Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
(١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠٨)
قال الحافظ: والذي يتحصل لي من الجواب عن هذا الاحتمال أن يكون
علقمة بن وقاص، كان حاضراً عند ابن عباس لمّا أجاب، فالحديث من رواية
علقمة، عن ابن عباس، وإنما قَصّ علقمة سبب تحديث ابن عباس بذلك فقط،
وكذا أقول في حميد بن عبد الرحمن، فكأن ابن أبي مليكة حمله عن كل
منهما، وحدّث به ابنَ جريج، عن كل منهما، فحدّث به ابنُ جريج تارةً عن
هذا، وتارةً عن هذا.
وقد روى ابن مردويه في حديث أبي سعيد ما يدلّ على سبب إرساله لابن
عباس، فأخرج من طريق الليث، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، قال:
كان أبو سعيد، وزيد بن ثابت، ورافع بن خَدِيج عند مروان، فقال: يا أبا
سعيد أرأيت قول الله، فذكر الآية، فقال: إن هذا ليس من ذاك، إنما ذاك أن
ناساً من المنافقين، فذكر نحو حديث الباب، وفيه: فإن كان لهم نصرٌ وفتحُ
حلفوا لهم على سرورهم بذلك؛ ليَحمدوهم على فرحهم وسرورهم، فكأن
مروان توقف في ذلك، فقال أبو سعيد: هذا يُعلم بهذا، فقال: أكذلك يا زيد؟
قال: نعم، صدق.
ومن طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن رافع بن خَديج، أن مروان
سأله عن ذلك، فأجابه بنحو ما قال أبو سعيد، فكأن مروان أراد زيادة
الاستظهار، فأرسل بوابه رافعاً إلى ابن عباس، يسأله عن ذلك، والله أعلم.
(إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿مَا متعلّق بـ((اذهب))، (فَقُلْ) له: (لَئِنْ) اللام هي
الموّئة للقَسَم، و((إن)) شرطيّة؛ أي: والله لئن (كَانَ كُلَّ امْرِئٍ مِنَّا)؛ أي:
المسلمين، (فَرِحَ بِمَا أَتَى) بالقصر؛ أي: بما فَعَل، ولفظ ((أتَى))، و((جاء))
يجيئان بمعنى فعل، قال الله رَت: ﴿إِنَّهُ، كَانَ وَعْدُهُ مَأْنِيًّا﴾ [مريم: ٦١]، ﴿لَقَدْ جِثْتِ
شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧](١).
ويَحْتَمِل أن يكون ((آتى)) بالمدّ، بمعنى أعطى، ولفظ البخاريّ: ((بما
أُوتي)) بالبناء للمفعول، (وَأَحَبَّ) عطف على ((فَرِحَ))، (أَنْ يُحْمَدَ) بالبناء
للمفعول؛ أي: أن يحمده الناس، ويُثنوا عليه (بِمَا لَمْ يَفْعَلْ) من أنواع
(١) ((عمدة القاري)) ١٨/ ١٥٧.

٢٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
الخيرات، (مُعَذَّباً) منصوب على أنه خبر (كان))، وقوله: (لَنُعَذَّبَنَّ) بضمّ النون،
وتشديد الذال المعجمة، مبنيّ للمفعول، جواب القسم المقدّر، كما أسلفته،
وقوله: (أَجْمَعُونَ) بالرفع توكيد لنائب فاعل ((نعذّبنّ))، ووقع في رواية بلفظ:
((أجمعين)).
(فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ◌ِِّ: (مَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ الآيَةِ؟) ((ما)) استفهاميّة،
والاستفهام هنا للإنكار؛ أي: أيُّ شيء ثبت لكم، ولهذه الآية؛ يعني: أنها
ليست لكم، وإنما هي لأهل الكتاب، كما بيّنه بقوله: ((إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ
فِي أَهْلِ الْكِتَابِ) قال في ((العمدة)): هذا إنكار من ابن عباس ظًّا على السؤال
بهذه المسألة على الوجه المذكور، وأن أصل هذا أن النبيّ وَلاو دعا يهود إلى
آخره.
وحاصل شبهة مروان أن كلّاً منّا يفرح بما يعمل من الخير، وربّما يُحبّ
أن يُحمد بما لم يعمل، وإن الله ◌ُعَلَ قد ذمّ هذا الصنيع، وأخبر أنه موجب
للعقاب، ونتيجة ذلك أن يكون كلّ منّا معذّباً.
وحاصل جواب ابن عبّاس ظها أن هذه الآية نزلت في اليهود الذين كانوا
يكتمون أشياء من النبيّ وَّ، ويفرحون بكتمانهم، ويُظهرون له خلاف الواقع،
ويحبّون أن يحمدهم رسول الله وَليم والمسلمون على ما أظهروه من خلاف
الواقع، فالموجب للعقاب هو فرحهم بكتمان الحقيقة، وحبّهم للحمد على
كذبهم، أما فرح المسلمين بما فعلوه من الحسنة، فهو عاجل بشرى المؤمن، كما
جاء في الحديث(١)، إذا لم يكن على وجه العُجْب والكِبْر(٢)، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ ثَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ) ﴿ّ قوله تعالى: (﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْكِتَبَ لَتُبِيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُوْنَهُ﴾)، وقوله: (هَذِهِ الآيَةَ)؛ أي: قرأ ابن
عبّاس ﴿هَا هذه الآية بتمامها، وتمامها قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ
وَأَشْتَرَوْا بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًاٌ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
(١) أخرج مسلم في ((صحيحه)) عن أبي ذر ظُلُه قال: قيل لرسول الله وَله: أرأيت الرجل
يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ قال: ((تلك عاجل بشرى المؤمن)).
(٢) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٦/ ١٠٠.

