Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
(١١) - بَابُ بَرَاءَةِ حُرَمِ النَّبِيِّ بَّهِ مِنَ الرِّبَةِ - حديث رقم (٦٩٩٧)
رسول الله ◌َّله، فأرسل عليّ بن أبي طالب، فوجده عليّ على نخلة، فلما رأى
السيف وقع في نفسه، فألقى الكساء الذي كان عليه، وتكشّف، فإذا هو
مجبوب، فرجع عليّ إلى النبيّ وَله، فأخبره، فقال: يا رسول الله أرأيت إذا
أَمرت أحدنا بالأمر، ثم رأى في غير ذلك، أيراجعك؟ قال: ((نعم))، فأخبره
بما رأى من القبطيّ، قال: وولدت مارية إبراهيم، فجاء جبريل ظلّل إلى
النبيّ وَّة، فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم، فاطمأنّ رسول الله وَّل إلى
ذلك(١).
(كَانَ يُتَّهَمُ) بالبناء للمفعول؛ أي: يُظنّ بأنه يزني (بِأَمِّ وَلَدِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ)
هي مارية القبطيّة
قال في ((الإصابة)): مارية القبطية أم ولد رسول الله وَلقر، ذكر ابن سعد
من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال: بعث المقوقس
صاحب الإسكندرية إلى رسول الله وَله في سنة سبع من الهجرة بمارية، وأختها
سيرين، وألف مثقال ذهباً، وعشرين ثوباً ليناً، وبغلته الدُّلْدُل، وحماره مُفيراً،
ويقال: يعفور، ومع ذلك خصيّ يقال له: مأبور شيخ كبير كان أخا مارية،
وبعث بذلك كله مع حاطب بن أبي بلتعة، فعَرَض حاطب بن أبي بلتعة على
مارية الإسلام، ورغّبها فيه، فأسلمت، وأسلمت أختها، وأقام الخصيّ على
دينه، حتى أسلم بالمدينة بعدُ في عهد رسول الله وَّر، وكانت مارية بيضاء
جميلة، فأنزلها رسول الله وَله في العالية في المال الذي صار يقال له: سرية أم
إبراهيم، وكان يَختلف إليها هناك، وكان يطؤها بملك اليمين، وضرب عليها
مع ذلك الحجاب، فحملت منه، ووضعت هناك في ذي الحجة سنة ثمان.
ومن طريق عمرة، عن عائشة قالت: ما عَزّت عليّ امرأة إلا دون ما
عزّت عليّ مارية، وذلك أنها كانت جميلة جَعْدةَ، فأعجب بها رسول الله وَّهِ،
وكان أنزلها أول ما قدم بها في بيت لحارثة بن النعمان، فكانت جارتنا، فكان
عامة الليل والنهار عندها، حتى فزعنا لها، فجَزِعت، فحوّلها إلى العالية، وكان
يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشدّ علينا .
(١) ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد ٢١٤/٨، وفي سنده الواقديّ متكلّم فيه.

٢٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
وتوفيت مارية رها في خلافة عمر بن الخطاب نظره، وذلك في المحرّم
من سنة ست عشرة، وكان عمر يَحشُّر الناس بنفسه لشهود جنازتها، وصلى
عليها عمر، ودفنت بالبقيع. انتهى(١).
وقال ابن منده: ماتت مارية بعد النبيّ ◌َ ل ﴿ بخمس سنين(٢).
وذكر القاضي عياض أن ذلك الرجل كان قبطيّاً، وكان يتكلّم مع مارية
القبطيّة ﴿ّا؛ لكونها من أهل وطنه، فاتّهمه بعض الناس من أجل ذلك.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَ ◌ّهِ لِعَلِيّ) بن أبي طالب ◌َّهِ: ((اذْهَبْ) إليه (فَاضْرِبْ
فُهُ (فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيٍّ) ((إذا)) هي
عُنُقَهُ)))؛ أي: اقتله بالسيف، (فَأَتَّهُ عَلِيٍّ)
الفجائيّة؛ أي: ففاجأه كونه في ركيّ، وهي بفتح الراء، وكسر الكاف، وتشديد
الياء: البئر التي لم تُطو، وجمعها ركايا، مثلُ عطيّة وعَطايا، أفاده في
((المصباح)).
وفي ((القاموس))، و((شرحه)): الرَّكِيّة؛ كغَنِيّة: البئر، جمعها رُكِيٍّ، كُعُتِيّ،
وضبط في ((الصحاح)) بالفتح، ورَكَايا، وفي ((النهاية)): الرّكِيّ: جنس للرّكِيّة،
والجمع رَكَايا، وقد تكرر ذكره في الحديث مفرداً، ومجموعاً، وقال ابن سِيدَهْ:
إنما قضيت عليها بالواو؛ لأنها من ركا الأرضَ رَكْواً: إذا حفرها حَفْراً
مستطيلاً، وركا الأمرَ رَكْواً: أصلح. انتهى (٣).
حال كونه (يَتَبَرَّدُ فِيهَا)؛ أي: يغتسل فيها طلباً للبرودة، (فَقَالَ لَهُ)؛ أي:
لذلك الرجل، (عَلِيٌّ) ◌َّه: (اخْرُجْ) من الركيّ، (فَنَاوَلَهُ يَدَهُ)؛ أي: ناول
الرجل يده عليّاً تظلبه؛ ليُخرجه منها (فَأَخْرَجَهُ)؛ أي: فأخذ بيده، فأخرجه منها،
(فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ)؛ أي: ففاجأه كونه مجبوباً؛ أي: مقطوع الذَّكَر، كما فسّره
بقوله: (لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ) يستحقّ به القتل، (فَكَفَّ عَلِيٍّ عَنْهُ)؛ أي: امتنع عليّ
عن قتله؛ لعدم موجب القتل، حيث كان مجبوباً، لا يحصل منه الزنا. (ثُمَّ
أَتَّى) عليّ ◌َهُ (النَّبِيَّ نَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ)؛ أي: الرجل الذي أمرتني
(١) ((الاستيعاب)) ١٩١٢/٤.
(٢) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ١١٢/٨.
(٣) (تاج العروس)) ص٨٤١٠.

