Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤)
سعيد بن جبير، عند ابن أبي حاتم، وغيره، وفي مرسل مقاتل بن حيان، عند
الحاكم في ((الإكليل))، بلفظ: ((فرماها عبد الله بن أَبَيّ))، وفي حديث ابن
عمر ◌ًا، عند الطبرانيّ، بلفظ أشنع من ذلك، وورد أيضاً أنه ممن جُلد
الحدّ، وقع ذلك في رواية أبي أويس، عن الحسن بن زيد، وعبد الله بن أبي
بكر بن حزم، وغيرهما، مرسلاً، أخرجه الحاكم في ((الإكليل))، فإن ثبتا سقط
السؤال، وإن لم يثبتا فالقول ما قال عياض، فإنه لم يثبت خبر بأنه قذف
صريحاً، ثم لم يُحَدّ.
قال الجامع عفا الله عنه: من تأمّل سياق ما في (الصحيحين)) من قصّة
عائشة ﴿ّا لا يكاد يرتاب في كون عبد الله بن أبيّ ممن صرّح بقذفها ◌ُّا،
فتأمل القصّة حقّ التأمل يظهر لك صِدق ما قلتُه، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى
وليّ التوفيق.
وقد حَكَى الماورديّ إنكار وقوع الحدّ بالذين قذفوا عائشة مثًّا أصلاً كما
تقدم، واعتل قائله بأن حدّ القذف لا يجب إلا بقيام بينة، أو إقرار، وزاد
غيره: أو بطلب المقذوف، قال: ولم ينقل ذلك، قال الحافظ: كذا قال، وفيه
نظر.
٨٩ - (ومنها): أنه استَدَلّ به أبو عليّ الكرابيسيّ صاحب الشافعيّ في
(كتاب القضاء)) على منع الحكم حالة الغضب؛ لِمَا بدا من سعد بن معاذ،
وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة من قول بعضهم لبعض حالة الغضب، حتى
كادوا يقتتلون، قال: فإن الغضب يُخرج الحليم المتقي إلى ما لا يليق به، فقد
أخرج الغضب قوماً من خيار هذه الأمة بحضرة رسول الله وَّله إلى ما لا يَشُكّ
أحد من الصحابة أنها منهم زلة، إلى آخر كلامه في ذلك، قال الحافظ: وهذه
مسألة نقل بعض المتأخرين فيها رواية عن أحمد، ولم تثبت.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى حُسن استنباط عدم المؤاخذة بما
يصدر في حالة الغضب، فإن القصّة واضحة في ذلك، وأما الحكم في حالة
الغضب فبعيد عنها، لكن ثبت عن النبيّ وَّر أنه نهى عنه، فقد أخرج أصحاب
((السنن)) عن أبي بكرة نظُّبه قال: قال رسول الله وَله: ((لا يقضي الْحَكَم بين
اثنین، وهو غضبان))، وهو حديث صحيح.

١٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
جميعَ قصّتها المشتملة
٩٠ - (ومنها): أنه يؤخذ من سياق عائشة
على براءتها بيانُ ما أُجْمِل في الكتاب والسُّنَّة لسياق أسباب ذلك، وتسمية من
يُعرف من أصحاب القصص لِمَا في ضمن ذلك من الفوائد الأحكامية،
والآدابية، وغير ذلك، وبذلك يُعرف قصور من قال: براءة عائشة ◌ّا ثابتة
بصريح القرآن، فأيّ فائدة لسياق قصتها؟، ذكر هذه الفوائد كلّها في
((الفتح))(١)، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٩٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ
(ح) وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِمِثْلٍ
حَدِيثٍ يُونُسَ، وَمَعْمَرٍ، بِإِسْنَادِهِمَا، وَفِي حَدِيثِ فُلَيْحِ: اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، كَمَا قَالَ
مَعْمَرٌ، وَفِي حَدِيثٍ صَالِحٍ: احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ؛ كَقَّوْلِ يُونُسَ، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ
صَالِحٍ: قَالَ عُرْوَةُ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ، وَتَقُولُ: فَإِنَّهُ قَالَ:
لِعِرْضٍ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ(٢) وَعِرْضِي
وَزَادَ أَيْضاً: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: والله إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَّهُ مَا قِيلَ
لَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللهِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفِ (٣) أُنْثَى قَطُّ، قَالَتْ:
ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهِيداً فِي سَبِيلِ اللهِ، وَفِي حَدِيثٍ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: مُوعِرِينَ
فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: مُوغِرِينَ، قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: قُلْتُ
لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ: مَا قَوْلُهُ: مُوغِرِينَ؟ قَالَ: الْوَغْرَةُ: شِدَّةُ الْحَرِّ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود الزَّهْرانيّ البصريّ، نزيل بغداد،
ثقةٌ، لم يتكلم فيه أحد بحجة [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان))
١٩٠/٢٣.
(١) ((الفتح)) ٤٣٠/١٠ - ٤٣٥، ((كتاب التفسير)) رقم (٤٧٥٠).
(٢) وفي نسخة: ((ووالدتي)).
(٣) وفي نسخة: ((من كنف)).

١٨٣
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٥)
٢ - (فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن أبي المغيرة الْخُزاعيّ، أو الأسلميّ، أبو يحيى
المدنيّ، ويقال: فليح لقبٌ، واسمه عبد الملك، صدوقٌ كثير الخطأ [٧]
(ت١٦٨) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٩/ ٥٧٥.
٣ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) نزیل مكة، تقدّم قبل بابين.
٤ - (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) أبو محمد الغفاريّ المدنيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ) ضمير التثنية لفُليح، وصالح بن كيسان.
وقوله: (فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ) وفي نسخة: ((ووالدتي))، وتقدّم شرح هذا البيت
مع أبيات في مناقب حسّان
وقوله: (وَزَادَ أَيْضاً)؛ أي: زاد صالح بن كيسان.
وقولها: (إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ إلخ)؛ تعني: صفوان بن
المعظّل.
وقولها: (مُوعِرِينَ ... إلخ) بالعين المهملة بدل الغين المعجمة، قال
الأبيّ: قال ابن سرّاج: ولا وجه له، ووقع عند القرطبيّ بلفظ: ((موعزين))،
قال الأبيّ: ولا وجه له أيضاً (١)، لكن قال القرطبيّ: يمكن أن يقال فيه:
هو من وعزت إليه؛ أي: تقدّمت، قال: والرواية الأُولى أصحّ، وأولى.
(٢)
انتھی(٢) .
وقوله: (فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ) نحر كلّ شيء أوله؛ أي: في أول وقت شدّة
الحرّ.
[تنبيه]: أما رواية فُليح بن سليمان، عن الزهريّ، فقد ساقها
البخاريّ كَثُ في ((صحيحه))، فقال:
(٢٥١٨) - حدّثنا أبو الربيع سليمان بن داود، وأفهمني بعضه أحمد بن
يونس، حدّثنا فُليح بن سليمان، عن ابن شهاب الزهريّ، عن عروة بن الزبير،
وسعيد بن المسيِّب، وعلقمة بن وقّاص الليثيّ، وعُبيد الله بن عبد الله بن عتبة،
(١) ((شرح الأبيّ)) ٧/ ١٧٧.
(٢) ((المفهم)) ٣٦٨/٧.

١٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
عن عائشة لزوج النبيّ وَّ ر حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرّأها الله منه،
قال الزهريّ: وكلهم حدّثني طائفة من حديثها، وبعضهم أوعى من بعض،
وأثبت له اقتصاصاً، وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدّثني عن
عائشة، وبعض حديثهم يصدِّق بعضاً، زعموا أن عائشة قالت: كان رسول الله وَالد
إذا أراد أن يخرج سفراً أقرع بين أزواجه، فأيتهنّ خرج سهمها خرج بها معه،
فأقرع بيننا في غَزاة غزاها، فخرج سهمي، فخرجت معه بعدما أُنزل الحجاب،
فأنا أُحمل في هودج، وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله وَّر من غزوته
تلك، وقَفَل، ودنونا من المدينة آذن ليلةً بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل،
فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرَّحْل، فلمست
صدري، فإذا عِقْدٌ لي من جَزْع أظفار، قد انقطع، فرجعت، فالتمست عقدي،
فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يَرْحَلون لي، فاحتملوا هودجي، فرَحَلوه على
بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خِفافاً،
لم يَتْقُلن، ولم يغشهنّ اللحم، وإنما يأكلن الْعُلْقة من الطعام، فلم يستنكر القوم
حين رفعوه ثِقَل الهودج، فاحتملوه، وكنت جارية حديثة السنّ، فبعثوا الجمل،
وساروا، فوجدت عقدي بعدما استمرّ الجيش، فجئت منزلهم، وليس فيه أحد،
فَأَمَمْتُ منزلي الذي كنت به، فظننت أنهم سيفقدونني، فيرجعون إليّ، فبينا أنا
جالسة غلبتني عيناي، فنِمْتُ، وكان صَفْوان بن الْمُعَطَّل السُّلَميّ، ثم الذّكْوانيّ
من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، وكان
يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه، حين أناخ راحلته، فوَطِىء يدها،
فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا مُعَرِّسين، في
نَحْر الظهيرة، فهلك من هلك.
وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أُبَيّ ابن سَلُولَ، فقدمنا المدينة،
فاشتكيت بها شهراً، يُفِيضون من قول أصحاب الإفك، ويُريبني في وجعي أني
لا أرى من النبيّ ◌َ﴿ اللطف الذي كنت أرى منه حين أَمْرَض إنما يدخل،
فيسلِّم، ثم يقول: ((كيف تيكم؟))، لا أشعر بشيء من ذلك، حتى نَقِهت،
فخرجت أنا وأم مِسطح قِبَل المناصع، متبرَّزِنا، لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل،

١٨٥
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الِقْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٥)
وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا، وأمْرنا أمْر العرب الأُوَل في البريّة،
أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رُهْم، نمشي، فعثرت في مِرطها،
فقالت: تَعِس مِسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلاً شهد بدراً؟
فقالت: يا هنتاه، ألم تسمعي ما قالوا؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت
مرضاً إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، دخل عليّ رسول الله وَس﴾، فسلّم،
فقال: ((كيف تيكم؟))، فقلت: ائذن لي إلى أبويّ، قالت: وأنا حينئذ أريد أن
أستيقن الخبر مِن قِبَلهما، فأذن لي رسول الله وَله، فأتيت أبويّ، فقلت لأمي:
ما يتحدث به الناس؟ فقالت: يا بنية هَوِّني على نفسك الشأن، فوالله لقلّما
كانت امرأة قط وضيئةٌ عند رجل يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها، فقلت:
سبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا؟ قالت: فبتّ الليلة، حتى أصبحت، لا
يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت، فدعا رسول الله وَّه عليّ بن أبي
طالب، وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحيُّ، يستشيرهما في فراق أهله، فأما
أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الودّ لهم، فقال أسامة: أهلُك يا
رسول الله، ولا نعلم والله إلا خيراً، وأما علي بن أبي طالب، فقال: يا
رسول الله لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسَلِ الجارية تصدقك،
فدعا رسول الله 98َّ بريرة، فقال: ((يا بريرة هل رأيت فيها شيئاً يريبك؟)) فقالت
بريرة: لا والذي بعثك بالحقّ إن رأيت منها أمراً أغمصه عليها، أكثر من أنها
جارية حديثة السنّ، تنام عن العجين، فتأتي الداجن، فتأكله.
فقام رسول الله وَّر من يومه، فاستعذر من عبد الله بن أُبَيّ ابن سلولَ،
فقال رسول الله ◌َ: ((من يَعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما
علمت على أهلي إلا خيراً، وقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما
كان يدخل على أهلي إلا معي))، فقام سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله أنا
والله أعذِرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من
الخزرج، أمرتنا، ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج،
وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن احتملته الحمية، فقال: كذبت، لعمر الله
لا تقتله، ولا تقدر على ذلك، فقام أُسيد بن الحضير، فقال: كذبت لعمر الله،
والله لنقتلنّه، فإنك منافق، تجادل عن المنافقين، فثار الحيان: الأوس

١٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
والخزرج، حتى هَمُّوا، ورسول الله وَّه على المنبر، فنزل، فخفّضهم، حتى
سکتوا، وسکت.
وبَكَيت يومي، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، فأصبح عندي أبواي،
قد بكيت ليلتين، ويوماً، حتى أظنّ أن البكاء فالق كبدي، قالت: فبينا هما
جالسان عندي، وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار، فأذنت لها،
فجلست تبكي معي، فبينا نحن كذلك، إذ دخل رسول الله وَّ ﴿، فجلس، ولم
يجلس عندي من يوم قيل فيّ ما قيل قبلها، وقد مكث شهراً لا يوحى إليه في
شأني شيء، قالت: فتشهد، ثم قال: ((يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا،
فإن كنت بريئة، فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بشيء، فاستغفري الله، وتوبي
إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب تاب الله عليه))، فلما قضى
رسول الله وَ﴿ مقالته، قَلَص دمعي، حتى ما أُحسّ منه قطرة، وقلت لأبي:
أجب عني رسول الله وَله، قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله وَله، فقلت
لأمي: أجيبي عني رسول الله وَّ فيما قال، قالت: والله ما أدري ما أقول
لرسول الله وَّ﴾، قالت: وأنا جارية حديثة السنّ، لا أقرأ كثيراً من القرآن،
فقلت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووَقَر في
أنفسكم، وصدقتم به، ولئن قلت لكم: إني بريئة، والله يعلم أني لبريئة، لا
تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئةٍ، لتصدقُنِّي، والله
ما أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف، إذ قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى
مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، ثم تحولت على فراشي، وأنا أرجو أن يبرئني الله،
ولكن والله ما ظننت أن يُنزل في شأني وحياً، ولأنا أحقر في نفسي من أن
يُتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله وَّ في النوم
رؤيا، يبرئني الله، فوالله ما رام مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى
أُنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من الْبُرَحاء، حتى إنه ليتحدّر منه مثلُ
الْجُمَان، من العرق، في يوم شاتٍ، فلما سُرِّي عن رسول الله وَّل، وهو
يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها، أن قال لي: ((يا عائشة احمدي الله، فقد
برأك الله))، فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله وَل﴾، فقلت: لا، والله لا
أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِلِفَكِ عُصْبَةٌ

١٨٧
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٥)
مِنكُمْ﴾ الآيات [النور: ١١]، فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر
الصديق نظنه، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه: والله لا أنفق على
مسطح شيئاً أبداً بعد ما قال لعائشة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ
مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ - إلى قوله -: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور:
٢٢]، فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح
الذي كان يُجري عليه، وكان رسول الله لم يسأل زينب بنت جحش عن
أمري، فقال: ((يا زينب ما علمت؟، ما رأيت؟)) فقالت: يا رسول الله أحمي
سمعي، وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيراً، قالت: وهي التي كانت
تسامیني، فعصمها الله بالورع. انتهى(١).
وأما رواية صالح بن كيسان عن الزهريّ، فقد ساقها البخاريّ تَخْتُ أيضاً
في ((صحيحه))، فقال:
(٣٩١٠) - حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن
صالح، عن ابن شهاب، قال: حدّثني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيِّب،
وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عائشة رضيقا
زوج النبيّ بَّ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، وكلّهم حدّثني طائفة من
حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت له اقتصاصاً، وقد
وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدّثني عن عائشة، وبعض حديثهم
يصدّق بعضاً، وإن كان بعضهم أوعى له من بعض، قالوا: قالت عائشة: كان
رسول الله ◌َ﴿ إذا أراد سفراً أقرع بين أزواجه، فأيتهنّ خرج سهمها خرج بها
رسول الله 18َّ معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها
سهمي، فخرجت مع رسول الله ﴿ ﴿م بعدما أُنزل الحجاب، فكنت أُحمل في
هودجي، وأُنزل فيه، فَسِرْنا، حتى إذا فرغ رسول الله وَّ من غزوته تلك،
وقفل، ودنونا من المدينة قافلين، آذن ليلةً بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل،
فمشيت، حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى رحلي، فلمست
صدري، فإذا عِقد لي من جَزْع ظَفَارٍ، قد انقطع، فرجعت، فالتمست عقدي،
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٢/ ٩٤٣ - ٩٤٦.

١٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
فحبسني ابتغاؤه، قالت: وأقبل الرهط الذين كانوا يَرْحَلون لي، فاحتملوا
هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه، وهم يحسبون أني فيه،
وكان النساء إذ ذاك خفافاً، لم يَهْبُلْنَ، ولم يغشهنّ اللحم، إنما يأكلن الْعُلْقة
من الطعام.
فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه، وحملوه، وكنت جارية حديثة
السنّ، فبعثوا الجمل، فساروا، ووجدت عقدي بعدما استمرّ الجيش، فجئت
منازلهم، وليس بها منهم داع، ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه،
وظننت أنهم سيفقدونني، فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي، غلبتني
عيني، فنمت، وكان صفوان بن المعظّل السُّلَميّ، ثم الذِّكْوَانيّ من وراء
الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فعرفني حين رآني، وكان
رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي
بجلبابي، ووالله ما تكلمنا بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى
حتى أناخ راحلته، فوطئ على يدها، فقمت إليها، فركبتها، فانطلق يقود بي
الراحلة، حتى أتينا الجيش مُوغرين في نحر الظهيرة، وهم نزول، قالت: فهلك
فيّ من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبيّ ابن سلولَ، قال
عروة: أُخبرت أنه كان يشاع، ويُتحدث به عنده، فيقرّه، ويستمعه، ويستوشيه،
وقال عروة أيضاً: لم يُسَمَّ من أهل الإفك أيضاً إلا حسان بن ثابت، ومِسطح بن
أُثاثة، وحَمْنة بنت جحش، في ناس آخرين، لا علم لي بهم، غير أنهم عصبة،
كما قال الله تعالى، وإن كِبْر ذلك يقال له: عبد الله بن أبي ابن سلولَ، قال
عروة: كانت عائشة تكره أن يُسَبّ عندها حسان، وتقول إنه الذي قال:
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدُهُ وَعِرْضِي لِعِرْضٍ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهراً، والناس
يُفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يُريبني في
وجعي، أني لا أعرف من رسول الله ◌َّ اللطف الذي كنت أرى منه حين
أشتكي، إنما يدخل عليّ رسول الله وَليه، فيسلّم، ثم يقول: ((كيف تيكم؟))، ثم
ينصرف، فذلك يريبني، ولا أشعر بالشرّ، حتى خرجت حين نَقِهت، فخرجت
مع أم مسطح قِبَل المناصع، وكان متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل،

