Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ (٢) - بَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ - حديث رقم (٧٠١٩) مضمومة، وآخره نون، وهذا الوجه هو الصواب في هذا الحرف - إن شاء الله - وهو بمعنى (تَعِير)) في الحديث الأول، قال صاحب ((العين)): الكبن: عدوّ ليّن، كبن يكبُن كُبوناً، ولرواية العذريّ وجه بمعنى ((تَعِير)) أيضاً، يقال: كرّ على الشيء، وإليه: عطف عليه، وكرّ عنه: ذهب، والكسر في مستقبله أصل المضاعف غير المعدَّى، ولرواية الفارسيّ أيضاً وجه بمعناه، يقال: كار الفرس: إذا جرى، ورفع ذنبه عند جريه. انتهى كلام عياض تَخَذْتُهُ(١). [تنبيه]: رواية موسى بن عقبة عن نافع هذه ساقها النسائيّ كَّلُهُ في ((الكبرى))(٢)، إلا أنه بلفظ (تَعِير))، فقال: (١١٧٦٨) - أخبرنا قتيبة، قال: حدّثنا يعقوب، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله وَلقال قال: ((مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تَعِير في هذه مرةً، وفي هذه مرةً، لا تدري أيّها تتبع)). انتهى(٣)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٢) - (بَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ) قال الجامع عفا الله عنه: هكذا وقع بلفظ ((باب)) في النسخة الهنديّة، وهو الظاهر، ولذا قلّدته، ووقع في معظم النسخ بلفظ ((كتاب))، ولا يخفى بعده، فتنبه . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠١٩] (٢٧٨٥) - (حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرِ، حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ - يَعْنِي: الْحِزَامِيَّ - عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ لِ قَالَ: ((إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَزِنُ (١) ((إكمال المعلم)) ٣١٣/٧ - ٣١٤. (٢) وأخرجه أيضاً في ((المجتبى)) ١٢٤/٨. (٣) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٥٣٨/٦. ٣٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، اقْرَؤُوا: ﴿فَلَا نُقِيُ لَهُمْ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ وَزْنَا﴾ [الكهف: ١٠٥])). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) محمد بن إسحاق بن جعفر الصّغانيّ، أبو بكر، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٧٠) (م ٤) تقدم في ((لإيمان)) ١١٦/٤. ٢ - (يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) هو: يحيى بن عبد الله بن بكير المخزوميّ مولاهم المصريّ، نُسب إلى جدّه،َ ثقةٌ في الليث، وتكلموا في سماعه من مالك، من كبار [١٠] (ت٢٣١) وله سبع وسبعون سنةً (خ م ق) تقدم في ((الإمارة)) ٤٧٨٥/١٣. ٣ - (الْمُغِيرَةُ الْحِزَامِيُّ) هو: المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حِزَام - بمهملة، وزاي - المدنيّ، لقبه قُصَيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] قال أبو داود: كان قد نزل عسقلان (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٣/٢٦. ٤ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القُرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت١٣٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥. ٥ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َُبه، تقدّم قريباً. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من المغيرة، وأنه مما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة ظُه، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ظه تقدّم القول فيه غير مرّة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َّهِ (عَنْ رَسُولِ اللهِ نََّ)؛ ((أنه (قَالَ: ((إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو ما تفسّره الجملة بعده، كما قال في ((الكافية الشافية)»: وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا بِجُمْلَةٍ كَـ(إِنَّهُ زَيْدٌ سَرَى)) أي: إن الشأن والحال، (لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ)؛ أي: جُثّةً، أو جاهاً عند الناس، وفي رواية ابن مردويه من وجه آخر، عن أبي هريرة: ((الطويل، العظيم، الأَكُول، الشَّرُوب)). (السَّمِينُ) صفة لـ((الرجل)) بعد صفة، (يَوْمَ ٣٠٣ (٢) - بَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ - حديث رقم (٧٠١٩) الْقِيَامَةِ، لَا يَزِنُ)؛ أي: لا يَعْدِل في القدر والمنزلة (عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ) بفتح الموحّدة: هي الْبَقّة، جمعها بَعُوض(١). (اقْرَؤُوا)؛ أي: استشهاداً، واعتضاداً، وفي رواية البخاريّ: ((وقال: اقرؤوا))، القائل في الظاهر هو الصحابيّ، أو مرفوع من بقية الحديث، قاله في ((العمدة))(٢). (﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ﴾)؛ أي: للكفّار (﴿يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ وَزْنَا﴾)))؛ أي: قَدْراً، وقال الإمام ابن جرير الطبريّ كَّتُهُ: يقول تعالى ذكره: فلا نجعل لهم ثقلاً، وإنما عَنَى بذلك: أنهم لا تثقّل بهم موازينهم؛ لأن الموازين إنما تثقل بالأعمال الصالحة، وليس لهؤلاء شيء من الأعمال الصالحة، فتثقل به موازينهم. انتهى (٣). وقال الشوكانيّ تَخْذَلُهُ؛ أي: لا يكون لهم عندنا قدرٌ، ولا نعبأ بهم، وقيل: لا يقام لهم ميزان توزن به أعمالهم؛ لأن ذلك إنما يكون لأهل الحسنات والسيئات من الموحّدين، وهؤلاء لا حسنات لهم، قال ابن الأعرابيّ: العرب تقول: ما لفلان عندنا وزن؛ أي: قدر؛ لخسّته، ويوصف الرجل بأنه لا وزن له؛ لخفته، وسرعة طيشه، وقلة تثبّته، والمعنى على هذا: أنهم