٢٠٣
(١١) - بَابُ بَرَاءَةِ حُرَمِ النَّبِيِّ نَّهِ مِنَ الرِّبَبَةِ - حديث رقم (٦٩٩٧)
بضرب عنقه؛ لاتهامه بأم ولدك، (لَمَجْبُوبٌ، مَا لَهُ ذَكَرٌ)؛ أي: فتركه النبيّ
قال النوويّ تَخُّْهُ: قيل: كان منافقاً، ومستحقّاً للقتل بطريق آخر، وجُعل هذا
محرّكاً لقتله بنفاقه وغيره، لا بالزنى، وكفّ عنه عليّ ◌َُّه؛ اعتماداً على أن
القتل بالزنى، وقد عُلم انتفاء الزنى. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الثالثة
- إن شاء الله تعالى -.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس رضيبه هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٩٧/١١] (٢٧٧١)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٢٨١/٣)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤٢/٤)، و(ابن أبي عاصم) في
((الآحاد والمثاني)) (٤٤٩/٥)، و(الطبرانيّ) في («الأوسط)) (٩٠/٤)، و(ابن
سعد) في ((الطبقات الكبرى)) (٢١٤/٨ و٢١٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان عِظَم قَدْر النبيّ ◌ََّ، ورفعة مكانته عند ربّه، حيث
إنه تُقَالَ عصم حُرَمه عن أن يتعرّض لهنّ أحد بسوء.
٢ - (ومنها): مشروعيّة قتل من آذى النبيّ وَِّ، بأن اتُّهم بسوء في أهله،
أو نحو ذلك، إذا تحقّق منه ذلك.
٣ - (ومنها): إعمال النظر، والاجتهاد، وترك الجمود على الظواهر، فإن
عليّاً عَظُه لم ينفّذ أمره ◌َّيهِ؛ لمّا رأى مانعاً يمنع من إقامة الحدّ على الرجل،
حيث لم يرتكب ما يوجد حدّه؛ إذ كان مجبوباً، فأقرّه وَالّ عليه.
٤ - (ومنها): بيان أنَّه يجوز الاطلاع على العورة عند الضرورة؛ كتحمُّل
شهادة الزنى، كما صار إليه مالك تَخْذّلُهُ. قاله القرطبيّ.
٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَخْتُهُ: هذه الجارية هي ماريةُ أمّ إبراهيم،
(١) ((شرح النوويّ)) ١١٨/١٧ - ١١٩.

٢٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
وَلَد رسول اللهِ وَّه ◌َيّا، كان يزورها رجل قبطيّ، فتكلم المنافقون في ذلك،
وشنَّعوا، فأظهر الله براءتها بما ظهر من حال الرَّجل، وهذا نحو مِمَّا جرى
لعائشة ◌َّ حتَّى برَّأها الله تعالى، وأظهر من حال المرميّ أنَّه حصور، كل
ذلك مبالغةٌ في صيانة حُرَم رسول الله وَّه، وإظهار تكذيب من تَفَوَّهَ بشيء من
(١)
ذلك. انتھی(١) .
وقال القاضي عياض تَخْتُهُ: قد نَزّه الله ومات حُرمة النبيّ وَّ ر أن يثبت شيء
من ذلك في جهتها، والخبر معلوم أنه كان قبطياً، وكان يتحدث إليها بحكم
الجنسية، فتُكُلُّم في ذلك، ولم يأت أنه أسلم، وأن النبيّ وَّ نهاه عن التحدث
إليها، فلما خالفه استحق بذلك القتل؛ إما للمخالفة، أو لتأذي النبيّ
بسببه، ومن آذى النبيّ وَّ بشيء ملعون كافر يستحقّ القتل.
ويَحْتَمِل أن النبيّ وَّ﴿ علم براءته، وكونه مجبوباً، وأمر عليّاً بما أمره به
لَمّا ذكر له هو أو غيره خلوّه ليتجلى أمره وترتفع تهمته .
ويَحْتَمِل أنه وَ لَّ كان قد أوحي إليه أنه لا يقتله، وينكشف له من حاله ما
يبيّن أمره، وأنه في الرَّكِيِّ متجرداً لا أنه أمَره بقتله حقيقة، بل قال له ذلك،
وهو يعلم أنه لا يقتله؛ لِمَا تبيّن له من براءته كما قال في الحديث الآخر:
((احثُ في أفواههم التراب))، متّفقٌ عليه، وقد قالت عائشة له: ما أنت بفاعل،
ففهمت أن النبيّ وَّ﴿ لم يُرِدْ ما قاله، بل على طريق التعجيز له، أي إنك لا
تقدر على إسكاتهنّ ولا بذلك ولا يمكنك فعله.
وقد ذكر أصحاب الأخبار أن المقوقس صاحب مصر أهدى للنبيّ وَّ مع
مارية أختها سيرين، ومعهما مخصيٌّ اسمه مأبور، وأنه أسلم، كذا سماه
محمد بن سعد(٢)، وقال غيره: مابور، والأول أثبت، فهو ذلك، والله تعالى
(٣)
أعلم. انتهى(٣) .
(المسألة الرابعة): قد استشكل العلماء أمره و له بقتل هذا الرجل:
(١) ((المفهم)) ١٤٥/٥.
(٢) انظر: ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد ١٧٠/٨، ١٧١.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٣٠٤/٨ - ٣٠٥.

٢٠٥
(١١) - بَابُ بَرَاءَةِ حُرَمِ النَّبِيِّ وَّهِ مِنَ الرِّبِبَةِ - حديث رقم (٦٩٩٧)
قال ابن الجوزيّ تَخّْتُهُ: على هذا الحديث استشكال، وهو أن يقال:
كيف أمر ◌َ﴿ بقتل رجل بالتهمة؟ فقد أجاب عنه ابن جرير، فقال: جائز أن
يكون قد كان من أهل العهد، وقد تقدم إليه بالنهي عن الدخول على مارية،
فعاد، فأمر بقتله لنقض العهد. انتهى (١).
وقال القرطبيّ تَخْتُ: قوله وَّيه لعليّ: ((اذهب فاضرب عنقه)) فيه إشكال،
وهو: أنَّه وَل ـ كيف يأمر بضرب عنق هذا الرجل، ولم يكن هناك موجبٌ
للقتل، وقد ظهر ذلك حين انكشف حال الرَّجل؟ ويزول هذا الإشكال بأن هذا
الحديث رواه أبو بكر البزار، بمساق أكمل من هذا، وأوضح، فقال فيه: عن
عليّ بن أبي طالب رُه قال: كُثِّر على مارية في قبطيّ ابن عم لها كان
يزورها، ويختلف إليها، فقال لي رسول الله ويتلقى: ((خذ هذا السيف، فانطلق،
فإن وجدته عندها فاقتله)). قال: قلت: يا رسول الله! أكون في أمرك كالسِّكة
المحماة، لا يثنيني شيء، حتى أمضي لِمَا أمرتني، أم الشاهد يرى ما لا يرى
الغائب؟ فقال: ((بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب))، وذكر الحديث بنحو ما
تقدم، فهذا يدلّ على أن أمْره بقتله إنَّما كان بشرط أن يجده عندها على حالة
تقتضي قتله، ولمّا فَهِمَ عنه عليّ رَظُّه ذلك سأله، فبيَّن له بياناً شافياً، فزال
ذلك الإشكال، والحمد لله ذي الجلال.
ويَحْتَمِل أن يقال: إن ذلك خرج من النبيّ وَّه مخرج التغليظ، والمبالغة
في الزجر على موجب الغيرة الْجِبِلِّيَّة، والأول ألْيق، وأسلم، والله بحقائق
الأمور أعلم. انتهى كلام القرطبيّ تَخَُّهُ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أنه وَّ ما أمر عليّاً بظلاله بقتل الرجل إلا
بعد أن يثبت لديه ما يوجب قتله، من تعرّضه لجاريته، ولذا لمّا وجده عليّ
مجبوباً كفّ عن قتله، وأقرّه وَلل على ذلك، فبهذا يزول الاستشكال، والله
تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُثِبُ﴾ .
(١) ((كشف المشكل من حديث الصحيحين)) ص ٨٧٢.
(٢) ((المفهم)) ١٤٥/٥ - ١٤٦.

