Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ - حديث رقم (٦٩٩٠) (٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ وَصَاحِبَيْهِ ((الفتح)) بهما، فقال: قوله: ((فجلَّى)) بالجيم، وتشديد اللام، ويجوز تخفيفها؛ أي: أوضح. انتھی(١). يعني: أنه أظهر لهم الأمر، وكَشَفه، ولم يورِّه، والمقصود؛ أنه نَّ كان من هديه أن لا يُعلن جهة خروجه للقتال، بل كانت عادته التوريةَ بذلك، فإن كان يريد جهة المشرق مثلاً توجه إلى المغرب عند خروجه، ثم عاد إلى المشرق؛ لئلا يتبيّن أمره للمنافقين، ولطلائع العدوّ، وكان ذلك من تدبير الحرب، وسياسته، فإن الحرب خُدعة، ولكنه لم يفعل مثل ذلك في غزوة تبوك، بل أعلن جهة خروجه قبل أن يخرج لِمَا رأى من طول السفر، وكثرة العدوّ، وزيادة المشقّة، فأراد أن يكون المسلمون على بيّنة من الأمر، ويستعدّوا لهذا السفر بما تيسّر لهم(٢)، كما أبان ذلك بقوله: (لِيَتَأَهَّبُوا) متعلّق بـ((جلا))؛ أي: ليستعدّوا، يقال: تأهّب للسفر: إذا تهيّأ له، وقوله: (أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ) بضمّ الهمزة، وسكون الهاء؛ أي: عُدّته، وجميع ما يحتاج إليه الإنسان في سفره، والجمع: أُهَبِّ، بضمّ، ففتح، كغُرْفة وغُرَف(٣) . وقال في ((الفتح)): في رواية الكشميهنيّ: ((أُهْبة عدوّهم))، والأهبة بضم الهمزة، وسكون الهاء: ما يُحتاج إليه في السفر والحرب. انتهى (٤). (فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِمُ)؛ أي: بقصدهم (الَّذِي يُرِيدٌ)، وَُّ، وقوله: (وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهَ كَثِيرٌ) جملة مستأنفة، أو في محلّ نصب على الحال، (وَلَا يَجْمَعُهُمْ)؛ أي: لا يستوعب عددهم (كِتَابُ حَافِظٍ) بالإضافة؛ أي: حساب شخص ماهر في الحساب، وفي رواية البخاريّ: ((كتابٌ حافظٌ)) بالتنوين فيهما، على أن الثاني صفة للأول، وزاد في رواية معقل الآتية: (يزيدون على عشرة آلاف، ولا يجمعهم ديوان حافظ))، وللحاكم في ((الإكليل)) من حديث معاذ: ((خرجنا مع رسول الله وَ﴿ إلى غزوة تبوك زيادةً على ثلاثين ألفاً))، وبهذه العِدّة جزم ابن إسحاق، وأورده الواقديّ بسند آخر موصول، وزاد: ((أنه كان معه عشرة آلاف فرس))، فتُحمَل رواية معقل على إرادة عدد (١) ((الفتح)) ٩/ ٥٦٥. (٣) ((المصباح المنير)) ٢٨/١. (٢) ((تكملة فتح الملهم)) ٤٣/٦. (٤) ((الفتح)) ٩/ ٥٦٥. ٢١ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة الفرسان، ولابن مردويه: ((ولا يجمعهم ديوان حافظ))؛ يعني كعب بذلك: الديوان، يقول: لا يجمعهم ديوان مكتوبٌ، وهو يُقَوِّي رواية التنوين، وقد نُقل عن أبي زرعة الرازي أنهم كانوا في غزوة تبوك أربعين ألفاً، ولا تخالف الرواية التي في ((الإكليل)): ((أكثر من ثلاثين ألفاً))؛ لاحتمال أن يكون من قال: أربعين ألفاً جبر الكسر، قاله في ((الفتح)) (١) . (يُرِيدُ) كعب بن مالك (بِذَلِكَ)؛ أي: بقوله: ((ولا يجمعه كتاب حافظ)) (الدِّيوَانَ) قال الحافظ تَخّتُهُ: قوله: ((يريد الديوان)) هو كلام الزهريّ، وأراد بذلك الاحتراز عما وقع في حديث حذيفة عظاته: ((أن النبيّ وَّ قال: اكتبوا لي من تلفَّظ بالإسلام))، وقد ثبت أن أوّل من دوَّن الدیوان عمر ◌ُه. انتهى(٢). [تنبيه]: قال المجد تَعْدَثُ: الدِّيوانُ -؛ أي: بالكسر - ويفتح: مُجْتَمَعُ الصُّحُفِ، والكِتابُ، يُكْتَبُ فيه أهلُ الجَيْشِ، وأهْلُ العَطِيَّةِ، وأوَّلُ مَنْ وَضَعَهُ عُمَرُ رَبِهِ، جمعه: دَواوِینُ، ودَیاوِينُ. انتهى(٣). وقال الفيّوميّ تَخْتُهُ: الدِّيوَانُ جَرِيدة الحساب، ثم أُطلق على الحساب، ثم أُطلق على موضع الحساب، وهو مُعَرَّب، والأصل: دِوَّانٌ، فأُبدل من أحد المضعّفين ياء؛ للتخفيف، ولهذا يُردّ في الجمع إلى أصله، فيقال: دَوَاوِينُ، وفي التصغير: دُوَيْوِينٌ؛ لأن التصغير، وجمع التكسير، يردّان الأسماء إلى أصولها، ودَوَّنْتُ الديوان؛ أي: وضعته، وجمعته، ويقال: إن عمر أول من دَوَّنَ الدَّوَاوِينَ في العرب؛ أي: رتّب الجرائد للعُمّال، وغيرها. انتهى (٤). والمعنى لم يكن هناك كتاب، أو ديوان تُسجّل فيه أسماء المشاركين في الغزو. (قَالَ كَعْبٌ) ◌َظُه: (فَقَلَّ رَجُلٌ) من المسلمين (يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ) من الجيش، (يَظُنُّ) هكذا رواية مسلم، وفي رواية البخاريّ: ((إلا يظنّ)» بـ((إلا))، وهو الصواب، فلا بُدّ من تقديرها في رواية مسلم؛ لأن المعنى عليها، قال القرطبيّ دَخَّتُهُ: قوله: ((يظنّ أن ذلك سيخفى له)) كذا وقع هذا الكلام في سائر روايات مسلم، وفي (١) ((الفتح)) ٩ / ٥٦٥. (٣) ((القاموس المحيط)) ص١٥٤٥. (٢) ((الفتح)) ٩/ ٥٦٥. (٤) ((المصباح المنير)) ٢٠٤/١. ٢٣ (٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ وَصَاحِبَيْهِ ﴿ه - حديث رقم (٦٩٩٠) نُسخه، وسقط من الكلام ((إلا)) قبل (يظن))، وبه يستقيم الكلام، وهي إيجاب بعدما تضمّنه ((قَلّ)) من معنى النفي؛ لأن معنى قوله: ((قلّ رجلٌ)) بمعنى: ما رجل، فكأنه قال: ما رجل یرید أن یتغیب إلا ظنّ أن ذلك سیخفی له. انتهى(١). (أَنَّ ذَلِكَ) التغيّب (سَيَخْفَى) مضارعٍ خَفِي، کرضي يرضى، وفي رواية البخاريّ: ((إلا ظن أنه سيخفى))، ووقع في رواية الكشميهنيّ: ((أَنْ سيخفى)) بتخفيف النون، بلا هاء. (لَهُ) اللام بمعنى ((على))؛ أي: على النبيّ وَّ، والمعنى: أن من كان يريد أن يتغيّب عن الغزو، فإنه من السهل عليه أن يفعل ذلك؛ لأنه يظنّ أنه وَله لا يطّلع عليه؛ لكثرة الناس، ولعدم تسجيل أسمائهم في ديوان، إلا أن ينزل وحي من الله تعالى، كما بيّنه بقوله: (مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ) بالبناء للفاعل، أو المفعول، (وَحْيٌّ مِنَ اللهِ رَى)؛ أي: إلا أن يُنزل الله رَ وحياً على رسوله وَله بتغيّب ذلك الرجل، والله تعالى أعلم. (وَغَزَا رَسُولُ اللهِ و ◌َسْلِ تِلْكَ الْغَزْوَةَ)؛ أي: غزوة تبوك، (حِينَ طَابَتٍ)؛ أي: أدركت (الثِّمَارُ، وَ) تفيّأت (الظُّلَالُ)؛ يعني: حين كانت الأثمار ناضجة على الأشجار، وكان ذلك موسم أهل المدينة، يشتاقون إليه؛ لتوفّر الثمار فيه، ولكونها زمن تجارتهم فيها، والحصول على