Indexed OCR Text
Pages 721-740
٧٢١ (٧) - بَابُ قَوْلِ الله وَى: ﴿إِنَّ الْمَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ - حديث رقم (٦٩٧٩) المشركين عامّةً، أو خاصّةً، لا يثنى ذلك، ولا يُجمع. انتهى (١). [تنبيه]: انتقد الدار قطنيّ تَخَّلهُ هذا الحديث على مسلم، فقال: وأخرج مسلم حديث أبي الأحوص، عن سماك، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عبد الله: أن رجلاً قال: عالجت امرأة، فأصبت منها ما دون الجماع، فنزلت: ﴿وَأَقِمِ الضَلَوَةَ طَرَفَ النَّهَارِ وَزُلَفَا مِنَ الَّيْلِ﴾ ... الحديث. وأخرجه أيضاً عن أبي موسى، عن أبي النعمان الحكم بن عبد الله، عن شعبة، عن سماك، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله. قال: رواه إسرائيل عن سماك مثل أبي الأحوص، وقيل: عن أبي عوانة كذلك أيضاً، وقال خالد السمتيّ عنه، عن سماك، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود بلا شكّ، وقال أسباط بن نصر: عن سماك، عن إبراهيم، عن الأسود وحده. وقال أبو قطن، وأبو زيد الهرويّ: عن شعبة، عن سماك، عن إبراهيم، عن خاله، عن عبد الله، ولم يُسمّ خاله هذا. وقال شريك: عن سماك، عن إبراهيم، عن علقمة وحده، عن عبد الله. وقال الثوريّ: عن سماك، عن إبراهيم، عن عبد الله بن يزيد الصائغ، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله خاله. والفضل السينانيّ. وقال الفريابيّ: عن الثوريّ، عن الأعمش، وسماك، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد الصائغ، وكان سماك يضرب فيه، والله أعلم بالصواب. قال الجامع عفا الله عنه: غرض الدارقطنيّ كَّتُهُ إعلال رواية سماك بن حرب هذه بالاضطراب، ومسلم تَُّ لا يرى هذا اضطراباً؛ لأن رواية أبي الأحوص أرجح؛ لكونه تابعه غيره، كإسرائيل، وأبي عوانة، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٧٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْعِجْلِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ، عَنْ خَالِهِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي الأَحْوَصِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَقَالَ مُعَاذٌ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا لِهَذَا خَاصَّةً، أَوْ لَنَا عَامَّةً؟ قَالَ: ((بَلْ لَكُمْ عَامَّةً))). (١) ((المصباح المنير)) ٥٣٦/٢. ٧٢٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو النُّعْمَانِ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْعِجْلِيُّ) الأنصاريّ، ويقال: القيسيّ - بالقاف - ويقال: العجليّ، البصريّ، ثقةٌ، له أوهام [٩]. رَوَى عن سعيد بن أبي عروبة، وشعبة، ويزيد بن زريع، وغيرهم. وروى عنه أبو قُدامة السرخسي، ومحمد بن المثنّى، ومحمد بن المنهال الضرير، وغيرهم. قال عقبة بن مكرم: كان من أصحاب شعبة الثقات، وقال البخاريّ: حديثه معروف، كان يحفظ، وقال الخطيب: كان ثقة يوصف بالحفظ، وقال ابن حبان: كان حافظاً، ربما أخطأ، روى عنه أهل الكوفة، وقال الذهليّ: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله القيسيّ، وكان ثبتاً في شعبة، عاجله الموت، سمعت عبد الصمد يثبته، ويذكره بالضبط، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: كان يحفظ، وهو مجهول، وقال أبو الوليد الباجيّ في ((كتاب رجال البخاريّ)): لا أعلم له في ((صحيح البخاريّ)) غير حديث أبي مسعود في الصدقة، وقال ابن عديّ: له مناكير، لا يتابعه عليها رجل، وكَنَاه أبا مروان، ثم أخرج من طريق ابن أبي بزة، ثنا أبو مروان الحكم بن عبد الله البصريّ البزار، ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، رفعه: ((من لقي أخاه المسلم بما يحب ليسرّه به سَرَّه الله يوم القيامة)) قال: وهذا حديث منكر بهذا الإسناد، ثم ذكر له حديثين عن شعبة غریبین . قال الحافظ: ويهجس في خاطري أن الراوي عن سعيد هو أبو مروان، وهو غير أبي النعمان الراوي عن شعبة، فالله أعلم. انتهى(١). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان، فقط هذا برقم (٢٧٦٣)، وحديث (٢٩٠١): ((إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات ... )) الحديث. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ) فاعل ((قال)) ضمير الحكم بن عبد الله. (١) ((تهذيب التهذيب)) ٣٦٩/٢. ٧٢٣ (٧) - بَابُ قَوْلِ الله وَى: ﴿إِنَّ الْمَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَِّئَاتِ﴾ - حديث رقم (٦٩٨٠) وقوله: (فَقَالَ مُعَاذٌ) هو ابن جبل الصحابيّ الشهير [تنبيه]: رواية الحكم بن عبد الله عن شعبة هذه ساقها النسائيّ تَُّ في ((الكبرى))، فقال: (٧٣٢١) - أخبرنا محمد بن المثنى، قال: ثنا الحكم بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن سماك، قال: سمعت إبراهيم، عن خاله الأسود، عن عبد الله، أن رجلاً لقي امرأة في بعض طرق المدينة، فأصاب منها ما دون الجماع، فأتى النبيّ ◌َّه، فذكر ذلك له، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفِي النََّارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيْئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِرِينَ (٣٦)﴾، قال معاذ: يا رسول الله، أله خاصّة، أو لنا عامّة؟ قال: ((بل لكم عامّةً)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٨٠] (٢٧٦٤) - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِم، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلَّ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَصَبْتُ حَدَّاً، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ: وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدّاً، فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللهِ، قَالَ: ((هَلْ حَضَرْتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((قَدْ غُفِرَ لَكَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ) الخلال، نزيل مكة، تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَمْرُو بْنُ عَاصِم) بن عبيد الله الْكِلابيّ القيسيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ، في حفظه شيءَ، من صغار [٩] (ت٢١٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٦/٤٣. والباقون تقدّموا قبل باب. شرح الحديث: (عَنْ أَنَس) بن مالك ظُه؛ أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ) قال (١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٣١٦/٤. ٧٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة الحافظ تَخّْثُ: لم أقف على اسم الرجل، ولكن مَن وَحّد هذه القصة والتي في حديث ابن مسعود فسّره به، وليس بجيّد؛ لاختلاف القصتين، وعلى التعدد جرى البخاريّ في هاتين الترجمتين، فحمل الأُولى على من أقرَّ بذنب دون الحد؛ للتصريح بقوله: ((غير أني لم أجامعها))، وحَمَل الثانية على ما يوجب الحدّ لأنه ظاهر قول الرجل، وأما من وحّد بين القصتين، فقال: لعله ظن ما ليس بحدّ حدّاً، أو استعظم الذي فعله، فظنّ أنه يجب فيه الحد، قال: ولحديث أنس شاهد أيضاً من رواية الأوزاعيّ، عن شداد أبي عمار، عن واثلة بن الأسقع(١). انتهى(٢). (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَصَبْتُ حَدّاً)؛ أي: فعلت فعلاً يوجب الحدّ عليّ، (فَأَقِمْهُ عَلَيَّ) بتشديد الياء، زاد في رواية البخاريّ: ((ولم يسأله))؛ أي: لم يستفسره، وفي حديث أبي أمامة التالي: ((فسكت عنه، ثم عاد)). (قَالَ) أنس: (وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ) وفي حديث أبي أمامة التالي: ((فأقيمت الصلاة))، (فَصَلَّى) الرجل (مَعَ رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ) وفي رواية البخاريّ: ((فلما قضى النبيّ وَّر الصلاة))؛ أي: انتهى، وخرج منها بالتسلیم، (قَالَ) الرجل، ولفظ البخاريّ: ((قام إليه الرجل، فقال)): (يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدّاً، فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللهِ)؛ أي: الحدّ الذي أنزله الله تعالى في كتابه، ولعله ظنّ أن قوله تعالى: ﴿الَِّيَهُ وَالزَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَجِدٍ مِنْهُمَا مِْتَةً جَلْدَةٍ﴾ الآية [النور: ٢] ينطبق عليه؛ لأن الزنا يحصل باليد، وبالعين، وغيرهما، كما قال ◌َله: ((إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالةَ، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تتمنى، وتشتهي، والفرج يصدّق ذلك كلّه، أو يكذبه))، متّفقٌ عليه. (قَالَ) وَ: ((هَلْ حَضَرْتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا؟))، قَالَ: نَعَمْ) وفي رواية البخاريّ: ((أليس قد صليت معنا؟))، وفي حديث أبي أمامة التالي: ((أليس حيث خرجت من بيتك توضأت، فأحسنت الوضوء؟)) قال: بلى، قال: ((ثم شَهِدت (١) رواه ابن حبّان في ((صحيحه)) رقم (١٧٢٧). (٢) ((الفتح)) ٦٢٨/١٥ - ٦٨٩، (كتاب الحدود)) رقم (٦٨٢٣). ٧٢٥ (٧) - بَابُ قَوْلِ الله وَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ - حديث رقم (٦٩٨٠) معنا الصلاة؟ قال: نعم))، (قَالَ) وَّهِ: ((قَدْ غُفِرَ لَكَ))) وفي رواية البخاريّ: ((فإن الله قد غفر لك ذنبك))، أو قال: ((حدّك)) بالشكّ؛ أي: ما يوجب حدّك، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك تظ له هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: قال في ((الفتح): قد طعن الحافظ أبو بكر البرزنجيّ في صحة هذا الخبر، مع كون الشيخين اتفقا عليه، فقال: هو منکر، وَهْمٌ، وفيه عمرو بن عاصم، مع أن هماماً كان يحيى بن سعيد لا يرضاه، ويقول: أبان العطار أمثل منه. قال الحافظ: لم يبيّن وجه الوهم، وأما إطلاقه كونه منكراً، فعلى طريقته في تسمية ما ينفرد به الراوي منكراً، إذا لم يكن له متابع، لكن يجاب بأنه وإن لم يوجد لهمام، ولا لعمرو بن عاصم فيه متابع، فشاهده حديث أبي أمامة الذي أخرجه مسلم عقبه، والله أعلم. انتهى(١). (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٦٩٨٠] (٢٧٦٤)، و(البخاريّ) في ((الحدود)» (٦٨٢٣)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٣٠/١٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٣٣/٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيمن قال: أصبت حدّاً : قال في ((الفتح)): قد اختَلَف نظر العلماء في هذا الحكم، فظاهر ترجمة البخاريّ حَمْله على من أقرّ بحدّ ولم يفسِّره، فإنه لا يجب على الإمام أن يقيمه عليه إذا تاب، وحَمَله الخطابيّ على أنه يجوز أن يكون النبيّ ◌َّ اطّلع بالوحي على أن الله قد غفر له؛ لكونها واقعة عين، وإلا لكان يستفسره عن الحدّ، ويقيمه عليه، وقال أيضاً: في هذا الحديث أنه لا يُكشف عن الحدود، بل يدفع مهما أمكن، وهذا الرجل لم يُفصح بأمر يلزمه به إقامة الحدّ عليه، فلعله أصاب صغيرة ظنها كبيرة، توجب الحدّ، فلم يكشف النبيّ وَّر عن ذلك؛ لأن (١) ((الفتح)) ٦٢٨/١٥ - ٦٨٩، ((كتاب الحدود)) رقم (٦٨٢٣). ٧٢٦ = البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة موجب الحد لا يثبت بالاحتمال، وإنما لم يستفسره إما لأن ذلك قد يدخل في التجسيس المنهيّ عنه، وإما إيثاراً للسَّتر، ورأى أن في تعرضه لإقامة الحد عليه ندماً ورجوعاً، وقد استحب العلماء تلقين من أقرّ بموجب الحد بالرجوع عنه، إما بالتعريض، وإما بأوضح منه؛ ليدرأ عنه الحدّ، وجزم النوويّ وجماعة أن