٢٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
(٥٣) - (كِتَابُ ذِكْرِ الْمُنَافِقِينَ، وَالْقِيَامَةِ،
والْجَنَّةِ، وَالنَّارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ)
(١) - (بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٩٨] (٢٧٧٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ
مُوسَى، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ،
يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ بَّهِ فِي سَفَرٍ، أَصَابَ النَّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ
أُبَيِّ لأَصْحَابِهِ، لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَِّ حَتَّى يَنْفَضُوا مِنْ حَوْلِهِ - قَالَ
زُهَيْرٌ: وَهِيَ قِرَاءَةٌ(١) مَنْ خَفَضَ حَوْلَهُ - وَقَالَ: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ
الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ
أُبَيِّ، فَسَأَلَهُ، فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ مَا فَعَلَ، فَقَالَ: كَذَبَ زَيْدٌ رَسُولَ اللهِ نَّهِ، قَالَ: فَوَقَعَ
فِي نَفْسِي مِمَّا قَالُوهُ شِدَّةٌ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقِي: ﴿إِذَا جَكَ اٌلْمُنَفِقُونَ﴾
[المنافقون: ١]، قَالَ: ثُمَّ دَعَاهُمُ النَّبِيُّ ◌َّهِ؛ لِيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، قَالَ: فَلَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ،
وَقَوْلُهُ: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤]، وَقَالَ: كَانُوا رِجَالاً أَجْمَلَ شَيْءٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
(١) وفي نسخة: ((وهي في قراءة مَن خفض حوله)).

٢٠٧
(١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٦٩٩٨)
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى) الأشيب - بمعجمة، ثم تحتانية - أبو عليّ
البغداديّ، قاضي الموصل وغيرها، ثقةٌ [٩] (ت٩ أو٢١٠) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٣٢١/٥٥.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) بن حُديج، أبو خيثمة الْجُعْفيّ الكوفيّ، نزيل
الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بأَخَرَة [٧] (ت٢ أو ٣ أو
١٧٤) وكان مولده سنة مائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٢.
[فإن قلت]: كيف أخرج مسلم لزهير عن أبي إسحاق، مع أنه لم يسمع
منه إلا بعد اختلاطه؟ .
[قلت]: لم ينفرد به زهير، فقد تابعه إسرائيل عند البخاريّ، وهو أحفظ
الناس لأحاديث جدّه أبي إسحاق، حتى قال عبد الرحمن بن مهديّ: إسرائيل
في أبي إسحاق أثبت من شعبة، والثوريّ، وقال أيضاً: ما فاتني الذي فاتني من
حديث الثوريّ عن أبي إسحاق، إلا لما اتّكلت به على إسرائيل؛ لأنه كان يأتي
به أتم، قال في ((تهذيب التهذيب))(١).
٤ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله بن عُبيد، الْهَمْدانيّ السَّبِيعيّ - بفتح
المهملة، وكسر الموحّدة - ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ مدلّسٌ اختَلَط بأخرة [٣] (ت١٢٩)
وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣.
٥ - (زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ) بن زيد بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ
المشهور، أول مشاهده الخندق، وأنزل الله تصديقه في ((سورة المنافقين))، مات
سنة ست، أو ثمان وستين (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ٧/ ١٢٠٨.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأنه
مسلسلٌ بالتحديث والسماع من أوله إلى آخره، فلا تُهمة في رواية أبي إسحاق
المدّس، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، فزيد بن أرقم ربه ممن نزل الكوفة من
الصحابة ، وأنه من مشاهير الصحابة ﴿ه، ذو منقبة شهيرة حيث أنزل الله رأيك
في تصديقه سورة كاملة، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمُ﴾ [المائدة:
٥٤]، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
(١) ((تهذيب التهذيب)) ١٣٤/١.

٢٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
شرح الحديث:
عن أبي إِسْحَاقَ، عمرو بن عبد الله السَّبِيعيّ؛ (أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ
أَرْقَمَ) رَؤُه (يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلِ فِي سَفَرٍ)، وفي رواية البخاريّ:
(كنت في غَزَاة))، قال في ((الفتح)): قوله: ((كنت في غَزاة))، زاد بعد باب من
وجه آخر عن إسرائيل: ((مع عمّي))، وهذه الغَزَاة وقع في رواية محمد بن
كعب، عن زيد بن أرقم، عند النسائيّ أنها غزوة تبوك، ويؤيده قوله في رواية
زهير: ((في سفر أصاب الناس فيه شدّة))، وأخرج عبد بن حميد بإسناد صحيح،
عن سعيد بن جبير، مرسلاً: ((أن النبيّ وَّر كان إذا نزل منزلاً، لم يرتحل منه
حتى يصلي فيه، فلما كان غزوة تبوك نزل منزلاً، فقال عبد الله بن أُبَيّ ... ))،
فذكر القصة، والذي عليه أهل المغازي أنها غزوة بني المصطلِق، قال: وفي
حديث جابر ما يؤيده، وعند ابن عائذ، وأخرجه الحاكم في ((الإكليل)) من
طريقه، ثم من طريق أبي الأسود، عن عروة، أن القول الآتي ذِكره صَدَر من
عبد الله بن أُبَيّ بعد أن قفلوا. انتهى(١).
(أَصَابَ النَّاسَ فِيهِ)؛ أي: في ذلك السفر (شِدَّةٌ)؛ أي: من مجاعة
وغيرها، (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ) رأس المنافقين (الأَصْحَابِهِ) المنافقين: (لا)
ناهية، (تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَّه)؛ يعني: فقراء المهاجرين، (حَتَّى
يَنْفَضُوا مِنْ حَوْلِهِ)؛ أي: حتى يتفرّقوا عنه، قرأ الجمهور: ﴿يَنْفَضُواْ﴾ من
الانفضاض، وهو التفرّق، وقرأ الفضل بن عيسى الرقاشي: ((يُنفضوا)) من أنفض
القوم: إذا فنيت أزوادهم، يقال: نفض الرجل وعاءه من الزاد، فانفضّ(٢).
فردّ الله وَلَ على هؤلاء أعنف ردّ، وأخبر بسَعة مُلكه، فقال: ﴿وَلِلَّهِ خَرّآبِنُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [المنافقون: ٧]؛ أي: إنه هو الرزاق لهؤلاء المهاجرين؛ لأن
خزائن الرزق له، فيعطي من شاء ما شاء، ويمنع من شاء ما شاء، ﴿وَلَكِنَّ
اٌلْمُنَّفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ذلك، ولا يعلمون أن خزائن الأرزاق بيد الله رحمة، وأنه
الباسط القابض المعطي المانع.
(١) ((الفتح)) ٧٠١/١٠، ((كتاب التفسير)) رقم (٤٩٠٠).
(٢) ((فتح القدير)) ٢٢٧/٧.