الأرباح، وهي التي كانت أساس معيشتهم في ذلك الزمان(٢) . وفي رواية موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: ((في قيظ شديد، في ليالي الخريف، والناس خارفون في نخيلهم))، وفي رواية أحمد من طريق معمر: ((وأنا أَقْدَر شيء في نفسي على الجهاز، وخفّة الحاذ، وأنا في ذلك أصغو إلى الظلال والثمار)). وقوله: ((الْحَاذِ)) بحاء مهملة، وتخفيف الذال المعجمة، هو الحال وزناً ومعنى، وقوله: ((أصغو)) بصاد مهملة، وضم المعجمة؛ أي: أمْيَل، ويُروَى: ((أصعُر)) بضم العين المهملة، بعدها راء، وفي رواية ابن مردويه: ((فالناس إليها صعر))، قاله في ((الفتح))(٣). (١) ((المفهم)) ٩٥/٧. (٣) ((الفتح)) ٩/ ٥٦٥. (٢) ((تكملة فتح الملهم)) ٤٤/٦. ٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة قال الجامع عفا الله عنه: قوله: (بضمّ العين)) فيه نظر؛ لأنه مخالف لِمَا في كتب اللغة، فقد ضُبط فيه بفتحها، من باب تَعِبَ، فتنبّه. (فَأَنَا إِلَيْهَا)؛ أي: إلى التمتّع بتلك الثمار والظلال (أَصْعَرُ)؛ أي: أمْيَل، وهو أفعل تفضيل من صَعِرَ، من باب فَرِحَ. قال الفيّوميّ تَخْتُهُ: الصَّعَرُ: ميلٌ في العنق، وانقلاب في الوجه إلى أحد الشدقين، وربما كان الإنسان أَصْعَرَ خِلْقةً، أو صَغَّرَهُ غيره بشيء يصيبه، وهو مصدر من باب تَعِبَ، وصَغَّرَ خَذَّه بالتثقيل وصَاعَرَهُ: أماله عن الناس إعراضاً (١) وتكبراً. انتهى(١). وقال المرتضى كَّتُهُ: الصَّعَرُ مُحَرَّكَةً، والتَّصَغُّرُ: مَلٌ في الوَجْهِ، وقيل: الصَّعَرُ: المَيَلُ في الخَدِّ خاصَّةً، أو هو مَيَلٌ في العُنُقِ، وانقلابٌ في الوَجْهِ إِلى أَحدِ الشِّقَّيْنِ، أو هو داءٌ في البعيرِ يأُخُذُه، ويَلْوِي عُنُقه منه، ويُمِيلُه، صَعِرَ كفَرِحَ صَعَراً، فهو أَصْعَرُ، وجمْعه صُعْرٌ، قال أَبو دَهْبَلٍ: أنشده أَبو عَمْرٍو بنُ العلاءِ [من الكامل]: وَتَرَى لَهَا دَلَّ إِذَا نَطَقتْ تَرَكَتْ بَنَاتِ فُؤَادِهِ صُعْراَ (٢) (فَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللهِ وََّ)؛ أي: تأهب بإعداد جَهَاز السفر، وهو أُهبته، وما يحتاج إليه في قطع المسافة، وهو بالفتح، وبه قرأ السبعة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ﴾ [يوسف: ٧٠]، والكسر لغةٌ قليلةٌ، وجِهَازُ العَرُوس، والميت باللغتين أيضاً، يقال: جَهَّزَهُمَا أهلهما بالتثقيل، وجَهَّزْتُ المسافرَ بالتثقيل أيضاً: هَيّأت له جِهازه، فَالمُجَهِّزُ بالكسر اسم فاعل، قاله الفيّوميّ(٣). وقوله: (وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ) يَحْتَمِل أن يكون عطفاً على الفاعل، وأن يكون مبتدأ والظرف خبره، والجملة في محلّ نصب على الحال، (وَطَفِقْتُ) بكسر الفاء، وتُفتح على قلّة؛ أي: شرعت، قال المرتضى ◌َّتُهُ: طَفِقِ يفْعَلُ كَذا، كفرِحِ طَفَقاً: جعَلَ يفعَلُ، وأخذَ، وهو من أفْعالِ المُقارَبَة، قال الليْثُ: ولُغَة رَديئة طَفَق مثل ضَرَبَ طَفْقاً، وطُفوقاً، وعَزاه الجَوْهَريّ الى الأخْفَش، وقال ابنُ (١) ((المصباح المنير)) ٣٤٠/١. (٣) ((المصباح المنير)) ١١٣/١. (٢) (تاج العروس)) ص ٣٠٦٠. ٢٥ ٤ - حديث رقم (٦٩٩٠) (٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ سيدَه: وهي لُغة عن الزّجّاج، والأخفَش، وقال أبو الهَيثَم: طَفِقِ، وعِلِقَ، وجَعَل، وكادَ، وكَرَب، لا بُدّ لهُنّ من صاحِب يصْحَبهنّ يوصَف بهنّ، فيرتَفِع، ويطلُبْنِ الفِعْلَ المُسْتَقْبَل خاصّةً؛ كقولك: كادَ زيْدٌ يقول ذلك، فإن كنَيْتَ عن الاسم قلت: كادَ يقول ذاك، ومنه قولُه تعالَى: ﴿فَطَفِقَ مَسَْخَا بِلِسُوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [صّ: ٣٣]، أراد: طَفِقٍ يَمْسَحُ مسْحاً. قال المرتضى: وقولُه: إذا واصَلَ الفِعْلَ، قال شيخُنا: هو مِثلُ نقْلٍ الحافِظِ ابنِ حَجَرٍ في ((فتح الباري)): طَفِقَ يفعَل كذا: إذا شرَعَ في فِعْلٍ، واستمرّ فيه، قلتُ: المَعروفُ في أفعال الشّروعِ هو الدّلالة على الشّروعِ فيه، مع قْع النّظَر عن الاستمرار، والمُواصَلة أمَ لا، ولذلِك مَنَعوا خبَرَهَا من دخولِ ((أَنْ)) عليه؛ لِمَا فِيها من مَعْنى الاستِقْبال، فدَلالتُها على الاستمرار كيْفَ يُتَصَوَّر فتأمّل. وقال ابنُ دُرَيد: خاصٌّ بالإثباتِ، يُقال: طفِقَ يفعَلُ كذا، ولا يُقال: ما طَفِقَ يفعلُ كذا وكذا. انتهى(١). وقوله: (أَغْدُو)؛ أي: أذهب مبكّراً، وهو خبر ((طَفِقت))؛ لأنها من أفعال الشرع التي ترفع المبتدأ اسماً لها، وتنصب الخبر خبراً لها، قال في (الخلاصة)) : كَأَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو وَطَفِقْ كَذَا جَعَلْتُ وَأَخَذْتُ وَعَلِقْ (لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ)؛ أي: مع النبيّ ◌َّهَ، والمسلمين، (فَأَرْجِعُ) الى بيتي (وَلَمْ أَقْضِ شَيْئاً)؛ أي: لم أفعل من إعداد جهازي السفر لا كثيراً، ولا قليلاً، (وَأَقُولُ فِي نَفْسِي)؛ أي: أحدّث نفسي، فأقوله: (أَنَا قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ)؛ أي: على التجهّز لهذه الغزوة (إِذَا أَرَدْتُ)؛ أي: في أيّ وقت قصدت ذلك. (فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ)؛ أي: محادثة نفسي بذلك (يَتَمَادَى بِي)؛ أي: يستمرّ، ويلازمني، وبثبّطني عن الجدّ في ذلك (حَتَّى اسْتَمَرَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ) بكسر الجيم، والرفع على أنه فاعل استمرّ؛ أي: استمرّ الاجتهاد، والاهتمام بالخروج، وفي رواية البخاريّ: ((حتى اشتدّ الناسُ الجدَّ)). قال في ((الفتح)): بكسر الجيم، وهو الجدّ (١) (تاج العروس)) ص ٦٤٥٤. ٢٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة في الشيء، والمبالغة فيه، وضبطوا ((الناسُ)) بالرفع على أنه الفاعل، و((الجدَّ) بالنصب على نزع الخافض، أو هو نعت لمصدر محذوف؛ أي: اشتدّ الناسُ الاشتدادَ الجدَّ، وعند ابن السكن: ((اشتدّ بالناس الجدُّ) برفع ((الجدُّ)، وزيادة الموحّدة، وهو الذي في رواية أحمد، ومسلم، وغيرهما، وفي رواية الكشميهنيّ: ((بالناس الجدُّ)، و((الجدُّ» على هذا فاعل، وهو مرفوع، وهي رواية مسلم، وعند ابن مردويه: ((حتى شَمَّر الناس الجدّ))، وهو يؤيد التوجيه الأول. انتھی(١). (فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ نَِّ غَادِياً)؛ أي: ذاهباً وقت الغدوّ، قال الفيّوميّ تَخُّْهُ: غَدَا غُدُوّاً، من باب قعد: ذهب غُدْوُةً، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، وجمع الغُدْوَةِ غُدَى، مثل مُديةٍ ومُدىً، هذا أصله، ثم كَثُر، حتى استُعمِل في الذهاب، والانطلاق أيِّ وقت كان، ومنه قوله وَ﴾: ((وَاغْدُ يَا أَنَيْسُ ... ))؛ أي: وانطلق. انتهى (٢)، وقوله: (وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ) جملة في محلٌ نصب على الحال، وكذا قوله: (وَلَمْ أَقْضٍ مِنْ جَهَازِي) بفتح الجيم، وتُكسر على قلّة، كما أسلفته؛ أي: من أُهبة سفري (شَيْئاً)؛ أي: كثيراً أو قليلاً، وعند ابن أبي شيبة، وابن جرير من وجه آخر، عن كعب: ((فأخذت في جهازي، فأمسيت، ولم أفرغ، فقلت: أتجهز في غد)). (ثُمَّ غَدَوْتُ)؛ أي: خرجت من بيتي مبكّراً لإعداد الجهاز، (فَرَجَعْتُ) الى بيتي (وَ) الحال أني (لَمْ أَقْضِ شَيْئاً) من ذلك، (فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ)؛ أي: الغدوّ، والرجوع بلا قضاء شيء (يَتَمَادَى)؛ أي: يستمرّ (بِي، حَتَّى أَسْرَعُوا) بالسين المهملة؛ أي: أسرع النبيّ ◌َِّ، والمسلمون معه إلى الخروج، وفي رواية الكشميهنيّ: ((حتى شَرُعوا)) بالشين المعجمة، وهو تصحيف. (وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ) بالفاء، والطاء المهملة؛ أي: فات، وسبق، والفَرَط: السبق، وفي رواية ابن أبي شيبة: ((حتى أمعن القومُ، وأسرعوا، فطفقت أغدو للتجهيز، وتشغلني الرجال، فأجمعت القعود، حين سبقني القوم))، وفي رواية أحمد من طريق عمر بن كثير، عن كعب: ((فقلت: أيهات، سار الناس ثلاثاً، فأقمت)). (١) ((الفتح)) ٩/ ٥٦٥. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٤٣/٢. ٢٧ ٥ - حديث رقم (٦٩٩٠) (٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ (فَهَمَمْتُ) من باب نصر؛ أي: قصدت (أَنْ أَرْتَحِلَ)؛ أي: أذهب إلى الغزو (فَأُدْرِكَهُمْ) بالنصب عطفاً على ((أرتحل))، (فَيَا لَيْتَنِي فَعَلْتُ) الارتحال، حتى أدركهم، (ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ) بالبناء للمفعول، من التقدير؛ أي: لم يقدِّر الله تعالى (ذَلِكَ)؛ أي: الارتحال (لِي) بل تأخرت، وتخلّفت عنهم (فَطَفِقْتُ)؛ أي: شرعت (إِذَا خَرَجْتُ) من بيتي (فِي النَّاسِ) الباقين في المدينة، (بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ﴾ منها إلى الغزو، (يَحْزُنُنِي) بفتح حرف المضارعة، وضمّ الزاي، مضارع حزنه، من باب نصر، أو بضمّ حرف المضارعة، وكسر الزاي، من أحزنه، قال الفيّوميّ كَّلُهُ: حَزِنَ حَزَناً، من باب تَعِب، والاسم: الحُزْنُ بالضمّ، فهو حَزِين، ويتعدى في لغة قريش بالحركة، يقال: حَزَنَنِي الأمر يَحْزُنُنِي، من باب قَتَل، قاله ثعلب، والأزهريُّ، وفي لغة تميم بالألف، ومَثَّل الأزهريّ بِاسم الفاعل، والمفعول، في اللغتين، على بابهما، ومنع أبو زيد استعمال الماضي من الثلاثيّ، فقال: لا يقال: حَزَنَّهُ، وإنما يستعمل المضارع من الثلاثيّ، فيقال: يَحْزُنُهُ. انتهى(١). وقال المجد تَخْفُ: الحُزْنُ بالضم، ويُحَرَّكُ: الهَمُّ، جَمْعه: أحْزَانٌ، حَزِنَ كَفَرِحَ، وتَحَزَّنَ، وتَحازَنَ، واحْتَزَنَ، فهو حَزْنانٌ، ومِحْزانٌ، وحَزَنَهُ الأَمْرُ حُزْناً بالضم، وأحْزَنَهُ، أو أحْزَنَهُ: جَعَلَهُ حَزيناً، وحَزَنَهُ: جَعَلَ فيه حُزْناً، فهو مَحْزونٌ، ومُحْزَنٌ، وحَزِينٌ، وحَزِنٌ بكسر الزاي، وضَمِّها، جَمْعه: حِزانٌ، وحُزَناءُ. انتهى(٢). وقوله: (أَنِّي لَا أَرَى لِي أُسْوَةً) في تأويل المصدر فاعل ((يحزنني))؛ أي: يحزنني عدمٍ رؤية من يكون لي أسوة، بضمّ الهمزة، وكسرها؛ أي: قُدوةً أقتدي به، (إِلَّا رَجُلاً مَغْمُوصاً) بالغين المعجمة، والصاد المهملة؛ أي: مطعوناً (عَلَيْهِ فِي) دينه، متّهماً بـ(النِّفَاقِ) وقيل: معنى ((مغموصاً)): مُستحقَراً، تقول: غمصت فلاناً: إذا استحقرته، وكذلك أغمصته، قاله العينيّ تَُّهُ، وقال القرطبيّ كَلَّتُهُ: المغموص: المَعيب المتّهم المحتقَر. (أَوْ رَجُلاً مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ مِنَ الضَّعَفَاءِ)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى (١) ((المصباح المنير)) ١/ ١٣٤. (٢) ((القاموس المحيط)) ص١٥٣٥. ٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهٍ، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن [التوبة: ٩١]. سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قال كعب: (وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ بِهِ حَتَى بَلَغَ تَبُوَكَ) هكذا في بعض نُسخ مسلم بغير صرف للعلمية والتأنيث، وكذا هو في رواية الأكثرين، ووقع في بعضها («تبوكاً)) بالصرف، على إرادة المكان، أو الموضع. (فَقَالَ) وَ (وَهُوَ جَالِسٌ) جملة حاليّة من الفاعل، (فِي الْقَوْم بِتَبُوَكَ) متعلّقان بـ(جالس))، ((مَا فَعَلَ) ((ما)) استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء فعل (كُعْبُ بْنُ مَالِكِ؟)) حين تخلّف عنا في المدينة، (قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةً(١)) بكسر اللام: القبيلة المشهورة، وفي رواية معمر: ((من قومي))، وعند الواقدي أنه عبد الله بن أنيس، وهذا غير الجهنيّ الصحابيّ المشهور، وقد ذكر الواقديّ فيمن استُشهِد باليمامة عبد الله بن أنيس السَّلَميّ، بفتحتين، فهو هذا. (يَا رَسُولَ اللهِ: حَبَسَهُ بُرْدَاهُ) تثنية بُرْد، وهو بضمّ، فسكون: ثوب مخطّطٌ، جَمْعه أبراد، وبرُدٌّ، وبُرُودٌ، وأكسية يُلتَحَف بها، الواحدة بِهاء(٢). (وَالنَّظَرُ)؛ أي: وحبسه النظر (فِي عِطْفَيْهِ) بكسر العين المهملة؛ أي: جانبيه، وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه، ولباسه، وقيل: كنى بذلك عن حُسنه، وبهجته، والعرب تَصِف الرداء بصفة الحسن، وتسميه عِطْفاً؛ لوقوعه على عطفي الرجل(٣). وقال القرطبيّ كَخْلُهُ: ((البردان))؛ يعني به: الرداء