٢٦٣
(١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠٨)
قال ابن جرير تَخْلُهُ: يعني بذلك تعالى ذكره: واذكر أيضاً من أمر هؤلاء
اليهود وغيرهم من أهل الكتاب منهم، يا محمد، إذ أخذ الله ميثاقهم، ليبيننّ
للناس أمرك الذي أخذ ميثاقهم على بيانه للناس في كتابهم الذي في أيديهم،
وهو التوراة، والإنجيل، وأنك لله رسول مرسل بالحق، ولا يكتمونه، ﴿فَنَبَذُوهُ
وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾، يقول: فتركوا أمر الله، وضيّعوه، ونقضوا ميثاقه الذي أخذ
عليهم بذلك، فكتموا أمرك، وكذبوا بك، ﴿وَأَشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، يقول:
وابتاعوا بكتمانهم ما أخذ عليهم الميثاق أن لا يكتموه من أمر نبوّتك، عوضاً
منه خسيساً قليلاً من عَرَض الدنيا، ثم ذمّ جل ثناؤه شراءهم ما اشتروا به من
ذلك، فقال: ﴿فَتْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾. انتهى(١).
وقال في ((فتح القدير)): قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾
هذه الآية توبيخ لأهل الكتاب، وهم: اليهود، والنصارى، أو اليهود فقط على
الخلاف في ذلك، والظاهر أن المراد بأهل الكتاب: كل من آتاه الله علم شيء
من الكتاب؛ أيُّ كتاب كان، كما يفيده التعريف الجنسي في الكتاب، قال
الحسن، وقتادة: إن الآية عامّة لكل عالم، وكذا قال محمد بن كعب، ويدل
على ذلك قول أبي هريرة ظه: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم
بشيء، ثم تلا هذه الآية، والضمير في قوله: ﴿لَتُبِّئُنَّهُ﴾ راجع إلى الكتاب،
وقيل: راجع إلى النبيّ ◌َّر، وإن لم يتقدّم له ذكر؛ لأن الله أخذ على اليهود
والنصارى أن يبيّنوا نبوّته للناس، ولا يكتموها، ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾. وقرأ
أبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر، وأهل المدينة: ((ليبيننه)) بالياء التحتية،
وقرأ الباقون بالمثناة الفوقية. وقرأ ابن عباس: ((وإذ أخذ الله ميثاق النبيين
لتبيننه))، ويشكل على هذه القراءة قوله: ﴿فَنَبَذُوهُ﴾ فلا بد من أن يكون فاعله
الناس. وفي قراءة ابن مسعود: ((لتبينونه))، والنبذ: الطرح، وقد تقدّم في
((البقرة)): ﴿وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ مبالغة في النبذ، والطرح، وقد تقدّم أيضاً معنى
قوله: ﴿وَأَشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ والضمير عائد إلى الكتاب الذي أُمروا ببيانه،
ونُهوا عن كتمانه، وقوله: ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ أي: حقيراً يسيراً من حُطام الدنيا،
(١) ((تفسير الطبريّ)) ٤٥٨/٧.

٢٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
وأعراضها، قوله: ﴿فَتْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ ((ما)) نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس،
ويشترون صفة، والمخصوص بالذم محذوف؛ أي: بئس شيئاً يشترونه بذلك
الثمن. انتهى(١) .
(وَثَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ) ◌َّ أيضاً آية أخرى، وهي قوله تعالى: (﴿لَا تَحْسَبَنَّ
الَّذِينَ يَفْرَجُونَ بِمَا أَنَواْ وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾) تقدّم شرح هذه الآية في
الحديث الماضي.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رِّ: (سَأَلَهُمُ النَّبِيُّ وَلِ عَنْ شَيْءٍ) قال الكرمانيّ: قيل:
هذا الشيء هو نَعْتِ رَسول الله وَلِّ، (فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ)؛ أي: كتم يهود الشيء الذي
سألهم النبيّ وَّ عنه، (وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ)؛ أي: بغير ذلك الشيء المسؤول،
(فَخَرَجُوا) من عنده وََِّّ، والحال أنهم (قَدْ أَرَوْهُ) وَ (أَنْ) مخفّفة من الثقيلة،
واسمها ضمير محذوف، وقد فُصل بينها وبين خبرها الجملة الفعليّة بـ((قد))،
كما قال في ((الخلاصة)):
وَالْخَبَرَ اجْعَلْ مِنْ بَعْدِ ((أنّ)
وَإِنْ تُخَفَّفْ ((أَنَّ) فَاسْمُهَا اسْتَكَنَّ
وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مُمْتَنِعًا
وَإِنْ يَكُنْ فِعْلاً وَلَمْ يَكُنْ دُعَا
تَنْفِيسِ أوْ (لَوْ)) وَقَلِيلٌ ذِكْرُ (لَوْ))
فَالأَحْسَنُ الْفَصْلُ بِ ((قَدْ)) أَوْ نَفِي أوْ
أي: أنهم (قَدْ أَخْبَرُوهُ بِمَاَ سَأَلَهُمْ عَنْهُ)؛ أي: بحقيقة الأمر الذي سألهم
عنه، وهم كاذبون في ذلك، (وَاسْتَحْمَدُوا)؛ أي: طلبوا الحمد والثناء لهم
(بِذَلِكَ) الخبر الكذب (إِلَيْهِ) وَ﴿، متعلّق بـ(استحمدوا))، (وَفَرِحُوا بِمَا أَتَوْا)
بالقصر؛ أي: بالذي فعلوه، وقوله: (مِنْ كِتْمَانِهِمْ إِيَّاهُ) وَ ل بيان لـ((ما))، وقوله:
(مَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ) ((ما)) موصول مفعول ثان لـ(كتمان))؛ لأنه مصدر فعل يتعدّى إلى
اثنين، يقال: كَتَمْتُ زيداً الحديثَ كَثْماً، من باب قَتَل، وكِثْماناً، بالكسر،
يتعدى إلى مفعولين، ويجوز زيادة ((مِنْ)) في المفعول الأول، فيقال: كتمت من
زيد الحديثَ، مثل بعته الدارَ، وبعت منه الدارَ، ومنه عند بعضهم: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ
مُؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَنَهُ﴾ [غافر: ٢٨] وهو على التقديم والتأخير،
والأصل يكتم من آل فرعون إيمانه، قاله الفيّوميّ ◌َّثُ. انتهى (٢).
(١) ((فتح القدير)) ٦٣/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٢٥/٢.

٢٦٥
(١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠٨)
فـ((كِتمانهم)) مصدر مضاف إلى فاعله، ونصب مفعوليه، وهما قوله:
((إياه))، و((ما)) من قوله: ((ما سألهم))، وإلى هذا أشار في ((الخلاصة)) بقوله:
وَبَعْدَ جَرِّهِ الَّذِي أُضِيفَ لَهْ كَمِّلْ بِنَصْبٍ أَوْ بِرَفْعٍ عَمَلَةْ
والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌ِ﴿ًّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٠٠٨/١] (٢٧٧٨)، و(البخاريّ) في ((التفسير))
(٤٥٦٨)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٠١٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٦/
٣١٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩٨/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٠/
٣٠٠)، و(البيهقيّ) في ((شُعب الإيمان)) (٣٧٨/٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة.
٢ - (ومنها): بيان فضل ابن عبّاس طيّ حيث كان مرجعاً للأمة في فهم
كتاب الله روما، وبيان أسباب نزوله؛ بسبب بركة دعاء النبيّ ◌َّ له بذلك، فقد
أخرج الشيخان عن ابن عباس ﴿يا، أن النبيّ وَ* دخل الخلاء، فوضعت له
وَضوءاً، قال: ((من وضع هذا؟))، فأخبر، فقال: ((اللهم فقّهه في الدين)).
وأخرج ابن حبّان في ((صحيحه)) عن طريق سعيد بن جبير، عن ابن
عباس، قال: كنت في بيت ميمونة بنت الحارث، فوضعت لرسول الله وَلهم
طهوراً، فقال: ((من وضع هذا؟)) قالت ميمونة: عبد الله، فقال ◌َّ: ((اللَّهُمَّ
فقّهه في الدين، وعلّمه التأويل)).
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من البحث في كتاب الله، وسؤال
أهل العلم عنه، والمناقشة فيما بينهم حتى يتّضح الحقّ، لا لمجرّد الاختلاف،
ونصرة الرأي، وإنما هو للوصول إلى الحقّ حتى يتّبعوه، وهكذا ينبغي لطلّاب
العلم أن يسلكوا مسلكهم في ذلك، والله تعالى وليّ التوفيق.