٢٠٩
(١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٦٩٩٨)
(قَالَ زُهَيْرٌ)؛ أي: ابن معاوية الراوي عن أبي إسحاق، (وَهِيَ)؛ أي:
هذه القراءة (قِرَاءَةُ مَنْ خَفَضَ حَوْلَهُ)، وفي نسخة: ((وهي في قراءة من خفض
حوله))، والمعنى: أن هذه القراءة قراءة من يقرأ: ((من حوله)) بكسر ميم ((مِنْ))،
ويجرّ ((حوله)) بها، واحترز به عن القراءة الشاذّة: ((مَنْ حَوْلَهُ)) بفتح الميم،
ونَصْب ((حوله))، أفاده النوويّ(١).
وقال صاحب ((التكملة)): قوله: ((وهي قراءة من خفض حوله)): لفظ ((من
حوله)) ليس موجوداً في القرآن الكريم، ولم يقصد الراوي تلاوة الآية، وإنما
أراد حكاية كلام عبد الله بن أُبيّ، وذكر بعض العلماء أن ((من حوله)) موجود
في قراءة عبد الله بن مسعود، وقرأه بعضهم بكسر الميم واللام: (مِنْ حَوْلِهِ))،
وبعضهم بفتحهما: ((مَنْ حَوْلَهُ))، وعلى الثاني يكون بدلاً من ضمير الفاعل في
(ينفضوا))، وعلى كلّ ليس موجوداً في القراءات المتواترة اليوم، والظاهر أنها
كانت زيادة تفسيريّة من قبل عبد الله بن مسعود رضيبه، وقد ثبت أن مثل هذه
الزيادات التفسيريّة ربما سُمّين بالقراءة، والله أعلم. انتهى(٢).
[تنبيه]: وقع في النسخة التي شرح عليها القاضي عياض، والأبيّ،
والسنوسي ما نصّه: ((قال زهير: وهي في قراءة عبد الله: حتى ينفضّوا من
خَفَض حوله))، ثم أخذ القاضي عياض في شرح ذلك بما لا يُستفاد منه كثيراً،
وتبعه الأبيّ، والسنوسي في نقل ذلك الكلام، ولا أرى له كبير فائدة، ولذا
أعرضت عنه.
وقال الحافظ في ((الفتح)): قوله: ((يقولون إلى قوله: حتى ينفضوا من
حوله)) هو كلام عبد الله بن أَبَيّ، ولم يقصد الراوي بسياقه التلاوة، وغلط
بعض الشراح، فقال: هذا وقع في قراءة ابن مسعود، وليس في المصاحف
المتفق عليها، فيكون على سبيل البيان من ابن مسعود، قال الحافظ: ولا يلزم
من كون عبد الله بن أُبَيّ قالها قبلُ أن ينزل القرآن بحكاية جميع كلامه.
(٣)
انتھی
.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧١٢٠.
(٣) ((الفتح)) ١٠ / ٧٠١.
(٢) ((تكملة فتح الملهم)) ٦/ ٩٣ - ٩٤.

٢١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
قال الجامع عفا الله عنه: أراد الحافظ بهذا ردّ ما ذكر عياض، ومن تبعه
مما ذكروه في توجيه هذه الرواية، وطوّلوا نَفَسَهم في ذلك من دون طائل،
والحقّ أن هذه لا تثبت.
والحاصل: أن الذي وقع في نُسخهم غلط، وتصحيف، فلا ينبغي التعويل
عليه، ولا الاشتغال به بأكثر من تغليطه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(وَقَالَ) عبد الله بن أُبيّ أيضاً: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا
الأَذَلَّ) قال الشوكانيّ تَظْلُ: القائل لهذه المقالة هو عبد الله بن أبيّ رأس
المنافقين، وعنى بالأعزّ: نفسه، ومن معه، وبالأذلّ: رسول الله وَّل، ومن معه،
ومراده بالرجوع: رجوعهم من تلك الغزوة، وإنما أسند القول إلى المنافقين مع
كون القائل هو فرداً من أفرادهم، وهو عبد الله بن أبيّ؛ لكونه كان رئيسهم،
وصاحب أمرهم، وهم راضون بما يقوله، سامعون له، مطيعون. انتهى (١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ تَظُّهُ: يعني المنافق بالأعزّ: نفسه، وعشيرته،
وبالأذلّ: النبيّ وَّه والمؤمنين، جَهِل، فقال، وحيث وجب أن يسكت غلبت
عليه شقوته، فانعكست فكرته، فظنّ الأرض سماء، والسراب ماء، فنبّهه ولده،
نطفته على قبيح غلطته، فقال له: أنت والله الأذلّ، ورسول الله وَاجله الأعزّ،
فأنزل الله تصديقه في كتابه، لعلهم يسمعون، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾
[المنافقون: ٨]، ثم إن النبيّ رَّ تلطّف بهم على مقتضى خُلُقه الكريم، وحِلمه
العظيم، ودعاهم للاستغفار، فأبت الشقوة إلا التمادي على الجهل والاستكبار،
فلوّوا رؤوسهم معرضين، وصدّوا مستكبرين، فقوبلوا بؤلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ
لَا يَدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦]، حشرنا الله تعالى مع المؤمنين، وجنّبنا
أحوال المنافقین بفضله وكرمه آمین(٢) .
وقال أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر تَخُّْهُ: ورُوي أن عبد الله بن عبد الله بن
أُبَيّ ابن سلولَ قال لأبيه: والذي لا إله إلا هو لا تدخل المدينة حتى تقول: إن
رسول الله وَ ل هو الأعز، وأنا الأذلّ، فقاله(٣).
(١) ((فتح القدير)) ٢٢٧/٧.
(٣) ((تفسير القرطبيّ)) ١٢٩/١٨.
(٢) ((المفهم)) ٤٠٩/٧ - ٤١٠.