الذنب الذي فعله كان من الصغائر، بدليل أن في بقية الخبر أنه كفّرته الصلاة؛ بناءً على أن الذي تكفّره الصلاة من الذنوب الصغائر، لا الكبائر، وهذا هو الأكثر الأغلب، وقد تكفِّر الصلاة بعض الكبائر، كمن كَثُر تطوّعه مثلاً بحيث صَلَح لأن يكفّر عدداً كثيراً من الصغائر، ولم يكن عليه من الصغائر شيء أصلاً، أو شيء يسير، وعليه كبيرة واحدة مثلاً، فإنها تكفّر عنه ذلك؛ لأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. وقد وقع في رواية أبي بكر البرزنجي عن محمد بن عبد الملك الواسطيّ، عن عمرو بن عاصم، بسند حديث الباب بلفظ: ((أن رجلاً أتى النبيّ وَّ، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأقم عليّ الحدّ ... )) الحديث، فحَمَله بعض العلماء على أنه ظنّ ما ليس زنا زنا، فلذلك كفّرت ذنبه الصلاة. وقد يتمسك به من قال: إنه إذا جاء تائباً سقط عنه الحدّ. ويَحْتَمِل أن يكون الراوي عبّر بالزنا من قوله: ((أصبت حدّاً))، فرواه بالمعنى الذي ظنه، والأصل ما في ((الصحيحين))، فهو الذي اتفق عليه الحفاظ عن عمرو بن عاصم، بسنده المذكور. ويَحْتَمِل أن يختص ذلك بالمذكور؛ لإخبار النبيّ وَّ أن الله قد كفَّر عنه حدّه بصلاته، فإن ذلك لا يُعرف إلا بطريق الوحي، فلا يستمر الحكم في غيره، إلا في من عُلم أنه مثله في ذلك، وقد انقطع عِلْم ذلك بانقطاع الوحي بعد النبيّ ێ. وقد تمسّك بظاهره صاحب ((الهدي))، فقال: للناس في حديث أبي أمامة - يعني: المذكور بعد هذا - مسالك: أحدها: أن الحدّ لا يجب إلا بعد تعيينه، والإصرار عليه من المُقِرّ به. والثاني: أن ذلك يختص بالرجل المذكور في القصة. ٧٢٧ (٧) - بَابُ قَوْلِ الله وَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ - حديث رقم (٦٩٨١) والثالث: أن الحد يسقط بالتوبة، قال: وهذا أصح المسالك، وقوّاه بأن الحسنة التي جاء بها من اعترافه طوعاً بخشية الله وحده تقاوم السيئة التي عملها؛ لأن حكمة الحدود الردع عن العَوْد، وصنيعه ذلك دالّ على ارتداعه، فناسب رفع الحدّ عنه لذلك، والله أعلم. انتهى(١). [٦٩٨١] (٢٧٦٥) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا شَدَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُوَ أُمَامَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَنَحْنُ قُعُودٌ مَعَهُ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَذَاً، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ، ثُمَّ أَعَادَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدَاً، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ عَنْهُ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ نَبِيُّ اللّهِ قَالَ أَبُو ◌ُمَامَةَ: فَاتَّبَعَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللهِنَّهِ حِينَ انْصَرَفَ، وَاتَّبَعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَنْظُرُ مَا يَرُدُّ عَلَى الرَّجُلِ؟، فَلَحِقَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَذَاً، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((أَرَأَبْتَ حِينَ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ، أَلَيْسَ قَدْ تَوَضَّأْتَ، فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ؟))، قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: (ثُمَّ شَهِدْتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا؟))، فَقَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((فَإِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدََّ - أَوْ قَالَ -: ذَنْبَكَ ـ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ) هو: نصر بن عليّ بن نصر بن عليّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، طُلب للقضاء فامتنع [١٠] (ت٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسََ) بن القاسم الحنفيّ، أبو حفص اليماميّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢ /١٥٥. ٤ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجْليّ، أبو عمّار اليماميّ، أصله من البصرة، (١) ((الفتح)) ٦٢٨/١٥ - ٦٨٩، ((كتاب الحدود)) رقم (٦٨٢٣). ٧٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة صدوقٌ، يَغْلَط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب [٥] مات قُبيل (١٦٠) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٥/١٢. ٥ - (شَدَّادُ) بن عبد الله القرشيّ، أبو عمار الدمشقيّ، ثقةٌ يرسل [٤] (بخ م ٤) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ٢٦/ ١٣٣٧. ٦ - (أَبُو أُمَامَةَ) صُديّ - بالتصغير - ابن عجلان الباهليّ الصحابي المشهور، سكن الشام، ومات بها سنة ست وثمانين ظبه (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٨٧٤/٤٣. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف رَُّ، وأنه مسلسل بالتحديث، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. شرح الحديث: عن شَدَّاد بن عبد الله القرشيّ، أنه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُمَامَةَ) صُديّ بن ﴿ّ (قَالَ: بَيْنَمَا) تقدّم البحث فيها غير مرّة، فلا تغفل. عجلان الباهليّ (رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي الْمَسْجِدِ) النبويّ، وقوله: (وَنَحْنُ قُعُودٌ مَعَهُ) جملة حاليّة من ((رسول الله (وَلِ ﴿)، (إِذْ جَاءَ رَجُلٌ) لا يُعرف، قال الشيخ مشهور فيما كتبه في هامش تنبيه المعلم: ((لم يُعيّنه أحد من الشرّاح، قال ابن حجر في (الفتح)) ١/ ٣٢٠: ((وينبغي أن لا يبالَغ في الفحص عن تسمية من وقع في حقّه ما يُذمّ به))، وكنت قد بدأت بجمع المحدودين، فلما