٢٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َدَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٠٠٩] (٢٧٧٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَمَّارٍ :
أَرَأَيْتُمْ صَنِيعَكُمْ هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ فِي أَمْرٍ عَلِيٍّ، أَرَأْياً رَأَيْتُمُوهُ، أَوْ شَيْئاً عَهِدَهُ
إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللهِ وََّ، فَقَالَ: مَا عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ شَيْئاً لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى
النَّاسِ كَافَّةً، وَلَكِنْ حُذَيْقَةُ أَخْبَرَنِي عَنِ النَّبِيِّنَِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((فِي أَصْحَابِي
اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقاً، فِيهِمْ ثَمَانِيَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ
الْخِيَاطِ، ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلَةُ، وَأَرْبَعَةٌ)) لَمْ أَحْفَظْ مَا قَالَ شُعْبَةُ فِيهِمْ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ) الشاميّ، نزيل بغداد، يكنى أبا عبد الرحمن،
ويُلَقّب شاذان، ثقةٌ [٩] مات في أول سنة ثمان ومائتين (ع) تقدم في ((المساجد
ومواضع الصلاة)) ١٥٥٢/٥٦.
٢ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السَّدُوسيّ البصريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعة - بضم القاف، وفتح
المهملة - العبديّ الْعَوَقيّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣] (ت٨ أو ١٠٩)
(خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٧/٦.
٤ - (قَيْسُ) بن عُبَاد - بضمّ العين المهملة، وتخفيف الموحّدة - الضبعيّ،
أبو عبد الله البصريّ، مخضرم، ثقة [٢] مات بعد الثمانين، ووهم مَن عدّه في
الصحابة (خ م د س ق) تقدم في ((فضائل الصحابة)) ٦٣٦١/٣٣.
٥ - (عَمَّارُ) بن ياسر بن عامر بن مالك الْعَنْسيّ - بنون ساكنة، ومهملة -
أبو الْيَقْظَان، مولى بني مخزوم الصحابيّ الجليل المشهور، من السابقين
الأولين، بَدريّ، قُتل مع عليّ ﴿ّ بصِفِين سنة سبع وثلاثين (ع) تقدم في
((الحيض)) ٢٧/ ٨٢٤.
٦ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان، واسم اليمان حُسَيل - بمهملتين، مصغّراً -
ويقال: حِسْل - بكسر، ثم سكون - الْعَبسيّ - بالموحّدة - حليف الأنصار،
الصحابي الجليل، من السابقين، صحّ في مسلم عنه أن رسول الله وَالو أعلمه

٢٦٧
(١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠٩)
بما كان، وما يكون إلى أن تقوم الساعة، وأبوه صحابيّ أيضاً، استُشهِد بأُحُد،
ومات حذيفة في أول خلافة عليّ ه سنة ست وثلاثين (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة) جـ٢ ص٤٥٧.
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من ثُمانيّات المصنّف رَّتُهُ، وفيه
ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ،
وكلاهما من السابقين إلى الإسلام، وفضلاء الصحابة
.
شرح الحديث:
(عَنْ قَيْس) بن عُبَاد بفتح العين المهملة، وتخفيف الموحّدة، كما قال في
((ألفيّة الأثر)):
وَاضْمُمْ أَبَا قَيْسِ عُبَاداً تُرْشَدِ
وَافْتَحْ عَبَادَةً أَبَا مُحَمَّدٍ
أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَمَّار) بن ياسر ◌ِّ: (أَرَأَيْتُمْ)؛ أي: أخبروني (صَنِيعَكُمْ
هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ فِي أَمْرٍ عَلِيٍّ) رَظُه من مناصرته، والقتال معه في صفّين
وغيره، (أَرَأْياً)؛ أي: اجتهاداً منكم، وهو منصوب على أنه مفعول مطلق
لـ(رَأَيْتُمُوهُ)؛ أي: اجتهد تموه، زاد في الرواية التالية: ((فَإِنَّ الرَّأْيَ يُخْطِئُ
وَيُصِيبُ))، وقوله: (أَوْ شَيْئًاً) منصوب على الاشتغال؛ أي: عهد إليكم ◌َّ
شيئاً، (عَهِدَهُ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللهِ وَّة)؛ أي: أوصاكم، وأمركم به أن تفعلوه معه،
يقال: عهِد إليه يَعْهَد، من باب تَعِبَ: أوصاه. (فَقَالَ) عمّار ◌َظُبه: (مَا) نافية،
(عَهِدَ إِلَيْنَا) معاشر المقاتلين معه، (رَسُولُ اللهِ نَّهِ شَيْئاً لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ)؛
أي: لم يوص به، (كَافَّةً)؛ أي: جميعاً، قال الفيّوميّ تَخْتُهُ: وجاء الناس
كَافَّةً، قيل: منصوب على الحال، نصباً لازماً، لا يُستعمل إلا كذلك، وعليه
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَافَّةٌ لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]؛ أي: إلا للناس
جميعاً، وقال الفراء في ((كتاب معاني القرآن)): نُصبت؛ لأنها في مذهب
المصدر، ولذلك لم تُدخل العرب فيها الألف واللام؛ لأنها آخر الكلام، مع
معنى المصدر، وهي في مذهب قولك: قاموا معاً، وقاموا جميعاً، فلا يُدخلون
الألف واللام على معاً، وجميعاً، إذا كانت بمعناها أيضاً، وقال الأزهريّ
أيضاً: كافّةً منصوب على الحال، وهو مصدر على فاعلة؛ كالعافية، والعاقبة،