٢١١
(١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٦٩٩٨)
فلما توهموا أن العزة بكثرة الأموال، والأتباع، ردّ الله تعالى عليهم ذلك،
وفّده، وبيّن لهم أن العزة، والْمَنَعَة، والقوّة لله وحده لا شريك له، فقال: ﴿وَلِلَّهِ
اُلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]؛ أي: القوّة، والغلبة لله وحده لا شريك
له، ولمن أفاضها عليه من رسله، وصالحي عباده، لا لغيرهم، ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ
لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] بما فيه النفع فيفعلونه، وبما فيه الضرّ فيجتنبونه، بل هم
كالأنعام لِفَرْط جهلهم، ومزيد حيرتهم، والطبع على قلوبهم(١).
[تنبيه]: سبب قول عبد الله بن أبيّ هذا الكلام بُيّن في حديث جابر
رضىعنه،
فقد أخرج الشيخان عن عمرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن عبد الله
يقول: كنا في غَزاة، فَكَسَع(٢) رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال
الأنصاريّ: يا لَلأنصار، وقال المهاجريّ: يا لَلمهاجرين، فسَمَّعَها الله
رسوله ول﴾ قال: ((ما هذا؟)) فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلاً من
الأنصار، فقال الأنصاريّ: يا للأنصار، وقال المهاجريّ: يا للمهاجرين، فقال
النبيّ وَله: ((دَعُوها، فإنها منتنة))، قال جابر: وكانت الأنصار حين قدم النبيّ وَّه
أكثر، ثم كَثُر المهاجرون بعدُ، فقال عبد الله بن أُبَيّ: أوَ قد فعلوا؟ والله ﴿لَین
رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، فقال عمر بن
الخطاب وظه: دَعْني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، قال النبيّ وَلاو:
((دَعْهُ، لا يتحدّث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)) (٣).
(قَالَ) زيد بن أرقم ◌َبه: (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َِِّ، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ) هذا ظاهر في
أن زيداً أخبر النبيّ وَّ﴿ بنفسه، لكن وقع في رواية للبخاريّ بلفظ: ((فذكرت
ذلك لعمّي، أو لعمر، فذكره للنبيّ وَّ﴾)) .
قال في ((الفتح)): قوله: ((فذكرت ذلك لعمي، أو لعمر)) كذا بالشكّ، وفي
سائر الروايات الآتية: ((لعمي)) بلا شكّ، وكذا عند الترمذيّ من طريق أبي سعد
الأزديّ، عن زيد، ووقع عند الطبرانيّ، وابن مردويه أن المراد بعمه: سعد بن
(١) ((فتح القدير)) ٢٢٧/٧.
(٢) أي: ضرب دُبُره بيده، أو برجله.
(٣) أخرجه البخاريّ برقم (٤٩٠٧)، وتقدّم لمسلم في ((البر والصلة والآداب)) برقم
[٦٥٦٠/١٦] (٢٥٨٤).

٢١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
عبادة، وليس عمه حقيقةً، وإنما هو سيد قومه الخزرج، وعَمّ زيد بن أرقم
الحقيقيّ: ثابت بن قيس الصحابيّ، وعمّه زوج أمه: عبدُ الله بن رواحة
خزرجيّ أيضاً، ووقع في ((مغازي أبي الأسود)) عن عروة، أن مثل ذلك وقع
لأوس بن أرقم، فذكره لعمر بن الخطاب، وجزم الحاكم في ((الإكليل)) أن هذه
الرواية وَهَمٌّ، والصواب: زيد بن أرقم، قال الحافظ: ولا يمتنع تعدد المخبَر
بذلك، عن عبد الله بن أُبَيّ، إلا أن القصة مشهورة لزيد بن أرقم، وفي حديث
أنس ما يشهد لذلك.
قال: وقوله: ((فذكره للنبيّ وَّ﴾))؛ أي: ذكره عمي، ووقع في رواية ابن
أبي ليلى عن زيد: ((فأخبرت به النبيّ (َّ))، وكذا في مرسل قتادة، فكأنه أطلق
الإخبار مجازاً، لكن في مرسل الحسن، عن عبد الرزاق: ((فقال رسول الله وَله:
لعلك أخطأ سمعك، لعلك شُبِّه عليك))، فعلى هذا لعله راسل بذلك أوّلاً على
لسان عمه، ثم حضر هو، فَأَخْبَرَ. انتهى(١).
(فَأَرْسَلَ) النبيّ وَِّ (إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَسَأَلَهُ) عما أخبره به زيد بن
أرقم من مقالته الشنيعة، (فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ)؛ أي: بالغ في تأكيد حلفه أنه (مَا
فَعَلَ)؛ أي: ما تكلّم بما قاله زيد، وفي رواية البخاريّ: ((فحلفوا ما قالوا))،
والمراد به: عبد الله بن أُبَيّ، وجُمِع باعتبار من معه، ووقع في رواية أبي
الأسود، عن عروة: ((فبعث النبيّ وَّهِ إِلى عبد الله بن أَبَيّ، فسأله، فحلف بالله
ما قال من ذلك شيئاً)). (فَقَالَ) ابن أُبيّ، ويَحْتَمل أن يكون الفاعل ضمير
النبيّ وَل﴾، يدلّ عليه ما في رواية البخاريّ بلفظ: ((فكذّبني رسول اللهِوَلِّل،
وصدّقه)) بتشديد الذال.
(كَذَبَ) بتخفيف الذال، (زَيْدٌ رَسُولَ اللهِ وََّ)؛ أي: أخبره بالكذب، وفي
رواية: ((فقالوا: كَذَب زيد رسول الله وَلِ﴿))، وهذا بالتخفيف، و((رسولَ الله))
بالنصب على المفعولية، وفي رواية ابن أبي ليلى، عن زيد عند النسائيّ:
((فجعل الناس يقولون: أتى زيد رسول الله (وَآل﴾ بالكذب)).
(قَالَ) زيد: (فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِمَّا قَالُوهُ شِدَّةٌ)؛ أي: شدّة همّ من أجل ما
(١) ((الفتح)) ١٠/ ٧٠٢.

