتح)(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما تقدّم من تفسير قبيصة أَولى بحمل الحديث عليه؛ لكونه راوي الخبر، كما رجحه عياض، والباجيّ (١) ((الفتح)) ٣٤/١٥ - ٣٥. ٢٩ (١٥) - بَابُ فَنَاءِ الدُّنْيَا، وَبَيَانِ الْحَشْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - حديث رقم (٧١٧٣) رحمهما الله تعالى، لكن لا يبعد أن يدخل فيهم كل من كان على شاكلتهم في كلّ عصر، ومصر، من أصحاب الانحرافات التي تخالف هديه وَّله . وقوله: (وَفِي حَدِيثٍ وَكِيعٍ، وَمُعَاذٍ: ((فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ))) بيان للاختلاف بين الرواة في هذه الجملة، فرواها محمد بن جعفر غندر بلفظ: ((فَيُقَالُ لِي: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ))، ورواها وكيع، ومعاذ بن معاذ بلفظ: ((فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ))، والمعنى متقارب، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عباس ظّ هذا مُتّفق عليه . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧١٧٢/١٥ و٧١٧٣] (٢٨٦٠)، و(البخاريّ) في ((الأنبياء)) (٣٣٤٩ و٣٤٤٧) و((التفسير)) (٤٦٢٥ و٤٦٢٦ و٤٧٤٠) و((الرقاق)) (٦٥٢٤ و٦٥٢٦)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٢٤٢٣ و٣١٦٧)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٢٠٨٧ و٢٠٨١ و٢٠٨٢) وفي ((الكبرى)) (٢٢١٤ و٢٢٠٨ و٢٢٠٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٩١٦ و١٩٥١ و٢٠٢٨ و٢٠٩٧ و٢٢٨١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٠٨٨ و١٨٧٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أول من يُكسى يوم القيامة، وهو خليل الله تعالى إبراهيم عليّها؛ لأنه ألقي في النار مجرّداً في ذات الله نُعَالَ، فجازاه الله تعالى بأن فضّله على أن جعله أول من يكسى يوم القيامة. ٢ - (ومنها): أن فيه لإبراهيم عليّ منقبةً ظاهرهً وفضيلةً عظيمةً، وخصوصية، كما خُص موسى ظلَّ بأنه وَله يجده متعلقاً بساق العرش، مع أنه * أول من تنشق عنه الأرض، ولكن لا يلزم من هذا أن يكونا أفضل منه وَّر، بل هو أفضل من في القيامة، كما قال: ((أنا سيّد من آدم يوم القيامة، ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، ومشفع، بيدي لواء ٣٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها الحمد، تحتي آدم فمن دونه))، صححه ابن حبّان(١)، ولا يلزم من اختصاص الشخص بفضيلة كونه أفضل مطلقاً، أو المراد غير المتكلِّم بذلك؛ لأن قوماً من أهل الأصول ذكروا أن المتكلِّم لا يدخل تحت عموم خطابه. ٣ - (ومنها): إثبات الحشر في القيامة. ٤ - (ومنها): بيان شدّة الأمر في ذلك اليوم، حيث إن الخلائق يحشرون عُرَاة، حُفاَة، غُرْلاً . ٥ - (ومنها): بيان عظمة قدرة الله تعالى، حيث إنه يعيد الخلق كما بدأه على الصفة التي بدأهم عليها في الدنيا . ٦ - (ومنها): إثبات معجزة للنبيّ وَّله حيث إنه أعلمه الله تعالى بما سيقع من بعض أصحابه، من الإدبار على أعقابهم، وقد تقدم أنهم قليلون، وأن غالبهم من جفاة الأعراب، ولم يُعرف ذلك لأفاضل الصحابة ٧ - (ومنها): أنه لا ينبغي للإنسان أن يتساهل في الابتداع في الدين، وإن كان شيئاً يسيراً؛ لأنه يضرّ بدينه؛ لأن الدين قد أكمله الله تعالى، فجميع أنواع المحدثات تنافيه، فالإحداث في الدين مهما كان نوعه من أخطر مهالك الإنسان، فيجب الحذر منه. ٨ - (ومنها): أن الذي ينفع الإنسان هو لزوم سُنَّة النبيّ وَّر، وهديه، فمن لم يتبعه وَل﴿ لا تنفعه صحبته، ولا معرفته، بل إذا عرف انحرافه عن سُنَّته تبرّأ منه، وقال له: ((سُحْقاً سُحْقاً))، ولا يَرِد حوضه، بل يُذاد عنه، ويطرد، ﴿رَبَّنَا لَا تُعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ [آل عمران: ٨]، اللَّهُمَّ أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خزي الدنيا، وعذاب الآخرة، وارزقنا اللَّهُمَّ التمسّك بسُنَّة نبيك وَِّ، اللَّهُمَّ أحينا عليها، وأمتنا عليها، وابعثنا عليها، واجعلنا من خيار أهلها أحياء وأمواتاً، برحمتك يا أرحم الراحمين آمين. (١) ((صحيح ابن حبان)) ١٤/ ٣٩٨. ٣١ (١٥) - بَابُ فَنَاءِ الدُّنْيَا، وَبَيَانِ الْحَشْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - حديث رقم (٧١٧٤) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧١٧٤] (٢٨٦١) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، قَالَا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاؤُسٍ، عَنْ أَبِيهِ،ً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ: رَاغِبِينَ، رَاهِبِينَ، وَاثْنَانٍ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْ)). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ)، تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٦٠٩/٤. ٢ - (بَهْزُ) بن أسد العمّيّ البصريّ، أخو معلّى، تقدّم قريباً. ٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد الباهليّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُس) بن كيسان اليمانيّ، أبو محمد، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٥ - (أَبُوهُ) طاوس بن كيسان اليمانيّ، أبو عبد الرحمن الْحِمْيَريّ مولاهم الفارسيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبٌ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (ت١٠٦) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و((محمد بن حاتم)) هو: ابن ميمون. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سداسيات المصنف تَخُّْهُ، وأن فيه رواية الراوي عن أبيه، وفيه أبو هريرة رضينه أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثاً. شرح الحديث : (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَظُهُ (عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ)؛ أنه (قَالَ: ((يُحْشَرُ) بالبناء للمفعول، (النَّاسُ) قال الكرمانيّ: قالوا: هذا الحشر في آخر الدنيا قبيل القيامة، كما ثبت حديث: ((إنكم ملاقو الله مشاةً))؛ ولِمَا فيه من ذِكر المساء ٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها والصباح، ولانتقال النار معهم، وهي نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وقال الخطابيّ: هذا الحشر قبيل قيام الساعة، يُحشر الناس أحياءً إلى الشام، وأما الحشر من القبور إلى الموقف، فهو على خلاف هذه الصورة، من الركوب على الإبل، والتعاقب عليها، وإنما هو على ما ورد في حديث ابن عباس ﴿ّ: ((حفاةً عراةً مشاةً))(١). [تنبيه]: زاد في رواية النسائيّ: ((يوم القيامة))، وظاهره أنه حَشْر الآخرة، لكن أكثر أهل العلم على أنه حشر في الدنيا، وهو آخر أشراط الساعة، وهذا هو المناسب لِمَا يأتي من قوله: ((تقيل معهم إذا قالوا، وتبيت معهم إذا باتوا إلخ))، فالأَولى أن يُحْمَل قوله: ((يوم القيامة)) على معنى قُرْب يوم القيامة، من إعطاء ما قُرُب إلى الشيء حُكم ذلك الشيء(٢) . (عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ)؛ أي: ثلاث فِرَق، وفي رواية: ((على ثلاثة طرائق))، و((الطرائق)) جمع طريق، وهي تذكّر، وتؤنّث، فيجوز تذكير العدد معه، وتأنيثه بالاعتبارین. (رَاغِبِينَ)؛ أي: طامعين في رحمة الله تعالى، وهم السابقون، (رَاهِبِينَ)؛ أي: خائفين من عذاب الله تعالى، وهم عامة المؤمنين، والكفارُ أهلُ النار، وللبخاريّ: ((وراهبين)) بواو