٢٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
ولا يُجمع، كما لو قلت: قاتلوا المشركين عامّةً، أو خاصّةً، لا يُثَنَّى ذلك،
ولا يُجمع. انتھی(١).
(وَلَكِنْ حُذَيْفَةُ) بن اليمان ◌َِّا (أَخْبَرَنِي عَنِ النَّبِيِّ نَِّ) وقوله: (قَالَ: قَالَ
النَّبِيُّ ◌َّهُ﴾ تفسير لمعنى ((أخبرني))، ((فِي أَصْحَابِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقاً)؛ يعني: من
جملة من يُنسب إلى صحبتي في الظاهر، وإلا فالمنافق لا يُسمّى صحابيّاً، وفي
الرواية التالية: ((إن في أمتي اثنا عشر منافقاً))، وإنما خصّ اثني عشر في هذا
الحديث مع أن المنافقين كانوا أكثر من ذلك لسبب يتعلّق بقصّة مخصوصة،
أخرجها الطبرانيّ في ((الأوسط))، عن حذيفة بن اليمان قال: إني لآخذ بزمام
ناقة رسول الله وقدر أقوده، وعمار يسوق به، أو عمار يقوده، وأنا أسوق به، إذ
استقبلنا اثنا عشر رجلاً متلثمين، قال: ((هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة))،
قلنا: يا رسول الله ألا تبعث إلى كل رجل منهم، فتقتله؟، فقال: ((أكره أن
يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، وعسى الله أن يَكفيهم بالدبيلة)). قلنا:
وما الدبيلة؟ قال: ((شهاب من نار، يوضع على نياط قلب أحدهم، فيقتله)).
انتهى(٢)، وفي سنده عبد الله بن سَلِمة، وثقه جماعة، وقال البخاريّ: لا يتابع
على حديثه، قاله الهيثميّ تَخْذَّتُهُ(٣).
وأخرج الطبرانيّ أيضاً في ((الكبير))، عن صِلَة بن زُفَر، قال: قلنا لحذيفة:
كيف عرفت أمر المنافقين، ولم يعرفه أحد من أصحاب رسول الله وَلخلقه، ولا
أبو بكر، ولا عمر ها؟ قال: إني كنت أسير خلف رسول الله وَّة، فنام على
راحلته، فسمعت ناساً منهم يقولون: لو طرحناه عن راحلته، فاندقت عنقه،
فاسترحنا منه، فسِرت بينهم وبينه، وجعلت أقرأ، وأرفع صوتي، فانتبه
رسول الله وَّة، فقال: ((من هذا؟)) فقلت: حذيفة، قال: ((من هؤلاء؟)) قلت:
فلان وفلان، حتى عددتهم، قال: ((وسمعت ما قالوا؟)) قلت: نعم، ولذلك
سِرت بينك وبينهم، قال: ((فإن هؤلاء فلاناً وفلاناً حتى عدّ أسماءهم منافقون،
لا تخبرنّ أحداً))، وفي إسناده مجالد بن سعيد، وقد اختلط، وضعّفه جماعة،
قاله الهيثميّ ◌َظُّهُ(٤) .
(١) ((المصباح المنير)) ٥٣٦/٢.
(٣) ((مجمع الزوائد)) ١٠٩/١.
(٢) ((المعجم الأوسط)) ١٠٢/٨.
(٤) ((مجمع الزوائد)) ١٠٩/١.

٢٦٩
(١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠٩)
(فِيهِمْ)؛ أي: في جملة الاثني عشر منافقاً، (ثَمَانِيَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ،
حَتَّى يَلِجَ)؛ أي: يدخل (الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ)؛ أي: في ثُقب الإبرة، وهو
تعليق بالمحال، والمراد أنهم لا يدخلون الجنّة أبداً، و((الخياط)) بكسر الخاء
المعجمة: ما يُخاط به؛ كالْمِخيط، وزانُ لِحَاف، ومِلْحف، وإزار، ومِئزر(١).
و ((السمّ)) مثلّث السين: تُقْب الإبرة، جمعه سِمَام(٢).
(ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيكَهُمُ) يا حذيفة، أو يا أيها المخاطب، (الدُّبَيْلَةُ)) بضمّ
الدال المهملة: تصغير دَبْلة بفتح الدال، بمعنى الطاعون، والداهية، وداء في
الجوف، كما في ((القاموس))، وقال ابن الأثير: الدُّبيلة: هي خُراج ودُمَّل كبير
تظهر في الجوف، فتقتل صاحبها غالباً، وهي تصغير دَبْلة، وكل شيء جُمِع فقد
(٣)
دُبِلَ. انتهى(٣).
والمعنى: أن ثمانية من هؤلاء المنافقين يموتون بمرض الدُّبيلة، فكأن
الدُّبيلة تكفي المسلمين عن شرّهم.
وحاصل جواب عمّار ◌ُه أن النبيّ ◌َلو أخبر بأن بعض المنافقين يبقون
بعده ◌َ*، فيُثيرون الفتن فيما بين أصحاب النبيّ وَّه، فكأن عمّاراً وَ لله أشار
إلى أن من قام حرباً على عليّ ظُه إنما فعل ذلك بتدسيس من هؤلاء
المنافقين، وكان عليّ ظُه على الحقّ، فوجب علينا نصره، ومؤازرته، والله
تعالى أعلم(٤).
وقال النوويّ كَّلُهُ: أما قوله وَليقول: ((في أصحابي))، فمعناه: الذين يُنسبون
إلى صحبتي، كما قال في الرواية الثانية: ((في أمتي))، و((سمّ الخياط)) بفتح
السين، وضمّها، وكسرها، والفتح أشهر، وبه قرأ القراء السبعة، وهو ثُقب
الابرة، ومعناه: لا يدخلون الجنة أبداً، كما لا يدخل الجمل في ثقب الإبرة
أبداً، وأما ((الدُّبيلة)) فبدال مهملة، ثم الجيم، ورُوي: ((تكفيهم الدبيلة)) بحذف
الكاف الثانية، ورُوي: ((تَكْفِتُهُم)) بتاء مثناة فوقُ بعد الفاء، من الْكَفْت، وهو
(١) ((المصباح المنير)) ١٨٦/١.
(٣) (النهاية في غريب الأثر)) ٩٩/٢.
(٤) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ١٠١/٦ - ١٠٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٨٩/١.

٢٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
الجمع، والستر؛ أي: تجمعهم في قبورهم، وتسترهم. انتهى (١).
وقوله: (وَأَرْبَعَةٌ)؛ أي: من الاثني عشر (لَمْ أَحْفَظْ مَا قَالَ شُعْبَةُ فِيهِمْ)
هذا كلام الأسود بن عامر، يقول: أما الثمانية فقد حفظت من شعبة ما يُعاقبون
به، وهي الدُّبيلة، وأما الأربعة فلم أحفظ ما ذكره من نوع عقوبتهم، والله تعالى
أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حُذيفة رَُّّه هذا من أفراد المصنّف ◌َخْتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٠٠٩/١ و٧٠١٠ و٧٠١١] (٢٧٧٩)، و(أحمد)
في («مسنده)) (٣١٩/٤)، و(ابن أبي عاصم) في ((الآحاد والمثاني)) (٤٦٥/٢)،
و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٠٢/٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٩٠/٣)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما كان الله تعالى يُطلع نبيّه وَلَ على أعيان المنافقين،
فقد أعلمه الله رَجَ أعيان اثني عشر منهم، وأعلمه ما يكون إليه عاقبة أمرهم.
٢ - (ومنها): بيان فضل الصحابيّ الجليل حُذيفة بن اليمان ﴿ّ، حيث
كان ◌َُّ خصّه بمعرفة أعيان بعض المنافقين، وأمره أن يخبر بهم أحداً، فكان
لا يُخبر بهم، حتى إن عمر ظُّه كان إذا مات شخص تبع حذيفة، فإن صلى
عليه صلى عليه، وإلا تركه، وكان رظُه صاحب سرّ رسول الله وَّ، ففي
(صحيح مسلم)) أنه ◌َّ ر أعلمه بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة.
وأخرج ابن جرير عن قتادة موقوفاً عليه، في قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُم
﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ
[التوبة ١٠١] عذاب الدنيا، وعذاب القبر،
"َتن﴾
عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١] ذُكر لنا أن نبيّ الله وَلّ أسرّ إلى حذيفة باثني عشر رجلاً من
المنافقين، فقال: ستة منهم تكفيكهم الدُّبيلة سراج من نار جهنم، يأخذ في
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢٥/١٧.