وقفت على كلام ابن حجر ضربت عما بدأت صفحاً، وبالله التوفيق. انتهى(١). (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدّاً)؛ أي: ما يوجبه، (فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ وَّةِ﴾ لعله لانتظار الوحي، (ثُمَّ أَعَادَ) الرجل الكلام (فَقَالَ: يَا رَسُولَ الهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدَاً، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ) وَِّ (عَنْهُ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) لم تُعرف تلك الصلاة، (فَلَمَّا انْصَرَفَ نَبِيُّ اللهِ وَ ◌ّ) من صلاته بالتسليم، (قَالَ أَبُو أَمَامَةَ) ◌َُّله: (فَاتَّبَعَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللهِ لَّهِ حِينَ انْصَرَفَ) من المسجد إلى بيته، (وَاتَّبَعْتُ رَسُولَ اللهِ) وَّةِ، وقوله: (أَنْظُرُ مَا يَرُدُّ عَلَى الرَّجُلِ؟) (١) راجع: هامش ((تنبيه المعلم)) ص٤٤٩. ٧٢٩ (٨) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَثُرَ قَتْلُهُ - حديث رقم (٦٩٨٢) جملة في محل نَصْب على الحال، (فَلَحِقَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللهِ) وَّةِ، (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدّاً، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ: ((أَرَأَيْتَ)؛ أي: أخبرني عن حالك (حِينَ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ) مريداً السؤال عما اقترفته من الذنوب، (أَلَيْسَ قَدْ تَوَضَّأْتَ، فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ؟»، قَالَ) الرجل: (بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ)؛ أي: فعلت ذلك، (قَالَ) وَلَ: (ثُمَّ شَهِدْتَ) بكسر الهاء، من باب تعب، (الصَّلَاةَ مَعَنَا؟))، فَقَالَ) الرجل (نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ)؛ أي: صليت معك، (قَالَ) أبو أمامة: (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((فَإِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدََّ)؛ أي: ما يوجبه (أَوْ) للشكّ من الراوي، (قَالَ) بَلِّ: قد غفر لك (ذَنْبَكَ)))، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي أمامة الباهليّ ظُه هذا من أفراد المصنّف نَحْشُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٨١/٧] (٢٧٦٥)، و(أبو داود) في ((الحدود)) (٤٣٨١)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣١٥/٤)، و(أحمد) في (مسنده)) (٢٦٢/٥ - ٢٦٣ و٢٦٥)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٧٦٢٣)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (١٨٦٨١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٣١١)، و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٤٠٣/٥)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٨) - (بَابُ بَيَانِ قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَثُرَ قَتْلُهُ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٨٢] (٢٧٦٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ نَبِيَّ ◌َلِ قَالَ: ((كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْساً، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، ٧٣٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْساً، فَهَلْ لَهُ مِنَ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدْلَّ عَلَى رَجُلِ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضٍ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاساً يَعْبُدُونَ اللهَ، فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِباً مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إِلَى اللهِ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْراً قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكَ فِي صُورَةٍ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَتِهِمَا كَانَ أَدْنَى، فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ، فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ))، قَالَ قَتَادَةُ: فَقَالَ الْحَسَنُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَوْتُ، نَأَى بِصَدْرِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبر الدستوائيّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً . ٣ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السَّدُوسيّ البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (أَبُو الصِّدِّيقِ) بكر بن عمرو، وقيل: ابن قيس الناجيّ - بالنون، والجيم - البصريّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٨) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠١٩/٣٥. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقيان ذُكرا قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْلُهُ، وأن مسلسل بالبصريين، غير الصحابيّ نَظ ◌ُله، فمدنيّ، وأن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجمعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد صحابيّ ابن صحابيّ ﴿ّه، ومن المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً. ٧٣١ (٨) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَثُرَ قَتْلُهُ - حديث رقم (٦٩٨٢) شرح الحديث: (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ) وفي الرواية التالية: ((عن قتادة أنه سمع أبا الصدّيق الناجيّ)، فصرّح قتادة بالسماع، فزالت عنه تهمة التدليس، واسم أبي الصديق - وهو بكسر الصاد المهملة، وتشديد الدال المكسورة -: بكر، واسم