العطف، وعلى الروايتين فهي الطريقة الأولى. (وَاْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ) قال الكرمانيّ: والأبعرة إنما هي للراهبين، والمخلصون حالهم أعلى، وأجلّ من ذلك، أو هي للراغبين، وأما الراهبون فيكونون مشاة على أقدامهم، أو هي لهما بأن يكون اثنان من الراغبين مثلاً على بعير، وعشرة من الراهبين على بعير، والكفار يمشون على وجوههم. انتهى . (وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ) هكذا عند مسلم بالواو في الجميع، وكذا هو عند الإسماعيليّ، وفي رواية البخاري الأُولى بالواو، والبواقي بلا عاطف، وعلى كلّ، فهذه هي الطريقة الثانية. (١) ((عمدة القاري)) ١٠٥/٢٣. (٣) ((عمدة القاري)) ١٠٥/٢٣. (٢) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ١٧٦/٢٠. ٣٣ (١٥) - بَابُ فَنَاءِ الدُّنْيَا، وَبَيَانِ الْحَشْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - حديث رقم (٧١٧٤) (وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ) ببناء الفعل للفاعل، و((بقيتهم)) بالنصب مفعول مقدّم، و((النار)) فاعل مؤخّر. قال في ((الفتح)): هذه هي النار المذكورة في حديث حُذيفة بن أَسِيد - بفتح الهمزة - عند مسلم في حديث فيه ذكر الآيات الكائنة قبل قيام الساعة، كطلوع الشمس من مغربها، ففيه: ((وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن، تُرَحِّل الناس))، وفي رواية له: (تَظْرُدُ الناس إلى حشرهم)). (تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا)؛ أي: تستريح معهم إذا استراحوا، والقيلولة: النوم نصف النهار، يقال: قال يَقيل قَيلاً، من باب باع، وقَيْلُولةً: إذا نام نصف النهار. قال في ((العمدة)): وفي قوله: ((تقيل إلخ)) دلالة على أنهم يقيمون كذلك أياماً، (وَتُصْبِحُ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإصباح، (مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي) بضمّ أوله، وكسر ثالثه أيضاً من الإمساء، (مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْ))) فيه إشارة إلى ملازمة النار لهم إلى أن يصلوا إلى مكان الحشر، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رُّه هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧١٧٤/١٥] (٢٨٦١)، و(البخاريّ) في ((الرقاق)) (٦٥٢٢)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٢٠٨٥) وفي ((الكبرى)) (٢٢١٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٨٧/٧)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢١٠/٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٣٣٦)، و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٣١٨/١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤٣١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في المراد بالحشر المذكور في هذا الحديث : قال الخطابيّ تَخْتُ: هذا الحشر يكون قبل قيام الساعة، تحشر النارُ الناسَ الأحياءَ إلى الشام، وأما الحشر من القبور إلى الموقف، فهو على خلاف هذه الصورة، من الركوب على الإبل، والتعاقب عليها، وإنما هو على ٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها ما ورد في حديث ابن عباس ◌ًا في الباب: ((حفاة، عراة، مشاة))، قال: وقوله: ((واثنان على بعير، وثلاثة على بعير إلخ)) يريد أنهم يعتقبون البعير الواحد، يركب بعضٌ، ويمشي بعض. قال الحافظ تَخّْتُهُ: وإنما لم يذكر الخمسة، والسّة، إلى العشرة، إيجازاً، واكتفاء بما ذكر من الأعداد، مع أن الاعتقاب ليس مجزوماً به، ولا مانع أن يجعل الله في البعير ما يقوى به على حمل العشرة. ومال الْحَلِيميّ إلى أن هذا الحشر يكون عند الخروج من