٢٧١
(١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠٩)
كتف أحدهم، حتى يفضي إلى صدره، وستة يموتون موتاً، ذُكر لنا أن عمر بن
الخطاب نظُه كان إذا مات رجل يُرَى أنه منهم نظر إلى حذيفة، فإن صلى عليه
صلى عليه، وإلا تركه، وذُكر لنا أن عمر قال لحذيفة: أنشدك الله أَمِنهم أنا؟
قال: لا، والله، ولا أُؤَمِّن منها أحداً بعدك.
وأخرج عن ابن عبّاس ◌ِّ في قول الله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ
مُتَفِقُونٌ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ﴾ - إلى قوله - ﴿عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:
١٠١] قال: قام رسول الله وَل﴿ل خطيباً يوم الجمعة، فقال: اخرج يا فلان، فإنك
منافق، اخرج يا فلان، فإنك منافق، فأخرج من المسجد ناساً منهم فضحهم،
فلقيهم عمر، وهم يخرجون من المسجد، فاختبأ منهم حياءً أنه لم يشهد
الجمعة، وظن أن الناس قد انصرفوا، واختبأوا هم من عمر، ظنوا أنه قد عَلِم
بأمرهم، فجاء عمر، فدخل المسجد، فإذا الناس لم يصلّوا، فقال له رجل من
المسلمين: أبْشر يا عمر، فقد فضح الله المنافقين اليوم، فهذا العذاب الأول
حين أخرجهم من المسجد، والعذاب الثاني عذاب القبر. انتهى (١).
٣ - (ومنها): أن فيه بيان أن الحروب التي جرت بين الصحابة
ـية كانت
من الأمور الاجتهاديّة، فكان بعضهم فيها مصيباً، وبعضهم مجتهداً مخطئاً،
مغفوراً له خطؤه، وكان عليّ رَّه هو الإمام الحقّ.
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف في تتبّع الأمور، وسؤال الصحابة
عن حقيقتها، حتى يتوصّلوا إلى الحقيقة، فيُعطوا كلّ ذي حقّ حقّه، ويعذروا،
ويستغفروا لمن أخطأ في اجتهاده، وهكذا ينبغي للمسلمين أن يسلكوا مسلكهم،
ولا يقعوا في بعض الصحابة رحمه بأهوائهم، فيجرحوهم، فيقعوا في خطر عظيم،
فقد أخرج البخاريّ عن أبي سعيد الخدريّ ◌َظُه قال: قال النبيّ ◌َّ: ((لا تسبّوا
أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهباً، ما بلغ مدّ أحدهم، ولا نصيفه)).
وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضيالله قال: قال رسول الله وَله: ((لا تسبّوا
أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أُحد
ذهباً، ما أدرك مدّ أحدهم، ولا نصيفه)).
(١) (تفسير الطبري)) ١٠/١١.

٢٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
وأخرج الترمذيّ عن عبد الله بن مغفل نظرائه قال: قال رسول الله وَليقول :
((اللهَ اللهَ في أصحابي، اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تتخذوهم غَرَضاً بعدي، فمن
أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني،
ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه))(١).
اللَّهُمَّ ارزقنا التأدّب مع أصحاب رسولك وَّ، واحفظنا من عثرات
اللسان، ومن سوء اعتقاد الجنان في أولياء الرحمن، آمين.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٠١٠] (.) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ
لِبْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي
نَضْرَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: قُلْنَا لِعَمَّارٍ: أَرَأَيْتَ قِتَالَكُمْ أَرَأْياً رَأَيْتُمُوهُ، فَإِنَّ
الرَّأْيَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، أَوْ عَهْدَاً عَهِدَهُ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللهِ نَّهَ؟ فَقَالَ: مَا عَهِدَ إِلَيْنَا
رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ شَيْئاً لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ:
(إِنَّ فِي أُمَّتِي))، قَالَ شُعْبَةُ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: حَدَّثَنِي حُذَيْفَةُ، وَقَالَ غُنْدَرٌ: أُرَاهُ قَالَ:
(فِي أُمَّتِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقاً، لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدُونَ رِيحَهَا، حَتَّى بَلِجَ
الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلَةُ، سِرَاجٌ مِنَ النَّارِ (٢)، يَظْهَرُ
فِي أَكْتَافِهِمْ، حَتَّى يَنْجُمَ مِنْ صُدُورِهِمْ))).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف بُندار، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (قَالَ شُعْبَةُ: وَأَحْسِبُهُ)؛ أي: أظن قتادة، (قَالَ) عمّار: (حَدَّثَنِي
حُذَيْفَةُ) څله.
وقوله: (وَقَالَ غُنْدَرٌ) محمد بن جعفر: (أُرَاهُ)؛ أي: أظنّ شعبة (قَالَ) في
روايته لهذا الحديث ((فِي أُمَّتِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقاً) بدل قوله في الرواية السابقة:
((في أصحابي اثنا عشر منافقاً))، وهؤلاء المنافقون هم الذين قصدوا الفتك
(١) رواه الترمذيّ، وفي سنده مجهول.
(٢) وفي نسخة: ((من نار)).