٢١٣
(١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٦٩٩٨)
قالوه؛ أي: من قولهم: كذب زيد رسول الله وَلّ، وفي رواية البخاريّ:
((فأصابني همّ))، وفي رواية أبي سعد الأزديّ، عن زيد: ((فوقع عليّ من الهم ما
لم يقع على أحد))، وفي رواية محمد بن كعب: ((فرجعت إلى المنزل، فَنِمْتُ))،
زاد الترمذيّ في روايته: ((فَنِمْتُ كئيباً حَزيناً))، وفي رواية ابن أبي ليلى: ((حتى
جلست في البيت؛ مخافةً إذا رآني الناس أن يقولوا: كذبت)).
زاد في رواية للبخاريّ: ((فقال لي عمّي: ما أردت إلى أن كذّبك
رسول الله وَ له، ومَقَتك)) .
(حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقِي)؛ أي: تصديق ما أخبرت به النبيّ وَّ من قول
عبد الله بن أُبيّ الشنيع البذيّ، وقوله: (﴿إِذَا جَلَكَ اٌلْمُنَفِقُونَ﴾) مفعول به
لـ((أنزل)) محكيّ؛ لِقَصْد لفظه، والمراد به السورة بما اشتملت عليه من أحوال
المنافقين، وأقوالهم الشنيعة، وفي رواية البخاريّ: ((فأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا
جَاءَكَ الْمُنَفِقُونَ﴾))، فبعث إليّ النبيّ وَّه، فقرأ، فقال: ((إن الله قد صدّقك يا
زيد))، وفي مرسل الحسن: فأخذ رسول الله وَل﴿ بأُذُن الغلام، فقال: ((وَفَت
أُذنك يا غلام)» مرتین.
(قَالَ) زيد: (ثُمَّ دَعَاهُمُ النَّبِيُّ وَلِ﴿)؛ أي: طلب وَ﴿ المنافقين ابن أُبيّ
وأصحابه ليحضروا مجلسه (لِيَسْتَغْفِرَ لَّهُمْ) ما اقترفوه من الجرائم الفظيعة، (قَالَ)
زيد (فَلَوَّوْا) بتشديد الواو؛ أي: حرّكوا (رُؤُوسَهُمْ) استهزاء بالنبيّ ◌َِّ.
وقال البخاريّ كَظُّ في ((صحيحه)): ((لووا رؤوسهم حركوا، استهزؤوا
بالنبيّ وَّهِ، ويُقرأ بالتخفيف، من لَوَيت)). انتهى، قال في ((الفتح)): وفي مرسل
سعيد بن جبير: ((وجاء عبد الله بن أبيّ، فجعل يعتذر، فقال له النبيّ وَّ: تُبْ،
فجعل يلوي رأسه، فنزلت)). انتهى (١).
وقال في ((فتح القدير)): ﴿وَإِذَا قِيلَ لَمْ تَعَالَوْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾
[المنافقون: ٥]؛ أي: إذا قال لهم القائل من المؤمنين: قد نزل فيكم ما نزل من
القرآن، فتوبوا إلى الله تعالى، ورسوله وَلر، وتعالوا يستغفر لكم رسول الله،
﴿لَوَّوَأْ رُؤُوسَهُمْ﴾؛ أي: حَرّكوها استهزاء بذلك، قال مقاتل: عَطَفوا رؤوسهم رغبةً
(١) ((الفتح)) ٧٠٦/١٠.

٢١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
[المنافقون: ٥] بالتشديد، وقرأ نافع
عن الاستغفار، قرأ الجمهور:
بالتخفيف، واختار القراءة الأولى أبو عبيد، ﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾ [المنافقون: ٥]؛
أي: يُعرِضون عن قول من قال لهم: تعالوا يستغفر لكم رسول الله، أو
يُعرضون عن رسول الله وَّه، وجملة: ﴿وَهُم ◌ُسْتَكْبُونَ﴾ [المنافقون: ٥] في محل
نَصْب على الحال من فاعل الحال الأُولى، وهي ﴿يَصِدُّونَ﴾ [المنافقون: ٥]؛
لأن الرؤية بصرية، ف﴿يَصُدُّونَ﴾ [المنافقون: ٥] في محل نصب على الحال،
والمعنى: ورأيتهم صادّين مستكبرينٍ. انتهى(١).
(وقوله: ﴿كَأَهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾، وَقَالَ) زيد بن أرقم مفسّراً: (كَانُوا)؛
أي: المنافقون، (رِجَالاً أَجْمَلَ شَيْءٍ) الظاهر أن قول زيد هذا تفسير لقوله:
وَكَأَنَّهُمْ خُشُبٌ تُسَنَّدَةٌ ﴾، لكن قال في (الفتح)): إنه تفسير لقوله: ﴿تُعْجِبُكَ
أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]، ونصّه: قوله: ((خشب مسندة، قال: كانوا رجالاً
أجمل شيء)) هذا تفسير لقوله: ((تعجبك أجسامهم))، و((خشب مسندة)) تمثيل
لأجسامهم، ووقع هذا في نفس الحديث، وليس مدرجاً، فقد أخرجه أبو نعيم
من وجه آخر عن عمرو بن خالد، شيخ البخاري فيه، بهذه الزيادة، وكذا
أخرجه الإسماعيليّ من وجه آخر عن زهير.
[تنبيه]: قرأ الجمهور ﴿خُشُبٌ﴾ بضمتين، وأبو عمرو، والأعمش،
والكسائيّ بإسكان الشين. انتهى(٢).
قال الإمام ابن جرير الطبريّ كَُّ في ((تفسيره)»: يقول جلّ ذِكره لنبيّه
محمد : وإذا رأيت هؤلاء المنافقين يا محمد تُعجبك أجسامهم؛ لاستواء
خَلْقها، وحُسن صورها، وإن يقولوا تَسْمع لقولهم، يقول جل ثناؤه: وإن
يتكلموا تَسْمع كلامهم، يُشبه منطقهم منطق الناس، كأنهم خشب مسندة،
يقول: كأن هؤلاء المنافقين خشب مسندة، لا خير عندهم، ولا فقه لهم، ولا
علم، وإنما هم صُوَر بلا أحلام، وأشباح بلا عقول.
وقوله: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤] يقول جل ثناؤه: يحسب
هؤلاء المنافقون من خُبثهم، وسوء ظنهم، وقلة يقينهم، كل صيحة عليهم؛
(١) ((فتح القدير)) ٢٢٧/٧.
(٢) ((الفتح)) ٧٠٦/١٠.