أبيه: عمرو، وقيل: قيس، وليس له عند مسلم إلا حديثان فقط، هذا، وحديث تقدّم في ((الصلاة))، وقال الحافظ: وليس له في البخاريّ سوى هذا الحدیث. (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ◌َبه؛ (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ وَّرِ قَالَ: ((كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) وفي رواية البخاريّ: ((كان في بني إسرائيل))، (رَجُلٌ) قال الحافظ تَُّ: لم أقف على اسمه، ولا على اسم أحد من الرجال ممن ذُكر في القصة. انتهى (١). (قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْساً)؛ أي: ظلماً، (فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَم أَهْلِ الأَرْضِ) إنما سأل عن الأعلم؛ لأنه الذي يوجد عنده عِلم أحكام الشرع، (فَدَّلَّ) بالبناء للمفعول؛ أي: دلّه الناس (عَلَى رَاهِبٍ) اسم فاعل من رَهِبَ؛ أي: خاف، قال الفيّوميّ كَُّ: رَهِبَ رَهَباً، من بابَ تَعِب: إذا خاف، والاسم: الرَّهْبَةُ، فهو رَاهِبٌ من الله، والله مَرْهُوبٌ، والأصل: مرهوب عقابه، والرَّاهِبُ، عابد النصارى من ذلك، والجمع رُهْبَانٌ، وربما قيل: رَهَابِينُ، وتَرَهَّبَ الرَّاهِبُ: انقطع للعبادة، والرَّهْبَانِيَّةُ من ذلك، قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً أَبْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧]، مَدَحهم عليها ابتداءً، ثم ذَمّهم على ترك شَرْطها بقوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]؛ لأن كُفرهم بمحمد بَّرِ أحبطها، قال الطُّرْطُوشيّ: وفي هذه الآية تقوية لمذهب من يرى أن الإنسان إذا ألزم نفسه فعلاً من العبادة لَزِمه، قال: وأنا أمِيل إلى ذلك، والجواب عنه أن التعرّض بالذمّ لم يكن لإفسادهم العبادة بنوع من الإفسادات المنهية عند الفاعل، وهم لم يفسدوها على اعتقادهم، وإنما ذمّهم على ترك الإيمان بمحمد وَلّ، فالذمّ متوجه على الراهب وغيره، فألغى وصف الرهبانية بدليل مَذْح من آمن منهم، وقد أبطل تلك العبادة بقوله: ﴿فَاتَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ [الحديد: ٢٧]، ولم يقل: (١) ((الفتح)) ١٢٧/٨ - ١٢٨، ((كتاب أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٧٠). ٧٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة الذين أتموا، وأما قوله: ﴿وَلَ نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، فالمراد: لا تبطلوها بمعصية الرسول وَ﴾. انتهى (١). قال في ((الفتح)): قوله: ((فأتى راهباً)) فيه إشعار بأن ذلك كان بعد رفع عيسى؛ لأن الرهبانية إنما ابتدعها أتباعه، كما نُصّ عليه في القرآن. انتهى(٢). (فَأَتَّاهُ)؛ أي: أتى الرجل القاتلُ الراهبَ (فَقَالَ) له: (إِنَّهُ) فيه التفات؛ إذ الأصل أن يقول: ((إني)). (قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْساً)؛ أي: ظُلماً، (فَهَلْ لَهُ مِنَ تَوْبَةٍ؟)؛ أي: صحيحة، (فَقَالَ) له الراهب جواباً عن سؤاله: (لَا)؛ أي: لا توبة لك بعد أن قتلت تسعة وتسعين إنساناً، وأفتاه بذلك؛ لغلبة الخشية عليه، واستبعاده أن تصح توبته بعد قَتْله لمن ذَكَر أنه قَتَله بغير حقّ(٣)، وقال القاري: وهذا قاله إما جهلاً منه بعلم التوبة، وإما لغلبة الخشية عليه، وإما لتصوّره عدم إمكان إرضاء خصومه عنه (٤). (فَقَتَلَهُ)؛ أي: الراهب، (فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً) قال القاري: لعله لكونه أوهمه أنه لا يقبل له توبة منها، وإن رضي مستحقوه، وقيل: لأن فتياه اقتضت عنده أن لا نجاة له، فيئس من الرحمة، ثم تداركه الله تعالى، فنَدِم على ما صنع، فرجع يسأل، وفيه إشارة إلى قلة فطنة الراهب؛ لأنه كان من حقّه التحرز ممن اجترأ على القتل حتى صار له عادة، بأن لا يواجهه بخلاف مراده، وأن يستعمل معه المعاريض؛ مداراةً عن نفسه، هذا لو كان الحكم عنده صريحاً في عدم قبول توبة القاتل، فضلاً عن أن الحكم لم يكن عنده إلا مظنوناً(٥). وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: قول الراهب للقاتل: لا توبة لك دليل على قلّة علم ذلك الراهب، وعدم فطنته، حيث لم يُصب وجه الفتيا، ولا سَلَك طريق التحرّز على نفسه، ممن صار القتل له عادة معتادة، فقد صار هذا مثل الأسد الذي لا يبالي بمن يفترسه، فكان حقّه ألا يشافهه بمنع التوبة؛ مداراةً لدفع القتل عن نفسه، كما يدارى الأسد الضاري، لكنه أعان على نفسه، فإنَّه لمّا آيسه من (١) ((المصباح المنير)) ٢٤١/١. (٣) ((مرعاة المفاتيح)) ٤٦/٨. (٥) ((مرعاة المفاتيح)) ٤٦/٨. (٢) ((الفتح)) ١٢٧/٨ - ٠١٢٨ (٤) ((مرقاة المفاتيح)) ١٥٩/٥. ٧٣٣ (٨) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَثُرَ قَتْلُهُ - حديث رقم (٦٩٨٢) رحمة الله، وتوبته قَتَله، بحكم سبعيته، ويأسه من رحمة الله، وتوبته عليه، ولمّا لَطَف الله به بقي في نفسه الرغبة في السؤال عن حاله، فما زال يبحث إلى أن ساقه الله تعالى إلى هذا الرجل العالم الفاضل، فلما سأله نطق بالحقّ والصواب، فقال له: ومن يحول بينك وبينها؟ مفتياً، ومنكراً على من ينفيها عنه، ثم إنه أحاله على ما ينفعه، وهو مفارقته لأرضه التي كانت غلبت عليه بحكم عادة أهلها الفاسدة، ولقومه الذين كانوا يُعينونه على ذلك، ويَحملونه عليه. وبهذا يُعلم فضل العلم على العبادة، فإنَّ الأول غلبت عليه الرهبانية، واغترّ بوصف الناس له بالعلم، فأفتى بغير علم، فهلك في نفسه، وأهلك غيره، والثاني كان مشتغلاً بالعلم، ومعتنياً به، فوُفّق للحق، فأحياه الله في نفسه، وأحيا به الناس. قال القاضي: ومذهب أهل السُّنّة والجماعة أن التوبة تُكَفِّر القتل، كسائر الذنوب، وهو قول كافّة العلماء، وما رُوي عن بعضهم من تشديد في الزجر، وتورية في القول، فإنما ذلك لئلا يجترئ الناس على الدماء، وقد اختلف في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا﴾ الآية [النساء: ٩٣]، فقيل: معناه: إن جازاه، وقيل: الخلود: طول الإقامة، لا التأبيد، وقيل: الآية في رجل بعينه قَتل رجلاً له عليه دم بعد أخذ الدية، ثم ارتدّ، وقد تقدَّم القول على أن كل ما دون الشرك يجوز أن يغفره الله تعالى، وأنه ليس من ذلك شيء كفراً، قتلاً كان، أو تَرْك صلاة، أو غيرها، كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ الآية [النساء: ٤٨]، ولقوله﴿ في حديث عبادة بن الصامت ظه: ((تبايعوني على ألّا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، فمن أصاب شيئاً من ذلك فعوقب به، فهو كفارة له، ومن أصاب شيئاً من ذلك فستره الله عليه، فأمْره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه))، متّفقٌ عليه، ولقوله ◌َ﴿ في حديث عبادة ظ له أيضاً: ((خمس صلوات افترضهن الله ويت على العباد، فمن جاء بهنّ لم يضيّع منهن شيئاً، كان له عند الله عهد أن يغفر له، ومن لم يأت بهنّ، فليس له عند الله عهد، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه))، وهذه حُجج صريحة تبيّن فساد مذهب المكفرة بشيء ٧٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة من ذلك. انتهى(١). (ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمْ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ) بالبناء للمفعول أيضاً، (عَلَى رَجُلٍ عَالِم، فَقَالَ) الرجل القاتل للعالم: (إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟)؛ أي: صحيحة، (فَقَالَ) ذلك العالم: (نَعَمْ) لك توبة صحيحة، (وَمَنْ) استفهاميّة، والاستفهام للإنكار؛ أي: لا أَحَدَ (يَحُولُ)؛ أي: يمنع، ويحجُز (بَيْنَهُ)؛ أي: بين القاتل، وقد سبق أنه فيه التفاتاً؛ أي: بينك (وَبَيْنَ الثَّوْبَةِ؟)؛ يعني: أن التوبة مفتوح بابها، فبادِر إليها، ثم أرشده إلى ما يُعينه عليها، بقوله: (انْطَلِقْ)؛ أي: اذهب من أرضك هذه التي ارتكبت فيها هذه الجرائم الشنيعة الفظيعة (إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا) لأرض سمّاها له، وقع تسمية القريتين في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ظه، مرفوعاً في ((المعجم الكبير)) للطبرانيّ، قال فيه: إن اسم القرية الصالحة: نصرة، واسم القرية الأخرى: كفرة، قاله في ((الفتح))(٢). ثم ذكر سبب أمْره له بالانطلاق إليها بالفاء التعليليّة، فقال: (فَإِنَّ بِهَا)؛ أي: لأن بتلك الأرض (أُنَاساً) قال الفيّومِيّ ◌َفُ: ((الأُنَاسُ)) قيل: فُعالٌ بِضَمّ الفَاءِ، مُشْتَقُ مِنَ الأُنِس، لكن يجوزُ حذف الهمزة تخفيفاً على غير قياس، فيبقى النَّاسَ، وعنِ الكسائيّ أن الأُنَاسَ، والنَّاسَ لُغَتانِ بِمِعَنْىَّ واحد، وليس أحدهما مشتقّاً من الآخر، وهو الوجهُ؛ لأنهما مادَّتَانِ مُخْتلِفَتانِ في الاشْتِقَاق، والحذف تَغْبِيرٌ، وهو خِلافُ الأَصْلِ. انتهى(٣). (يَعْبُدُونَ اللهَ) وَكَ (فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ) حتى تلحق بهم؛ لأن الله تعالى يقول فيهم: ((هم القوم لا يشقى بهم جليسهم))، (وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ) ثم بيّن له سبب نهيه عن الرجوع إليها بما قرنها بالفاء التعليليّة، فقال: (فَإِنَّهَا)؛ أي: لأن أرضك (أَرْضُ سَوْءٍ) بفتح السين المهملة، وسكون الواو؛ أي: قبيحة تُغري على الفساد؛ لسوء سُكّانها، أو لغير ذلك. (فَانْطَلَقَ) الرجل قاصداً تلك الأرض، (حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ)؛ أي: بلغ نصفه، يقال: نصفتُ الشيءَ نَصْفاً، من باب قتل: بلغتُ نصفه، وكلُّ شيء بلغ نصف شيء قيل: نصَفَهُ (١) ((المفهم)) ٨٩/٧ - ٩١. (٣) ((المصباح المنير)) ٢٦/١. (٢) ((الفتح)) ١٢٨/٨. (٨) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَثُرَ قَتْلُهُ - حديث رقم (٦٩٨٢) ٧٣٥ ينْصُفُهُ، فإن بلغ نصف نفسه، ففيه لغاتٌ، نَصَفَ ينصُفُ، من باب قتل، وأنصف بالألف، وتنصّف، قاله الفيّوميّ كَّهُ(١). وقال القرطبيّ كَّثُ: قوله: ((نصف الطريقَ))؛ أي: بلغ نصفه، يقال: نصف الماءَ، والشجرةَ، وغيرهما: إذا بلغ نصف ذلك. انتهى(٢). (أَتَاهُ الْمَوْتُ)؛ أي: أمارته، وسكراته، (فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ)؛ أي: في قبض روحه، (مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ): نحن أحقّ به؛ لأنه (جَاءَ تَائِباً مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إِلَى اللهِ) رَ، ﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النََّةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥]. وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: قوله: ((إنه جاء تائباً، مقبلاً بقلبه)) هذا نصّ صريح في أن الله تعالى أطلع ملائكة الرحمة على ما في قلبه، من صحة قَصْده إلى التوبة، وحِرصه عليها، وأن ذلك خَفِي على ملائكة العذاب، حتى قالت: إنه لم يعمل خيراً قط، ولو اطلعت على ما في قلبه من التوبة لَمَا صحّ لها أن تقول هذا، ولا تُنازع ملائكة الرحمة في قولها: إنه جاء تائباً مقبلاً بقلبه، بل شَهِدت بما في عِلمها، كما شهد الآخرون بما تحقّقوه، لكن شهادة ملائكة الرحمة على إثبات، وشهادة ملائكة العذاب على عدم علم، وشهادة الإثبات مقدّمة، فلا جَرَمَ لَمّا تنازع الصنفان، وخرج كلاهما عن الشهادة إلى الدعاوى، بعث الله إليهما ملكاً حاكماً يفصل بينهما، وصوّره بصورة آدميّ؛ إخفاءً عن الملائكة، وتنويهاً ببني آدم، وأن منهم من يصلح لأن يفصل بين الملائكة إذا تنازعوا. (٣) انتهى (٣). (وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ) نحن أحقّ به، (إِنَّهُ) يَحْتَمل