Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ (٦) - بَابُ سُؤَالِ الْيَهُودِ النَّبِيّ ◌َّهِ عَنِ الرُّوحِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الزُّجْ﴾ - حديث رقم (٧٠٣٣) مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة برظ ◌ُبه هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٠٣٢/٥] (٢٧٩٣)، و(البخاريّ) في ((مناقب الأنصار)) (٣٩٤١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٤٦/٢ و٣٦٣ و٤١٦)، و(تمام الرازي) في ((فوائده)) (١٤٠/٢)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (٥٣/ ١٧٣)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ . (٦) - (بَابُ سُؤَالِ الْيَهُودِ النَّبِيَّ نَّه عَنِ الرُّوحِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآيَةَ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٣٣] (٢٧٩٤) - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاتٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ وَِّ فِي حَرْثٍ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ، إِذْ مَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَقَالُوا: مَا رَابَكُمْ إِلَيْهِ؟ لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالُوا: سَلُوهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ، فَسَأَلَهُ عَنِ الرُّوحِ، قَالَ: فَأَسْكَتَ النَّبِيُّ ◌َهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئاً، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، قَالَ: فَقُمْتُ مَكَانِي، فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ قَالَ: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُِّجُّ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّ وَمَآَ [الإسراء: ٨٥]. (٨٥) أُوِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِلًا قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم سند هذا الحديث بعينه قبل بابين، فلا حاجة إلى إعادة البحث عنه، فتنبّه. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود، كما هو القاعدة في مثل هذا؛ إذ السند كوفيّ؛ أنه (قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي) ولفظ البخاريّ: ((بينا أنا))، وقد تقدّم البحث في ٣٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... (بينما))، و((بينا)) غير مرّة، وقال في ((العمدة)): قوله: ((بينا أنا)) قد مَرّ غير مرة أن أصل بينا: ((بین))، فأُشبعت الفتحة بالألف، والعامل فيه جوابه وهو قوله: ((فمرّ(١) بنفر من اليهود)). لا يقال: الفاء الجزائية تمنع عمل ما بعدها فيما قبلها، فلا يعمل ((مَرّ)) في ((بينا))؛ لأنا نقول: لا نسلّم أن الفاء هنا جزائية؛ إذ ليس في ((بين)) معنى المجازاة الصريحة، بل فيها رائحة منها، ولئن سلّمنا، ولكن لا نسلّم ما ذكرتم من المنع؛ لأن النحاة قالوا في أمّا زيداً فأنا ضارب: إن العامل في زيداً هو ضارب، سلّمنا ذلك، فنقول: العامل فيه مَرّ مقدراً، والمذكور يفسره، ولنا أن نقول بين الفاء وإذا أُخُوّة حيث استُعملت الفاء هنا موضع إذا، والغالب أن جواب ((بينا)) يكون بإذا، وإذ، وإن كان الأصمعي یستفصح ترکهما. انتهى (٢). وقوله: (مَعَ النَّبِيِّ وَّ) متعلّق بحال؛ أي: مصاحباً معه (فِي حَرْثٍ) بفتح الحاء المهملة، وسكون الراء، آخره ثاء مثلثة، وهو موضع الزرع، وهو مراده بقوله في الرواية الأخرى: ((في نخل))، قال النوويّ كَُّهُ: واتفقت نُسخ ((صحيح مسلم)) على أنه ((حرث)) بالثاء المثلثة، وكذا رواه البخاريّ في مواضع، ورواه في أول الكتاب، في ((باب وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)): ((خرب)) بالباء الموحدة والخاء المعجمة: جمع خراب، قال العلماء: الأول أصوب، وللآخر وجه، ويجوز أن يكون الموضع فيه الوصفان. انتهى(٣). وقال في ((الفتح)): قوله: ((في حرث)) بفتح المهملة، وسكون الراء، بعدها مثلثة، ووقع في ((كتاب العلم)) - أي: عند البخاريّ - من وجه آخر بخاء معجمة، وموحّدة، وضبطوه بفتح أوله، وكسر ثانيه، وبالعكس، والأول أصوب، فقد أخرجه مسلم من طريق مسروق، عن ابن مسعود بلفظ: ((كان في نخل))، وزاد في رواية العلم: ((بالمدينة))، ولابن مردويه من وجه آخر، عن الأعمش: ((في حرث للأنصار))، وهذا يدلّ على أن نزول الآية وقع بالمدينة، لكن روى الترمذيّ من طريق داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس: ((قال: قالت قريش لليهود: (١) هكذا رواية للبخاريّ بالفاء، ورواية مسلم: ((إذ مرّ))، فتنبّه. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٠٠/٢. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٣٦/١٧ - ١٣٧. ٣٦٣ (٦) - بَابُ سُؤَالِ الْيَهُودِ النَّبِيَّهِ عَنِ الرُّوحِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْشَلُونَكَ عَنِ الزُّيجْ﴾ - حديث رقم (٧٠٣٣) أعطونا شيئاً نسأل هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِّ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ﴾ [الإسراء: ٨٥])) ورجاله رجال مسلم، وهو عند ابن إسحاق من وجه آخر، عن ابن عباس نحوه. ويمكن الجمع بأن يتعدد النزول بحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك، وإن ساغ هذا، وإلا فما في الصحيح أصحّ. انتهى(١). (وَهُوَ مُتَّكِئٌّ) جملة حاليّة؛ أي: والحال أنه معتمد، ومادته واو وكاف وهمزة، ومنه يقال: رجل تُكَأَةٌ، مثالُ تُؤَدَةٍ: كثير الاتكاء، وأصلها وُكأة أيضاً، والْمُتَكأة: ما يُتكأ عليه، قال الله تعالى: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَمُنَّ مُتَكًَا﴾ [يوسف: ٣١]. (عَلَى عَسِيبٍ) بفتح