والإزار، والرداء والقميص، وسمّاهما بردين؛ لأنَّ القميص والإزار قد يكونان من برود، والبرود: ثياب من اليمن فيها خطوط، ويَحْتَمِل أن تسميتها بردين على طريقة: العُمَرين، والبكرين، والقمرين. و((العطف)): الجانب، وكأن هذا القائل كان في نفسه حقدٌ، ولعلّه كان منافقاً، فنَسب كعباً إلى الزهو والكِبْر، وكانت نسبةً باطلةً، بدليل شهادة العدل الفاضل معاذ بن جبل رضُّه؛ إذ قال: ((بئسما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً)، وفيه جواز الذمّ، والتقبيح للمتكلّم (١) ((تنبيه المعلم)). (٣) ((عمدة القاري)) ١٨/ ٥٢. (٢) ((القاموس المحيط)» ص ٩٢. ٢٩ يه - حديث رقم (٦٩٩٠) (٩) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثِ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ في حقّ المسلم بالعيب، والقبيح، ونصرة المسلم في حال غيبته، والردّ عن عرضه. انتھی . (فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) كون معاذ بن جبل ◌َظُه هو الذي ردّ عليه متّفق عليه، إلا ما حَكَى الواقديّ، وفي رواية أنه أبو قتادة، قال: والأول أثبت. (بِئْسَمَا قُلْتَ)؛ أي: بئس القول الذي قلته في كعب بن مالك، (والله يَا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ)؛ أي: على كعب (إِلَّا خَيْراً)؛ أي: فإنه ليس ممن يغترّ بردائه، وعطفيه، قال النوويّ تَخُّْ: فيه ردّ غيبة المسلم الذي ليس بمنهمك في الباطل، ولذا لم ينكر النبيّ وَلّل على قائل ذلك اكتفاء بإنكار معاذ څله. (فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ نَِّ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ) الحال (رَأَى رَجُلاً مُبَيِّضاً) بكسر الياء: اسم فاعل من بيّض، فهو مبيِّضٌ؛ أي: أظهر بياض نفسه في السراب، (يَزُولُ)؛ أي: يتحرّك، ويضطرب (بِهِ السَّرَابُ) بالفتح: هو ما يُرى نصف النهار كأنه ماء، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((كُنْ أَبَا خَيْئَمَةَ))) قال القرطبيّ تَخُّْهُ: هذه صيغة أمر، ومعناها الخبر؛ أي: هو أبو خيثمة، وقيل: معناها: لِتوجَد أبا خيثمة، واسمه عبد الله، وقيل: مالك بن قيس. (فَإِذَا هُو أَبُو خَيْئَمَةَ الأَنْصَارِيُّ) ((إذا)) هنا هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأهم حضوره، واسم أبي خيثمة هذا سعد بن خيثمة، كذا أخرجه الطبرانيّ من حديثه، ولفظه: ((تخلفت عن رسول الله وَالت، فدخلت حائطاً، فرأيت عَرِيشاً قد رُشّ بالماء، ورأيت زوجتيّ، فقلت: ما هذا بإنصاف، رسول الله وَالر في السموم، والحرور، وأنا في الظل والنعيم، فقمت إلى ناضح لي، وتمرات، فخرجت، فلما طلعت على العسكر، فرآني الناس، قال النبيّ وَّو: كن أبا خيثمة، فجئت، فدعا لي))، وذكره ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم مرسلاً، وذكر الواقديّ أن اسمه عبد الله بن خيثمة، وقال ابن شهاب: اسمه مالك بن قيس(٢). وقوله: (وَهُوَ)؛ أي: أبو خيثمة (الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ الثَّمْرِ) الظاهر أنه مدرج من الراوي، ويَحْتَمِل أن يكون من الزهريّ؛ لأنهَ معروف بمثل هذا الإدراج، والله تعالى أعلم. (١) ((المفهم)) ٩٦/٧. (٢) ((الفتح)) ٩/ ٥٦٧. ٣٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة (حِينَ لَمَزَهُ الْمُنَافِقُونَ)؛ أي: عابوه، واللمز: الطعن، والعيب. أخرج الشيخان عن أبي مسعود مظانه قال: لمّا نزلت آية الصدقة كنا نتحامل على ظهورنا، فجاء رجل، فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مرائي، وجاء رجل، فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا. فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهْ﴾ الآية [التوبة: ٧٩]. وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى رسول الله وَ له، وجاءه رجل من الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين: والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء، وقالوا: إنْ كان الله ورسوله لغنيّين عن هذا الصاع. وقال العوفيّ، عن ابن عباس: إن رسول الله وَلّ خرج إلى الناس يوماً فنادى فيهم: أن اجمعوا صدقاتكم، فجمع الناس صدقاتهم، ثم جاء رجل من آخرهم بصاع من تمر، فقال: يا رسول الله، هذا صاع من تمر بِتُّ ليلتي أجرّ بالجرير الماء، حتى نِلت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما، وأتيتك بالآخر، فأمره رسول الله وَ﴿ أن ينثره في الصدقات، فسخر منه رجال، وقالوا: إن الله ورسوله لغنيّان عن هذا، وما يصنعان بصاعك من شيء، ثم إن عبد الرحمن بن عوف قال لرسول الله ومثله: هل بقي أحد من أهل الصدقات؟ فقال: ((لا))، فقال له عبد الرحمن بن عوف: فإن عندي مائة أوقية من ذهب في الصدقات، فقال له عمر بن الخطاب ربه: أمجنون أنت؟ قال: ليس بي جنون، قال: فعلتَ ما فعلتَ؟ قال: نعم، مالي ثمانية آلاف، أما أربعة آلاف فأقرضها ربي، وأما أربعة آلاف فلي، فقال له رسول الله وَله: ((بارك الله لك فيما أمسكت، وفيما أعطيت))، ولمزه المنافقون فقالوا: والله ما أعطى عبد الرحمن عطيّته إلا رياء، وهم كاذبون، إنما كان به متطوعاً، فأنزل الله رَ عُذره، وعُذر صاحبه المسكين الذي جاء بالصاع من التمر، فقال تعالى في كتابه: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ اُلْمُطَوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَتِ﴾ الآية(١). (١) راجع: ((تفسير ابن كثير)) ١٨٤/٤. ٣١ ج - حديث رقم (٦٩٩٠) (٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ (فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكِ) رَُله: (فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِلّهِ قَدْ تَوَجَّهَ)؛ أي: أقبل (قَافِلاً)؛ أي: راجعاً، ولفظ البخاريّ: ((فلما بلغني أنه توجه قافلاً)) (مِنْ تَبُوَكَ)؛ أي: من غزوتها، وذكر ابن سعد أن قدوم رسول الله وَلايهم المدينة كان في رمضان. (حَضَرَنِي)؛ أي: أخذني (بَنِّي) بالموحّدة، ثم المثلثة؛ أي: حزني، ولفظ البخاريّ: ((حضرني همي))، وفي رواية الكشميهنيّ: ((همّني))، وفي رواية ابن أبي شيبة: ((فطفقت أُعِدّ العذر