=
٢١٥
(١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٦٩٩٨)
لأنهم على وَجَلٍ أن يُنزل الله فيهم أمراً يهتك به أستارهم، ويفضحهم، ويبيح
للمؤمنين قتلهم، وسَبْي ذراريهم، وأخذ أموالهم، فهم من خوفهم من ذلك كلما
نزل بهم من الله وحي على رسوله وَل ظنوا أنه نزل بهلاكهم، وعَطَبهم.
ويقول الله جل ثناؤه لنبيه وَلّ: هم العدو يا محمد، فاحذرهم، فإن
ألسنتهم إذا لقوكم معكم، وقلوبهم عليكم، مع أعدائكم، فهم عين لأعدائكم
عليكم .
وقوله: ﴿قَكَنَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤] يقول:
أخزاهم الله إلى أي وجه يُصرفون عن الحقّ. انتهى(١).
وقال في ((فتح القدير)): ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمٌ﴾ [المنافقون: ٤]؛
أي: هيئاتهم، ومناظرهم؛ يعني: أن لهم أجساماً تُعجب من يراها؛ لِمَا فيها
من النضارة، والرونق، ﴿وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِمْ﴾ فتحسب أن قولهم حقّ،
وصِدق؛ لفصاحتهم، وذلاقة ألسنتهم، وقد كان عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين
فصيحاً، جسيماً، جميلاً، وكان يحضر مجلس النبيّ وَّ﴾، فإذا قال سمع
النبيّ ◌َ﴿ مقالته، قال الكلبيّ: المراد: عبد الله بن أبيّ، وجَدّ بن قيس،
ومُعَتِّب بن قيس، كانت لهم أجسام، ومنظر، وفصاحة، والخطاب للنبيّ وَّ،
وقيل: لكلّ من يصلح له، ويدلّ عليهِ قراءة من قرأ: ((يُسمَع)) على البناء
للمفعول، وجملة: ﴿كَأَنَهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ مستأنفة؛ لتقرير ما تقدّم من أن
أجسامهم تُعجب الرائي، وتروق الناظر، ويجوز أن تكون في محل رفع على
أنها خبر مبتدأ محذوف، شُبّهوا في جلوسهم في مجالس رسول الله وَل
مستندين بها بالخشب المنصوبة المسندة إلى الحائط التي لا تَفْهَم، ولا تَعْلَم،
وهم كذلك؛ لخلوّهم عن الفهم النافع، والعلم الذي ينتفع به صاحبه، قال
الزجاج: وَصَفهم بتمام الصُّوَر، ثم أعلم أنهم في تَرْك الفهم، والاستبصار
بمنزلة الخشب، قرأ الجمهور: ﴿خُشُبٌ﴾ بضمتين، وقرأ أبو عمرو، والكسائي،
وقنبل بإسكان الشين، وبها قرأ البراء بن عازب، واختارها أبو عبيد؛ لأن
واحدتها خشبة كبدنة وبُدن، واختار القراءة الأُولى أبو حاتم، وقرأ سعيد بن
(١) ((تفسير الطبريّ)) ١٠٧/٢٨ - ١٠٨.

٢١٦
=
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
جبير، وسعيد بن المسيب بفتحتين، ومعنى ﴿ُسَنَّدَةٌ﴾: أنها أُسندت إلى غيرها،
من قولهم: أسندت كذا إلى كذا، والتشديد للتكثير، ثم عابهم الله سبحانه
بالجُبْن، فقال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: يحسبون كل صيحة يسمعونها
واقعة عليهم، نازلة بهم؛ لفرط جُبْنهم، ورُعب قلوبهم، وفي المفعول الثاني
للحسبان وجهان :
أحدهما: أنه عليهم، ويكون قوله: ﴿هُمُ الْعَدُوُ﴾ [المنافقون: ٤] جملة
مستأنفة؛ لبيان أنهم الكاملون في العداوة؛ لكونهم يُظهرون غير ما
يُبطنون.
والوجه الثاني: أن المفعول الثاني للحسبان هو قوله: ﴿هُ الْعَدُوُ﴾،
ويكون قوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٦] متعلقاً بـ (صَيْحَةٍ﴾ [المنافقون: ٤]، وإنما
جاء بضمير الجماعة باعتبار الخبر، وكان حقّه أن يقال: هو العدوّ، والوجه
الأوّل أولى، قال مقاتل، والسديّ: أي: إذا نادى منادٍ في العسكر، أو انفلتت
دابة، أو أُنشدت ضالة ظنوا أنهم المرادون؛ لِمَا في قلوبهم من الرعب، ومن
هذا قول الشاعر:
مَا زِلْتَ تَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهُمُ خَيْلاً تَكُرُّ عَلَيْهِمْ وَرِجَالًا
وقيل: كان المنافقون على وَجَل من أن ينزل فيهم ما يَهتك أستارهم،
ويبيح دماءهم، وأموالهم.
ج
ثم أمر الله سبحانه رسوله و ﴿ بأن يأخذ حَذَره منهم، فقال: ﴿فَأَحْذَرْهُ﴾.
أن يتمكنوا من فرصة منك، أو يَطّلعوا على شيءٍ من أسرارك؛ لأنهم عيون
لأعدائك من الكفار.
ثم دعا عليهم بقوله: ﴿قَانَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤]؛ أي:
لعنهم الله، وقد تقول العرب هذه الكلمة على طريقة التعجب؛ كقولهم:
قاتله الله مِن شاعر، أو ما أشعره، وليس بمراد هنا، بل المراد ذمّهم
وتوبيخهم، وهو طلب من الله سبحانه طلبه من ذاته رغم أن يلعنهم، ويخزيهم، أو
هو تعليم للمؤمنين أن يقولوا ذلك؛ ومعنى ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: كيف يُصرفون عن
الحق، ويميلون عنه إلى الكفر، قال قتادة: معناه: يَعدِلون عن الحقّ، وقال

٢١٧
(١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٦٩٩٨)
الحسن: معناه: يُصْرَفون عن الرُّشْد. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زيد بن أرقم بتظ ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٩٨/١] (٢٧٧٢)، و(البخاريّ) في ((التفسير))
(٤٩٠٠ و٤٩٠١ و٤٩٠٢ و٤٩٠٣ و٤٩٠٤)، و(الترمذيّ) في ((التفسير))
(٣٣١٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٩١/٦ و٤٩٢)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٣٦٨/٤ و٣٧٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٨٩/٥)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١٩٨/٨ و٣٢/٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان صفات المنافقين، فقد بيّنتها السورة أتمّ بيان، ليس
وراءها بيان لأحد؛ ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اُلَّطِيفُ الْخَيْرُ
١٤)) [الملك: ١٤]،
يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤].
٢ - (ومنها): تَرْك مؤاخذة كبراء القوم بالهفوات؛ لئلا ينفر أتباعهم،
والاقتصار على معاتباتهم، وقبول أعذارهم، وتصديق أيمانهم، وإن كانت
القرائن تُرشد إلى خلاف ذلك؛ لِمَا في ذلك من التأنيس، والتأليف.
٣ - (ومنها): جواز تبليغ ما لا يجوز للمقول فيه، ولا يُعَدّ نميمةً
مذمومة، إلا إن قصد بذلك الإفساد المطلق، وأما إذا كانت فيه مصلحة تُرَجَّح
على المفسدة فلا .
٤ - (ومنها): بيان منقبة هذا الصحابيّ الجليل ظُه، حيث صدّق إخباره
للنبيّ وَّه بما قاله المنافق ابن أَبيّ، فهذا هو الفخر العظيم، والفضل الجسيم.
٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه المنافقون من الكذب، والبهتان، وما
تنطوي عليه قلوبهم الغبيّة، من الحقد، والحسد، والمكر والتآمر على الإسلام
والمسلمين، ولكن الله ◌ُعَلَ غالب على أمره، فيفضحهم، ويُخزيهم، ولا يبلّغهم
(١) ((فتح القدير)) ٢٢٧/٧.