لا يُعتدّ بهم، ولا يكون لهم عند الله قَدْر، ولا منزلة، وقرأ مجاهد: (يقيم)) بالياء التحتية؛ أي: فلا يقيم الله، وقرأ الباقون بالنون (٤). وقال القاري: ﴿فَلَا نُقِيُ لَهُمْ﴾؛ أي: للكفار ﴿يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ وَزْنَا﴾ قيل: مقداراً وحساباً، واعتباراً، وقيل: ميزاناً، فالتقدير آلة الوزن؛ إذ الكفار الْخُلَّص يدخلون النار بغير حساب، وإنما الميزان للمؤمنين الكاملين، والمرائین، (٥) والمنافقين. انتهى(٥). وقال الطيبيّ تَّتُهُ: [فإن قلت]: كيف وَجْهُ صحة الاستشهاد بالآية، فإن المراد بالوزن في الحديث: وزن الْجُثّة، ومقداره؛ لقوله: ((العظيم، السمين))، وفي الآية: إما وزن الأعمال؛ لقوله تعالى: ﴿فَبِّطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٥]، وإما مقدارهم، والمعنى: نزدري بهم، ولا يكون لهم عندنا وزن، ومقدار؟. (١) ((القاموس المحيط)) ص ١١١٧. (٣) تفسير الطبريّ)) ١٢٩/١٨. (٥) ((مرقاة المفاتيح)) ١٠/ ٢٠١. (٢) ((عمدة القاري)) ٥٠/١٩. (٤) ((فتح القدير)) للشوكانيّ ٤٣١/٤. ٣٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... [قلت]: الحديث من الوجه الثاني على سبيل الكناية، وذكرُ الجثّة والعِظَم لا ينافي إرادة مقداره، وتفخيمه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَنْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمّ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِمَّ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ﴾ [المنافقون: ٤]. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رّ ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٠١٩/٢] (٢٧٨٥)، و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٤٧٢٩)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٦٩/١)، و(الطبريّ) في ((التفسير)) (١٦/ ٣٥)، و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٣٤/٥ و٣٢٩/٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): هذا الحديث ظاهر في الدلالة على أن العباد أنفسهم يوزنون، وقد دلّت نصوص أخرى على أن الأعمال هي التي توزن، ونصوص أيضاً دلّت على أن الصحائف هي التي توزن، ويُجمع بأن كلها توزن، فيوزن العبد، وتوزن أعماله، وتوزن صحائفه، وبهذا تجتمع الأدلّة في الباب. وقال ابن أبي العزّ كَّلُ عند قول الطحاويّ تَُّ في ((عقيدته)): ((والميزان))؛ أي: ونؤمن بالميزان، قال تعالى: ﴿وَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَمَةِ فَلَ نُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَيِّنَا بِهَا وَكَفَى ج﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ، فَأُوْلَكَ هُمُ بِنَا حَسِبِينَ وَمَنْ خَقَتْ مَوَزِينُهُ، فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ فِ جَهَنَّمَ (١٠٢) اَلْمُفْلِحُونَ [المؤمنون: ١٠٢، ١٠٣]. قال القرطبيّ: قال العلماء: إذا انقضى خَلِدُونَ الحساب كان بعده وزن الأعمال؛ لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها؛ ليكون الجزاء بحَسَبها. قال: وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَّوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يَحْتَمِل أن يكون ثَمّ موازين متعددة توزن فيها الأعمال، ويَحْتَمِل أن يكون المراد: الموزونات، فجُمع باعتبار تنوّع الأعمال الموزونة، والله أعلم. (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٥٠٣/١١. ٣٠٥ (٢) - بَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ - حديث رقم (٧٠١٩) والذي دلت عليه السُّنَّة: أن ميزان الأعمال له كفّتان حسيّتان مشاهدتان. روى الإمام أحمد من حديث أبي عبد الرحمن الْحُبُليّ، قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله: ((إن الله سيُخَلِّص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلّاً، كلّ سجلّ مَدّ البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا، يا رب، فيقول: ألك عذر، أو حسنة؟ فيبهت الرجل، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنةً واحدةً، لا ظلم اليوم عليك، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، فيقول: أحضروه، فيقول: يا رب، وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تُظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم))(١)، وهكذا روى الترمذي، وابن ماجه، وابن أبي الدنيا، من حديث الليث، زاد الترمذيّ: ((ولا يثقل مع اسم الله شيء))، وفي سياق آخر: ((توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل فیوضع في كفة)). وفي هذا السياق فائدة جليلة، وهي أن العامل يوزن مع عمله، ويشهد له ما روى البخاريّ عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ، قال: ((إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا إن شئتم: فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً)). وروى الإمام أحمد، عن ابن مسعود: أنه كان يجني سواكاً من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله وَل: ((مم تضحكون؟)) قالوا: يا نبي الله، من دقة ساقية، فقال: ((والذي نفسي بيده، لهما أثقل في الميزان من أُحُد))(٢). (١) صححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبيّ، وحسّنه الترمذيّ، وصححه الألبانيّ إلا أنه قال: لفظ: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) شاذ، والصحيح لفظ: ((مع اسم الله)). انتهى. (٢) رواه أحمد في ((مسنده)) ١/ ٤٥٠ بسند حسن. ٣٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... وقد