٢٧٣
(١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠١٠)
بالنبيّ وَّ ليلة العقبة مرجعه من تبوك، حين أخذ النبيّ وَّ مع عمّار وحذيفة
طريق الثنيّة، والقوم بطن الوادي، فطمٍع اثنا عشر رجلاً في المكر به وَل،
فاتّبعوه ساترين وجوههم، غير أعينهم، فلما سمع النبيّ ◌َّ خشفة القوم من
ورائه أمر حذيفة أن يردّهم، فخوّفهم الله تعالى حين أبصروا حذيفة، فرجعوا
مسرعين على أعقابهم حتى خالطوا الناس، فأدرك حذيفة النبيّ وَّر، فقال
لحذيفة: ((هل عرفت أحداً منهم؟)) قال: لا، فإنهم كانوا متلثّمين، ولكن أعرف
رواحلهم، فقال النبيّ وَل﴾: ((إن الله أخبرني بأسمائهم، وأسماء آبائهم،
وسأخبرك بهم - إن شاء الله تعالى - عند الصباح))، فمن ثمّ كان الناس يراجعون
حذيفة في أمر المنافقين، قيل: أسرّ النبيّ وَلهو أمر هذه الفئة المشؤومة؛ لئلا
تهيج الفتنة من تشهيرهم، ذكره في ((المبارق))(١) .
وقوله: (وَلَا يَجِدُونَ رِيحَهَا)؛ أي: يشمّونها، وهو كناية عن شدّة بُعدهم،
وعدم قربهم من الجنّة، فهم محرومون منها أبداً .
وقوله: (سِرَاجٌ مِنَ النَّارِ) وفي بعض النسخ: ((سراج من نار))؛ أي:
التهاب من نار، وهو تفسير للدُّبيلة؛ يعني: أن دُمّلاً يظهر في أكتافهم، وفيه
حمرة، وحرارة كأنها سِراج من نار، وفي رواية للطبرانيّ: ((شهاب من نار)).
وقوله: (يَظْهَرُ فِي أَكْتَافِهِمْ) بفتح الهمزة: جمع گَتِفٍ، بفتح الكاف،
وكسر التاء، وبتسكينها مع فتح الكاف، وكسرها، وإنما جَمَعه نظراً إلى
أفرادهم، وإلا فلكل إنسان كتفان، والكتفان هما: العظمان الناتئان في أعلى
الظهر، بينه وبين الرقبة؛ يعني: أن الدّبيلة سراج من نار؛ أي: دُمّل يظهر في
أكتافهم، وفيه حمرة وحرارة، كأنها سراج، وشُعلة من نار يدخل في جوفهم.
وقوله: (حَتَّى يَنْجُمَ مِنْ صُدُورِهِمْ) بضمّ الجيم، من باب نصر؛ أي: حتى
يطلع، ويخرج من صدروهم؛ يعني: يحدث في أكتافهم جراح تظهر حرارتها
من صدورهم، فتقتلهم، وهذا تفسير من النبيّ وَّ الدُّبيلة، عبّر عنها بالسراج،
وو شُعلة المصباح للمبالغة، قاله في ((المبارق))(٢) .
(١) راجع: هامش النسخة التركيّة ١٢٣/٨.
(٢) راجع: هامش النسخة التركيّة ١٢٣/٨.

٢٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
والحديث من أفراد المصنّف تَّتُهُ، وقد تقدّم تمام البحث فيه في
الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٠١١] (.) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا
الْوَلِيدُ بْنُ جُمَيْعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الطَّفَيْلِ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعَقَبَةِ، وَبَيْنَ
حُذَيْفَةَ بَعْضُ مَّا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ(١)، كَمْ كَانَ أَصْحَابُ
الْعَقَبَةِ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: أَخْبِرْهُ إِذْ سَأَلَكَ، قَالَ: كُنَّا نُخْبَرُ أَنَّهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ،
فَإِنْ كُنْتَ مِنْهُمْ، فَقَدْ كَانَ الْقَوْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَشْهَدُ بِاللهِ أَنَّ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْهُمْ
حَرْبٌ للهِ، وَلِرَسُولِهِ، فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ، وَعَذَرَ ثَلَاثَةً، قَالُوا: مَا
سَمِعْنَا مُنَادِيَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَلَا عَلِمْنَا بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ، وَقَدْ كَانَ فِي حَرَّةٍ،
فَمَشَى، فَقَالَ: ((إِنَّ الْمَاءَ قَلِيلٌ، فَلَا يَسْبِقُنِي إِلَيْهِ أَحَدٌ))، فَوَجَدَ قَوْماً قَدْ سَبَقُوهُ،
فَلَعَنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو أَحْمَدَ الْكُوفِيُّ) هو: محمد بن عبد الله بن الزبير بن عُمر بن درهم
الأسديّ الزبيريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٣١٤/٥٠.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ جُمَيْع) هو: الوليد بن عبد الله بن جميع الزهريّ المكيّ،
نزيل الكوفة، صدوقٌ، يَهِّمُ، ورُمي بالتشيع [٥] (بخ م د ت س) تقدم في
((الجهاد والسير)) ٣٣/ ٤٦٣٠.
٣ - (أَبُو الطَّفَيْل) عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جَحْش الليثيّ،
وربما سُمّي عمراً، وُلد عام أُحُد، ورأى النبيّ وَّهِ، وروى عن أبي بكر، فمن
بعده، وعُمِّر إلى أن مات سنة عشر ومائة على الصحيح، وهو آخر من مات من
الصحابة، قاله مسلم وغيره (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ٧/ ١٦٣١.
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خُماسيّات المصنّف تَخْلُهُ، وهو
(١) وفي نسخة: ((أنشدك الله)).

٢٧٥
(١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠١١)
مسلسل بالتحديث، وأن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، وأن أبا الطفيل آخر
على الإطلاق، كما أسلفته آنفاً .
من مات من الصحابة
شرح الحديث:
عن أبي الظُّفَيْلِ عامر بن واثلة ظُّه؛ أنه (قَالَ: كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ
الْعَقَبَةِ) اسمه وديعة بن ثابت، كما بُيّن في رواية الطبرانيّ في ((الكبير))، لكنه
جعل الكلام بينه وبين عمّار ظُه، ويمكن أن يتكرّر، والله تعالى أعلم.
قال النوويّ تَخْلُهُ: هذه العقبة ليست العقبة المشهورة بمنى التي كانت بها
بيعة الأنصار ﴿ه، وإنما هذه عَقبة على طريق تبوك، اجتمع المنافقون فيها
للغدر برسول الله وَّة، في غزوة تبوك، فعصمه الله تعالى منهم. انتهى (١).
وقال ابن الجوزيّ كَّلُهُ: هذا الحديث يُشكل على المبتدئين؛ لأن أهل
العقبة إذا أُطلقوا، فإنما يشار بهم إلى الأنصار المبايعين له وَّر، وليس هذا من
ذاك، وإنما هذه عَقبة في طريق تبوك، وقف فيها قوم من المنافقين؛ لِيَفتكوا
به وَّر، ثم أخرج بسنده عن أبي الطفيل قال: لَمّا أقبل رسول الله وَّل من غزوة
تبوك، أمر منادياً فنادى: إن رسول الله ﴾ آخذ العقبة، فلا يأخذها أحد،
فبينما رسول الله وَلا يقوده حذيفة، ويسوقه عمار، إذ أقبل رهط متلثمون على
الرواحل، غَشُوا عمّاراً، وهو يسوق برسول الله وَّر، وأقبل عمار يضرب وجوه
الرواحل، فقال رسول الله وَل ﴿ لحذيفة: ((قُدْ قُدْ))، حتى هبط رسول الله وَّ،
فلما هبط رسول الله و18َ نزل، ورجع عمار، فقال: ((يا عمار هل عرفت
القوم؟)) فقال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون، قال: ((هل تدري ما
أرادوا؟)) قال: الله ورسوله أعلم، قال: ((أرادوا أن يُنَفِّروا برسول الله وَل،
فيطرحوه ... )) الحديث(٢).
وقال الإمام أحمد دخلتُ في «مسنده)):
(٢٣٨٤٣) - حدثنا يزيد(٣) أنا الوليد - يعني: ابن عبد الله بن جُميع - عن
أبي الطفيل، قال: لمّا أقبل رسول الله وَ ل من غزوة تبوك أمر منادياً، فنادى أن
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢٥/١٧ - ١٢٦.
(٢) ((كشف المشكل من حديث الصحيحين)) ص ٢٥٧.
(٣) هو: ابن هارون.