العين، وكسر السين المهملتين، وسكون الياء، وفي آخره باء موحّدة، قال الصغانيّ: العسيب من السَّعَف فويق الْكَرَب(٢)، لم ينبت عليه الخوص، وما ينبت عليه الخوص فهو السَّعَف، والجمع عُسُب، وقال غيره: العسيب جريد النخل، وهو عُود قضبان النخل، كانوا يكشطون خوصها، ويتخذونها عُصِيّاً، وكانوا يكتبون في طرفه العريض منه، ومنه قوله في الحديث: ((فجعلت أتتبعه في العسيب)) يريد: القرآن(٣). وقال في ((الفتح)): قوله: ((على عسيب)) بمهملتين، وآخره موحّدة، بوزن عظيم، وهي الجريدة التي لا خُوص فيها، ووقع في رواية ابن حبان: ((ومعه جريدة))، قال ابن فارس: الْعُسْبان من النخل؛ كالقضبان من غيرها. انتهى (٤). (إِذْ مَرَّ بِنَفَرٍ) بفتح الفاء: عدّة رجال، من ثلاثة إلى عشرة، والنفير مثله، وكذلك النّفْرِ والنَفرة بالإسكان(٥). (مِنَ الْيَهُودِ) هذا اللفظ مع اللام ودون اللام معرفة، والمراد به اليهوديون، ولكنهم حذفوا ياء النسبة، كما قالوا: زنجيّ، وزنج؛ للفرق بين المفرد، والجماعة (٦). (١) ((الفتح)) ٣٠٣/١٠، ((كتاب التفسير)) رقم (٤٧٢١). (٢) ((الكَرَب)) بفتحتين: أصول السَّعَف التي تقطع معه، الواحدة كَرَبة؛ كقصب وقصبة. اهـ. ((المصباح)) ٥٢٩/٢. (٣) ((عمدة القاري)) ٢٠٠/٢. (٥) ((عمدة القاري)) ٢٠٠/٢. (٤) ((الفتح)) ١٠/ ٣٠٣. (٦) ((عمدة القاري)) ٢٠٠/٢. ٣٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: (إذ مر اليهود))، قال في ((الفتح)): قوله: ((إذ مر اليهودُ)) كذا فيه ((اليهودُ)) بالرفع على الفاعلية، وفي بقية الروايات في ((العلم))، و((الاعتصام))، و((التوحيد))، وكذا عند مسلم: ((إذ مَرّ بنفر من اليهود))، وعند الطبريّ من وجه آخر، عن الأعمش: ((إذ مررنا على يهود))، ويُحْمَل هذا الاختلاف على أن الفريقين تلاقَوا، فيصدق أن كلّاً مرّ بالآخر. وقوله: ((يهود)) هذا اللفظ معرفة تدخله اللام تارةً، وتارة يتجرد، وحذفوا منه ياء النسبة، ففرَّقوا بين مفرده وجمعه، كما قالوا: زنج، وزنجيّ، قال: ولم أقف في شيء من الطرُق على تسمية أحد من هؤلاء اليهود. انتهى(١). (فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: سَلُوهُ)؛ أي: النبيّ وَّهِ، وأصله: اسألوه، (عَنِ الرُّوحِ، فَقَالُوا: مَا رَابَكُمْ إِلَيْهِ) قال النوويّ تَخْذُهُ: هكذا في جميع النسخ: ((ما رابكم إليه))؛ أي: ما دعاكم إلى سؤاله، أو ما شكّكم فيه، حتى احتجتم إلى سؤاله، أو ما دعاكم إلى سؤال تخشون سوء عقباه. انتهى (٢) . وقال في ((الفتح)): قوله: ((ما رابكم إليه)) كذا للأكثر بصيغة الفعل الماضي من الريب، ويقال فيه: رابه كذا، وأرابه كذا، بمعنى، وقال أبو زيد: رابه: إذا عَلم منه الريب، وأرأبه: إذا ظَنّ ذلك به، ولأبي ذرّ عن الحمويّ وحده بهمزة، وضم الموحّدة من الرأب، وهو الإصلاح، يقال فيه: رأب بين القوم: إذا أصلح بينهم، وفي توجيهه هنا بُعْدٌ. وقال الخطابيّ(٣): الصواب ما أَرَبُّكُم، بتقديم الهمزة، وفتحتين، من الأَرَب، وهو الحاجة، وهذا واضح المعنى لو ساعدته الرواية، نعم رأيته في رواية المسعوديّ عن الأعمش، عند الطبريّ كذلك، وذكر ابن التين أن رواية القابسيّ كرواية الحمويّ، لكن بتحتانية بدل الموحّدة من الرأي، والله أعلم. (٤) . انتهى . (لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ) وفي رواية البخاريّ في ((العلم)): ((لا يجيء فيه بشيء تكرهونه))، وفي ((الاعتصام)): ((لا يسمعكم ما تكرهون))، وهي (١) ((الفتح)) ٣٠٣/١٠ - ٣٠٤. (٣) ((الأعلام)) ١٨٧٣/٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٧/١٧. (٤) ((الفتح)) ٣٠٤/١٠. ٣٦٥ (٦) - بَابُ سُؤَالِ الْيَهُودِ النَّبِيَّنَّهِ عَنِ الرُّوحِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرَّجُ﴾ - حديث رقم (٧٠٣٣) بمعنَّى، وكلّها بالرفع على الاستئناف، ويجوز السكون، وكذا النصب أيضاً، قاله في ((الفتح)). وقال في «العمدة)): قوله: ((لا يجيء فيه)) يجوز فيه ثلاثة أوجه: الأول: الجزم على جواب النهي؛ أي: لا تسألوه لا يجىء بمكروه. الثاني: النصب على معنى: لا تسألوه إرادةَ أن لا يجيء فيه، و((لا)) زائدة، وهذا ماشٍ على مذهب الكوفيين، وقال السهيليّ: النصب فيه بعيد؛ لأنه على معنى ((أَنْ)). الثالث: الرفع على القطع؛ أي: لا يجيءُ فيه بشيء تكرهونه، قال: والمراد أنه رُفع على الاستئناف. انتهى (١) . ووقع في بعض التفاسير أن الحكمة في سؤال اليهود عن الروح أن عندهم في التوراة أن روح بني آدم لا يعلمها إلا الله، فقالوا: نسأله، فإن فسَّرها فهو نبيّ، وهو معنى قولهم: ((لا يجيء بشيء تكرهونه))، وروى الطبريّ من طريق مغيرة، عن إبراهيم، في هذه القصّة، فنزلت الآية، فقالوا: هكذا نجده عندنا، ورجاله ثقات، إلا أنه سقط من الإسناد علقمة، قاله في ((الفتح))(٢). (فَقَالُوا: سَلُوهُ) وفي رواية للبخاريّ في ((التوحيد)): ((فقال بعضهم: لنسألنّه))، واللام جواب قسم محذوف. (فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ)، وفي رواية للبخاريّ في ((التوحيد)): ((فقام رجل منهم، فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟))، وفي رواية العوفي عن ابن عباس، عند الطبريّ: ((فقالوا: أخبرنا عن الروح)). (فَسَأَلَهُ)؛ أي: سأل ذلك البعض النبيّ وََّ (عَنِ الرُّوحِ) قال ابن التين كَّتُهُ: اختَلَف الناس في المراد بالروح المسؤول عنه في هذا الخبر على أقوال: الأول: روح الإنسان. الثاني: روح الحيوان. الثالث: جبريل الرابع: عيسى علَّ *. الخامس: القرآن. السادس: الوحي. السابع: ملك يقوم وحده صفّاً يوم القيامة. الثامن: ملك له أحد عشر ألف جناح، ووُجِّه. وقيل: (١) ((عمدة القاري)) ٢٠٠/٢. (٢) ((الفتح)) ٣٠٨/١٠. ٣٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... ملك له