وردت الأحاديث أيضاً بوزن الأعمال أنفسها، كما في ((صحيح مسلم))، عن أبي مالك الأشعريّ، قال: قال رسول الله وَله: ((الظُّهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان)). وفي ((الصحيح))، وهو خاتمة كتاب البخاريّ، قوله ◌َّه: ((كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)). وروى الحافظ أبو بكر البيهقيّ، عن أنس بن مالك نظُه، عن النبيّ وَّل، قال: ((يؤتى بابن آدم يوم القيامة، فيوقف بين كفتي الميزان، ويوكل به ملك، فإن ثَقُل ميزانه، نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: سَعِد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وإن خف ميزانه، نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: شَقِي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبداً)). فلا يُلتفت إلى ملحد معاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، وإنما يقبل الوزن الأجسام، فإن الله يقلب الأعراض أجساماً، كما تقدم، وكما روى الإمام أحمد، عن أبي هريرة ظه، أن رسول الله وَله قال: ((يؤتى بالموت كبشاً أغرّ، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال، يا أهل الجنة، فيشرئبّون وينظرون، ويقال: يا أهل النار، فيشرئبّون وينظرون، ويرون أن قد جاء الفرج، فيُذبح، ويقال: خلود لا موت))(١)، ورواه البخاري بمعناه. فثبت وزن الأعمال، والعامل، وصحائف الأعمال، وثبت أن الميزان له كفتان. والله تعالى أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات. فعلينا الإيمان بالغيب، كما أخبرنا الصادق وَله، من غير زيادة ولا نقصان. ويا خيبة من ينفي وضع الموازين القسط ليوم القيامة كما أخبر الشارع؛ لخفاء الحكمة عليه، ويقدح في النصوص بقوله: لا يحتاج إلى الميزان إلا البقّال والفَوّال، وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم الله لهم يوم القيامة وزناً، ولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عَدْله سبحانه لجميع عباده، فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل (١) أخرجه أحمد بسند صحيح ٤٢٣/٢. ٣٠٧ (٢) - بَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ - حديث رقم (٧٠٢٠) مبشرين ومنذرين. فكيف ووراء ذلك من الحِكَم ما لا اطلاع لنا عليه. فتأمل قول الملائكة، لمّا قال الله لهم: ﴿ .. إِّ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُواْ أَتَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفُِ اٌلْدِمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبْحُ بِحَمْدَِ وَنُقَدِّسُ لَكِّ قَالَ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا [البقرة: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِلِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ١٣٠ نَعْلَمُونَ ٨٥]. انتهى كلام ابن أبي العزّ كَخْلُهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، خلاصته ثبوت الميزان، كما أخبر به الكتاب والسُّنَّة، ووجوب الإيمان به، كما أوجبه الله تَعَالَ ، وأن الوزن للأعمال، والعامل، وصحائف الأعمال، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْدَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٢٠] (٢٧٨٦) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ - يَعْنِي: ابْنَ عِيَاضٍ - عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ إِلَى النَّبِيِّ وَّهِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَوْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ؛ إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعِ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعِ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَّع، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَىَ إِصْبَعْ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، فَيَقُولُ: أَنَّ الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكَ، فَضَحِكَّ رَسُولُ اللهِ وَّ تَعَجُّباً مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ، تَصْدِيقاً لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ، وَاْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَتْ بِيَمِينِهِ، سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (®)﴾ [الزمر: ٦٧]). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) بن عبد الله بن قيس التميميّ اليربوعيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٧) وهو ابن أربع وتسعين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣. ٢ - (فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ) بن مسعود التميميّ، أبو عليّ الزاهد المشهور، أصله من خُراسان، وسكن مكة، ثقةٌ عابدٌ إمامٌ [٨] (ت١٨٧) وقيل: قبلها (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥. (١) ((شرح العقيدة الطحاوية)) ١ /٤٠٨ - ٤٠٩. ٣٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... ٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ الكوفيّ الفقيه، تقدّم قريباً. ٥ - (عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ) هو: عَبيدة بن عمرو السّلْماني - بسكون اللام، ويقال: بفتحها - المراديّ، أبو عمرو الكوفيّ التابعي الكبير مخضرم، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، كان شُريح إذا أشكل عليه شيء يسأله، [٢] مات سنة اثنتين وسبعين، أو بعدها، والصحيح أنه مات قبل سنة سبعين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٦٨/٨٩. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) بَظُبه، تقدّم في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من سُداسيّات المصنّف تَخّْتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، إلا فضيلاً، فخُراسانيّ، ثم مكيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وعلى قول من يقول: إن منصوراً تابعيّ، ففيه ثلاثة من التابعين ـة، ذو مناقب روى بعضهم عن بعض، وأن صحابيّه من أكابر علماء الصحابة جمّة، تقدّم ذكرها . شرح الحديث: (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين المهملة، وكسر الموحّدة، (السَّلْمَانِيَّ) بفتح السين المهملة، وسكون اللام، ويقال: بفتحها : نسبة إلى سلمان بن يشكر بن ناجية بن مراد، وهو حيّ من مراد، قال ابن الأثير: وأصحاب الحديث يفتحون اللام. (١) . . انتھی [تنبيه]: رواية الأعمش هنا عن إبراهيم، عن عبيدة، وفي رواية حفص بن غياث الآتية بعد حديث عن الأعمش، سمعت إبراهيم يقول: سمعت علقمة. قال في ((الفتح)) ما حاصله: وقد تابع سفيان الثوريّ عن منصور على قوله: ((عبيدةً)) شيبانُ بن عبد الرحمن، عن منصور، كما عند البخاريّ في ((التفسير))، وفضيلُ بن عياض، وجرير بن عبد الحميد عند مسلم، وخالفه عن الأعمش في قوله: ((عبيدةَ)) حفص بن غياث، وجرير، وأبو معاوية، وعيسى بن يونس عند مسلم، ومحمد بن فضيل عند الإسماعيليّ، فقالوا كلهم: عن الأعمش، عن (١) ((تهذيب الأنساب)) ١٢٧/٢. ٣٠٩ (٢) - بَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ - حديث رقم (٧٠٢٠) إبراهيم، عن علقمة، بدل عبيدة، وتصرُّف الشيخين يقتضي أنه عند الأعمش على الوجهين، وأما ابن خزيمة فقال: هو في رواية الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، وفي رواية منصور، عن إبراهيم، عن عَبيدة، وهما صحيحان. انتهى(١). (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) ◌َّه؛ أنه (قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ) بفتح الحاء المهملة، وكسرها، وسكون الموحّدة، زاد في رواية: ((من الأحبار))؛ أي: عالم من علماء اليهود. قال الفيّوميّ تَخْتُهُ: الْحِبْرُ بالكسر: العالم، والجمع أحبار، مثلُ حِمْل وأحمال، والْحَبْر بالفتح لغة فيه، وجمعه حُبُورٌ، مثلُ فَلْس وفُلُوس، واقتصر ثعلب على الفتح، وبعضهم أنكر الكسر. انتهى (٢). وفي رواية: ((أن يهوديّاً جاء))، وفي رواية: ((جاء رجل من أهل الكتاب))، (إِلَى النَّبِيِّ وََّ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَوْ يَا أَبَا الْقَاسِم؛ إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُمْسِلُكُ) بضم أوله، من الإمساك، (السَّمَوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، وفي رواية شيبان: ((يَجعل)) بدل ((يمسك))، وفي رواية أبي معاوية عند الإسماعيليّ: ((أبَلَغك يا أبا القاسم أن الله يَحمل الخلائق))، (عَلَى إِصْبَع) بكسر الهمزة، وفتح الموحّدة، هذه هي اللغة الفصحى؛ إذ فيها عشر لغاتًّ: تثليث الهمزة، مع تثليث الموحّدة، والعاشرة أُصبُوع، بوزن عصفورٍ، زاد في رواية علقمة: ((والثَّرَى))، وفي رواية شيبان ((الماء، والثرى)). (وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعْ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعْ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ)؛ أيّ: ممن لم يتقدّم له ذِكر، (عَلَّى إِصْبَعِ) زاد ابن خزيمة عن محمد بن خلاد، عن يحيى بن سعيد القطان، عن الأعمش، فذكر الحديث، قال محمد: عَدَّها علينا يحيى بإصبعه، وكذا أخرجه أحمد بن حنبل في ((كتاب السُّنَّة)) عن يحيى بن سعيد، وقال: وجعل يحيى يشير بإصبعه يضع إصبعاً على إصبع، حتى أتى على آخرها. ورواه أبو بكر الخلال في ((كتاب السُّنَّة)) عن أبي بكر المروزيّ، عن أحمد، وقال: رأيت أبا عبد الله يشير بإصبع إصبع . (١) ((الفتح)) ٣٧٧/١٧، ((كتاب التوحيد)) رقم (٧٤١٤). (٢) ((المصباح المنير)) ١/ ١١٧. ٣١٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... ووقع في حديث ابن عباس عند الترمذيّ: ((مَرّ يهوديّ بالنبيّ وَّ، فقال: يا يهوديّ حدّثنا، فقال: كيف تقول يا أبا القاسم، إذا وضع الله السماوات على ذه، والأرضين على ذه، والماء على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه، وأشار أبو جعفر - يعني: أحد رواته - بخنصر أوّلاً، ثم تابع، حتى بلغ الإبهام»، قال الترمذيّ: حديث حسن، غریب، صحیح. ووقع في مرسل مسروق عند الهرويّ مرفوعاً نحو هذه الزيادة، ذكره في ((الفتح))(١). (ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ) بفتح أوله، من الهزّ؛ أي: يحرّكهنّ (فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَّا الْمَلِكُ) مكرّراً، (فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ وَ ل) وفي رواية: ((فرأيت النبيّ وَّل ضحك))، وفي رواية: ((ولقد رأيت))، (تَعَجُّباً) منصوب على التعليل؛ أي: إنما ضحك وَّة؛ لأجل تعجّبه (مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ) ((ما)) يَحْتمل أن تكون مصدريّة؛ أي: من قول الحبر، ويَحْتَمِل أن تكون موصولة، والعائد محذوف؛ لكونه فضلة؛ أي: من الذي قاله الحبر، وقول: (تَصْدِيقاً لَهُ) عَطْف على ما قبله؛ أي: ولأجل تصديق ذلك الحبر حيث أخبر بما هو حقّ. وفي الرواية التالية: ((فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) جمع ناجذ، بنون، وجيم مكسورة، ثم ذال معجمة، وهو ما يظهر عند الضحك من الأسنان، وقيل: هي الأنياب، وقيل: هي الأضراس، وقيل: الدواخل من