٢١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
أمنيتهم، بل ينصر الإسلام والمسلمين وفاءً بوعده الصادق: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا
﴾ [غافر: ٥١]، ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِ الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ
كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَصُورُونَ
وَإِنَّ جُندَنَا لَمُ الْغَلِبُونَ (َ)﴾ [الصافات:
١٧٢
١٧١ - ١٧٣]، اللَّهُمَّ انصر الإسلام والمسلمين، ودمّر أعداءك، أعداء الدين،
وأهلك الكفرة والملحدين، آمين.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٩٩] (٢٧٧٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبُِّّ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنٍ أَبِي شَيْبَةَ - قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ
الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِراً يَقُولُ: أَنتَى
النَّبِيُّ ◌َِّ قَبْرَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ قَبْرِهِ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ
مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، فَاللهُ أَعْلَمُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ) أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، رُمي بالنصب
[١٠] (ت٢٤٥) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٣/١.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قريباً.
٣ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١/ ١٨٤.
٤ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ، ثم السَّلَميّ
- بفتحتين - الصحابيّ ابن صحابيّ، غزا تسع عشرة غزوةً، ومات بالمدينة بعد
السبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
والباقيان ذُكرا في الإسنادين الماضيين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف كَخْذَتُهُ، وهو
(٤٢٩) من رباعيّات الكتاب، وفيه جابر بن عبد الله الصحابيّ ابن
الصحابيّ يه، وأحد المكثرين السبعة
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرٍو) الأثرم المكيّ؛ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِراً) ◌َبه (يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ ◌َّ

٢١٩
(١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٦٩٩٩)
قَبْرَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ) زاد في رواية النسائيّ: ((وقد وُضع في قبره، فوقف عليه))،
(فَأَخْرَجَهُ)؛ أي: أمر بإخراجه (مِنْ قَبْرِهِ)؛ أي: فأُخرج له منه، (فَوَضَعَهُ عَلَى
رُكْبَيْهِ) الشريفتين (وَنَفَثَ عَلَيْهِ) قال في ((المصباح)): نَفَثَه من فِيهِ، نفْئاً، من باب
ضَرَبَ: رَمَى به، ونَفَثَ: إذا بَزَق، ومنهم من يقول: إذا بَزَقَ، ولا ريق معه.
انتھی(١).
وقال وليّ الدين تَخْتُ: النَّفْث - بالنون، والفاء، والثاء -: شَبيه بالنفخ،
وهو أقلّ من التفْل، قاله في ((الصحاح))، و((المحكم))، و((النهاية))، زاد في
((النهاية)): لأن التَّفْل لا يكون إلا ومعه شيء من الريق، وقال في ((الصحاح)):
أولُهُ البَزْقُ، ثم التَّفْلُ، ثم النَّفْثُ، ثم النَّفْخُ، ثم قال في ((المحكم)): وقيل: هو
التفل بعينه، وحَكَى في ((المشارق)» كونَ التفل لا يكون إلا ومعه شيء من
الريق، عن أبي عُبيد، ثم قال: وقيل: هما سواء، يكون معهما ريق، وقيل:
بعكس الأول. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالی عنه: قول من قال: إن النفث یکون معه ريق،
هو الأشبه؛ لأنه يؤيّده قوله بعده: (مِنْ رِيقِهِ)، و((من)) تبعيضية؛ أي: نفث وَلّ
عليه بعض ريقه المبارك.
قال ابن بطال رَّتُهُ: فيه حجة على من قال: إن ريق ابن آدم، ونُخامته نجس،
وهو قول يُروَى عن سلمان الفارسيّ ◌َُّه، والعلماءُ كلهم على خلافه، والسننُ
وردت بردّه، فمعاذ الله أن يكون ريق النبيّ وَ ل﴿ نجساً، ونفثه على وجه التبرك به،
وهو ◌َّ عَلَّمَنَا النظافة، والطهارة، وبه طهّرنا الله تعالى من الأدناس. انتهى.
(مِنْ رِيقِهِ) وَّ، وهو بكسر الراء: هو ماء الفم، ويؤنّث، فيقال: رِيقةٌ،
وقيل: التأنيث بالهاء للوحدة، قاله الفيّوميّ كَّتُهُ(٣).
(وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ)؛ أي: ألبس النبيّ وَّر عبد الله بن أَبيّ قميصه الذي كان
يلبسه وله تبريكاً له.
(١) ((المصباح المنير)) ٦١٥/٢ - ٦١٦.
(٢) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٨١/٣.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢٤٨/١.

٢٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
وظاهر هذا الحديث يقتضي أنه وَو إنما ألبسه قميصه بعد إدخاله حفرته،
وهو مخالف لِمَا سيأتي من حديث ابن عمر ◌ًا، حيث إن ابنه عبد الله بن
عبد الله بن أُبيّ جاء إلى النبيّ وَّ، فسأله قميصه، فأعطاه له، وأمره أن يُؤذنه
بالصلاة، فآذنه، فلما أراد أن يصلي عليه، جذبه عمر إلخ، فإن ظاهره أنه
أعطاه قميصه أول وفاته، قبل دفنه، وإدخاله في حفرته.
وقد جُمع بينهما بأن معنى قوله في حديث ابن عمر: ((فأعطاه))؛ أي:
أنعم له بذلك، فأَطلق على الْعِدَّةِ اسم العطيّة مجازاً؛ لتحقّق وقوعها، وكذا
قوله في حديث جابر: ((بعدما دُفن عبد الله بن أُبيّ))؛ أي: دُلّي في حفرته،
وكأن أهل عبد الله بن أبيّ خَشُوا على النبيّ وََّ المشقّة في حضوره، فبادروا
إلى تجهيزه قبل وصول النبيّ وَل﴾، فلما وصل وجدهم قد دلَّوه في حفرته،
فأمر بإخراجه، إنجازاً لوعده في تكفينه في القميص، والصلاة عليه، والله
أعلم.
وقيل: أعطاه ◌َلهو أحد قميصيه أوّلاً، ثم لمّا حضر أعطاه الثاني بسؤال
ولده، وفي ((الإكليل)) للحاكم ما يؤيّد ذلك، وقيل: ليس في حديث جابر دلالة
على أنه ألبسه قميصه بعد إخراجه من القبر؛ لأن لفظه: ((فوضعه على ركبتيه،
وألبسه قميصه))، والواو لا ترتّب، فلعلّه أراد أن يذكر ما وقع في الجملة من
إكرامه له من غير إرادة ترتيب(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التأويل الأخير عندي هو الأقرب،
والأشبه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَاللهُ أَعْلَمُ)؛ أي: بحال عبد الله بن أُبَيّ، هل هو ممن يستحق
قبول شفاعته وَلّر فيه، أم لا؟ وهذا من كلام جابر رظ ◌ُه، كما صرّح به عند
النسائيّ، ولفظه: قال جابر: ((وصلى عليه، والله أعلم))، ولفظ ((الكبرى)): ((قال
جابر: والله أعلم)). وقد وقع مثله في حديث ابن عباس، عن عمر ط﴿ه، والله
تعالى أعلم.
(١) راجع: ((الفتح)) ٩/٤، ((كتاب الجنائز)) رقم (١٢٧٠).