القبور. وجزم به الغزاليّ . وقال الإسماعيليّ: ظاهر حديث أبي هريرة يخالف حديث ابن عباس المذكور في الباب أنهم يُحشرون حُفَاة، عُرَاة، مُشَاة، قال: ويُجمع بينهما بأن الحشر يعبّر به عن النشر؛ لاتصاله به، وهو إخراج الخلق من القبور حفاة، عراة، فيساقون، ويُجمعون إلى الموقف للحساب، فحينئذ يحشر المتقون رُكباناً على الإبل. وجمع غيره بأنهم يخرجون من القبور بالوصف الذي في حديث ابن عباس، ثم يفترق حالهم من ثَمّ إلى الموقف على ما في حديث أبي هريرة، ويؤيده حديث أبي ذرّ ◌َضُه(١). وصوّب عياض ما ذهب إليه الخطابيّ، وقوّاه بحديث حذيفة بن أَسِيد، وبقوله في آخر حديث الباب: ((تقيل معهم، وتبيت، وتصبح، وتمسي))، فإن هذه الأوصاف مختصّة بالدنيا . وقال بعض شرّاح ((المصابيح)): حَمْله على الحشر من القبور أقوى من أوجه : (١) أشار به إلى ما أخرجه النسائيّ عَنْ أَبِي ذَرِّ رَبُهُ قَالَ: إِنَّ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ وَه حَدَّثَنِي: ((أَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ ثَلَاثَةَ أَفْوَاجِ: فَوْجٌ رَاكِبِينَ، طَاعِمِينَ، كَاسِينَ، وَفَوْجٌ تَسْحَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ، عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ، وَفَوْجٌ يَمْشُونَ، وَيَسْعَوْنَ، يُلْقِي اللهُ الْآَفَةَ عَلَى الَّهْرِ، فَلَا يَبْقَى، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الْحَدِيقَةُ، يُعْطِيهَا بِذَاتِ الْقَتَبِ، لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا)). ٣٥ (١٥) - بَابُ فَنَاءِ الدُّنْيَا، وَبَيَانِ الْحَشْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - حديث رقم (٧١٧٤) أحدها: أن الحشر إذا أُطلق في عُرف الشرع إنما يراد به الحشر من القبور، ما لم يخصّه دلیل. ثانيها: أن هذا التقسيم المذكور في الخبر لا يستقيم في الحشر إلى أرض الشام؛ لأن المهاجر لا بدّ أن يكون راغباً، أو راهباً، أو جامعاً بين الصفتين، فأما أن يكون راغباً راهباً فقط، وتكون هذه طريقة واحدة، لا ثاني لها من جنسها فلا . ثالثها: حشر البقيّة على ما ذكر، وإلجاء النار لهم إلى تلك الجهة، وملازمتها حتى لا تفارقهم قول لم يرد به التوقيف، وليس لنا أن نحكم بتسليط النار في الدنيا على أهل الشقاوة في هذه الدار من غير توقيف. رابعها: أن الحديث يفسّر بعضه بعضاً، وقد وقع في الحسان من حديث أبي هريرة ظه: ((يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف)). وأخرجه البيهقيّ من وجه آخر عن عليّ بن زيد، عن أوس بن أبي أوس، عن أبي هريرة، بلفظ: ((ثلاثاً على الدوابّ، وثلاثاً يَنسِلُون على أقدامهم، وثلاثاً على وجوههم)). قال: ونرى هذا التقسيم الذي وقع في هذا الحديث نظير التقسيم الذي في تفسير الواقعة في قوله تعالى: ﴿وَكُمْ أَزْوَجًا ثَلَاثَةً ﴾﴾ الآيات [الواقعة: ٧]. فقوله: ((راغبين راهبين)) يريد به عوامّ المؤمنين، وهم من خَلَطَ عملاً صالحاً، وآخر سيّئاً، فيتردّدون بين الخوف والرجاء، يخافون عاقبة سيئاتهم، ويرجون رحمة الله بإيمانهم، وهؤلاء أصحاب الميمنة. وقوله: ((واثنان على بعير ... إلخ)) يريد به السابقين، وهم أفاضل المؤمنين، يُحشرون ركباناً. وقوله: ((وتَحشر بقيتهم النار)) يريد به أصحاب المشأمة، وركوب السابقين في الحديث يَحْتَمِل الحمل دفعة واحدة؛ تنبيهاً على أن البعير المذكور يكون من بدائع فطرة الله تعالى حتى يقوى على ما لا يقوى عليه غيره من الْبِعْرَان. ويحتمل أن يراد به التعاقب. قال الخطابيّ: إنما سكت عن الواحد إشارة إلى أنه يكون لمن فوقهم في المرتبة، كالأنبياء؛ ليقع الامتياز بين النبيّ ومن دونه من السابقين في المراكب؛ كما وقع في المراتب. انتهى مُلَخّصاً. وتعقّبه الطيبيّ، ورجّح ما ذهب إليه الخطابيّ. ٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها وأجاب عن الأول: بأن الدليل ثابت، فقد ورد في عدّة أحاديث وقوع الحشر في الدنيا إلى جهة الشام، وذكر حديث حذيفة بن أسيد الذي نبّهت عليه قبل، وحديث معاوية بن حَيْدَة، جدّ بَهْز بن حكيم، رفعه: ((إنكم محشورون، ونحا بيده نحو الشام رجالاً، وركباناً، وتُجرّون على وجوهكم)). أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وسنده قويّ، وحديث: ((ستكون هجرة بعد هجرة، وينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم عليّا، ولا يبقى في الأرض إلا شرارها، تلفظهم أَرَضُوهم، وتحشرهم النار مع القردة، والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتَقيل معهم إذا قالوا)). أخرجه أحمد، وسنده لا بأس به. وأخرج عبد الرزاق، عن النعمان بن المنذر، عن وهب بن منبه، قال: قال الله تعالى لصخرة بيت المقدس: (لأضعنّ عليك عرشي، ولأحشُرنّ عليك خلقي)). وفي تفسير ابن عيينة، عن ابن عباس: من شكّ أن المحشر ههنا - يعني: الشام - فليقرأ أول سورة الحشر، قال لهم رسول الله ويل يومئذ: ((اخرجوا))، قالوا: إلى أين؟ قال: ((إلى أرض المحشر)). وحديث: ((ستخرج نار من حضرموت، تحشر الناس))، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: ((عليكم بالشام)). ثم حكى خلافاً: هل المراد بالنار نار على الحقيقة، أو هو كناية عن الفتنة الشديدة؟ كما يقال: نار الحرب لشدة ما يقع في الحرب، قال تعالى: ﴿كُلَّمَاً أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَهَا الَ﴾ الآية [المائدة: ٦٤]، وعلى كلّ حال، فليس المراد بالنار في هذه الأحاديث نار الآخرة، ولو أريد المعنى الذي زعمه المعترض لقيل: تُحشَر بيقتُهُم إلى النار، وقد أضاف الحشر إلى النار؛ لكونها هي التي تحشرهم، وتختطف من تخلّف منهم؛ كما ورد في حديث أبي هريرة من رواية عليّ بن زيد، عند أحمد، وغيره؛ وعلى تقدير أن تكون النار كناية عن الفتنة، فنسبة الحشر إليها سببيّة؛ كأنها تفشو في كلّ جهة، وتكون في جهة الشام أخفّ منها في غيرها، فكلّ من عرف ازديادها في الجهة التي هو فيها أحبّ التحوّل منها إلى المكان الذي ليست فيه شديدة، فتتوفّر الدواعي على الرحيل إلى الشام، ولا يمتنع اجتماع الأمرين، وإطلاق النار على الحقيقة التي تخرج من قعر عدن، وعلى المجازية، وهي الفتنة، إذ لا تنافي بينهما، ويؤيد الحمل على الحقيقة ظاهر الحديث الأخير. ٣٧ (١٥) - بَابُ فَنَاءِ الدُّنْيَا، وَبَيَانِ الْحَشْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - حديث رقم (٧١٧٤) والجواب عن الاعتراض الثاني: أن التقسيم المذكور في آيات ((سورة الواقعة)) لا يستلزم أن يكون هو التقسيم المذكور في الحديث، فإن الذي في الحديث ورد على القصد من الخلاص من الفتنة، فمن اغتنم الفرصة سار على فسحة من الظهر، ويسرة في الزاد، راغباً فيما يستقبله، راهباً فيما يستدبره، وهؤلاء هم الصنف الأول في الحديث، ومن توانى حتى قلّ الظهر، وضاق عن أن يسعهم لركوبهم اشتركوا، وركبوا عقبةً، فيحصل اشتراك الاثنين في البعير الواحد، وكذا الثلاثة، ويمكنهم كل من الأمرين، وأما الأربعة في الواحد، فالظاهر من حالهم التعاقب، وقد يمكنهم إذا كانوا خفافاً، أو أطفالاً، وأما العشرة فبالتعاقب، وسكت عما فوقها إشارة إلى أنها المنتهى في ذلك، وعما بينها وبين الأربعة؛ إيجازاً واختصاراً، وهؤلاء هم الصنف الثاني في الحديث. وأما الصنف الثالث فعبّر عنه بقوله: ((وتحشر بقيتهم النار)) إشارةً إلى أنهم عجزوا عن تحصيل ما يركبونه، ولم يقع في الحديث بيان حالهم، بل يَحتمل أنهم يمشون، أو