سبعون ألف لسان. وقيل: له سبعون ألف وجه، في كل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان ألف لغة، يسبح الله تعالى، يخلق الله بكل تسبيحة ملكاً يطير مع الملائكة. وقيل: ملك رجلاه في الأرض السفلى، ورأسه عند قائمة العرش. التاسع: خَلْق كخلق بني آدم، يقال لهم: الروح، يأكلون، ويشربون، لا ينزل ملك من السماء إلا نزل معه. وقيل: بل هم صنف من الملائكة يأكلون ويشربون. انتهى كلامه ملخصاً بزيادات من كلام غيره. قال الحافظ: وهذا إنما اجتمع من كلام أهل التفسير في معنى لفظ الروح الوارد في القرآن، لا خصوص هذه الآية، فمِنَ الذي في القرآن: ﴿نَزَّلَ بِهِ الرُُّعُ اَلْأَمِينُ (َ﴾ [الشعراء: ١٩٣]، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، ﴿يُلِّقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِوء﴾ [غافر: ١٥]، ﴿وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، يَقُومُ الزُّوحُ وَالْمَلَئِكَةُ صَفَّا﴾ [النبأ: ٣٨]، ﴿نَزَّلُ الْمَلَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤]، فالأول جبريل، والثاني القرآن، والثالث الوحي، والرابع القوّة، والخامس والسادس مُحْتَمِل لجبريل ولغيره. ووقع إطلاق روح الله على عيسى ظلّ، وقد روى ابن إسحاق في تفسيره بإسناد صحيح، عن ابن عباس قال: الروح من الله، وخَلْق من خلق الله، وصُوَر كبني آدم، لا ينزل ملَك إلا ومعه واحد من الروح، وثبت عن ابن عباس أنه كان لا يفسِّر الروح؛ أي: لا يعيِّن المراد به في الآية. وقال الخطابيّ: حَكَوا في المراد بالروح في الآية أقوالاً، قيل: سألوه عن جبريل، وقيل: عن ملَك له ألسنة، وقال الأكثر: سألوه عن الروح التي تكون بها الحياة في الجسد، وقال أهل النظر: سألوه عن كيفية مسلك الروح في البدن، وامتزاجه به، وهذا هو الذي استأثر الله بعلمه. وقال القرطبيّ: الراجح أنهم سألوه عن روح الإنسان؛ لأن اليهود لا تعترف بأن عيسى روح الله، ولا تجهل أن جبريل ملَك، وأن الملائكة أرواح. وقال الإمام فخر الدين الرازيّ: المختار أنهم سألوه عن الروح الذي هو سبب الحياة، وأن الجواب وقع على أحسن الوجوه، وبيانُهُ أن السؤال عن الروح يَحْتَمِل عن ماهيته، وهل هي متحيزة، أم لا؟ وهل هي حالّة في متحيز، أم لا؟ وهل هي قديمة، أو حادثة؟ وهل تبقى بعد انفصالها من الجسد، أو ٣٦٧ (٦) - بَابُ سُؤَالِ الْيَهُودِ النَّبِّلَّه عَنِ الرُّوحِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الزُّجْ﴾ - حديث رقم (٧٠٣٣) تفنى؟ وما حقيقة تعذيبها، وتنعيمها؟، وغير ذلك من متعلقاتها، قال: وليس في السؤال ما يخصص أحد هذه المعاني، إلا أن الأظهر أنهم سألوه عن الماهية، وهل الروح قديمة، أو حادثة، والجواب يدلّ على أنها شيء موجود، مغاير للطبائع، والأخلاط، وتركيبها، فهو جوهر بسيط مجرّد، لا يحدث إلا [البقرة: ١١٧] فكأنه قال: هي موجودة، بمُحدِث، وهو قوله تعالى: مُحْدَثة بأمر الله، وتكوينه، ولها تأثير في إفادة الحياة للجسد، ولا يلزم من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة نفيه، قال: ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالأمر في قوله: ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِ﴾ [الإسراء: ٨٥] الفعل؛ كقوله: ﴿وَمَآ أَقْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِدٍ﴾ [هود: ٩٧]؛ أي: فِعله، فيكون الجواب: الروح من فعل ربي، وإن كان السؤال هل هي قديمة، أو حادثة؟ فيكون الجواب أنها حادثة، إلى أن قال: وقد سكت السلف عن البحث في هذه الأشياء، والتعمق فيها. انتهى. قال: وقد تنطّع قوم، فتباينت أقوالهم، فقيل: هي النَّفَس الداخل والخارج، وقيل: الحياة، وقيل: جسم لطيف يَحُلّ في جميع البدن، وقيل: هي الدم، وقيل: هي عَرَض، حتى قيل: إن الأقوال فيها بلغت مائة، ونقل ابن منده عن بعض المتكلمين أن لكل نبي خمسة أرواح، وأن لكل مؤمن ثلاثة، ولكل حي واحدة. قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأقوال المتشّتة ليست مبنيّة على أسس من الكتاب والسُّنَّة، بل هي تفكيرات من العقول البشريّة التي لا تحول حول الأمور المغيّبة إلا بمقدر ما جاء من الوحي السماويّ، فواجبنا تجاهها أن نسكت كما سكت السلف الصالح، فليسعنا ما وَسِعهم، وهذا هو السبيل الوحيد الذي يُنجي في الدنيا والآخرة، فعَضّ عليه بنواجذك تَسْلَم، وتغنم، وإلا تخسر، وتندم، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقال ابن العربيّ: اختلفوا في الروح والنفس، فقيل: متغايران، وهو الحقّ، وقيل: هما شيء واحد، قال: وقد يعبّر بالروح عن النفس، وبالعكس، كما يعبّر عن الروح، وعن النفس بالقلب، وبالعكس، وقد يعبّر عن الروح بالحياة، حتى يتعدى ذلك إلى غير العقلاء، بل إلى الجماد مجازاً. وقال السهيليّ: يدلّ على مغايرة الروح والنفس قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ. ٣٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى﴾ [الحجر: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] فإنه لا يصح جعل أحدهما موضع الآخر، ولولا التغاير لساغ ذلك. انتهى (١). (قَالَ: فَأَسْكَتَ النَّبِيُّ ◌َّ)؛ أي: سكت، وقيل: أطرق، وقيل: أعرض عنه، قاله النوويّ كَذَتُهُ(٢). وقال الفيّوميّ كَذَفُهُ: سَكَتَ سَكْتاً، وسُكُوتاً: صَمَتَ، ويتعدى بالألف، والتضعيف، فيقال: أَسْكَتْهُ، وسَكَّتُهُ، واستعمالُ المهموز لازماً لغةٌ، وبعضهم يجعله بمعنى أطرق، وانقطع. انتهى(٣). وفي رواية للبخاريّ: ((فأمسك النبيّ وَِّ)) (فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئاً) وفي لفظ للبخاريّ: ((فلم يرد عليهم))، (فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ) وفي رواية للبخاريّ في ((التوحيد)): ((فظننت