أن يكون بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الجملة المسأنفة التعليليّة، وأن يكون بفتحها بتقدير حرف التعليل؛ أي: لأنه (لَمْ يَعْمَلْ خَيْراً قَطُّ) لعل ذلك لكونه قتل مائة نفس، فأحاط ذلك بحسناته كلّها، أو لأنهم علموا أنه ليس من أهل الطاعة، بل عمره كلّه جرائم، كما سبق في الرجل الذي أوصى بالوصيّة الجائرة؛ لأنه ((لم يبتئر (١) ((المصباح المنير)) ٦٠٨/٢. (٣) ((المفهم)) ٩١/٧ - ٩٢. (٢) ((المفهم)) ٧/ ٩١. ٧٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة عند الله خيراً))؛ أي: لم يدّخر. (فَأَتَاهُمْ مَلَّلْكَ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ) حَكَماً (بَيْنَهُمْ) قال القرطبيّ تَخْتُ: فيه حجَّة لمالك على قوله: إن المتخاصمين إذا حكّما بينهما رجلاً يصلح للتحكيم، لزمهما ما يحكم به، وقد خالفه في ذلك الشافعيّ. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد استوفيت البحث فيها في ((شرح النسائيّ) عند شرح حديث شُريح بن هانئ، عن أبيه هانئ، أنه لمّا وَفَد إلى رسول الله وَله سمعه، وهم يَكنون هانئاً أبا الحَكَم، فدعاه رسول الله وَله، فقال له: ((إن الله هو الحكم، وإليه الحُكْم، فلم تكنَى أبا الحكم؟)) فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني، فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، قال: ((ما أحسن من هذا؟ فما لك من الولد؟)) قال: لي شُريح، وعبد الله، ومسلم، قال: ((فمن أكبرهم؟)) قال: شُريح، قال: ((فأنت أبو شُريح))، فدعا له، ولولده. انتهى (٢). فذكرت اختلاف العلماء في المسألة، ورجّحت ما دلّ عليه هذا الحديث من جواز التحكيم في كلّ شيء، وأنه ينفذ، ولا يجوز للقاضي أن ينقضه، فراجع شرحي هناك(٣)، وبالله تعالى التوفيق. (فَقَالَ) ذلك الملك: (قِيسُوا) بكسر القاف، أمْر من قاس الشيء يقيسه قَيْساً، من باب باع: بمعنى قدّره، وقاسه يقوسه قَوْساً، من باب قال لغةٌ، وقايسته بالشيء مقايسةً، وقياساً، من باب قاتل، وهو تقديره به، والمقياس: المقدار (٤). (مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ)؛ أي: الأرض التي خرج منها، والأرض التي خرج إليها، (فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ) الرجل (أَدْنَى)؛ أي: أقرب، (فَهُوَ)؛ أي: ذلك الرجل، (لَّهُ)؛ أي: لذلك الأقرب، (فَقَاسُوهُ)؛ أي: قاسوا ما بين الأرضين (فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ)؛ أي: قَصَد الذهاب إليها، (فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ))) لكونه مقبول التوبة، وهذا مصداق قوله نَّهُ: ((إن رحمتي سبقت غضبي». (١) ((المفهم)) ٧/ ٩٢. (٢) ((سنن النسائيّ (المجتبى)) ٢٢٦/٨. (٣) راجع: (ذخيرة العقبى)) ٢٤١/٣٩ - ٢٤٥ رقم (٥٣٨٩). (٤) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٢١. ٧٣٧ (٨) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَثُرَ قَتْلُهُ - حديث رقم (٦٩٨٢) قال النوويّ كَّلُ: وأما قياس الملائكة ما بين القريتين، وحُكم الملَك الذي جعلوه بينهم بذلك، فهذا محمول على أن الله تعالى أمَرهم عند اشتباه أمْره عليهم، واختلافهم فيه أن يُحَكِّموا رجلاً ممن يمرّ بهم، فمَرَّ الملَك في صورة رجل، فحگم بذلك. انتهى(١). وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((فإلى أيتهما كان أدنى فهو له)) دليل على أن الحاكم إذا تعارضت الأقوال عنده، وتعذرت الشهادات، وأمكنه أن يستدلّ بالقرائن على ترجيح بعض الدعاوي، نفذ الحكم بذلك، كما فعله سليمان؛ حيث قال: ((ائتوني بالسكين أشقّه بينهما)). [تنبيه]: قال القاضي: جعل الله قربه من القرية علامة للملَك عند اختلافهم مع عدمهم معرفة حقيقة باطنه التي اطَّلَع الله عليها، ولو تحقّقوا توبته لم يختلفوا، ولم يحتاجوا للمقايسة. وتعقّبه القرطبيّ، فقال: هذه غفلة منه عن قول ملائكة الرحمة: ((جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله (*))، وهذا نصّ في أن ملائكة الرحمة عَلِمت ما في قلبه، فلو علمت ملائكة العذاب ما في قلبه لَمَا تنازعوا؛ لأن الملائكة كلّهم لا يخفى عليهم أن التوبة إذا صحّت في القلب، وعَمِل على مقتضاها بالجوارح بالقَدْر الممكن مقبولة بفضل الله تعالى، ووَعْده الصادق، والأحسن ما ذكرناه إن شاء الله تعالى، وإنما جعل الله قُرب تلك الأرض سبباً مرجّحاً لحجَّة ملائكة الرحمة، ومصدّقاً لصحة التوبة، وفيه دليل على أن أعمال الظاهر عنوان على الباطن. انتهى (٢). (قَالَ قَتَادَةُ) بن دعامة: (فَقَالَ الْحَسَنُ) البصريّ: (ذُكِرَ لَنَا) بالبناء للمفعول؛ أي: ذَكر بعض الناس لنا، (أَنَّهُ)؛ أي: الرجل، (لَمَّا أَتَاهُ الْمَوْتُ)؛ أي: مقدّماته، وعلاماته، (نَأَى)؛ أي: ابتعد (بِصَدْرِهِ) عن الأرض التي جاء منها إلى جهة الأرض التي خرج إليها؛ أي: فبسبب تلك المحاولة كان أقرب إليها، فقبضته ملائكة الرحمة، وفي رواية شعبة التالية: ((فكان إلى القرية الصالحة أقرب منها بشبر، فجُعل من أهلها))، وفي روايته أيضاً: ((فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أنْ تقرّبي)). (١) (شرح النوويّ)) ٨٤/١٧. (٢) ((المفهم)) ٧/ ٩٢ - ٩٣. ٧٣٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة وقال النوويّ: قوله: ((نأى بصدره)؛ أي: نهض، ويجوز تقديم الألف على الهمزة، وعكسه، وسبق في حديث أصحاب الغار. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَخُّْ: ((نأى بصدره))؛ أي: نهض به مع ثِقَل ما أصابه من الموت، وذلك دليل على صحة توبته، وصِدق رغبته. انتهى(٢). ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: ((فناء))، قال في ((الفتح)): قوله: ((فناء)» بنون، ومدّ؛ أي: بَعُد، أو المعنى: مالَ، أو نهض مع تثاقُل، فعلى هذا فالمعنى: فمال إلى الأرض التي طلبها، هذا هو المعروف في هذا الحديث، وحَكَى بعضهم فيه: ((فنأى)) بغير مدّ قبل الهمز، وبإشباعها، بوزن سَعَى، تقول: نَأَى يَنْأَى نَأياً؛ أي: بَعُد، وعلى هذا فالمعنى: فَبَعُد عن الأرض التي خرج منها. قال: ووقع في رواية هشام عن قتادة ما يُشعر بأن قوله: «فَنَاءَ بصدره)) إدراج، فإنه قال في آخر الحديث: ((قال قتادة: قال الحسن: ذُكِر لنا أنه لمّا أتاه الموت ناء بصدره)). انتهى، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ هذا متّفق عليه . رضى عنا (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٦٩٨٢ و٦٩٨٣ و٦٩٨٤] (٢٧٦٦)، و(البخاريّ) في ((أحاديث الأنبياء)) (٣٤٧٠)، و(ابن ماجه) في ((الديات)) (٢٦٢٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٦٣/٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/ ٢٠ و٧٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦١١ و٦١٥)، و(أبو يعلى) في (مسنده)) (٥٠٨/٢)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (١٠٥٦/٦)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (١٠٢/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٧/٨) وفي ((شُعب الإيمان)) (٣٩٧/٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعية التوبة من جميع الكبائر، حتى مِنْ قَتْلِ (١) ((شرح النوويّ)) ١٧ / ٨٤. (٢) ((المفهم)) ٧/ ٩١. ٧٣٩ (٨) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَائِلِ، وَإِنْ كَثُرَ قَتْلُهُ - حديث رقم (٦٩٨٢) الأنفس، ويُحمل على أن الله تعالى إذا قَبِل توبة القاتل تكفّل برضا خصمه. ٢ - (ومنها): بيان أن المفتي قد يجيب بالخطأ، وغَفَل من زعم أنه إنما قَتَل الأخير على سبيل التأوّل؛ لكونه أفتاه بغير علم؛ لأن السياق يقتضي أنه كان غير عالم بالحكم، حتى استمر يستفتي، وأن الذي أفتاه استبعد أن تصح توبته بعد قَتْله لمن ذَكَر أنه قتله بغير حقّ، وأنه إنما قَتَله بناءً على العمل بفتواه؛ لأن ذلك اقتضى عنده أن لا نجاة له، فيئس من الرحمة، ثم تداركه الله، فنَدِم على ما صنع، فرجع يسأل، وفيه إشارة إلى قلة فطنة الراهب؛ لأنه كان من حقّه التحرز ممن اجترأ على القتل، حتى صار له عادة بأن لا يواجهه بخلاف مراده، وأن يستعمل معه المعاريض مداراةً عن نفسه، هذا لو كان الحكم عنده صريحاً في عدم قبول توبة القاتل، فضلاً عن أن الحكم لم يكن عنده إلا مظنوناً . ٣ - (ومنها): أن الملائكة الموكّلين ببني آدم يختلف اجتهادهم في حقهم بالنسبة إلى من يكتبونه مطيعاً أو عاصياً، وأنهم يختصمون في ذلك، حتى يقضي الله بينهم. ٤ - (ومنها): بيان فضل التحول من الأرض التي يصيب الإنسان فيها المعصية؛ لِمَا يَغلب بحكم العادة على مثل ذلك؛ إما لتذكره لأفعاله الصادرة قبل ذلك، والفتنة بها، وإما لوجود من كان يعينه على ذلك، ويحضّه عليه، ولهذا قال له الأخير: ((ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء)). ٥ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن التائب ينبغي له مفارقة الأحوال التي اعتادها في زمن المعصية، والتحول منها كلّها، والاشتغال بغيرها. ٦ - (ومنها): بيان فضل العالم على العابد؛ لأن الذي أفتاه أوّلاً بأن لا توبة له غلبت عليه العبادة، فاستعظم وقوع ما وقع من ذلك القاتل، من استجرائه على قتل هذا العدد الكثير، وأما الثاني فغلب عليه العلم، فأفتاه بالصواب، ودلّه على طريق النجاة. ٧ - (ومنها): أن التوبة - كما قال عياض -: تنفع من القتل، كما تنفع من سائر الذنوب، وهو وإن كان شرعاً لمن قبلنا، وفي الاحتجاج به خلاف، لكن ليس هذا من موضع الخلاف؛ لأن موضع الخلاف إذا لم يَرِد في شرعنا ٧٤٠ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة تقريره، وموافقته، أما إذا وَرَدَ فهو شَرْع لنا بلا خلاف، ومن الوارد في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وحديث عبادة بن الصامت ظه، ففيه بعد قوله: ((ولا تقتلوا النفس)). وغير ذلك من المنهيات، ((فمن أصاب من ذلك شيئاً، فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه)) متفق عليه. قال الحافظ: ويؤخذ ذلك أيضاً من جهة تخفيف الآصار عن هذه الأمة بالنسبة إلى مَنْ قَبْلهم من الأمم، فإذا شُرع لهم قبول توبة القاتل، فمشروعيتها لنا بطريق الأولى. ٨ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن في بني آدم من يصلح للحكم بين الملائكة إذا تنازعوا(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٨٣] ( ... ) - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الصِّدِّيقِ النَّاجِيَّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ: ((أَنَّ رَجُلاً قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْساً، فَجَعَلَ يَسْأَلُ هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَأَتَّى رَاهِباً، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: لَيْسَتْ لَكَ تَوْبَةٌ، فَقَتَلَ الرَّاهِبَ، ثُمَّ جَعَلَ يَسْأَلُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَى قَرْبَةٍ فِيهَا قَوْمٌ صَالِحُونَ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَتَأَى بِصَدْرِهِ، ثُمَّ مَاتَ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَكَانَ إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ أَقْرَبَ مِنْهَا بِشِبْرِ (٢)، فَجُعِلَ مِنْ أَهْلِهَا))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. (١) راجع: ((الفتح)) ١٢٩/٨ - ١٣٠، ((كتاب أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٧٠). (٢) وفي نسخة: ((أقرب بشبر)).