لرسول الله وَ﴿ إذا جاء، وأُهيّئ الكلام)). (فَطَفِقْتُ)؛ أي: شرعت، وأخذت (أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ) في الاعتذار إلى النبيّ وَّ في تخلّفي عنه، (وَأَقُولُ) في نفسي، ولمن أستعين برأيه: (بِمَ)؛ أي: بأيّ حيلة (أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ) وَّ (غَداً)؛ أي: يوم القيامة، يُعبّر عنها بغد؛ لتحقّق وقوعها لا محالة، وأنه حتم مقضيّ. (وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ)؛ أي: جَمْع الأعذار، (كُلَّ ذِي رَأْي)؛ أي: عقل، وتفكّر (مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ لِي: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِّقَدْ أَظَلَّ)؛ أي: أصبح (قَادِماً) من سفره، (زَاحَ)؛ أي: زال، وابتعد (عَنِّي الْبَاطِلُ)؛ أي: الكذب الذي كنت أزوّره للاعتذار، (حَتَّى عَرَفْتُ) وفي رواية البخاريّ: ((وعرفت)) بالواو، (أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْهُ)؛ أي: من سخطه وَيُّ (بِشَيْءٍ) من الأعذار الكاذبة (أَبَداً) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ((أنجو))، وهو ظرف مستغرق لِمَا يُستقبل من الزمان، ملازم للنفي(١)، قال الفيّوميّ تَظْتُ: الأَبَدُ محرّكةً: الدَّهْر، ويقال: الدَّهْر الطويل، الذي ليس بمحدود، قال الرُّمَّانيُّ: فإذا قلت: لا أكَلِّمُهُ أبداً، فالأبُدُ من لَدُنْ تكَلَّمْت إلى آخر عمرك، وجَمْعه آبَادٌ، مثلُ سَبَبٍ وأسباب. انتهى(٢). (فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ)؛ أي: جزمت بذلك، وعقدت عليه قصدي، يقال: أَجْمَعْتُ المسيرَ، والأمرَ وأَجْمَعْتُ عليه، يتعدى بنفسه، وبالحرف: عزمتُ عليه، وفي الحديث: ((من لم يُجمع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له))؛ أي: من لم يَعزِم عليه، فينويه، وأَجْمَعُوا على الأمر: اتفقوا عليه، قاله (١) راجع: ((شرح الشيخ الهرريّ)) ٢٦٦/٢٥. (٢) ((المصباح المنير)) ١/١. ٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة الفيّوميّ كَّفُهُ(١)؛ والمعنى: أنه عزم أن لا يتكلّم عند رسول الله وَلا إلا بالصدق، فإنه الذي يُنجيه يوم القيامة. وفي رواية ابن أبي شيبة: ((وعرفت أنه لا ينجيني منه إلا الصدق)). (وَصَبَّحَ)؛ أي: أتى صباحاً، أو بمعنى صار، ولفظ البخاريّ: ((وأصبح)) وهو بمعناه، قال المجد كثّثهُ: أصبح: دخل في الصباح، وبمعنى صار، وصبّحهم: أتاهم صباحاً، كصَبَحهم بالتخفيف، كمنعهم. انتهى بتصرّف(٢). (رَسُولُ اللهِ نَّهِ قَادِماً) المعنى: أتى رسول الله وَّ قادماً صباحاً، أو صار قادماً صباحاً، (وَكَانَ) ◌َّ؛ أي: كان هديه (إِذَا قَدِمَ) بكسر الدال المهملة؛ أي: أتى (مِنْ سَفَرِ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ) النبويّ قبل دخوله منزله (فَرَكَعَ فِيهِ)؛ أي: صلّى في المسجد (رَكْعَتَيْنٍ) تحيّة المسجد، وفي رواية أحمد من طريق ابن جريج، عن ابن شهاب: ((لا يَقْدَم من سفر إلا في الضحى، فيبدأ بالمسجد، فيصلي فيه ركعتين، ويقعد))، وفي رواية ابن أبي شيبة: ((ثم يدخل على أهله))، وفي حديث أبي ثعلبة عند الحاكم، والطبرانيّ: ((كان إذا قَدِم من سفر بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين، ثم يَثني بفاطمة، ثم يأتي أزواجه))، وفي لفظ: ((ثم بدأ ببيت فاطمة، ثم أتى بيوت نسائه)). (ثُمَّ جَلَسَ) في المسجد (لِلنَّاسِ)؛ أي: لأجل أن يسلّم عليه أصحابه؛ لِغَيبته عن المدينة هذه المدّة. وقال القرطبيّ كَخَّلهُ: إنما كان ◌َ﴿ يفعل ذلك؛ ليبدأ بتعظيم بيت الله رَك قبل بيته، وليقوم بشكر نعمة الله تعالى عليه في سلامته، وليسلّم عليه الناس، ولِيَسُنّ ذلك في شرعه وَّهِ. انتهى(٣). (فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ)؛ أي: البدء بالمسجد، وصلاة ركعتين فيه، ثم الجلوس للناس، (جَاءَهُ الْمُخَلِّفُونَ) بتشديد اللام، اسم مفعول من خُلِّف؛ أي: أُخْر؛ أي: الذين خلّفهم النفاق، ومرض القلب عن الخروج مع رسول الله وَير للغزو، (فَطَفِقُوا) بكسر الفاء، وتُفتح؛ أي: شرعوا، وأخذوا (يَعْتَذِرُونَ)؛ أي: يقيمون العذر في تخلّفهم عن تلك الغزوة (إِلَيْهِ) وََّ، (وَيَحْلِفُونَ لَهُ) على أنهم صادقون (١) ((المصباح المنير)) ١٠٩/١. (٣) ((المفهم)) ٧/ ٩٧. (٢) ((القاموس المحيط)) ص٦٢٥. ٣٣ ث - حديث رقم (٦٩٩٠) (٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ وَصَاحِبَيْهِ في دعواهم ذلك؛ ليصدّقهم في دعواهم الباطل، (وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلاً) ذكر الواقديّ أن هذا العدد كان من منافقي الأنصار، وأن المعذِّرين من الأعراب كانوا أيضاً اثنين وثمانين رجلاً، من بني غفار، وغيرهم، وأن عبد الله بن أُبَيّ، ومن أطاعه من قومه، كانوا من غير هؤلاء، وكانوا عدداً كثيراً. [تنبيه]: قال الفيّوميّ كَثْثُهُ: البِضْعُ في العدد بالكسر، وبعض العرب يفتح، واستعماله من الثلاثة إلى التسعة، وعن ثعلب من الأربعة إلى التسعة، يستوي فيه المذكر والمؤنث، فيقال: بِضْعُ رجال، وبِضْعُ نسوة، ويُستعمل أيضاً من ثلاثة عشر إلى تسعة عشر، لكن تثبت الهاء في بِضْع مع المذكر، وتُحذف مع المؤنث؛ كالنيِّف، ولا يُستعمل فيما زاد على العشرين، وأجازه بعض المشايخ، فيقول: بِضْعَةٌ وعشرون رجلاً، وبِضْعٌ وعشرون امرأة، وهكذا قاله أبو زيد، وقالوا على هذا معنى البِضْعِ، والبِضْعَةِ في العدد قطعةٌ مبهمةٌ غير محدودة. انتهى كلام الفيّوميّ(١). وقال المجد تَخُّْهُ: ((البضع)) بالكسر، ويُفْتَحُ: الطائِفةُ من الليلِ، وما بينَ الثَّلاثِ إلى التِسْع، أو إلى الخَمْسِ، أو ما بين الواحِدِ إلى الأَرْبَعَةِ، أو مِن أَرْبَع إلى تِسْعٍ، أوَ هو سَبْعٌ، وإذا جاوَزْتَ لَفْظَ العَشْرِ ذَهَبَ البِضْعُ، لا يقالُ: بِضْعُ وعِشْرونَ، أو يقالُ ذلك، وقال الفَرَّاءُ: لا يُذْكَرُ مَعَ العَشَرَةِ، والعِشْرِينَ، إلى التِّسْعينَ، ولا يقالُ: بِضْعُ ومِئَةٌ، ولا ألْفٌّ، وقال مَبْرَمَانُ: البِضْعُ: ما بينَ العَقْدَيْنِ من واحِدٍ إِلى عَشَرَةٍ، ومِنْ أحَدَ عَشَرَ إلى عِشْرِينَ، ومع المُذَكَّرِ بِهَاءٍ، ومعَهَا بغيرِ هاءٍ، بِضْعَةٌ وعِشْرُونَ رَجُلاً، وبِضْعٌ وعِشْرونَ امرأةً، ولا يُعْكَسُ، أو البِضْعُ: غيرُ مَعْدودٍ؛ لأَنَّهُ بمعنَى القِطْعَةِ. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن بضعة، وبضعاً له حُكم ثلاثة وثلاث، قال في ((شرح الكافية الشافية)): لبضعة وبضع حُكم تسعة، وتسع في الإفراد والتركيب، وعطف عشرين وأخواته عليه، نحو: لبثت بضعة أعوام، وبضع سنين، وعندي بضعة عشر غلاماً، وبضع عشرة أمةً، وبضعة وعشرون كتاباً، وبضع وعشرون صحيفةً، ويراد ببضع: من ثلاث إلى تسع، وببضعة: من ثلاثة إلى تسعة. انتهى. (١) ((المصباح المنير)) ٤٩/١ - ٥٠. (٢) (القاموس المحيط)) ص ١١٢. ٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة والحاصل: أنه ورد في الأحاديث الصحيحة استعماله مع عشرين، فما فوقه، كهذا الحديث: ((بضعة وثمانين رجلاً))، وكحديث: ((رأين بضعة وثلاثين ملكاً))، وحديث: ((صلاة الجماعة تفضل صلاة الواحد ببضع وعشرين درجة))، وغير ذلك، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَقَبِلَ) بكسر الباء، من باب تَعِب، (مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَانِيَتَهُمْ)؛ أي: ظواهرهم (وَبَايَعَهُمْ)؛ أي: جدّد مبايعتهم على نصرة الإسلام، (وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ)؛ أي: مما وقع منهم من التخلّف عنه، وذلك لأن الله مت أمره بالاستغفار لمن تخلّف عن مجلسه، فقال: ﴿فَإِذَا اسْتَخْذَنُوَكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِّمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢]. (وَوَكَلَ) بفتحات، مع التخفيف؛ أي: فوّض (سَرَائِرَهُمْ)؛ أي: أمر سرائرهم التي اشتملت عليها قلوبهم، من الإخلاص، أو النفاق، (إِلَى اللّهِ) وَالنّ؛ لأنه الذي يتولّى السرائر، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وقال: ﴿قُلّ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩]، وقال: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِى أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِ اللَّهُ ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. (حَتَّى جِئْتُ) إليه وَِّ، (فَلَمَّا سَلَّمْتُ) ولفظ البخاريّ: ((فلما سلّمت عليه))، (تَبَسَّمَ) يقال: بَسَمَ بَسْماً، من باب ضرب: إذا ضَحِك قليلاً، من غير صوت، وابتسم، وتبسُّم كذلك، ويقال: هو دون الضحك(١). (تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ) بصيغة اسم المفعول؛ أي: تبُّم من يظهر عليه الغضب، وذلك بسبب تخلّفه عنه. وعند ابن عائذ في ((المغازي)): ((فأعرض عنه، فقال: يا نبي الله لِمَ تعرض عني؟ فوالله ما نافقت، ولا ارتبت، ولا بدلّت، قال: فما خلّفك؟)). (ثُمَّ قَالَ) ◌َ: (تَعَالَ))) بفتح اللام، أمْر من تعالى يتعالى، قال الفيّوميّ تَُّ: تَعَالَ فعلُ أمر من تعالى يتعالى: إذا ارتفع، وأصله أن الرجل العالي كان ينادي السافل، فيقول: تَعَالَ، ثم كَثُر في كلامهم حتى استُعْمِل بمعنى هَلُمّ مطلقاً، وسواء كان موضع المدعوّ أعلى، أو أسفل، أو مساوياً، فهو في الأصل لمعنى خاصّ، ثم استُعمل في معنى عامٌ، ويتصل به الضمائر (١) ((المصباح المنير)) ٤٩/١. ٣٥ ـة - حديث رقم (٦٩٩٠) (٩) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ . باقياً على فتحه، فيقال: تَعَالَوا، تَعَالَيَا، تَعْالُيْنَ، وربما ضُمّت اللام مع جمع المذكر السالم، وكُسرت مع المؤنثة، وبه قرأ الحسن البصريّ في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ﴾ [آل عمران: ٦٤] لمجانسة الواو. انتهى (١). (فَجِثْتُ) إليه بََّ، حال كوني (أَمْشِي) على هِينتي، (حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ) وَ جِ (فَقَالَ) بَرِ (لِي: «مَا خَلَّفَكَ؟) ((ما)) استفهامية؛ أي: أيّ شيء جعلك تتخلّف عنّي في هذه الغزوة؟ (أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرََكَ؟)))؛ أي: مركوبك (قَالَ) كعب: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي والله لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرَِ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا)؛ أي: من ملوكهم، (لَرَأَيْتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ) بفتحتين، أو بضمّ، فسكون، (بِعُذْرٍ)؛ أي: بذكر عذر من الأعذار، ثمّ بيّن سبب خروجه من ذلك، فقال: (وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلاً) بفتحتين؛ أي: فصاحةً، وقوّةً كلام، بحيث أخرج عن عهدة ما يُنسب إليّ بما يُقبَل، ولا يُرَدّ، (وَلَكِنِّي والله لَقَدْ عَلِمْتُ، لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ)؛ أي: في هذه الدنيا (حَدِيثَ كَذِبٍ) بالإضافة، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، وقوله: (تَرْضَى بِهِ عَنِّيَّ) جملة في محلّ جرّ صفة ((حديث))، أو حال منه، (لَيُوشِكَنَّ)؛ أي: ليقرُبنّ، وليُسرعنّ (اللهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ) بضم حرف المضارعة، من الإسخاط؛ أي: يجعلك ساخطاً، وغاضباً عليّ باطلاعك على كذبي، (وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ) اليوم (حَدِيثَ صِدْقٍ) بالإضافة، من إضافة الموصوف إلى الصفة أيضاً، (تَجِدُ) بكسر الجيم؛ أي: تغضب (عَلَيَّ فِيهِ)؛ أي: بسببه، فـ(في)) سببيّةٍ، كما في حديث: ((عُذّبت امرأة في هرّة حبستها ... )) متّفقٌ عليه. (إِنِّي لأَرْجُو فِيهِ)؛ أي: في تحديثي إياك بحديث صدق، (عُقْبَى اللهِ) بضمّ العين المهملة، وسكون القاف، مقصوراً؛ أي: ثوابه، قال المجد تَظْلُهُ: الْعُقْبَى: جزاء الأمر. انتهى (٢)، وفي بعض النسخ: ((عفو الله)). (والله مَا كَانَ لِي عُذْرٌ)؛ أي: مانعٍ يمنعني من الخروج معك، (والله مَا كُنْتُ قَطُّ)؛ أي: فيما مضى من عمري (أَقْوَى)؛ أي: أشدّ قوّة في الجسم (وَلَا أَيْسَرَ)؛ أي: أكثر مالاً (مِنِّي)؛ أي: من قوَّتي، ويساري، (حِينَ تَخَلَّفْتُ)؛ أي: وقت تأخّري (عَنْكَ)؛ أي: عن الخروج معك إلى تبوك. (قَالَ (١) ((المصباح المنير)) ٤٢٨/٢. (٢) ((القاموس