يسحبون، فراراً من النار التي تحشرهم، ويؤيد ذلك ما وقع في آخر حديث أبي ذرّ الذي تقدمت الإشارة إليه في كلام المعترض، وفيه أنهم سألوا عن السبب في مشي المذكورين، فقال: ((يلقي الله الآفة على الظهر، حتى لا يبقى ذات ظهر، حتى إن الرجل ليعطي الحديقة المعجبة بالشارف ذات القتب))؛ أي: يشتري الناقة المسنّة لأجل كونها تحمله على القتب بالبستان الكريم لهوان العقار الذي عزم على الرحيل عنه، وعزّة الظهر الذي يوصله إلى مقصوده، وهذا لائق بأحوال الدنيا، ومؤكّد لِمَا ذهب إليه الخطابيّ، ويتنزّل على وفق حديث الباب - يعني: من ((المصابيح)) -، وهو أن قوله: ((فوج طاعمين كاسين راكبين)) موافق لقوله: ((راغبين راهبين)). وقوله: ((وفوج يمشون)) موافق للصنف الذين يتعاقبون على البعير، فإن صفة المشي لازمة لهم، وأما الصنف الذين تحشرهم النار، فهم الذين تسحبهم الملائكة. والجواب عن الاعتراض الثالث: أنه تبيّن من شواهد الحديث أنه ليس المراد بالنار نار الآخرة، وإنما هي نار تخرج في الدنيا، أنذر النبيّ وَّل بخروجها، وذكر كيفية ما تفعل في الأحاديث المذكورة. والجواب عن الاعتراض الرابع: أن حديث أبي هريرة من رواية عليّ بن ٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها زيد مع ضَعفه لا يخالف حديث الباب؛ لأنه موافق لحديث أبي ذرّ في لفظه، وقد تبيّن من حديث أبي ذرّ ما دلّ على أنه في الدنيا، لا بعد البعث في الحشر إلى الموقف، إذ لا حديقة هناك، ولا آفة تُلقَى على الظهر حتى يَعِزّ، ويقلّ. ووقع في حديث علي بن زيد المذكور عند أحمد أنهم يتقون بوجوههم كلّ حدب وشوك، وقد سبق أن أرض الموقف أرض مستوية، لا عوج فيها، ولا أكمة، ولا حدب، ولا شوك. وأشار الطيبيّ إلى أن الأولى أن الحديث الذي من رواية عليّ بن زيد على من يُحشر من الموقف إلى مكان الاستقرار من الجنّة، أو النار، ويكون المراد بالركبان: السابقين المتقين، وهم المراد بقوله تعالى: ﴿يَوَمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَقْدًا ﴾﴾ [مريم: ٨٥]؛ أي: ركباناً. وأخرج الطبريّ عن عليّ في تفسير هذه الآية، فقال: ((أَمَا والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقاً، ولكن يُؤْتَون بِنُوق لم تر الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، وأزمّتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة)). والمراد: سوق ركائبهم، إسراعاً بهم إلى دار الكرامة؛ كما يُفعل في العادة بمن يُشرف، ويُكرم من الوافدين على الملوك، قال: ويستبعد أن يقال: يجيء وفد الله عشرة على بعير جميعاً، أو متعاقبين، وعلى هذا فقد روى أبو هريرة حال المحشورين عند انقراض الدنيا إلى جهة أرض المحشر، وهم ثلاثة أصناف، وحال المحشورين في الأخرى إلى محلّ الاستقرار. انتهى كلام الطيبيّ نَّتُهُ عن جواب المعترض، ملخّصاً موضّحاً بزيادات فيه. قال الحافظ تَخْذَلُهُ: لكن تقدم مما قررته أن حديث أبي هريرة من رواية علي بن زيد ليس في المحشورين من الموقف إلى محلّ الاستقرار. ثم ختم كلامه بأن قال: هذا ما سنح لي على سبيل الاجتهاد، ثم رأيت في ((صحيح البخاريّ)) في (باب الحشر)): ((يُحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق))، فعلمت من ذلك أن الذي ذهب إليه الإمام التوربشتيّ هو الحقّ الذي لا محيد عنه . قال الحافظ تَخُّْهُ: ولم أقف في شيء من طرق الحديث الذي أخرجه البخاريّ على لفظ ((يوم القيامة))، لا في ((صحيحه))، ولا في غيره، وكذا هو ٣٩ (١٥) - بَابُ فَنَاءِ الدُّنْيَا، وَبَيَانِ الْحَشْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - حديث رقم (٧١٧٤) عند مسلم، والإسماعيليّ، وغيرهما ليس فيه ((يوم القيامة)). نعم ثبت لفظ (يوم القيامة)) في