أنه يوحى إليه))، وفي ((الاعتصام)): ((فقلت: إنه يوحى إليه))، وهي متقاربة، وإطلاق العلم على الظنّ مشهور، وكذا إطلاق القول على ما يقع في النفس، ووقع عند ابن مردويه، من طريق ابن إدريس، عن الأعمش: ((فقام، وحَنَی من رأسه، فظننت أنه یوحی إلیه)). (قَالَ) ابن مسعود رَبِهِ: (فَقُمْتُ مَكَانِي) وفي لفظ للبخاريّ: ((فقمت مقامي))، وفي لفظ: ((فتأخّرت عنه))؛ أي: أدباً معه ◌َّ؛ لئلا يتشوش بقربي منه، (فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ) وفي رواية للبخاريّ: ((حتى صعد الوحي، فقال))، وفي رواية له: ((فقمت، فلما انجلى)). (قَالَ) النبيّ وَّهِ: ﴿﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِّ قُلِ الرُّوحُ مِنْ (٥))) [الإسراء: ٨٥]. قال ابن جرير أَمْرِ رَبِىِ وَمَا أُوتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا الطبريّ تَخُّْهُ: يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد وَاليه: ويسألك الكفار بالله من أهل الكتاب عن الروح، ما هي؟ قل لهم: الروح من أمر ربي، وما أوتيتم أنتم، وجميع الناس من العلم إلا قليلاً، وذُكِر أن الذين سألوا رسول الله وَّ ل عن الروح، فنزلت هذه الآية بمسألتهم إياه عنها، كانوا قوماً من اليهود. انتهى (٤). وقال الشوكانيّ ◌َّتُهُ: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوَجَ﴾ قد اختلف الناس في الروح (١) ((الفتح)) ١٠/ ٣٠٤ - ٣٠٦. (٣) ((المصباح المنير)) ٢٨١/١. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٧/ ١٣٧. (٤) ((تفسير الطبريّ)) ٥٤١/١٧. ٣٦٩ (٦) - بَابُ سُؤَالِ الْيَهُودِ النَِّّلَّهِ عَنِ الرُّوحِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرَّجْ﴾ - حديث رقم (٧٠٣٣). المسؤول عنه، فقيل: هو الروح المدبر للبدن الذي تكون به حياته، وبهذا قال أكثر المفسرين. قال الفراء: الروح الذي يعيش به الإنسان، لم يخبر الله سبحانه به أحداً من خلقه، ولم يعط علمه أحداً من عباده فقال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّ﴾؛ أي: إنكم لا تعلمونه، وقيل: الروح المسؤول عنه: جبريل، وقيل: عيسى، وقيل القرآن، وقيل: ملك من الملائكة عظيم الخلق، وقيل: خَلْق كخلق بني آدم، وقيل غير ذلك مما لا طائل تحته، ولا فائدة في إيراده، والظاهر القول الأول، قال: ثم الظاهر أن السؤال عن حقيقة الروح؛ لأن معرفة حقيقة الشيء أهمّ، وأقدم من معرفة حالٍ من أحواله، ثم أمَره سبحانه أن يجيب على السائلين له عن الروح فقال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّ﴾. ((من)) بيانية، والأمر: الشأن، والإضافة للاختصاص؛ أي: هو من جنس ما استأثر الله بعلمه من الأشياء التي لم يُعلم بها عباده، وقيل: معنى ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِ﴾ من وحيه، وكلامه، لا من كلام البشر. ثم ختم سبحانه هذه الآية بقوله سبحانه: ﴿وَمَّا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِلًا﴾؛ أي: أن علمكم الذي علّمكم الله، ليس إلّا المقدار القليل بالنسبة إلى علم الخالق سبحانه، وإن أوتي حظاً من العلم وافراً، بل علم الأنبياء الظل ليس هو بالنسبة إلى علم الله سبحانه إلّا كما يأخذ الطائر في منقاره من البحر، كما في حديث موسى والخضر ◌ِلَّالا. انتهى(١). وقوله: ﴿وَمَآ أُوتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ هكذا في هذه الرواية، وقد بيّن مسلم فيما بعدُ أن في رواية عيسى بن يونس: ((وما أوتوا من العلم إلا قليلاً))، وكذلك وقع اختلاف في رواية البخاريّ، فقال في ((الفتح)): قوله: ((وما أوتيتم من العلم)) كذا للكشميهنيّ هنا - أي: في التفسير - وكذا لهم في ((الاعتصام))، ولغير الكشميهنيّ هنا: ((وما أوتوا)) وكذا لهم في ((العلم))، وزاد: ((قال الأعمش: هكذا قراءتنا))، وبيّن مسلم اختلاف الرواة عن الأعمش فيها، وهي مشهورة عن الأعمش، أعني بلفظ: ((وما أوتوا))، ولا مانع أن يذكرها بقراءة غيره، وقراءة الجمهور: ((وما أوتيتم)) والأكثر على أن المخاطب بذلك اليهود، (١) ((فتح القدير)) للشوكانيّ ٣٤٨/٤. ٣٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... فتتحد القراءتان، نعم وهي تتناول جميع علم الخلق بالنسبة إلى علم الله. ووقع في حديث ابن عباس: ((أن اليهود لمّا سمعوها قالوا: أوتينا علماً كثيراً، التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً، فنزلت: ﴿قُل لَّوْ كَانَ اُلْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبٍ﴾ الآية [الكهف: ١٠٩]))، قال الترمذيّ: حسنٌ صحيحٌ. وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ هو استثناء من العلم؛ أي: إلا علماً قليلاً، أو من الإعطاء؛ أي: إلا إعطاء قليلاً، أو من ضمير المخاطب، أو الغائب، على القراءتين؛ أي: إلا قليلاً منهم، أو منكم، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود رضيبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٠٣٣/٦ و٧٠٣٤ و٧٠٣٥] (٢٧٩٤)، و(البخاريّ) في ((العلم)) (١٢٥) و((التفسير)) (٤٧٢١) و((الاعتصام)) (٧٢٩٧) و((التوحيد)) (٧٤٥٦ و٧٤٦٢)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣١٤١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٤٤/١ و٤٤٥)، و(الطبريّ) في ((التفسير)) (١٥٥/١٥ و١٥٦)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٩٨)، و(الواحديّ) في ((أسباب النزول)) (ص١٩٧)، و(الطبرانيّ) في ((الصغير)) (٨٦/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز سؤال العالم في حال قيامه، ومشيه، إذا كان لا يثقل ذلك عليه. ٢ - (ومنها): أدب الصحابة ◌ٌ ◌ّ مع النبيّ وَل﴾، حيث تأدب ابن مسعود رَّه لَمّا علم بنزول الوحي، فوقف حتى لا يشوش