المحيط)) ص٨٩٢. ٣٦ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَمَّا هَذَا)؛ أي: كعب بن مالك، (فَقَدْ صَدَقَ)؛ أي: وأما غيره من المنافقين الذين اعتذروا، وطلبوا الاستغفار لهم، فقد كذبوا، (فَقُمْ) من هذا المجلس (حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِيكَ)))؛ أي: حتى يُنزل الله في قبول توبتك. (فَقُمْتُ) زاد النسائيّ: ((فمضيت))، (وَثَارَ)؛ أي: وثَب (رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةً) بكسر اللام، وهم قومه، (فَاتَّبَعُونِي) بوصل الهمزة، وتشديد التاء، (فَقَالُوا لِي: والله مَا عَلِمْنَاكَ أَذْتَبْتَ ذَنْباً قَبْلَ هَذَا) التخلّف من غزوة تبوك، (لَقَدْ عَجَزْتَ) بفتح الجيم، من باب ضرب، وفي لُغة ضعيفة، من باب تَعِب أيضاً، قال الفيّوميّ تَّتُهُ: عَجَزَ عن الشيء عَجْزاً، من باب ضرب، ومَعْجَزَةٌ بالهاء، وحَذْفها، ومع كلّ وجه فتح الجيم، وكسرها: ضَعُف عنه، وعَجِزَ عَجَزاً، من باب تَعِبَ لغة لبعض قَيْس عَيْلان، ذكرها أبو زيد، وهذه اللغة غير معروفة عندهم، وقد رَوَى ابن فارس بسنده إلى أن ابن الأعرابيّ أنه لا يقال: عَجِز الإنسان، بالكسر، إلا إذا عَظُمت عَجِيزَتُهُ. انتهى(١). (فِي أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ)؛ أي: لقد صرت عاجزاً في عدم اعتذارك، وقول بعض الشرّاح: ((في)) بمعنى ((عن))، و((لا)) زائدة؛ أي: لقد عجزت عن أن تكون معتذراً إلخ، مما لا يخفى بُعده، فلا حاجة إلى دعوى الزيادة؛ لأن المعنى بدون ذلك صحيح، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (إِلَى رَسُولِ اللهِ وَسِ بِمَا)؛ أي: بمثل الاعتذار الذي (اعْتَذَرَ بِهِ إِلَيْهِ الْمُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافِيَكَ) بالنصب خبراً مقدّماً لـ «كان»، وقوله: (ذَنْبَكَ) مفعول به لـ((كافيك))، وقوله: (اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللهِ و ◌َ لَكَ) تنازعاه ((كان))، و((كافيك))، فـ((كان)) تطلبه اسماً لها مؤخّراً، و((كافيك)) يطلبه فاعلاً. وقال في ((الفتح)): قوله: ((كافيك ذنبك)) بالنصب على نزع الخافض، أو على المفعولية أيضاً، و((استغفار)) بالرفع على أنه الفاعل. انتهى، والإعراب الأول أَولى، فتنبّه. وعند ابن عائذ: ((فقال كعب: ما كنت لأجمع أمرين: أتخلف عن رسول الله وَل﴾، وأكذبه، فقالوا: إنك شاعر جريء، فقال: أما على الكذب (١) ((المصباح المنير)) ٣٩٣/٢. ٣٧ د - حديث رقم (٦٩٩٠) (٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ تَوْبَةٍ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ . فلا))، زاد في رواية ابن أبي شيبة: ((كما صنع ذلك بغيرك، فقبل منهم عذرهم، واستغفر لهم)). (قَالَ) كعب ◌َظُبه: (فَوالله مَا زَالُوا يُؤَنِبُونَنِي) بنون ثقيلة، ثم موحّدة، من التأنيب، وهو اللوم العنيف، (حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّةِ، فَأُكَذِّبَ نَفْسِي) فيما قلت، من الصدق، وأعتذر إليه بالكذب. (قَالَ) كعب: (ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ:)؛ أي: للرجال الذين لاموه على الصدق، وأنّبوه عليه: (هَلْ لَقِيَ) بكسر القاف، (هَذَا)؛ أي: ما وقع لي من صدقي رسول الله وَسطور في شأن التخلّف، (مَعِي) بفتحِ الياء، وسكونها، (مِنْ أَحَدٍ؟) ((من)) زائدة للتوكيد، و((أحد)) فاعل (لقي)). (قَالُوا: نَعَمْ، لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلَانٍ) من المتخلِّفين، (قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ)؛ أي: الاعتراف بعدم العذر، والصدق في ذلك، (فَقِيلَ لَهُمَا)؛ أي: قال لهما النبيّ ◌َ﴿ ﴿مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ)؛ أي: من قوله: ((أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك)). (قَالَ) كعب: (قُلْتُ: مَنْ هُمَا؟) الرجلان، (قَالُوا: مُرَارَةُ) بضم الميم، وراءين، الأُولى خفيفة، (ابْنُ رَبِيعَةَ الْعَامِرِيُّ) قال النوويّ: هكذا هو في جميع نُسخ مسلم: ((العامريّ))، وأنكره العلماء، وقالوا: هو غلط، إنما صوابه ((العمريّ)) بفتح العين، وإسكان الميم، من بني عمرو بن عوف، وكذا ذكره البخاريّ، وكذا نسبه محمد بن إسحاق، وابن عبد البرّ، وغيرهما، من الأئمة، قال القاضي: هو الصواب، وإن كان القابسيّ قد قال: لا أعرفه إلا العامريّ، فالذي عرفه الجمهور أصحّ. وأما قوله: ((مرارة بن ربيعة)) فكذا وقع في نُسخ مسلم، وكذا نقله القاضي عن نُسخ مسلم، ووقع في البخاريّ: ابن الربيع، قال ابن عبد البرّ: يقال بالوجهین. انتهى(١). ولفظ البخاريّ: ((مُرارة بن الربيع الْعَمْريّ))، قال في ((الفتح)): قوله: ((العمريّ)) بفتح المهملة، وسكون الميم: نسبة إلى بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، ووقع لبعضهم: ((العامريّ))، وهو خطأ. وقوله: ((ابن الربيع)) هو المشهور، ووقع في رواية لمسلم بن ربيعة، وفي (١) ((شرح النوويّ)) ٩٢/١٧. ٣٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة حديث مُجَمِّع بن جارية عند ابن مردويه: ((مرارة بن ربعيّ))، وهو خطأ، وكذا ما وقع عند ابن أبي حاتم، من مرسل الحسن، من تسميته ربيع بن مرارة، وهو مقلوب، وذكر في هذا المرسل أن سبب تخلفه أنه كان له حائط حين زَهَى، فقال في نفسه: ((قد غزوت قبلها، فلو أقمت عامي هذا، فلما تذكر ذنبه، قال: اللَّهُمَّ إني أُشهدك أني قد تصدقت به في سبيلك))، وفيه أن الآخر؛ يعني: هلالاً كان له أهل تفرقوا، ثم اجتمعوا، فقال: لو أقمت هذا العام عندهم، فلما تذكر قال: اللَّهُمَّ لك عليّ أن لا أرجع إلى أهل، ولا مال. انتهى (١). (وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ) هو بقاف، ثم فاء: منسوب إلى واقف، بطن من الأنصار، وهو هلال بن أمية بن عامر بن قيس بن عبد الأعلى بن عامر بن كعب بن واقف، واسم واقف: مالك بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس الأنصاريّ، قاله النوويّ(٢). (قَالَ: فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنٍ، قَدْ شِهِدَا بَدْراً) قال الحافظ تَظُّ: هكذا وقع هنا، وظاهره أنه من كلام كعب بن مالك، وهو مقتضى صنيع البخاريّ، وقد قررت ذلك واضحاً في غزوة بدر، وممن جزم بأنهما شهدا بدراً، أبو بكر الأثرم، وتعقبه ابن الجوزيّ، ونسبه إلى الغلط، فلم يُصِب، واستَدَلّ بعض المتأخرين لكونهما لم يشهدا بدراً بما وقع في قصة حاطب، وأن النبيّ وٍَّ لم يهجره، ولا عاقبه، مع كونه جَسّ عليه، بل قال لعمر لَمّا هم بقتله: ((وما يُدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم؟))