٢٧٦
=
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
رسول الله ﴿ أَخَذ العقبة، فلا يأخذها أحد، فبينما رسول الله عَليه يقوده
حذيفة، ويسوق به عمّارٌ، إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، غَشُوا عماراً،
وهو يسوق برسول الله وَ﴾، وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال
رسول الله * لحذيفة: ((قُدْ قُدْ)) حتى هبط رسول الله صَلّ، فلما هبط
رسول الله وَ﴾ نزل، ورجع عمّارٌ، فقال: ((يا عمار هل عرفت القوم؟)) فقال:
قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون، قال: ((هل تدري ما أرادوا؟))
قال: الله ورسوله أعلم، قال: ((أرادوا أن يُنَفِّروا برسول الله وَّه، فيطرحوه).
قال: فسأل عمار رجلاً من أصحاب رسول الله وَلّ، فقال: نشدتك بالله، كم
تعلم كان أصحاب العقبة؟ فقال: أربعة عشر، فقال: إن كنت فيهم، فقد كانوا
خمسة عشر، فعَذَر (١) رسول الله وضَّ منهم ثلاثةً، قالوا: والله ما سمعنا منادي
رسول الله وَ﴾، وما علمنا ما أراد القوم، فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر
الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد.
قال الوليد: وذكر أبو الطفيل في تلك الغزوة أن رسول الله وَله قال
للناس، وذكر له أن في الماء قلةً، فأمر رسول الله وَّه منادياً، فنادى أن لا يَرِدَ
الماء أحد قَبْل رسول الله بَّه، فوَرَده رسول الله وَّ، فوجد رهطاً قد ورَدُوه
قبله، فلعنهم رسول الله وقليل يومئذ. انتهى(٢).
وقال الطبرانيّ في ((الكبير)):
(٣٠١٦) - حدّثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا مصعب بن عبد الله
الزبيريّ، حدّثنا محمد بن عمر الواقديّ، عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن
الحصين، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه، قال: كان بين عمار بن ياسر
ووديعة بن ثابت كلام، فقال وديعة لعمار: إنما أنت عبد أبي حذيفة بن المغيرة
ما أعتقك بعدُ، قال عمار: كم كان أصحاب العقبة؟ فقال: الله أعلم، قال:
أخبرني عن علمك، فسكت وديعة، فقال من حضره: أخبره عما سألك، وإنما
أراد عمار أن يُخبره أنه كان فيهم، فقال: كنا نتحدث أنهم أربعة عشر رجلاً،
(١) وقع في النسخة: ((فعدد)) وهو غلط.
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤٥٣/٥، ورجال إسناده رجال الصحيح، وأخرجه
أيضاً الطبرانيّ في ((المعجم الكبير))، وقال الهيثميّ: رجاله ثقات.

٢٧٧
(١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠١١)
فقال عمار: فإن كنت فيهم، فإنهم خمسة عشر، فقال وديعة: مهلاً يا أبا
اليقظان، أنشدك الله أن تفضحني، فقال عمار: والله ما سميت أحداً، ولا
أسميه أبداً، ولكني أشهد أن الخمسة عشر رجلاً اثنا عشر منهم حرب لله،
ولرسوله في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد. انتهى(١).
[تنبيه]: رواية مسلم واضحة في أن الكلام جرى بين حذيفة ورجل من
أهل العقبة، ولكن روايات أحمد والطبرانيّ متّفقة على أنه جرى بين عمار وبين
الرجل، ويُمكن أن يجاب بأن القصّتين وقعتا، أو يقال: ما في ((الصحيح))
أصحّ، والله تعالى أعلم.
(وَبَيْنَ حُذَيْفَةَ) بن اليمان ◌ِ﴿َا (بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ)؛ أي: من
المنازعة، والمشاغبة، وقال القرطبيّ كَخَّتُهُ: وعنى أبو الطفيل بقوله: ((بعض ما
يكون بين القوم)): الملاحاة، والمعاتبة التي تكون غالباً بين الناس. انتهى.
(فَقَالَ) الرجل الذي نازع حذيفة لحذيفة ◌َُّه: (أَنْشُدُكَ بِاللهِ) وفي نسخة:
((أنشدك الله))؛ أي: أسألك رافعاً نشيدتي؛ أي: صوتي، (كَمْ كَانَ أَصْحَابُ
الْعَقَبَةِ؟)؛ أي: العقبة التي في طريق تبوك. (قَالَ) أبو الطفيل (فَقَالَ لَهُ)؛ أي:
لحذيفة، (الْقَوْمُ) الحاضرون تلك المنازعة لحذيفة: (أَخْبِرْهُ)؛ أي: أخبر الرجل
بما سألك عنه، وقوله: (إِذْ سَأَلَكَ) ((إذ)) تعليليّة؛ أي: لأنه سألك، وناشدك
بالله، ومن سأل بالله له حقّ في الجواب، فقد أخرج ابن حبّان في ((صحیحه))،
والحاكم، وصححه عن ابن عمر ﴿ه قال: قال رسول الله وَلـ: ((من سألكم بالله
فأعطوه، ومن استعاذكم بالله فأعيذوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن أهدى إليكم
فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى ترون أن قد كافأتموه)).
(قَالَ) حذيفة رَظُهُ: (كُنَّا نُخْبَرُ) بالبناء للمفعول، وعبّر بالمجهول؛ طلباً
للسَّتر، وإلا فحذيفة ظُه يعلمهم يقيناً؛ لأن النبيّ وَل ◌َّ أخبره بأسمائهم وأعيانهم
(أَنَّهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ) رجلاً، وهمزة ((أنّ)) مفتوحة؛ لوقوعها في موضع المصدر،
كما قال في ((الخلاصة)»:
وَهَمْزَ ((إِنَّ)) افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرٍ
مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكُسِرٍ
(١) ((المعجم الكبير) ١٦٥/٣، وفي إسناده الواقديّ: ضعيف.