عليه. ٣ - (ومنها): العمل بما يغلب على الظنّ، حيث توقّف ابن مسعود حيث ظنّ نزول الوحي. ٤ - (ومنها) التوقف عن الجواب بالاجتهاد لمن يتوقع النصّ. ٥ - (ومنها): أن بعض المعلومات قد استأثر الله موج بعلمه وحقيقته؛ کالروح. ٣٧١ (٦) - بَابُ سُؤَالِ الْيَهُودِ النَِّيَّنَّهِ عَنِ الرُّوحِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الزُّجْ﴾ -حديث رقم (٧٠٣٣) ٦ - (ومنها): أن الأمر يَرِد لغير الطلب، والله أعلم. ٧ - (ومنها): ما قاله الشوكانيّ تَخّلُهُ: في هذه الآية ما يزجر الخائضين في شأن الروح المتكلفين لبيان ما هَيْئتها، وإيضاح حقيقتها، أبلغ زجر، ويردعهم أعظم ردع، وقد أطالوا المقال في هذا البحث بما لا يتسع له المقام، وغالبه، بل كله من الفضول الذي لا يأتي بنفع في دين ولا دنيا . وقد حَكَى بعض المحققين أن أقوال المختلفين في الروح بلغت إلى ثمانية عشر ومائة قول، فانظر إلى هذا الفضول الفارغ، والتعب العاطل عن النفع، بعد أن علموا أن الله سبحانه قد استأثر بعلمه، ولم يُطلع عليه أنبياءه، ولا أَذِن لهم بالسؤال عنه، ولا البحث عن حقيقته، فضلاً عن أممهم المقتدين بهم، فيالله العجب حيث تبلغ أقوال أهل الفضول إلى هذا الحدّ الذي لم تبلغه، ولا بعضه في غير هذه المسألة، مما أذن الله بالكلام فيه، ولم يستأثر بعلمه. انتهى (١)، وهو كلام وجيه، وتنبيه نَبِيه، خلاصته أنه لا ينبغي لعاقل فضلاً عن العالِم أن يشتغل بفضول الكلام، ولا سيّما فيما سدّ الشارع طريق البحث، فالواجب فيه السكوت، وتفويض علمه إلى عالم الغيب والشهادة، فهذا هو الحقّ، فماذا بعد الحقّ إلا الضلال؟ عصمنا الله تعالى من الاشتغال بما لا ينفعنا، لا في الدنيا، ولا في الآخرة، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم آمين. (المسألة الرابعة): فيما قاله أهل العلم في المراد بقوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّ﴾ : قال الإسماعيليّ تَّقُ: يحْتَمِل أن يكون جواباً، وأن الروح من جملة أمر الله، وأن يكون المراد: أن الله اختص بعلمه، ولا سؤال لأحد عنه. وقال ابن القيّم تَخُّْ: ليس المراد هنا بالأمر الطلب اتفاقاً، وإنما المراد به المأمور، والأمر يُطلق على المأمور؛ كالخلق على المخلوق، ومنه: ﴿لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَيِّكَ﴾ [هود: ١٠١]. وقال ابن بطال تَخْتُهُ: معرفة حقيقة الروح مما استأثر الله بعلمه، بدليل (١) (فتح القدير)) للشوكانيّ ٣٤٨/٤. ٣٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... هذا الخبر، قال: والحكمة في إبهامه اختبار الخلق؛ ليُعَرّفهم عجزهم عن علم ما لا يدركونه، حتى يضطرهم إلى ردّ العلم إليه. وقال القرطبيّ تَخّْتُهُ: الحكمة في ذلك إظهار عجز المرء؛ لأنه إذا لم يعلم حقيقة نفسه، مع القطع بوجوده، كان عجزه عن إدراك حقيقة الحقّ من باب أولى. وجنح ابن القيم في ((كتاب الروح)) إلى ترجيح أن المراد بالروح المسؤول عنها في الآية ما وقع في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الزُُّعُ وَالْمَلَتِكَةُ صَفَا﴾ [النبأ: ٣٨] قال: وأما أرواح بني آدم، فلم يقع تسميتها في القرآن إلا نفساً، قال الحافظ: كذا قال، ولا دلالة في ذلك لِمَا رجّحه، بل الراجح الأول، فقد أخرج الطبريّ من طريق العوفيّ، عن ابن عباس في هذه القصّة أنهم قالوا عن الروح، وكيف يعذّب الروح الذي في الجسد، وإنما الروح من الله؟ فنزلت الآية. وقال بعضهم: ليس في الآية دلالة على أن الله لم يُطلع نبيّه وَّ على حقيقة الروح، بل يَحْتَمِل أن يكون أطلعه، ولم يأمره أنه يطلعهم، وقد قالوا في علم الساعة نحو هذا، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: العجب من الحافظ ينقل هذا القول، ويسكت عليه، وهو من منكر القول، فهل بعد هذه الآية بأن الروح من أمر الله، وليست من معلومات الخلق، وبعد قوله وقّله في الحديث الصحيح: ((مفاتح الغيب خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُغَزِّكُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَِ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَحْكَسِبُ غَدَّا وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِ أَرْضِ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ٣٤ [لقمان: ٣٤]، فهل يدعي عاقل بعد هذا كلّه بأن الله تعالى أطلع نبيّه وَلير على هذه المغيّبات؟ بل صرّح بعضهم بأنه ◌َّ لم يخرج من الدنيا حتى أطلعه الله على هذا المغيّبات، فهذا هو التقوّل على الله تعالى بلا علم، نسأل الله تعالى أن يعافينا من ذلك آمين. قال الحافظ: وممن رأى الإمساك عن الكلام في الروح أستاذ الطائفة أبو القاسم، فقال فيما نقله في ((عوارف المعارف)) عنه بعد أن نقل كلام الناس في الروح: وكان الأَولى الإمساك عن ذلك، والتأدب بأدب النبيّ وَّ، ثم نقل عن الجنيد أنه قال: الروح استأثر الله تعالى بعلمه، ولم يطلع عليه أحداً من خلقه، ٣٧٣ (٦) - بَابُ سُؤَالِ الْيَهُودِ النَِّيَّنَّهِ عَنِ الرُّوحِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْشَلُونَكَ عَنِ الرُّجْ﴾ - حديث رقم (٧٠٣٣) فلا تجوز العبارة عنه بأكثر من موجود، وعلى ذلك جرى ابن عطية، وجَمْع من أهل التفسير، وأجاب من خاض في ذلك بأن اليهود سألوا عنها سؤال تعجيز، وتغليط؛ لكونه يُطلق على أشياء، فأضمروا أنه بأيّ شيء أجاب، قالوا: ليس هذا المراد، فردّ الله كيدهم، وأجابهم جواباً مجملاً مطابقاً لسؤالهم المجمل. وقال السُّهْرَورديّ في ((العوارف)): يجوز أن يكون من خاض فيها سلك سبيل التأويل، لا التفسير؛ إذ لا يسوغ التفسير إلا نقلاً، وأما التأويل فتمتد العقول إليه بالباع الطويل، وهو ذِكر ما لا يَحْتمل إلا به من غير قطع بأنه المراد، فمن ثَمّ يكون