، قال: وأين ذنب التخلف من ذنب الجسّ؟. قال الحافظ: وليس ما استدلّ به بواضح؛ لأنه يقتضي أن البدريّ عنده إذا جنى جناية، ولو كبرت لا يعاقب عليها، وليس كذلك، فهذا عمر رَظ ◌ُه مع كونه المخاطب بقصة حاطب، فقد جلد قُدامة بن مظعون الحدّ لَمّا شَرِب الخمر، وهو بدريّ، كما تقدم، وإنما لم يعاقب النبيّ وَّرُ خاطباً، ولا هجره؛ لأنه قَبِل عذره في أنه إنما كاتب قريشاً خشيةً على أهله وولده، وأراد أن يتخذ له عندهم يداً، فعَذَره بذلك، بخلاف تخلّف کعب وصاحبيه، فإنهم لم يكن (١) ((الفتح)) ٩/ ٥٦٩. (٢) (شرح النوويّ)) ٩٢/١٧. ٣٩ ٤ - حديث رقم (٦٩٩٠) (٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ وَصَاحِبَيْهِ لهم عذر أصلاً. انتهى كلام الحافظ تَظُّْ وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (فِيهِمَا)؛ أي: في هذين الرجلين، وهو خبر مقدّم لقوله: (أُسْوَةٌ) بكسر الهمزة، وضمها؛ أي: تأسّ، واقتداء، وقال ابن التين: التأسي بالنظير ينفع في الدنيا، بخلاف الآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ اَلْيَوْمَ إِذ ◌َظَلَمْتُمْ﴾ الآية [الزخرف: ٣٩]. انتهى(١). (قَالَ) كعب: (فَمَضَيْتُ)؛ أي: ذهبت إلى بيتي، ولم أرجع إلى رسول الله ﴿﴿ لتكذيب نفسي (حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي)؛ أي: حين ذكر الرجال الرجلين الصالحين اللذين لي بهما أسوة حسنة، وفي رواية معمر: ((فقلت: والله لا أرجع إليه في هذا أبداً». (قَالَ) كعب: (وَنَهَى رَسُولُ اللهِ نَّهِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا)؛ أي: تكليمهم لنا، (أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ) قال القاضي: هو بالرفع، وموضعه نُصب على الاختصاص؛ أي: أخصّ أيها الثلاثةُ، أو متخصصين أيها الثلاثة بذلك دون بقية الناس، قال سيبويه نقلاً عن العرب: اللَّهُمَّ اغفر لنا أيتُها العصابةُ، وهذا مثله، كما قال في ((الخلاصة)): الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءٍ دُونَ يَا كَأَيُّهَا الْفَتَى بِإِثْرِ ارْجُونِيَا وفى هذا هجران أهل البدع والمعاصي، وقوله: (مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ) متعلّق بأخصّ المقدّر. (قَالَ) كعب: (فَاجْتَنَنَا النَّاسُ) بفتح الباء الموحّدة، و((نا)» ضمير المتكلم ومعه غيره، وهي جملة من الفعل، والفاعل، والمفعول. (وَقَالَ) كعب: (تَغَيَّرُوا لَنَا)؛ أي: تغيّر الناس علينا، كأنهم لا يعرفوننا، وتغيّر ما في الأرض علينا (حَتَّى تَتَكَّرَتْ لِي فِي نَفْسِيَ الأَرْضُ) قال النوويّ: معناه: تغيّر عليّ كل شيء حتى الأرض، فإنها توحّشت عليّ، وصارت كأنها أرض لم أعرفها؛ لتوحّشها عليّ، كما قال: (فَمَا هِيَ بِالأَرْضِ الَّتِي أَعْرِفُ)ها، وفي رواية معمر: ((وتنكّرت لنا الحيطان، حتى ما هي بالحيطان التي نعرف، وتنكّر لنا الناس، حتى ما هم الذين نعرف))، وهذا يجده الحزين، والمهموم، في كل شيء، حتى قد يجده في نفسه، وزاد البخاريّ في ((التفسير)) من طريق إسحاق بن (١) ((عمدة القاري)) ٥٣/١٨. ٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة راشد، عن الزهريّ: ((وما من شيء أهمّ إليّ من أن أموت، فلا يصلي عليّ رسول الله وَلي، أو يموت، فأكون من الناس بتلك المنزلة، فلا يكلمني أحد منهم، ولا يصلي عليّ))، وعند ابن عائذ: ((حتى وَجِلُوا أشدّ الوَجَل، وصاروا مثل الرهبان)). قال السهيليّ: وإنما اشتدّ الغضب على من تخلّف، وإن كان الجهاد فرض كفاية، لكنه في حقّ الأنصار خاصّة فرض عين؛ لأنهم كانوا بايعوا على ذلك، ومصداق ذلك قولهم، وهم يحفرون الخندق: نَحْنُ الذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا فكان تخلّفهم عن هذه الغزوة كبيرة؛ لأنه كالنكث لبيعتهم. انتهى. وعند الشافعيّة وجه أن الجهاد كان فرض عين في زمنه وَّ، ذكره القسطلانيّ. (فَلَبِثْنَا)؛ أي: مكثنا معاشر الثلاثة (عَلَى ذَلِكَ) الهجران (خَمْسِينَ لَيْلَةً) استُنبط منه جواز الهجران أكثر من ثلاث، وأما النهي الوارد عن الهجر فوق ثلاث، فمحمول على من لم يكن هجره لأمر شرعيّ. (فَأَمَّا صَاحِبَايَ)؛ يعني: مرارة بن الربيع، وهلال بن أميّة، (فَاسْتَكَانَا)؛ أي: خضعا (وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا) حال كونهما (يَبْكِيَانِ) على تخلّفهما عن النبيّ وََّ، (وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ)؛ أي: أصغرهم سنّاً (وَأَجْلَدَهُمْ)؛ أي: أقواهم بدناً، (فَكُنْتُ أَخْرُجُ) من بيتيَّ (فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ)؛ أي: أحضر صلاة الجماعة في المساجد، (وَأَطُوفُ)؛ أي: أدور، وأتجوّل (فِي الأَسْوَاقِ) استئناساً بأهل الأسواق من الوحشة التي حلّت به بسبب جفاء الناس له، (وَ) الحال أنه (لَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ) من الناس؛ حيث نهاهم النبيّ ◌َّ﴿ عن ذلك، (وَآتِي رَسُولَ اللهِنَّهِ، فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ) جملة حاليّة، (بَعْدَ الصَّلَاةِ) متعلّق بـ(أُسلّم))، أو بـ((آتي) على سبيل التنازع، (فَأَقُولُ فِي نَفْسِي)؛ أي: أحدّث نفسي قائلاً: (هَلْ حَرََّكَ) وَِ (شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ أَمْ لَا؟)؛ أي: أم لم يحرّكهما، ولعلّه إنما لم يجزم بتحريك شفتيه 9 بردّ السلام عليه لكونه لا يديم النظر إليه من الخجل، (ثُمَّ أُصَلِّي) النوافل (قَرِيباً مِنْهُ)؛ أي: في مكان قريب منه وَّ، أو حال كوني قريباً منه، (وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ) بالسين المهملة، والقاف؛ أي: أنظر إليه في خفية، (فَإِذَا