حديث أبي ذرّ، المنبّه عليه قبلُ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ من أنه ليس لفظ (يوم القيامة)) في طرق حديث أبي هريرة، بل في حديث أبي ذرّ غير صحيح؛ لأنه ثابت في حديث أبي هريرة ظُه، في رواية النسائيّ تَكْتُ فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: وهو مؤوَّل بأن المراد بذلك: أن يوم القيامة يعقب ذلك، فيكون من مجاز المجاورة، ويتعيّن ذلك؛ لِمَا وقع فيه أن الظهر يقلّ؛ لِمَا يلقى عليه من الآفة، وأن الرجل يشتري الشارف الواحد بالحديقة المعجبة، فإنه ظاهر جدّاً في أنه من أحوال الدنيا، لا بعد الموت. وقد روى البيهقيّ في حديث الباب احتمالين، فقال: قوله: ((راغبين)) يَحْتَمِل أن يكون إشارة إلى الأبرار. وقوله: ((راهبين)) إشارة إلى المخلطين الذين هم بين الخوف والرجاء، والذين تحشرهم النار هم الكفار. وتعقّب بأنه حذف ذكرَ قوله: ((واثنان على بعير إلخ)). وأجيب بأن الرغبة والرهبة صفتان للصنفين: الأبرار والمخلطين، وكلاهما يحشر اثنان على بعير إلخ. قال: ويحتمل أن يكون ذلك في وقت حَشْرهم إلى الجنة بعد الفراغ، ثم قال بعد إيراد حديث أبي ذرّ: يَحتمل أن يكون المراد بالفوج الأول: الأبرار، وبالفوج الثاني: الذين خلطوا، فيكونون مشاة، والأبرار ركباناً، وقد يكون بعض الكفّار أعيا من بعض، فأولئك يُسحبون على وجوههم، ومن دونهم يمشون، ويسعون مع من شاء الله من الفسّاق وقت حشرهم إلى الموقف. وأما الظّهر فلعلّ المراد به: ما يحييه الله بعد الموت من الدوابّ، فيركبها الأبرار، ومن شاء الله، ويلقي الله الآفة في بقيتها حتى يبقى جماعة من المخلطين بلا ظهر. قال الحافظ: ولا يخفى ضعف هذا التأويل مع قوله في بقية الحديث: ((حتى إن الرجل ليعطي الحديقة المعجبة بالشارف))، ومن أين يكون للذين يبعثون بعد الموت عراة، حفاة، حدائق حتى يدفعوها في الشوارف؟ فالراجح ٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها ما تقدّم، وكذا يبعده غاية البعد أن يحتاج من يساق من الموقف إلى الجنة إلى التعاقب على الأبعرة، فرجح أن ذلك إنما يكون قبل المبعث، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ تَُّ وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً. وحاصله: أن الراجح حَمْل الحديث على الحشر الذي يكون قبل قيام الساعة، عند قُربها، فيُحشر الناس إلى الشام على هذه الصفات المختلفة، من كونهم راغبين، راهبين ... إلخ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. (١٦) - (بَابٌ فِي صِفَةِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ - أَعَانَنَا اللهُ عَلَى أَهْوَالِهَا -) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧١٧٥] (٢٨٦٢) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنُونَ ابْنَ سَعِيدٍ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ٦ [المطففين: ٦] قَالَ: ((يَقُومُ(١) أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ))، وَفِي رِوَايَةٍ ابْنِ الْمُثَنَّى: قَالَ: ((يَقُومُ النَّاسُ))، لَمْ يَذْكُرْ: ((يَوْمَ)). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر العمريّ المدنيّ الفقيه، تقدّم قبل أربعة أبواب. والباقون ذُكروا في البابين الماضيين، و((عبيد الله بن سعيد)) هو: أبو قُدامة السرخسيّ، و(يحيى بن سعيد)) هو: القطّان. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْتُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قَرَن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة الأخذ، والأداء منه ومنهم، كما أسلفناه غير مرّة، وفيه رواية (١) وفي نسخة: ((قال: حين يقوم))، وفي أخرى: ((حتى يقوم)).