القول فيه، قال: وظاهر الآية المنع من القول فيها؛ لختم الآية بقوله: ﴿وَمَا أُوتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: اجعلوا حكم الروح من الكثير الذي لم تؤتوه، فلا تسألوا عنه، فإنه من الأسرار. وقيل: المراد بقوله: ﴿أَمْرٍ رَبِ﴾ [الإسراء: ٨٥] كون الروح من عالم الأمر الذي هو عالم الملكوت، لا عالم الخلق الذي هو عالم الغيب والشهادة. وقد خالف الجنيدَ ومن تبعه من الأئمة جماعةٌ من متأخري الصوفية، فأكثروا من القول في الروح، وصرّح بعضهم بمعرفة حقيقتها، وعاب من أمسك عنها . ونقل ابن منده في (كتاب الروح)) له عن محمد بن نصر المروزيّ الإمام المطلع على اختلاف الأحكام من عهد الصحابة إلى عهد فقهاء الأمصار، أنه نقل الإجماع على أن الروح مخلوقة، وإنما يُنقَل القول بقدمها عن بعض غلاة الرافضة، والمتصوفة. واختُلف هل تفنى عند فناء العالم قبل البعث، أو تستمرّ باقية؟ على قولين، والله أعلم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: وهذا الاختلاف أيضاً من نوع الاختلاف السابق، فهو من الخوض فيما لا يعني، والحقّ تفويض علم ذلك إلى القائل الحكيم: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّ وَمَآ أُوْتِلِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. اللَّهُمَّ اهدنا فيمن هديت، اللهم أرنا الحقّ حقّاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، اللَّهُمَّ رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السماوات (١) ((الفتح)) ١٠/ ٣٠٧ - ٣٠٨. ٣٧٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لِمَا اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، آمين. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٣٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمَ قَالًا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَّةً، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ نَّهَ فِي حَرْثٍ بِالْمَدِينَةِ(١)، بِنَحْوِ حَدِيثٍ حَفْصٍ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ وَكِيعٍ: ﴿وَمَّ أُوْتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِلًا﴾، وَفِي حَدِيثٍ عِيسَى بْنِ يُونُسَ: ((وَمَا أُوتُوا)) مِنَّ رِوَايَةِ ابْنِ خَشْرَمٍ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنْديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٧/٤. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاحِ بن مَلِيحِ الرُّؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، عابدٌ، من كبار [٩]، مات في آخر سنة ست، أو أول سنة سبع وتسعين ومائة، وله سبعون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله ببابين. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ) الضمير لوكيع، وعيسى بن يونس. وقوله: (فِي حَرْثٍ بِالْمَدِينَةِ) وفي بعض النسخ: ((في حرث المدينة)). [تنبيه]: أما رواية وكيع عن الأعمش، فقد ساقها البخاريّ تَظُّ في «صحيحه))، فقال: (٧٠١٨) - حدثنا يحيى(٢)، حدّثنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن (١) وفي نسخة: ((في حرث المدينة)). (٢) هو: يحيى بن جعفر بن أعين الأزديّ البخاريّ، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٤٣) من أفراد البخاريّ. ٣٧٥ (٦) - بَابُ سُؤَالِ الْيَهُودِ النَّبِّنَّهِ عَنِ الرُّوحِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُُّجْ﴾ - حديث رقم (٧٠٣٤) علقمة، عن عبد الله، قال: كنت أمشي مع رسول الله وَلّر في حرث بالمدينة، وهو متكئ على عسيب، فمرّ بقوم من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه عن الروح، فسألوه، فقام متوكئاً على العسيب، وأنا خلفه، فظننت أنه يوحى إليه، فقال: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِىِ وَمَا أُوتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (®﴾، فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم: لا تسألوه. انتهى(١). وأما رواية إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس عن الأعمش، فقد ساقها ابن حبّان تَخْتُهُ في ((صحيحه))، فقال: (٩٨) - أخبرنا عبد الله بن محمد الأزديّ، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، قال: حدّثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنت أمشي مع رسول الله ◌َّ في حرث بالمدينة، وهو متكئ على عسيب، فمَرّ بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: لو سألتموه، فقال بعضهم: لا تسألوه، فيُسمعكم ما تكرهون، فقالوا: يا أبا القاسم أخبرنا عن الروح، فقام ساعةً ينتظر الوحي، فعرفت أنه يوحى عليه، فتأخرت عنه، حتى صعد الوحي، ثم قرأ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْرُّوْحِ(٣) الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ الآية. انتهى(٣). وأما رواية عليّ بن خشرم، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش، فقد ساقها النسائيّ كَُّ في ((الكبرى))، فقال: (١١٢٩٩) - أنا عليّ بن خَشْرم، أنا عيسى، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنت أمشي مع النبيّ وَّ في حرث بالمدينة، وهو يتوكأ على عسيب، فمَرّ بنفر من اليهود، فقال بعضهم: لو سألتموه، وقال بعضهم: لا تسألوه، فيُسمعكم ما تكرهون، فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا القاسم حدِّثنا عن الروح، فقام ساعةً، ورفع رأسه، فعرفنا أنه يوحى إليه، حتى صَعِد الوحي، ثم قال: ﴿الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّ وَمَآ أُوِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. انتهى(٤). (١) ((صحيح