الأضراس التي في أقصى الحلق، قاله في ((الفتح))(٢). وقال الفيّوميّ كَخْفُ: النَّاجِذُ: السنّ بين الضِّرْس والناب، و((ضَحِك حتى بدت نَواجِذُهُ)) قال ثعلب: المراد الأنياب، وقيل: النَّاجِذُ آخر الأضراس، وهو ضِرْسُ الْحُلُم؛ لأنه يَنْبُت بعد البلوغ، وكمال العقل، وقيل: الأضراس كلها نَوَاجِذُ، قال في ((البارع)): وتكون النَّوَاجِذُ للإنسان، والحافر، وهي من ذوات الخفّ: الأنياب. انتهى(٣). (ثُمَّ قَرَأَ) وََّ، وقوله: (﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ﴾) مفعول به لـ((قرأ)) محكيّ لِقَصْد لفظه. (١) ((الفتح)) ٣٧٨/١٧، ((كتاب التوحيد)) رقم (٧٤١٤). (٢) ((الفتح)) ٣٧٨/١٧. (٣) ((المصباح المنير)) ٥٩٣/٢. ٣١١ (٢) - بَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ - حديث رقم (٧٠٢٠) وقوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ﴾ قال المبرد؛ أي: ما عظّموه حقّ عظمته، من قولك: فلان عظيم القدر، وإنما وصفهم بهذا؛ لأنهم عبدوا غير الله، وأمروا رسوله وَلايقر بأن يكون مثلهم في الشرك. وقرأ الحسن، وأبو حيوة، وعيسى بن عمر: ((قدّروا)) بالتشديد. (﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ﴾) القبضة في اللغة: ما قبضت عليه بجميع كفّك، فأخبر ◌َلَ عن عظيم قدرته: بأن الأرض كلها مع عِظَمها، وكثافتها في مقدوره؛ كالشيء الذي يَقبض عليه القابض بكفه كما يقولون: هو في يد فلان، وفي قبضته للشيء الذي يهون عليه التصرّف فيه، وإن لم يقبض عليه، قاله الشوكانيّ تَظُّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((وإن لم يقبض عليه))، هذا من الشوكاني نَقْل لمذهب المؤوّلين، ولعله نقله غفلة، وإلا فالنص صريح في ثبوت القبض على حقيقته، وأنه ◌ُلَ يقبض قبضاً لا كقبض المخلوقين، بل على ما يليق بجلاله، فتنبّه، فإن هذا من مزالّ الأقدام، كما سننبّه عليه قريباً - إن شاء الله تعالى -. وقوله: (﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾) إنما خَصّ يوم القيامة بالذكر، وإن كانت قدرته شاملة؛ لأن الدعاوي تنقطع فيه، كما قال: ﴿اَلْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ لِلّهِ﴾ [الحج: ٥٦]، وقال: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدّيْنِ (١)﴾ [الفاتحة: ٤]، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: جملة: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ﴾ في محل نصب على الحال؛ أي: ما عظّموه حقّ تعظيمه، والحال أنه متصف بهذه الصفة الدالة على كمال القدرة. قرأ الجمهور برفع: ﴿قَبْضَتُّهُ﴾ على أنها خبر المبتدأ، وقرأ الحسن بنصبها، ووَجَّهَه ابن خالويه بأنه على الظرفية؛ أي: في قبضته. وقرأ الجمهور: ﴿مَطْوِيَّتُ﴾ بالرفع على أنها خبر المبتدأ، والجملة في محل نَصْب على الحال؛ كالتي قبلها، و﴿بِسَمِينِهِ،﴾ متعلق ب﴿مَطْوِيَّتٌ﴾، أو حال من الضمير في ﴿مَطْوِيَّتٌ﴾، أو خبر ثانٍ، وقرأ عيسى، والجحدري بنصب: ﴿مَطْوِنَّتٌ﴾، ووجه ذلك: أن ﴿السَّمَوَتِ﴾ معطوفة على ﴿الْأَرْضُ﴾، وتكون ﴿قَبْضَتُّهُ﴾ خبراً عن الأرض، والسموات، وتكون ﴿مَطْوِيَتٌ﴾ حالاً، أو تكون ﴿مَطْوِيَّتٌ﴾ منصوبة بفعل مقدّر، و﴿ بِيَمِينِهِ،﴾ الخبر. (١) ((فتح القدير)) للشوكانيّ تَظَّهُ ٣٠٢/٦. ٣١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... وقوله: (﴿وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِنَّاتٌ بَِمِينِهِ﴾) فيه أيضاً إثبات طيّ الله تعالى السماوات بيمينه طيّاً حقيقيّاً لائقاً بجلاله من﴿، وقوله: (﴿سُبْحَنَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾) تنزيه منه وَلَ لنفسه بنفسه، فقد تنزّه الله وَلَ عَمَّا يُشْرِكُونَ به من المعبودات التي يجعلونها شركاء له، مع هذه القدرة العظيمة، والحكمة الباهرة، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود نظرته هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٠٢٠/٢ و٧٠٢١ و٧٠٢٢ و٧٠٢٣] (٢٧٨٦)، و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٤٨١١) و((التوحيد)) (٧٥١٣ و٧٥١٤)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٢٣٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤١٣/٤ و٤٤٦/٦)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٦٤/١٠)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٩٣/٩ و٢٦٥)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٣١٤/٤ و١٨١/٥)، و(الطبريّ) في ((التفسير)) (٢٦/٢٤)، و(ابن خزيمة) في ((التوحيد)) (ص٧٧ و٧٨)، و(ابن حبّان) في ((صحیحہ)) (٧٣٢٥ و٧٣٢٦)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (٥٤١)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (٧٠٦)، و(الآ جريّ) في ((الشريعة)) (ص٣١٩)، و(البيهقيّ) في ((الأسماء والصفات)) (ص٣٣٤)، و(البغويّ) في ((التفسير)) (٨٧/٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في أقوال العلماء في تفسير هذا الحديث: (اعلم): أن هذا الحديث دليل واضح في إثبات الأصابع الله تَعَلَ، وأنه يقبض بها المخلوقات، كما وُصف في هذا الحديث، فنحن نؤمن بذلك، كما نؤمن بسائر صفات الله وجل؛ كالسمع، والبصر، واليد، والعين، والتعجّب، والضحك، والرضا، والغضب، والنزول، والاستواء، وغير ذلك مما جاء في نصوص الكتاب، والسُّنَّة الصحيحة، على ظواهرها حقيقةً، لا مجازاً، على ما يليق بجلاله ◌َإلّ، فلا نعطّل، ولا نشبّه، ولا نؤوّل، ولنَذْكر هنا ما قاله المؤوّلون، وما ردّ به المحقّقون عليهم، فأذكر أوّلاً ما ساقه الحافظ في ((الفتح))، ثم أذكر الردّ عليه، فأقول: ٣١٣ (٢) - بَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ - حديث رقم (٧٠٢٠) نقل في ((الفتح)): وقال ابن بطال: لا يُحمل ذكر الإصبع على الجارحة، بل يُحمل على أنه صفة من صفات الذات، لا تكيّف، ولا تُحدّد، وهذا يُنسب للأشعريّ. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الكلام من ابن بطال سليم مسلّم، فيا ليته اكتفى به، ولكنه سيأتي له تأويل مرفوض، وسيأتي الردّ عليه - إن شاء الله تعالى -. وعن ابن فُورك أنه قال: يجوز أن يكون الإصبع خلقاً يخلقه الله، فيُحَمِّله الله ما يحمل الإصبع، ويَحتمل أن يراد به القدرة، والسلطان؛ كقول القائل: ما فلان إلا بين إصبعي، إذا أراد الإخبار عن قدرته عليه، وأيد ابن التين الأول بأنه قال: على إصبع، ولم يقل: على إصبعيه. قال ابن بطال: وحاصل الخبر أنه ذكر المخلوقات، وأخبر عن قدرة الله على جميعها، فضحك النبيّ وَل﴿ تصديقاً له، وتعجباً من كونه يستعظم ذلك في قدرة الله تعالى، وأن ذلك ليس في جنب ما يقدر عليه بعظيم، ولذلك قرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ،﴾ الآية؛ أي: ليس قَدْره في القدرة على ما يخلق على الحد الذي ينتهي إليه الوهم، ويحيط به الحصر؛ لأنه تعالى يقدر على إمساك مخلوقاته على غير شيء، كما هي اليوم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١]، وقال: ﴿رَفَعَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢]. وقال الخطابيّ: لم يقع ذكر الإصبع في القرآن، ولا في حديث مقطوع به، وقد تقرر أن اليد ليست بجارحة، حتى يُتوهم من ثبوتها ثبوت الأصابع، بل هو توقيف أطلقه الشارع، فلا يكيَّف، ولا يشبّه، ولعل ذكر الأصابع من تخليط اليهوديّ، فإن اليهود مشبّهة، وفيما يدّعونه من التوراة ألفاظ تدخل في باب التشبيه، ولا تدخل في مذاهب المسلمين. وأما ضحكه وَ﴿ من قول الحبر، فَيَحْتَمِل الرضا، والإنكار، وأما قول الراوي: ((تصديقاً له))، فظنّ منه، وحسبان، وقد جاء الحديث من عدّة طرق ليس فيها هذه الزيادة، وعلى تقدير صحتها، فقد يُستدلّ بحمرة الوجه على الخجل، وبصفرته على الوجل، ويكون الأمر بخلاف ذلك، فقد تكون الحمرة ٣١٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... لأمر حدث في البدن؛ كثوران الدم، والصفرة لثوران خُلط من مرار وغيره، وعلى تقدير أن يكون ذلك محفوظاً فهو محمول على تأويل قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَتْ بِمِينِهِ ﴾؛ أي: قدرته على طيّها، وسهولة الأمر عليه في جمعها، بمنزلة مَن جمع شيئاً في كفّه، واستقل بحمله من غير أن يجمع كفه عليه، بل يُقِلّه ببعض أصابعه، وقد جرى في أمثالهم: فلان يُقِلّ كذا بإصبعه، ويعمله بخنصره. انتهى ملخصاً . قال: وقد تعقب بعضهم إنكار ورود الأصابع؛ لوروده في عدّة أحاديث؛ كالحديث الذي أخرجه مسلم: ((إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن))، قال الحافظ: ولا يَرِد عليه؛ لأنه إنما نفى القطع. قال الجامع: وهذا من الحافظ رضاً بتأويل الخطّابيّ، وسيأتي الردّ عليه. قال: وقال القرطبيّ في ((المفهم)): قوله: ((إن الله يمسك)) إلى آخر الحديث، هذا كله قول اليهوديّ، وهم يعتقدون التجسيم، وأن الله شخص ذو جوارح، كما يعتقده غلاة المشبهة من هذه الأمة، وضَحِك النبيّ ◌َّ إنما هو للتعجب من جهل اليهوديّ، ولهذا قرأ عند ذلك: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ﴾؛ أي: ما عرفوه حقّ معرفته، ولا عظّموه حق تعظيمه، فهذه الرواية هي الصحيحة المحقّقة، وأما من زاد: ((وتصديقاً له)) فليست بشيء، فإنها من قول الراوي، وهي باطلة؛ لأن النبيّ وَّ﴿ لا يصدّق المحال، وهذه الأوصاف في حقّ الله محال؛ إذ لو كان ذا يد، وأصابع، وجوارح كان كواحد منا، فكان يجب له من الافتقار والحدوث والنقص والعجز ما يجب لنا، ولو كان كذلك لاستحال أن يكون إلهاً؛ إذ لو جازت الإلهية لمن هذه صفته لصحّت للدجال، وهو محال، فالمفضي إليه كذب، فقول اليهوديّ كذب ومحال، ولذلك أنزل الله من جهله، في الردّ عليه: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهٍ﴾، وإنما تعجب النبيّ فظنّ الراوي أن ذلك التعجب تصديق، وليس كذلك. قال الجامع: يا قرطبيّ: إن ظنّ ابن مسعود الصحابيّ الجليل الذي هو أعلم بكتاب الله تعالى، وبسُنَّة رسوله وَّه منك، ومن أمثالك خير من ظنّك أنت، وأمثالك، وأفضل، وأحسن، وأولى بالاتباع، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٣١٥ (٢) - بَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ - حديث رقم (٧٠٢٠) قال: فإن قيل: قد صحّ حديث: ((إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن)). فالجواب: أنه إذا جاءنا مثل هذا في الكلام الصادق تأولناه، أو توقفنا فيه إلى أن يتبين وجهه مع القطع باستحالة ظاهره؛ لضرورة صدق من دلّت المعجزة على صدقه، وأما إذا جاء على لسان من يجوز عليه الكذب، بل على لسان من أخبر الصادق عن نوعه بالكذب، والتحريف، كذّبناه، وقبّحناه، ثم لو سلّمنا أن النبيّ وَّ﴿و صرّح بتصديقه، لم يكن ذلك تصديقاً له في المعنى، بل في اللفظ الذي نقله من كتابه عن نبيه، ونقطع بأن ظاهره غير مراد. انتهى كلام القرطبيّ ملخصاً. قال الحافظ: وهذا الذي نحا إليه أخيراً أَولى مما ابتدأ به؛ لِمَا فيه من الطعن على ثقات الرواة، وردّ الأخبار الثابتة، ولو كان الأمر على خلاف ما فهمه الراوي بالظنّ للزم منه تقرير النبيّ ◌َّ على الباطل، وسكوته عن الإنكار، وحاشا لله من ذلك. قال الجامع عفا الله عنه: ما أحسن تعقّب الحافظ على القرطبيّ بهذا، ولكنه ليس بالحدّ المطلوب، وأقوى منه وأبلغ ردّ ابن خزيمة تَّتُهُ كما نقله في ((الفتح))، فقال: وقد اشتدّ إنكار ابن خزيمة على من ادّعى أن الضحك المذكور كان على سبيل الإنكار، فقال بعد أن أورد هذا الحديث في ((كتاب التوحيد)) من ((صحيحه)) بطريقه: قد أجلّ الله تعالى نبيه وَ ل عن أن يوصف ربه بحضرته بما ليس هو من صفاته، فيجعل بدل الإنكار والغضب على الواصف ضحكاً، بل لا يصف النبيّ ول بهذا الوصف من يؤمن بنبوته. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: ومما ينفّد قولهم: إن ضحكه وَّ كان للإنكار، لا للتصديق، ما أخرجه الشيخان - ويأتي عند مسلم بعد بابين - عن أبي سعيد الخدريّ رَُّله، عن رسول الله وَ له قال: ((تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يتكفؤها الجبار بيده، كما يكفأ أحدكم خبزته في السّفّر نُزلاً لأهل الجنة))، فأتى رجل من اليهود، فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنُزُل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: ((بلى))، قال: تكون الأرض خبزة ٣١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... واحدة، كما قال النبيّ مَ، فنظر النبيّ ◌َّ إلينا، ثم ضحك حتى بدت نواجذه . فهذا نصّ صريح في أن ضكحه وسلو كان تصديقاً، لا إنكاراً؛ لأنه أخبرهم قبل مجيء اليهوديّ، وقبل إخباره، ثم لمّا أخبرهم بما أخبره وَّ به أعجبه ذلك، فضحك. والله تعالى أعلم. ثم أذكر ما كتبه بعض المحقّقين ممن له عناية بمذهب السلف، والردّ على من خالفه، وهو الشيخ البرّاك حفظه الله تعالى حيث كتب في هامش ((الفتح)) ما خلاصته: هذا الحديث يستدلّ به أهل السُّنَّة على إثبات الأصابع لله ربَّت، وأنها من صفة يديه؛ لأن هذا هو المفهوم من لفظ الإصبع في هذا لا السياق، وقد أقرّ النبيّ ◌َلّ اليهوديّ على قوله، كما فهم ابن مسعود نظالله بقوله: ((فضحك النبيّ وَله تعجّباً، وتصديقاً له))، ويؤيّد ذلك قراءة النبيّ وَّ لقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ﴾، وقول أهل السُّنَّة في الأصابع الله تعالى كقولهم في اليدين، والوجه، وغير ذلك من الصفات، وهو الإثبات مع نفي مماثلة المخلوقات، ونفي العلم بالكيفيّة على حدّ قول الأئمة في الاستواء: ((الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب)). إذا ثبت هذا فما نقله الحافظ عن ابن بطّال، وابن فُورك، وابن التين دائر بين التفويض، كما هو ظاهر قول ابن بطّال، والتأويل، كما هو ظاهر قول ابن فُورك، وابن التين. وأهل التفويض والتأويل لا يُثبتون المعاني الظاهرة من نصوص الصفات، بل ينفونها، ثم منهم من يوجب في تلك النصوص التفويض، ومنهم من يوجب التأويل المخالف لظاهر اللفظ بغير حجة توجب ذلك، وهذه حقيقة التحريف، كما هو ظاهر في تأويلات ابن فورك بالإصبع المذكور في هذا الحديث، فنعوذ بالله من الضلال. وكتب البرّاك أيضاً ما حاصله: من العجب إفراط الحافظ عفا الله عنا وعنه في نقل أقوال المتأولين من النفاة لحقائق كثيرة من الصفات مع ما فيها من التمحّلات، والتكلّفات في صرف الكلام عن وجهه بشبهة واهية، مثل ٣١٧ (٢) - بَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ - حديث رقم (٧٠٢٠) التشكيك في تفسير ابن مسعود نظره لضحك النبيّ وَله بقوله: ((تصديقاً له))، وتخطئة ابن مسعود نظره في خبره ذلك عن النبيّ وَّر، وهو المشاهد للقصّة، والأعلم بدلالة حال النبيّ وَّهِ، ومقاله، هذا ولو لم يَرِد هذا التفسير عن ابن مسعود نظُّه لكان ضحك النبيّ وَل﴾، وتلاوته للآية كافياً في تقرير ما قاله اليهوديّ من ذكر الأصابع، وجعل المخلوقات عليها، وأما الحمل في ذلك على اليهود، وأنها مشبّهة، فنَعَم اليهود مشبّهة فيما نسبوه إلى الله تعالى من النقائص؛ كالفقر، والإعياء، والبكاء، وأما ما وصفوا الله به مما دلّ عليه القرآن والسُّنَّة، فلا يجوز ردّه؛ لوروده على ألسنتهم، فلو لم يُقرّ النبيّ وَّل اليهوديّ على ما قال، لَمَا صحّ الاستدلال بقول اليهوديّ على إثبات الأصابع، بل كان الواجب التوقّف فيه كما هو الواجب في كلّ ما يحدّث به بنو إسرائيل فيما لم يَرِد به دليل على ثبوته، ولا نفيه. قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم ما يقطع هذا التشكيك، والترديد، وهو أنه وَل﴾ أخبر الناس أولاً، ثم جاء اليهوديّ بعده، فأخبره به، فضحك النبيّ ◌َّ، وذلك في حديث أبي سعيد الخدريّ ظُه، مرفوعاً: ((تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يكفؤها الجبار بيده ... إلى أن قال: فأتى رجل من اليهود، فقال: تكون الأرض خبزة واحدة إلى آخره، فأخبره الخبر، كما قال رسول الله وَله))، قال: فنظر إلينا رسول الله وَلخير، ثم ضحك حتى بدت نواجذه. فهذا نصّ صريح أنه وَ﴿ أخبر بالخبر قبل اليهوديّ، ثم جاء هو، فوافق خبره خبره، فأعجبه ذلك، فضحك ◌َلقد. قال البرّاك: وفي كلام الخطابيّ والقرطبي عفا الله عنهما تخبّط، حَمَلهما عليه أصلهما الفاسد الذي استقرّ في فهمهما، وفَهْم كثير ممن يفهم حقيقة مذهب السلف الصالح، وذلك الأصل الفاسد هو نفي حقائق هذه الصفات؛ كالوجه، واليدين، والأصابع، والعين، وكالمحبّة، والرضا، والغضب، والضحك، والفرح إلى غير ذلك بشبهة أن إثباتها يستلزم التشبيه، وهي عين الشبهة التي نفت بها الجهميّة، والمعتزلة أسماء الله تعالى، وصفاته، فما يردّ به الأشاعرة ونحوهم ممن يفرّق بين الصفات على الجهميّة والمعتزلة هو ما يردّ به أهل السُّنَّة عليهم فيما وافقوا فيه المعتزلة والجهميّة، فلا بدّ للأشاعرة ونحوهم ٣١٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... من الرجوع إلى المذهب الحقّ البريء من التناقض، وهو مذهب أهل السُّنَّة والجماعة، أو الخروج إلى مذهب المعطّلة