٢٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
وهي في تأويل المصدر نائب الفاعل لـ«نُخْبَرُ))، (فَإِنْ كُنْتَ) أيها المناشد،
وهذا الكلام لحذيفة رَظُه، (مِنْهُمْ)؛ أي: من أصحاب العقبة، (فَقَدْ كَانَ الْقَوْمُ)
أصحاب العقبة (خَمْسَةَ عَشَرَ)؛ أي: بزيادتك عليهم، (وَأَشْهَدُ بِاللهِ أَنَّ اثْنَيْ عَشَرَ
مِنْهُمْ حَرْبٌ)؛ أي: محارب (للهِ) وَ (وَلِرَسُولِهِ) وَ (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) حيث
أرادوا الفتك به في تلك الليلة، (وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ) حيث ينادى بهم على
رؤوس الأشهاد: ﴿هَلُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ أَلَا لَغْنَهُ اللَّهِ عَلَى الَّلِمِينَ﴾.
[هود: ١٨].
(وَعَذَرَ ثَلَاثَةً)؛ أي: قَبِل النبيّ وَِّ عُذرهم، ورفع عنهم اللوم، يقال:
عذرته فيما صَنَع عَذْراً، من باب ضَرَبَ: إذا رفعت عنه اللوم(١)، وإنما عَذَرهم
لأنهم لم يريدوا شرّاً، وإنما تبعوا القوم جهلاً، فإنهم (قَالُوا) معتذرين: (مَا
سَمِعْنَا مُنَادِيَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) الذي نادى بأنه وَ له أخذ طريق العقبة، فلا يأخذها
أحد، (وَلَا عَلِمْنَا بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ)؛ أي: المنافقون الذي سلكوا طريق العقبة
مخالفين أمره وَّله، ومريدين الفتك به، وغَرضُهم بذلك الاعتذار بأنهم لم
يريدوا شرّاً، وإنما اتّبعوا القوم لعدم عِلمهم بكيدهم.
(وَقَدْ كَانَ) بَّهِ في مرجعه من تبوك (فِي حَرَّةٍ)؛ أي: في أرض ذات
حجارة سُود، وتُجمع على حِرَار بالكسر، مثل كلبة وكلاب(٢). (فَمَشَى) وَهُ
(فَقَالَ) للناس: ((إِنَّ الْمَاءَ) الذي سنأتيه (قَلِيلٌ)؛ أي: لا يكفي لجماعتنا، (فَلَا)
ناهية، (يَسْبِقُنِي إِلَيْهِ أَحَدٌ))) أراد أن لا يمسّ ذلك الماء أحد حتى يمسّه وَّه بيده
المباركة، فيفيض الماء، ويكفي الجيش كلّه. (فَوَجَدَ قَوْماً) من المنافقين (قَدْ
سَبَقُوهُ) إلى ذلك الماء، ومسّوه، واغترفوا منه مخالفة له ◌َّةِ؛ لشدّة نفاقهم
(فَلَعَنَهُمْ)؛ أي: دعا على هؤلاء المنافقين الذي سبقوه إلى الماء (يَوْمَئِذٍ)؛ أي:
يوم إذ وقعت تلك الواقعة، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: يستفاد من مجموع الروايات أن هذه القصّة وقعت مرّتين، مرّة
في سفر النبيّ ◌َّ إلى تبوك، وقد مرّت القصّة في هذا الكتاب، في ((باب
معجزات النبيّ (َ )) من ((كتاب الفضائل)) من حديث معاذ بن جبل نظ ◌ُبه، قال:
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٣٩٨/٢.
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ١٢٩/١.

٢٧٩
(١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠١١)
خرجنا مع رسول الله وَّلر عام غزوة تبوك إلى أن قال: ثم قال: ((إنكم ستأتون
غداً إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يُضحي النهار، فمن جاءها
منكم فلا يمسّ من مائها شيئاً، حتى آتي))، فجئناها، وقد سبَقَنا إليها رجلان،
والعين مثل الشراك، تَبِضّ بشيء من ماء، قال: فسألهما رسول الله وَالت: ((هل
مسستما من مائها شيئاً؟)) قالا: نعم، فسبّهما النبيّ وَّ، وقال لهما ما شاء الله
أن يقول ... الحديث.
والقصّة الأخرى وقعت عند رجوعه وَليه من تبوك فيما ذكر الواقديّ في
((مغازيه)): قال: وأقبل رسول الله وَّله قافلاً، حتى إذا كان بين تبوك وواد يقال
له: وادي الناقة، وكان فيه وشل(١) - أي: ماء قليل - يخرج منه في أسفله قدر
ما يُري الراكبين، أو الثلاثة، فقال رسول الله وَ له: ((من سبقنا إلى ذلك الوشل،
فلا يستقينّ منه شيئاً حتى نأتي))، فسبق إليه أربعة من المنافقين: معتب بن
قُشير، والحارث بن يزيد الطائيّ، حليف في بني عمرو بن عوف، ووديعة بن
ثابت، وزيد بن الليث، فقال رسول الله وسلم: ((ألم أنهكم))، ولعنهم، ودعا
عليهم، ثم نزل، فوضع يده في الوَشْل، ثم مسحه بإصبعه حتى اجتمع في كفّه
منه ماء قليل، ثم نضحه، ثم مسحه بيده، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به،
فانخرق الماء. انتهى (٢) .
[تنبيه آخر]: ذكر الطبراني في ((الكبير)) أسماء أصحاب العقبة، فقال:
(٣٠١٧) - حدّثنا عليّ بن عبد العزيز، ثنا الزبير بن بكار، قال: ((تسمية
أصحاب العقبة)) :
معتب بن قشير بن مُليل، من بني عمرو بن عوف، شهد بدراً، وهو الذي
قال: يَعِدنا محمد كنوز كسرى، وقيصر، وأحدنا لا يأمن على خلائه، وهو
الذي قال: لو كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا ها هنا، قال الزبير: وهو الذي
شَهِد عليه الزبير بهذا الكلام.
وَدِيعة بن ثابت بن عمرو بن عوف، وهو الذي قال: إنما كنا نخوض
(١) ((الوَشل)): الماء القليل يُتحلّب من جبل أو صخرة. ((ق)).
(٢) ((مغازي الواقديّ)) ١٠٣٩/٣.

٢٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
ونلعب، وهو الذي قال: ما لي أرى قرّاءنا هؤلاء، أرْغبنا بطوناً، وأجبننا عند
اللقاء .
وجَدّ بن عبد الله بن نَبِيل بن الحارث، من بني عمرو بن عوف، وهو
الذي قال جبريل منظلَّا: يا محمد مَن هذا الأسود، كثير شعره، عيناه كأنهما
قدران من صفر، ينظر بعيني شيطان، وكبده كبد حمار، يُخبر المنافقين بخبرك،
وهو المجترّ بخرئه.
والحارث بن يزيد الطائيّ، حليف لبني عمرو بن عوف، وهو الذي سبق
إلى الوَشْل الذي نهى رسول الله يسير أن يمسه أحد، فاستقى منه.
وأوس بن قيظيّ، وهو من بني حارثة، وهو الذي قال: إن بيوتنا عورة،
وهو جدّ یحیی بن سعيد بن قيس.
والْجُلاس(١) بن سويد بن الصامت، وهو من بني عمرو بن عوف، وبلغنا
أنه تاب بعد ذلك.
وسعد بن زرارة، من بني مالك بن النجار، وهو المدخن على
رسول الله وَله، وكان أصغرهم سنّاً، وأخبثهم.
وقيس بن قَهْد، من بني مالك بن النجار.
وسُويد، وداعس، وهما من بني بَلْحُبْلى، وهما ممن جهز ابن أُبَيّ في
تبوك، يُخَذِّلان الناس.
وقیس بن عمرو بن سهل.
وزيد بن اللَّيث، وكان من يهود قينقاع، فأظهر الإسلام، وفيه غِشّ
اليهود، ونفاق من نافق.
وسلامة بن الحمام من بني قينقاع، فأظهر الإسلام. انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٠١٢] (٢٧٨٠) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ:
(١) بوزن غُراب.
(٢) ((المعجم الكبير)) ١٦٦/٣.