البخاريّ)) ٦/ ٢٧١٣. (٣) ((صحيح ابن حبان)) ٢٩٩/١ - ٣٠٠. (٢) هكذا النسخ بحذف ((قل))، فتنبّه. (٤) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٣٨٣/٦. ٣٧٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٣٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ إِدْرِيسَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الأَعْمَشَ، يَرْوِبِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهَ فِي نَخْلِ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ عَنِ الأَعْمَشِ، وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: ﴿وَمَآ أُوْتِلْتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأَوْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُرَّةَ) الْهَمْدانيّ الْخَارِفيّ - بمعجمة، وراء، وفاء -، الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات سنة مائة، وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٧/٢٧. ٣ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: انتقد الدارقطني على مسلم في هذا الإسناد، قال: خالف ابن إدريس جماعة من أصحاب الأعمش، فرواه عنه عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله، والجماعة هم: عبد الواحد بن زياد، وعيسى بن يونس، وحفص بن غياث، ووكيع، وغيرهم، فإنهم رووه عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله نظريته، وهذا هو الصواب. قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه الدارقطنيّ تَخْتُ أن رواية عبد الله بن إدريس غير محفوظة؛ لمخالفته جماعة من أصحاب الأعمش، فتكون روايته شاذّة. والجواب عن مسلم تَظُّ أنه يرى صحّة رواية ابن إدريس؛ لكونه ثقةً حافظاً متقناً، فزيادته مقبولة، فيكون للأعمش إسنادان: أحدهما إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، والآخر عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله نظُّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: رواية عبد الله بن إدريس عن الأعمش هذه ساقها ابن حبّان ◌َظُّ في ((صحيحه))، فقال: ٣٧٧ (٧) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوْتَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ - حديث رقم (٧٠٣٦) (٩٧) - أخبرنا الحسين بن أحمد بن بسطام بالأُبُلّة، قال: حدّثنا عبد الله بن سعيد الْكِنْديّ، قال: حدّثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن عبد الله بن مُرّة، عن مسروق، عن عبد الله، قال: بينما النبيّ 18َّ في بعض حيطان المدينة، متوكئاً على عسيب، إذ جاءته اليهود، فسألته عن الروح، فنزلت: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ (١) الآية. انتهى الرُُّجْ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ وَمَا أُوْتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِلًا (٥َا﴾ ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧) - (بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ (٧٧) [مريم: ٧٧]) لَأُوتَيََ مَالًا وَوَلَدًا وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَغُّْهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٣٦] (٢٧٩٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ الأَشَجُّ - وَاللَّفْظُ لِعَبْدِ اللهِ - قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبَّابٍ، قَالَ: كَانَ لِي عَلَى الْعَاصِ بْنٍ وَائِلِ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتْقَاضَاهُ، فَقَالَ لِي: لَنْ أَقْضِيَكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي لَنْ أَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، حَتَّى تَمُوتَ، ثُمَّ تُبْعَثَ، قَالَ: وَإِنِّي لَمَبْعُوثٌ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ؟ فَسَوْفَ أَقْضِيَكَ إِذَا رَجَعْتُ إِلَى مَالٍ وَوَلَدٍ، قَالَ وَكِيعُ: كَذَا قَالَ الأَعْمَشُ، قَالَ: فَزَّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَ مَالًا وَوَلَدًا (®) - إلى قوله -: ﴿وَبَأَنِيْنَا فَرْدًا﴾). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الضُّحَى) مسلم بن صُبيح - بالتصغير - الْهَمْدانيّ الكوفيّ العطار، مشهور بكنيته، ثقةٌ فاضلٌ [٤] مات سنة مائة (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٥/٢٢. ٢ - (خَبَّابُ) - بموحّدتين، الأولى مثقّلة - ابن الأرتّ التميمي، أبو عبد الله الصحابيّ الشهير، من السابقين إلى الإسلام، وكان يُعَذَّب في الله، (١) ((صحيح ابن حبان)) ٢٩٩/١. ٣٧٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... وشَهِد بدراً، ثم نزل الكوفة، ومات بها سنة سبع وثلاثين (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤٠٧/٣٣. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من سُداسيّات المصنّف نَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، وفيه ثلاثة من التابعين الكوفيين، روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صُبيح، قال في (الفتح)): كذا رواه بشر بن موسى، وغير واحد عن الحميديّ، وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر، عن الحميديّ بهذا الإسناد، فقال: ((عن أبي وائل)) بدل: ((أبي الضحى))، والأول أصوب، وشذّ حماد بن شعيب، فقال أيضاً: ((عن الأعمش، عن أبي وائل))، وأخرجه ابن مردويه أيضاً(١). (عَنْ مَسْرُوقٍ) بن الأجدعِ (عَنْ خَبَّاب) بن الأرتّ ◌َظُبه؛ أنه (قَالَ: كَانَ لِي عَلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ) السَّهْميّ هو والد عمرو بن العاص الصحابيّ المشهور، وكان له قَدْر في الجاهلية، ولم يوفق للإسلام، قال ابن الكلبيّ: كان من حكام قريش. انتهى، وثبت أنه أجار عمر بن الخطاب حين أسلم، وقد أخرج الزبير بن بكار هذه القصة مطولةً، وفيها أن العاص بن وائل قال: رجل اختار لنفسه أمراً، فما لكم وله؟ فردّ المشركين عنه، وكان موته بمكة قبل الهجرة، وهو أحد المستهزئين، قال عبد الله بن عمرو: سمعت أبي يقول: عاش أبي خمساً وثمانين، وإنه ليركب حماراً إلى الطائف، فيمشي عنه أكثر مما يركب، ويقال: إن حماره رماه على شوكة أصابت رجله، فانتفخت، فمات منها، ذكره في ((الفتح))(٢). وإياه عَنَى البوصيريّ كَّتُهُ في ((همزيّته)) بقوله: وَقَضَتْ شَوْكَةٌ عَلَى مُهْجَةِ الْعَا صِ فَلِلَّهِ النَّفْعَةُ(٣) الشَّوْكَاءُ وقال في ((العمدة)): العاص بن وائل بالهمزة بعد الألف، وذكر ابن (١) ((الفتح)) ٣٤٩/١٠، ((كتاب التفسير)) رقم (٤٧٣٢). (٢) ((الفتح)) ٣٤٩/١٠. (٣) النقع: القتل. اهـ. ((ق)). ٣٧٩ (٧) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِكَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ - حديث رقم (٧٠٣٦) الكلبيّ عن جماعة في الجاهلية أنهم كانوا زنادقة، منهم العاص بن وائل، وعقبة بن أبي معيط، والوليد بن المغيرة، وأُبَيَ بن خلف. انتهى(١). (دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ)؛ أي: فأتيت العاص أطلب منه دَيني، قال مقاتل: صاغ خباب للعاصي شيئاً من الحليّ، فلما طلب منه الأجر قال: ألستم تزعمون أن في الجنة الحرير، والذهب، والفضة، والولدان؟، قال خباب: نعم، قال العاص: فميعاد ما بيننا الجنة. وقال الواحديّ: قال الكلبيّ، ومقاتل: كان خباب قَيناً، وكان يعمل للعاص بن وائل، وكان العاصي يؤخر حقّه، فأتاه يتقاضاه، فقال: ما عندي اليوم ما أقضيك، فقال خباب: لست بمفارقك حتى تقضيني، فقال العاصي: يا خباب ما لك؟ ما كنت هكذا، وإن كنت لَحَسَن الطلب، قال: ذلك إذا كنت على دِينك، وأما اليوم فأنا على الإسلام، قال: أفلستم تزعمون أن في الجنة ذهباً وفضةً وحريراً؟ قال: بلى، قال: فأخّرني حتى أقضيك في الجنة - استهزاءً - فوالله إن كان ما تقول حقّاً إني لأفْضَل فيها نصيباً منك، فأنزل الله تعالى الآية. انتھی . والآية هي قوله تعالى: ﴿أَفَرََّيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَِنَا﴾ الآية [مريم: ٧٧](٢). وفي رواية للبخاريّ: ((دعني حتى أموت، وأبعث، فسأوتى مالاً وولداً، فأقضيك))، قال ذلك استهزاء بعقيدة البعث، وكان من المستهزئين بالنبيّ ◌َل﴾، نعوذ بالله من ذلك. (فَقَالَ) العاص بن وائل (لِي: لَنْ أَقْضِيَكَ) وفي رواية للبخاريّ: ((فقال: لا أعطيك))؛ أي: فقال العاصي: لا أعطيك حقك (حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ) وَلَ، (قَالَ) خبّاب ◌َظُهُ: (فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّ لَنْ أَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ) وَِّ (حَتَّى تَمُوتَ، ثُمَّ تُبْعَثَ) قال في ((الفتح)): مفهومه أنه يكفر حينئذ، لكنه لم يُرِد ذلك؛ لأن الكفر حينئذ لا يُتصور، فكأنه قال: لا أكفر أبداً، والنكتة في تعبيره بالبعث تعيير العاص بأنه لا يؤمن به، وبهذا التقرير يندفع إيراد من استشكل قوله هذا، فقال: عَلَّق الكفر، ومن عَلّق الكفر كفر. (١) ((عمدة القاري)) ٢٠٩/١١. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٠٩/١١. ٣٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... وأجاب بأنه خاطب العاص بما يعتقده، فعلّق على ما يستحيل بزعمه، والتقرير الأول يغني عن هذا الجواب. انتهى(١). وقال في ((العمدة)): فإن قلت: مَن عَيَّن للكفر أجلاً فهو كافر الآن إجماعاً، فكيف يصدر هذا عن خباب، ودينه أصحّ، وعقيدته أثبت، وإيمانه أقوى وآكد؟. قلت: لم يُرِد به خباب هذا، وإنما أراد: لا تعطيني حتى تموت وتبعث، أو أنك لا تعطيني ذلك في الدنيا فهنالك يؤخذ قسراً منك، وقال أبو الفرج: لمّا كان اعتقاد هذا المخاطَب أنه لا يُبعث خاطبه على اعتقاده، فكأنه قال: لا أكفر أبداً، وقيل: أراد خباب أنه إذا بُعث لا يبقى كفر؛ لأن الدار دار الآخرة. انتهى(٢). (قَالَ) العاص: (وَإِنِّي) بتقدير همزة الاستفهام الإنكاريّ؛ أي: أوَ إني (لَمَبْعُوثٌ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ؟) فقال له خبّاب: نعم، فقال العاص استهزاء: (فَسَوْفَ أَقْضِيكَ إِذَا رَجَعْتُ إِلَى مَالٍ وَوَلَدٍ)، وفي رواية الترمذيّ: ((فقلت: لا حتى تموت، ثم تبعث))، قال: وإني لميت، ثم مبعوث؟ فقلت: نعم، فقال: إن لي هنالك مالاً وولداً، فأقضيك، فنزلت: ﴿أَفَرَّيْتَ الَّذِى كَفَرَ﴾ الآية [مريم: ٧٧]. وقوله: (قَالَ وَكِيعٌ) هو ابن الجرّاحِ، (كَذَا قَالَ الأَعْمَشُ، قَالَ) خبّاب: (فَنَزَّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) هي قوله رَتْ: (﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوَيَ مَالًا وَوَلَدًا (®﴾ - إلى قوله -: ﴿وَيَأْنِيْنَا فَرْدًا﴾). قال في ((فتح القدير)): ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بَِايَتِنَا﴾؛ أي: أخبرني بقصة هذا الكافر، واذكر حديثه عقب حديث أولئك، وإنما استعملوا ((أرأيت)» بمعنى أخبر؛ لأن رؤية الشيء من أسباب صحة الخبر عنه، والآيات تعمّ كل آية، ومن جُملتها آية البعث، والفاء للعطف على مقدّر يدل عليه المقام؛ أي: أَنَظَرت، فرأيت. واللام في ﴿لَأُوتَيَنَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ هي الموطئة للقسم، كأنه قال: والله لأوتينّ في الآخرة مالاً وولداً؛ أي: انظر إلى حال هذا الكافر، وتعجَّب من كلامه، وتأليه على الله مع كفره به، وتكذيبه بآياته. (١) (الفتح)) ٣٤٩/١٠. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٠٩/١١.