١٨٩
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٥)
وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا، قالت: وأمْرنا أمْر العرب الأُوَل في
البريّة قبل الغائط، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، قالت: فانطلقت
أنا وأم مسطح، وهي ابنة أبي رُهْم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت
صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مِسطح بن أثاثة بن عباد بن
المطلب، فأقبلت أنا وأم مسطح قِبَل بيتي، حين فرغنا من شأننا، فعَثَرت أم
مسطح في مرطها، فقالت: تَعِس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين
رجلاً شَهِد بدراً؟ فقالت: أي هنتاه، أوَ لم تسمعي ما قال؟ قالت: وقلت: وما
قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، قالت: فازددت مرضاً على مرضي، فلما
رجعت إلى بيتي، دخل عليّ رسول الله وَليره، فسلّم، ثم قال: ((كيف تيكم؟))
فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟ قالت: وأريد أن استيقن الخبر من قِبَلهما،
قالت: فأذن لي رسول الله وَل﴿، فقلت لأمي: يا أمتاه، ماذا يتحدث الناس؟
قالت: يا بنية هَوِّني عليك، فوالله لقلّما كانت امرأة قط وضيئةٌ، عند رجل
يحبها، لها ضرائر، إلا أكثرن عليها، قالت: فقلت: سبحان الله، أوَ لقد
تحدث الناس بهذا؟
قالت: فبكيت تلك الليلة، حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل
بنوم، ثم أصبحت أبكي، قالت: ودعا رسول الله وَّ عليّ بن أبي طالب،
وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحيُّ، يسألهما، ويستشيرهما في فراق أهله،
قالت: فأما أسامة فأشار على رسول الله وَ* بالذي يعلم من براءة أهله،
وبالذي يعلم لهم في نفسه، فقال أسامة: أهلُك، ولا نعلم إلا خيراً، وأما
عليّ: فقال: يا رسول الله لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسَلٍ
الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول الله ﴿ ﴿ بريرة، فقال: ((أي بريرةُ، هل
رأيت من شيء يريبك؟)) قالت له بريرة: والذي بعثك بالحقّ ما رأيت عليها أمراً
قط أغمصه، أكثر من أنها جارية حديثة السنّ، تنام عن عجين أهلها، فتأتي
الداجن فتأكله، قالت: فقام رسول الله وَلا من يومه، فاستعذر من عبد الله بن
أُبَيّ، وهو على المنبر، فقال: ((يا معشر المسلمين من يَعذِرني من رجل، قد
بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا
رجلاً، ما علمت عليه إلا خيراً، وما يدخل على أهلي إلا معي))، قالت: فقام

١٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
سعد بن معاذ، أخو بني عبد الأشهل، فقال: أنا يا رسول الله أَعذِرك، فإن كان
من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا، ففعلنا
أمرك، قالت: فقام رجل من الخزرج، وكانت أم حسان بنت عمه، من فخذه،
وهو سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، قالت: وكان قبل ذلك رجلاً صالِحاً،
ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على
قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يُقتل، فقام أُسيد بن حُضير، وهو ابن
عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق، تجادل
عن المنافقين، قالت: فثار الحيّان: الأوس والخزرج، حتى هَمُّوا أن يقتتلوا،
ورسول الله صل قائم على المنبر، قالت: فلم يزل رسول الله ﴾ يخفضهم،
حتى سكتوا، وسكت، قالت: فبكيت يومي ذلك كله، لا يرقأ لي دمع، ولا
أكتحل بنوم، قالت: وأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين، ويوماً، لا يرقأ
لي دمع، ولا أكتحل بنوم، حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي، فبينا أبواي
جالسان عندي، وأنا أبكي، فاستأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها،
فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك، دخل رسول الله صل﴿ علينا،
فسلّم، ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث
شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهد رسول الله وَ ط حين جلس،
ثم قال:
((أما بعد، يا عائشة، إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة،
فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب، فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإن العبد
إذا اعترف، ثم تاب تاب الله عليه))، قالت: فلما قضى رسول الله وَليه مقالته
قلص دمعي، حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله ودّ عني
فيما قال، فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله وَله، فقلت لأمي:
أجيبي رسول الله وَّر فيما قال، قالت أمي: والله ما أدري ما أقول
لرسول الله ﴿﴿، فقلت ــ وأنا جارية حديثة السنّ، لا أقرأ من القرآن كثيراً -:
إني والله لقد علمت، لقد سمعتم هذا الحديث، حتى استقر في أنفسكم،
وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة، لا تصدقونني، ولئن اعترفت لكم
بأمر، والله يعلم أني منه بريئة، لتصدقُنِّي، فوالله لا أجد لي ولكم مَثَلاً إلا أبا

١٩١
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الاِْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٥)
يوسف، حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، ثم
تحولت، واضطجعت على فراشي، والله يعلم أني حينئذ بريئة، وإن الله مبرئي
ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحياً يُتْلَى، لَشأني في
نفسي، كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر، ولكني كنت أرجو أن يرى
رسول الله 18 في النوم رؤيا، يبرئني الله بها، فوالله ما رام رسول الله عَليه
مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أُنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه
من الْبُرَحاء، حتى إنه ليتحدّر منه من العرق مثل الْجُمَان، وهو في يوم شاتٍ،
من ثِقَل القول الذي أُنزل عليه، قالت: فسُرِّي عن رسول الله وَّةٍ، وهو
يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال:
((يا عائشة، أما الله فقد برأك)»، قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت:
والله لا أقوم إليه، فإني لا أحمد إلا الله رَّت، قالت: وأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
جَمُو بِلْإِفِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾ [النور: ١١] العشر الآيات، ثم أنزل الله هذا في براءتي،
قال أبو بكر الصديق، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه، وفقره: والله
لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ
أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ - إلى قوله -: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، قال أبو بكر الصديق:
بلى، والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق
عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً، قالت عائشة: وكان رسول الله وَالتو سأل
زينب بنت جحش عن أمري، فقال لزينب: ((ماذا علمت؟ أو رأيت؟)) فقالت: يا
رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيراً، قالت عائشة: وهي
التي كانت تساميني من أزواج النبيّ وَّر، فعصمها الله بالورع، قالت: وطفقت
أختها حَمْنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك.
قال ابن شهاب: فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرهط، ثم قال
عروة: قالت عائشة: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل، ليقول: سبحان الله،
فوالذي نفسي بيده ما كشفت من كنف أنثى قط، قالت: ثم قُتل بعد ذلك في
(١)
سبيل الله. انتهى"
(١) (صحيح البخاريّ)) ١٥١٧/٤ - ١٥١٨.

١٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٩٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا ذُكِرَ مِنْ
شَأْنِي الَّذِي ذُكِرَ، وَمَا عَلِمْتُ بِهِ، قَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ خَطِيباً، فَتَشَهَّدَ، فَحَمِدَ اللهَ،
وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي،
وَايْمُ اللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ قَطُّ، وَأَبَنُوهُمْ بِمَنْ والله مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ
سُوءٍ قَطُّ، وَلَا دَخَلَ بَيْتِي قَطُّ إِلَّ وَأَنَا حَاضِرٌ، وَلَا غِبْتُ فِي سَفَرٍ إِلَّ غَابَ مَعِي))،
وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَفِيهِ: وَلَقَدْ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ نَّ بَيْتِي، فَسَأَ جَارِيَتِي،
فَقَالَتْ: والله مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْباً، إِلَّ أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ، فَتَأْكُلَ
عَجِينَهَا، أَوْ قَالَتْ: خَمِيرَهَا - شَكَّ هِشَامٌ - فَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ:
اصْدُقِي رَسُولَ اللهِ وَّهِ حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ، والله مَا عَلِمْتُ
عَلَيْهَا، إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ، وَقَدْ بَلَغَ الأَمْرُ ذَلِكَ الرَّجُلَ
الَّذِي قِيلَ لَهُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، والله مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفٍ أُنْثَى قَطُّ، قَالَتْ
عَائِشَةُ: وَقُتِلَ شَهِيداً فِي سَبِيلِ اللهِ، وَفِيهِ أَيْضاً مِنَ الزِّيَادَةَ: وَكَانَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا
بِهِ: مِسْطَحْ، وَحَمْنَةُ، وَحَسَّانُ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ فَهُوَ الَّذِي كَانَ
يَسْتَوْشِيهِ، وَيَجْمَعُهُ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ، وَحِمْنَةُ).
رجال هذا الإسناد: ستةٌ :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) أبو كريب الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوّام الأسديّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربّما دَلَّس [٥]
(ت٥ أو ١٤٦) وله سبع وثمانون سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٥٠.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، و((أَبُو أَسَامَةَ)) هو: حماد بن
أسامة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﴿ّا؛ أنها (قَالَتْ: لَمَّا ذُكِرَ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله
الموصول بعده، وقولها: (مِنْ شَأْنِي) بيان لقولها: (الَّذِي ذُكِرَ) بالبناء للمفعول

١٩٣
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٦)
أيضاً؛ أي: من قول أهل الإفك، (وَ) الحال أني (مَا) نافية، (عَلِمْتُ بِهِ)؛ أي:
بالذي ذُكر، وقولها: (قَامَ) جواب ((لَمّا))، (رَسُولُ اللهِ وََّ) حال كونه (خَطِيباً)،
ثمّ فسّرت خطبته بقولها: (فَتَشَهَّدَ، فَحَمِدَ اللهَ) وَ (وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ) من
أوصاف الكمال، (ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ أَشِيرُوا عَلَيَّ) هكذا هذه الرواية بحذف
الفاء من جواب «أمّا))، وهو جائز كثير إذا حُذف مع القول، وإن كان دونه كان
قليلاً، كما قال في ((الخلاصة)):
لِتِلْوِتِلْهَا وُجُوباً أُلِفَا
((أَمَّا)) كـ((مَهْمَا يَكُ مِنْ شَيْءٍ)) وَفَا
لَمْ يَكُ قَوْلٌ مَعَهَا قَدْ نُبِذَا
وَحَذْفُ ذِي الْفَا قَلَّ فِي نَثْرٍ إِذَا
وقولها: (فِي أُنَاسٍ) تقدّم قريباً أنه بضمّ الهمزة لغة في ناس، وقيل: بل
لغتان بمعنى واحد، وليس أحدهما مشتقّاً من الآخر، وهذا القول هو
الراجح(١). (أَبَنُوا أَهْلِي) قال النوويّ تَُّهُ: بباء موحّدة مفتوحة، مخففة،
ومشددة، رووه هنا بالوجهين: التخفيف أشهر، ومعناه: اتّهموها، والأَبْنُ بفتح
الهمزة، يقال: أبنه يَأْبُنُه، ويَأْبِنُهُ، بضم الباء، وكسرها، من بابي نصر،
وضرب: إذا اتّهمه، ورماه بخَلَّة سوء، فهو مأبون، قالوا: وهو مشتقّ من
الأَبَن، بضم الهمزة، وفتح الباء، وهي الْعُقَد في القسيّ، تُفسدها، وتُعاب بها .
انتھی(٢) .
(وَايْمُ اللهِ) مبتدأ محذوف الخبر وجوباً، كما قال في ((الخلاصة)):
وَفِي نَصِّ يَمِينٍ ذَا اسْتَقَرّ
أي: قَسَمي، (مَا) نافية، (عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ) ((من)) زائدة
للتوكيد؛ أي: سوءاً (قَطَّ)؛ أي: فيما مضى من الوقت، (وَأَبَنُوهُمْ)؛ أي:
اتهموهم (بِمَنْ)؛ أي: بالذي، أو بشخص، وقوله: (والله) معترضة بين
الموصول وصلته؛ للتأكيد، (مَا) نافية أيضاً، (عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطُّ) وهو
صفوان بن الْمُعَطَّل ◌َه، (وَلَا دَخَلَ بَيْتِي قَطَّ إِلَّ وَ) الحال، (أَنَا حَاضِرٌ)؛ أي:
موجود في البيت، (وَلَا غِيْتُ فِي سَفَرٍ إِلَّا غَابَ مَعِي))) هذا كلّه غاية في نزاهة
صفوان ظَُّه عن الفواحش، وبُعده عن الرذائل القبيحة الشنيعة التي رموه بها.
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٢٦/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١١٤/١٧ - ١١٥.

١٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
وقوله: (وَسَاقَ)؛ أي: هشام بن عروة (الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ) الماضية،
وستأتي في التنبيه - إن شاء الله تعالى -.
(وَفِيهِ)؛ أي: في جملة ما ذُكر في الحديث قول عائشة رضيّا: (وَلَقَدْ دَخَلَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ بَيْتِي، فَسَأَ جَارِبَتِي) هي بريرة ﴿ُّ، كما تقدّم بيانه. (فَقَالَتْ)
معطوف على مقدّر؛ أي: فسألها عن شأني، فقالت: (والله مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا)؛
أي: على عائشة ﴿ّا (عَيْباً، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقُدُ) من باب قعد؛ أي: تنام (حَتَّى
تَدْخُلَ الشَّةُ) هي الداجن التي مرّ ذكرها، (فَتَأْكُلَ) تلك الشاة (عَجِينَهَا)؛ أي:
العجين الذي فيه يدها؛ لاستغراقها في نومها، وقوله: (أَوْ) للشكّ من الراوي،
هل قالت: ((عجينها))، أو (قَالَتْ: خَمِيرَهَا) ثم بيّن الشاّ في هذا، فقال:
(شََكَّ هِشَامٌ)؛ أي: ابن عروة. (فَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ) هو عليّ بن أبي
طالب ربه(١)، ومراده أن تحدّث النبيّ وَّه بالصدق، ولا تكذب عليه، لا أنه
يريد إلحاق الضرر بها، ولهذا سكت عليه النبيّ وَله، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) ذلك البعض: (اصْدُقِي)؛ أي: حدِّثي بالصدق (رَسُولَ اللهِ وَلـ
حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ). قال النوويّ تَخْفُهُ: هكذا هو في جميع نُسخ بلادنا:
((أسقطوا لها به)) بالباء التي هي حرف الجرّ، وبِهاء ضمير المذكر، وكذا نقله
القاضي عن رواية الْجُلُوديّ، قال: وفي رواية ابن ماهان: ((لهاتها)) بالتاء المثناة
فوقُ، قال الجمهور: هذا غلطٌ، وتصحيفٌ، والصواب الأول، ومعناه:
صرحوا لها بالأمر، ولهذا قالت: ((سبحان الله))؛ استعظاماً لذلك، وقيل: أتوا
بسقط من القول في سؤالها، وانتهارها، يقال: أسقط، وسقط في كلامه: إذا
أتى فيه بساقط، وقيل: إذا أخطأ فيه، وعلى رواية ابن ماهان إن صحّت
معناها: أسكتوها، وهذا ضعيف؛ لأنها لم تسكت، بل قالت: ((سبحان الله،
والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تِبْر الذهب))، وهي القطعة
(٢)
الخالصة. انتهى .
(فَقَالَتْ) الجارية تعجّباً، واستبعاداً لتشدّدهم في الأمر: (سُبْحَانَ اللهِ، والله
(١) ((الديباج على مسلم)) للسيوطيّ ٦/ ١٣٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١١٥/١٧.

١٩٥
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٦)
مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا)؛ أي: على عائشة ◌ِؤُّهَا، (إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ) اسم فاعلٍ من
صاغ الذهب يصوغه صَوْغاً، من باب قال: جعله حَلْياً (١). (عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ
الأَحْمَرِ) ((التّبْرُ)) بكسر التاء، وسكون الباء، آخره راء: هو ما كان من الذهب
غير مضروب، فإن ضُرب دنانير، فهو عين، وقال ابن فارس: التبر: ما كان
من الذهب، والفضة، غير مصوغ، وقال الزّجّاج: التِّبْرُ: كلُّ جوهر قبل
استعماله؛ كالنحاس، والحديد، وغيرهما(٢).
و ((الذهب)) بفتحتين: معروفٌ، ويؤنّث، فيقال: هي الذَّهَبُ الحمراء،
ويقال: إن التأنيث لغة الحجاز، وبها نزل القرآن، وقد يؤنث بالهاء، فيقال:
ذَهَبَهُ، وقال الأزهريّ: الذَّهَبُ مذكّر، ولا يجوز تأنيثه، إلا أن يُجعل جمعاً
لذَهَبة، والجمع أَذْهَابٌ، مثل سَبَبٍ وأسباب، وذُهْبَانٌ، مثلُ رُغفان، وأَذْهَبْتُهُ
بالألف: مَوَّهته بالذهب(٣) .
وقوله: ((الأحمر)) صفة لـ((الذهب))؛ لأن الغالب تذكيره، كما مرّ آنفاً.
(وَقَدْ بَلَغَ الأَمْرُ)؛ أي: أمر الإفك، (ذَلِكَ الرَّجُلَ)؛ تعني: صفوان بن
المعظّل ◌َظُبه، (الَّذِي قِيلَ لَهُ)؛ أي: قيل عنه، فاللام بمعنى: عن، كما في
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرً مَّا سَبَقُونَاً إِلَيْهِ﴾
[الأحقاف: ١١]؛ أي: عن الذين آمنوا، كما قاله ابن الحاجب، أو اللام بمعنى:
((في))؛ أي: قيل فيه ما قيل، فهي كقوله تعالى: ﴿يَلَيَّتَنِ قَدَّمْتُ لِيَاتِ﴾ [الفجر:
٢٤]؛ أي: في مدّة حياتي(٤). (فَقَالَ) الرجل: (سُبْحَانَ اللهِ) تعجّباً، واستغراباً
لهذا القول الشنيع، (والله مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفٍ أُنْثَى قَطَّ)؛ أي: ما جامعتها،
والكنف بفتحتين: الثوب الساتر، ومنه قولهم: أنت في كنف الله؛ أي: في
سِتره، قاله في ((الفتح))(٥) .
(قَالَتْ عَائِشَةُ) ◌ِؤُّ: (وَقُتِلَ) الرجل، وهو صفوان تَظُبه، حال كونه
(١) راجع: ((المصباح)) ٣٥٢/١.
(٢) راجع: ((المصباح)) ١/ ٧٢.
(٣) راجع: ((المصباح)) ١/ ٢١٠.
(٤) راجع: ((شرح الشيخ الهرريّ)) ٣٣١/٢٥.
(٥) ((الفتح)) ٨/ ٤٦٢.

١٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
(شَهِيداً فِي سَبِيلِ اللهِ) قيل: في غزوة إرمينية في خلافة عمر رظُه، وقيل غير
ذلك، كما تقدّم بيانه. (وَفِيهِ)؛ أي: وفي حديث هشام بن عروة، فهو عطف
على قوله المتقدّم: ((وفيه ولقد دخل رسول الله (وَلجر ... إلخ))، (أَيْضاً مِنَ
الزِّيَادَةَ) قوله: (وَكَانَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِهِ)؛ أي: بهذا الإفك، فالموصول خبر
مقدّم لـ((كان))، واسمها: ((مسطح إلخ))، ويجوز العكس. (مِسْطَخُ) بكسر الميم،
وسكون السين المهملة، ابن أثاثة بضمّ الهمزة، (وَحَمْنَةُ) بفتح الحاء المهملة،
وسكون الميم ابنة جحش أخت زينب أم المؤمنين، (وَحَسَّانُ) بن ثابت؛ أي:
فهؤلاءِ هم الذين تكلّموا بالإفك مع المنافقين، (وَأَمَّا الْمُنَافِقُ عَبْدُ الهِ بْنُ أُبَيِّ
فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ)؛ أي: يستخرجه بالبحث، والمسألةِ، ثم يُفشيه،
ويُشيعه، ويُحَرِّكه، ولا يدعه يَخْمَد(١).
(وَيَجْمَعُهُ) إلى ما عنده من البهتان، (وَهُوَ)؛ أي: عبد الله بن أُبيّ، مبتدأ
خبره قولها: (الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ) بضم الكاف، وكسرها لغتان، فصيحتان،
مشهورتان، وذكرهما في هذا الحديث القاضي عياض، وغيره، لكنهم رَجّحوا
الضم، وقرىء قول الله ◌ُعَالَ: ﴿وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ [النور: ١١] بكسر الكاف،
وضمّها، الكسر قراءة القراء السبعة، والضم في الشواذّ، قال الإمام أبو إسحاق
الثعلبيّ المفسر تَخْتُ: قراءة العامة بالكسر، وقراءة حميد الأعرج، ويعقوب
الحضرميّ بالضم، قال أبو عمرو بن العلاء: هو خطأ، وقال الكسائيّ: هما
لغتان، ذكره النوويّ ◌َُّ(٢).
وقولها: (وَحِمْنَةُ) بالرفع عَطْف على فاعل تولّى، وجاز لفصله بالمفعول،
كما تقدّم غير مرّة.
[تنبيه]: رواية هشام بن عروة عن أبيه هذه ساقها الترمذيّ تَظْتُ في
((جامعه))، فقال:
(٣١٨٠) - حدّثنا محمود بن غيلان، حدّثنا أبو أسامة، عن هشام بن
عروة، أخبرني أبي، عن عائشة، قالت: لَمّا ذُكر من شأني الذي ذُكر، وما
علمت به، قام رسول الله وَ﴿ فيّ خطيباً، فتشهد، وحَمِد الله، وأثنى عليه بما
(١) ((عمدة القاري)) ٢٢٧/١٣.
(٢) ((شرح النوويّ) ١١٦/١٧.

١٩٧
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٦)
هو أهله، ثم قال: ((أما بعدُ أشيروا عليّ في أناس أَبَنُوا أهلي، والله ما علمت
على أهلي من سوء قط، وأبَنُوا بمن، والله ما علمت عليه من سوء قطّ، ولا
دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر، ولا غبت في سفر إلا غاب معي))، فقام سعد بن
معاذ بنظُبه، فقال: ائذن لي يا رسول الله، أن أضرب أعناقهم، وقام رجل من
بني الخزرج، وكانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل، فقال: كذبت،
أما والله أن لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تُضرب أعناقهم، حتى كاد أن
يكون بين الأوس والخزرج شرّ في المسجد، وما علمت به، فلما كان مساء
ذلك اليوم، خرجت لبعض حاجتي، ومعي أم مسطح، فعَثَرت، فقالت: تَعِس
مسطح، فقلت لها: أي أمّ تسبّين ابنك؟، فسكتت، ثم عثرت الثانية، فقالت:
تعس مسطح، فقلت لها: أي أم تسبّين ابنك؟، فسكتت، ثم عثرت الثالثة،
فقالت: تعس مسطح، فانتهرتها، فقلت لها: أي أم تسبّين ابنك؟، فقالت:
والله ما أسبّه إلا فيك، فقلت: في أيّ شيء؟ قالت: فبقرت لي الحديث،
قلت: وقد كان هذا؟ قالت: نعم والله، لقد رجعت إلى بيتي، وكأن الذي
خرجت له لم أخرج، لا أجد منه قليلاً ولا كثيراً، ووُعِكت، فقلت
لرسول الله قال: أرسلني إلى بيت أبي، فأرسل معي الغلام، فدخلت الدار،
فوجدت أم رُومان في السفل، وأبو بكر فوق البيت يقرأ، فقالت أمي: ما جاء
بك يا بنية؟ قالت: فأخبرتها، وذكرت لها الحديث، فإذا هو لم يبلغ منها ما
بلغ مني، قالت: يا بنية خففي عليك الشأن، فإنه والله لقلما كانت امرأة
حسناء، عند رجل يحبها، لها ضرائر إلا حسدنها، وقيل فيها، فإذا هي لم يبلغ
منها ما بلغ مني، قالت: قلت: وقد علم به أبي؟، قالت: نعم، قلت:
ورسول الله وَلي؟ قالت: نعم، واستعبرت، وبكيت، فسمع أبو بكر صوتي،
وهو فوق البيت يقرأ، فنزل، فقال لأمي: ما شأنها؟ قالت: بلغها الذي ذُكر من
شأنها، ففاضت عيناه، فقال: أقسمت عليك يا بنية، إلا رجعت إلى بيتك،
فرجعت، ولقد جاء رسول الله ورسوله بيتي، فسأل عني خادمتي، فقالت: لا والله
ما علمت عليها عيباً، إلا أنها كانت ترقد، حتى تدخل الشاة، فتأكل خميرتها،
أو عجينتها، وانتهرها بعض أصحابه، فقال: اصدقي رسول الله وَلّ حتى
أسقطوا لها به .

١٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
فقالت: سبحان الله، والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تِبر
الذهب الأحمر، فبلغ الأمر ذلك الرجل الذي قيل له، فقال: سبحان الله، والله
ما كشفت كَنَف أنثى قط، قالت عائشة: فقُتل شهيداً في سبيل الله، قالت:
وأصبح أبواي عندي، فلم يزالا، حتى دخل عليّ رسول الله وَّ، وقد صلى
العصر، ثم دخل، وقد اكتنفني أبواي عن يميني، وعن شمالي، فتشهّد
النبيّ وَّة، فحَمِد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: ((أما بعدُ يا عائشة،
إن كنت قارفت سوءاً، أو ظلمت، فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن
عباده)). قالت: وقد جاءت امرأة من الأنصار، وهي جالسة بالباب، فقلت: ألا
تستحي من هذه المرأة أن تذكر شيئاً؟ فوَعَظ رسول الله وَّه، فالتفتّ إلى أبي،
فقلت: أجبه، قال: فماذا أقول؟ فالتفتّ إلى أمي، فقلت: أجيبيه، قالت:
أقول ماذا؟ قالت: فلما لم يجيبا تشهدت، فحمدت الله، وأثنيت عليه بما هو
أهله، ثم قلت: أما والله لئن قلت لكم: إني لم أفعل، والله يشهد إني لصادقة،
ما ذاك بنافعي عندكم لي، لقد تكلمتم، وأشربت قلوبكم، ولئن قلت: إني قد
فعلت، والله يعلم أني لم أفعل، لتقولنّ: إنها قد باءت به على نفسها، وإني
والله ما أجد لي ولكم مَثَلاً، قالت: والتمست اسم يعقوب، فلم أقدر عليه، إلا
أبا يوسف، حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨].
قالت: وأُنزل على رسول الله وَلّ من ساعته، فسكتنا، فرُفع عنه، وإني
لأتبيّن السرور في وجهه، وهو يمسح جبينه، ويقول: ((البشرى يا عائشة، فقد
أنزل الله براءتك))، قالت: وكنت أشدّ ما كنت غضباً، فقال لي أبواي: قومي
إليه، فقلت: لا والله، لا أقوم إليه، ولا أحمده، ولا أحمدكما، ولكن
أحمد الله الذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه، فما أنكرتموه، ولا غيّرتموه،
وكانت عائشة تقول: أما زينب بنت جحش، فعصمها الله بدينها، فلم تقل إلا
خيراً، وأما أختها حمنة، فهلكت فيمن هلك، وكان الذي يتكلم فيه مسطح،
وحسان بن ثابت، والمنافق عبد الله بن أُبيّ ابن سلولَ، وهو الذي كان
يستوشيه، ويجمعه، وهو الذي تولى كبره منهم هو، وحمنة، قالت: فحلف أبو
بكر أن لا ينفع مسطحاً بنافعة أبداً، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ
اٌلْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى آخر الآية - يعني: أبا بكر - ﴿أَنْ يُؤْثُواْ أُوْلِ الْقُرْبَ

١٩٩
(١١) - بَابُ بَرَاءَةِ حُرَمِ التَّبِيِّ وَلّهِ مِنَ الرِّبَبَةِ - حديث رقم (٦٩٩٧)
وَالْمَسَكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ - يعني: مسطحاً، إلى قوله -: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ
يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمَّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، قال أبو بكر: بلى والله يا ربنا إنا
لنحب أن تغفر لنا، وعاد له بما كان يصنع.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب من حديث هشام بن
عروة، وقد رواه يونس بن يزيد، ومعمر، وغير واحد عن الزهريّ، عن عروة بن
الزبير، وسعيد بن المسيِّب، وعلقمة بن وقاص الليثيّ، وعبيد الله بن عبد الله،
عن عائشة، هذا الحديث أطول من حديث هشام بن عروة، وأتمّ. انتهى(١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١١) - (بَابُ بَرَاءَةِ حُرَمِ النَّبِيِّ نَّهِ مِنَ الرِّيْبَةِ)
قوله: ((حُرَم النبيّ ◌َّ) بضمّ الحاء المهملة، وفتح الراء؛ أي: نسائه،
قال المجد تَخْتُهُ: وحُرَمك بضمّ الحاء، كزُفَر: نساؤك، وعيالك، وما تَحْمي.
(٢)
.
انتھی
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٩٧] (٢٧٧١) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَجُلاً كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ وَلَدِ رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ لِعَلِيٍّ: ((اذْهَبْ، فَاضْرِبْ عُنُقَهُ))، فَأَتَاهُ عَلِيٍّ، فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيٍّ يَتَبَرَّدُ
فِيهَا، فَقَالَ لَهُ عَلِيٍّ: اخْرُجْ، فَنَاوَلَهُ يَدَهُ، فَأَخْرَجَهُ، فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ، لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ،
فَكَفَّ عَلِيٍّ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ نَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ لَمَجْبُوبٌ، مَا لَهُ ذَكَرٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة، تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَقَّانُ) بن مسلم الصفّار، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) أبو سلمة البصريّ، تقدّم قريباً.
(١) ((جامع الترمذيّ)) ٣٣٢/٥ - ٣٣٥.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٢٨٢ بزيادة من الشرح.

٢٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
٤ - (ثَابِتُ) بن أسلم البنانيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (أَنَسُ) بن مالك ظُه، تقدّم قبل أربعة أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّلُهُ، وأنه
مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغداديّ، وفيه أنس بن مالك نظُّه الخادم
الشهير، ومن المكثرين السبعة، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَس) بن مالك ◌َظُه؛ (أَنَّ رَجُلاً) قيل: اسمه مأبور، ويقال: إنه ابن
عمّ لمارية ◌َّا، قال ابن عبد البرّ كَُّهُ: هذا الرجل المتّهم كان ابن عم مارية
القبطية، أهداه معها المقوقس. انتهى (١).
وقال في ((الإصابة)): مأبور - بموحّدة خفيفة مضمومة، واو ساكنة، ثم
راء مهملة - القبطيّ الخصبيّ، قريب مارية، يأتي في ترجمة مارية وصفه بأنه
شيخ كبير؛ لأنه أخوها، قلت(٢): ولا ينافي ذلك نعته في الروايات بأنه قريبها،
أو نسيبها، أو ابن عمها؛ لاحتمال أنه أخوها لأمها، والله أعلم، وهو قريب
مارية أمّ ولد رسول الله وََّ قَدِم معها من مصر.
وقال الواقديّ: حدّثنا يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة، عن عبد الله بن
عبد الرحمن بن أبي صعصعة، قال: بعث المقوقس الى رسول الله وَ ال# بمارية،
وأختها سيرين، وبألف مثقال ذهباً، وعشرين ثوباً ليناً، وبغلته الدُّلْدُل، وحماره
عُفير، ويقال: يعفور، ومعهم خصيّ يقال له: مأبور، ويقال: هابور، بِهاء بدل
الميم، وبغير راء في آخره ... الحديث، وفيه فأقام الخصيّ على دينه إلى أن
أسلم بعدُ في عهد النبيّ وَّ. انتهى(٣).
وأخرج ابن سعد من طريق الزهريّ، عن أنس بن مالك، قال: كانت أم
إبراهيم سُرّيّةً للنبيّ وَّ في مشربتها، وكان قبطيّ يأوي إليها، ويأتيها بالماء
والحطب، فقال الناس في ذلك: عِلْج يدخل على علجة، فبلغ ذلك
(١) ((الاستيعاب)) ١٩١٢/٤.
(٣) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٦٩٩/٥ - ٧٠١.
(٢) القائل صاحب ((الإصابة))، فتنبه.