من الجهميّة والمعتزلة، فلا مخلَص لهم من تناقضهم إلا بأحد الأمرين، فالواجب الاعتصام بكتاب الله تعالى، وسُنَّة رسوله وَ﴿ على فهم السلف الصالح الذين مذهبهم هو الأسلم، والأعلم، والأحكم؛ خلافاً لِمَا زعمه بعض الخلف، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . قال: وبعدُ فقد أحسن الحافظ ابن حجر: في تعقّبه على من خطّأ ابن مسعود ظُه في فَهْمه من ضحك النبيّ وَّ﴿ تصديق قول اليهوديّ، وأحسن كذلك في إيراد تعقّب ابن خزيمة لمن منع صفة الأصابع لله تعالى، ونصّ كلام ابن خزيمة كما ورد في ((كتاب التوحيد))(١) له: ((وقد أجلّ الله تعالى قَدْر نبيّه وَه عن أن يوصف الخالق بحضرته بما ليس من صفاته، فيسمعه، فيضحك عنده، ويجعل بدل وجوب النكير والغضب على المتكلّم به ضحكاً تبدو نواجذه تصديقاً، وتعجّباً لقائله، لا يصف النبيَّ ◌َّ بهذه الصفة مؤمن مصدّق برسالته)). قال: يريد ابن خزيمة تَخُّْ بذلك أنه يلزم مَن ينفي صفة الأصابع لله رك مع ثبوت ضحك النبيّ وَلّ تصديقاً لوصف اليهوديّ لله تعالى بذلك يلزم هذا النافي أن يصف النبيّ وَّه بالضحك، وإقرار الباطل بدلاً من إنكار ذلك، والغضب منه، فيصف النبيّ وَله بترك الواجب، وقد أجلّه الله تعالى عن ذلك. انتهى ما كتبه الشيخ البرّاك حفظه الله تعالى، وهو بحث نفيس، وتحقيقٌ أنيس. خلاصته: الرد على المؤولين لصفات القبض، وصفات الأصابع، بأحسن ردّ، وأوضحه، وأن الحقّ إثبات ذلك على مراد الله ومك، كما يليق بجلاله وعمال، إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَظُّْهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٢١] (.) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى (١) ((كتاب التوحيد)) ١٧٨/١. ٣١٩ (٢) - بَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ - حديث رقم (٧٠٢٢) رَسُولِ اللهِ وَّهِ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ فُضَيْلٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، وَقَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، تَعَجُّباً لِمَا قَالَ، تَصْدِيقاً لَهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ﴾، وَتَلَا الآيَةَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) الكوفيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضاً قريباً. و((منصور بن المعتمر)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية جرير عن منصور هذه ساقها النسائيّ ◌َخْلُهُ في ((الكبرى)) بسند المصنّف تَخْلُهُ لكن بذكر: ((ثم يهزّهنّ))، فقال: (١١٤٥٠) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن عَبِيدة، عن عبد الله، قال: جاء حبر من اليهود إلى رسول الله و ◌َل﴿، فقال: يا أبا القاسم، إذا كان يوم القيامة جعل الله السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، والشجر على إصبع، والخلائق كلهم على إصبع، ثم يهزّهنّ، يقول: أنا الملِك، فلقد رأيت رسول الله ﴿ ضحك حتى بدت نواجذه؛ تعجباً لِمَا قال، وتصديقاً له، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٢٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاتٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعْ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعِ، وَالشَّجَرَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَع، وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَّا الْمَلِكُ، قَالَ: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َِهُ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَّاجِذُهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ﴾). (١) (السنن الكبرى)) للنسائيّ ٤٤٦/٦. ٣٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... رجال هذا الإسناد: ستّةٌ : ١ - (عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ بْنِ غِيَاتٍ) - بكسر الغين المعجمة، وآخره مثلثة - ابن طَلْق - بفتح الطاء، وسكون اللام - الكوفيّ، ثقةٌ رُبّما وَهِم [١٠] (ت٢٢٢) (خ م د ت س) تقدم في ((الطهارة)) ٦٧٥/٣٢. ٢ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس النخعيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي، ووالد عمر هو: حفص بن غياث بن طلق النخعيّ القاضي الكوفيّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٢٣] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمْ قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِّيْرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعاً: وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعِ، وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثٍ جَرِيرٍ: وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَلَكِنْ فِي حَدِيثِ: وَالْجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ جَرِيرٍ: تَصْدِيقاً لَهُ، تَعَّجُّباً لِمَا قَالَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم) بوزن جعفر المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) أو بعدها، وقاربً المائة (م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٥/٤. ٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، أخو إسرائيل الكوفيّ، نزل الشام مرابطاً، ثقةٌ، مأمونٌ [٨] (ت١٨٧) وقيل: سنة (١٩١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. والباقون ذُكرِوا في الباب، وقبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ)؛ أي: كلّ هؤلاء الثلاثة: أبو معاوية،