Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
(٣) - بَابُ فَضْلِ دَوَامِ الذِّكْرِ، وَالْفِكْرِ فِي أُمُورِ الآخِرَةِ، وَالْمُرَاقَةِ ... إلخ - حديث رقم (٦٩٤١)
(فَتَسِينَا كَثِيراً)؛ أي: نسينا كثيراً مما ذَكّرنا به، أو نسياناً كثيراً، كأنا ما
سمعنا منه شيئاً فطّ، وهذا أنسب بقوله: ((رأي عين)). (قَالَ أَبُو بَكْرِ) ◌َُّله: إذا
قلت ذلك، وذكرت بيانه، (فَوَ اللهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا)؛ أي: من التفاوت في
الحال؛ لِمَا تقرر من تأثير صحبة أهل الكمال. قال حنظلة: (فَانْطَلَقْتُ)؛ أي:
ذهبت، وقوله: (أَنَا) أتى به لِيُمْكنه عطف قوله: (وَأَبُو بَكْرٍ) كما قال في
(الخلاصة)) :
عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَّصِلْ
فِي النَّظْم فَاشِياً وَضَعْفَهُ اعْتَقِدْ
أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا وَصْلٍ يَرِدْ
(حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، قُلْتُ: نَافَقَ)؛ أي: صار منافقاً (حَنْظَلَةُ
يَا رَسُولَ اللهِ) فيه تجريد، كما تقدّم؛ إذ الأصل أن يقول: نافقت.
وقال النوويّ كَّلُ: قوله: ((نافق حنظلة)) معناه: أنه خاف أنه منافق حيث
كان يحصل له الخوف في مجلس النبيّ وَّهِ، ويَظهر عليه ذلك مع المراقبة
والفكر والإقبال على الآخرة، فإذا خرج اشتغل بالزوجة والأولاد ومعاش
الدنيا، وأصلُ النفاق: إظهار ما يُكتم خلافه من الشرّ، فخاف أن يكون ذلك
نفاقاً، فأعلمهم النبيّ وَّ أنه ليس بنفاق، وأنهم لا يكلفون الدوام على ذلك،
ساعةً وساعةً؛ أي: ساعة كذا، وساعة كذا. انتهى(١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (وَمَا ذَاكَ؟)))؛ أي: وما سبب ذلك القول؟ (قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللهِ نَكُونُ عِنْدَ، تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأَ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا
مِنْ عِنْدَِكَ عَافَسْنَا)؛ أي: خالطنا (الأَزْوَاجَ، وَالأَوْلَادَ، وَالضَّبْعَاتِ)، وقوله:
(نَسِينًا) بدل اشتمال من ((عافسنا))، أو هو جواب ((إذا)) وجملة ((عافسنا)) حال،
بتقدير ((قد))، قاله القاري، ووقع في بعض النسخ: ((فنسينا)) بالفاء، وللترمذيّ:
((ونسينا)) بالواو. (كَثِيراً) قال الطيبيّ ◌َُّهُ: أي: نسينا كثيراً مما ذَكّرتنا به، أو
نسياناً كثيراً، كأنا ما سمعنا منك شيئاً قط، وهذا أنسب بقوله: ((رأي عين))(٢).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنْ لَوْ تَدُومُونَ)؛ أي: في حال
(١) ((شرح النوويّ)) ٦٦٠/١٧ - ٦٧.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٧٣٢/٥.

٦٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
غَيبتكم عني، وقال الطيبيّ نَخْتُهُ: قوله: (لو)) لامتناع الشيء لامتناع غيره،
فتنتفي المداومة على حالة حاصلة عند الحضور، وعلى الذكر بانتفاء مصافحة
الملائكة عياناً على الدوام. انتهى(١).
(عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي)؛ أي: من صفاء القلب، والخوف من الله تعالى،
قاله الطيبيّ، أو من دوام الذكر، وتمام الحضور، فيكون قوله: (وَفِي الذِّكْرِ)
معطوفاً على قوله: ((على ما تكونون)) عطفَ تفسير، وقال الطيبيّ: عَظْف على
خبر ((كان)) الذي هو ((عندي))، وقال ابن الملك: الواو بمعنى ((أو)) عَطْف على
قوله: ((ما تكونون))، أو على ((عندي))؛ أي: لو تدومون في الذكر، أو على ما
تكونون في الذكر، وأنتم بُعَداء مني من الاستغراق فيه، (لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ)
قيل: أي: علانية، وإلا فكون الملائكة يصافحون أهل الذكر حاصل، وقال
ابن حجر: أي: عياناً في سائر الأحوال، وإن كنتم (عَلَى فُرُشِكُمْ، وَفِي
طُرُقِكُمْ)؛ أي: في حالتَيْ فراغكم، وشغلكم، وفي زمان أيامكم ولياليكم؛
لأنكم إذا كنتم في الحضور والغَيبة على ما ذكرتم كنتم على أكمل الأحوال
دائماً، ومن هو كذلك مع الموانع البشرية، والقواطع النفسية، يرى الملائكة
معظّمين له في كلّ من الأمكنة والأزمنة(٢).
وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي
الذكر لصافحتكم الملائكة)) هكذا صحّت الرواية بالواو العاطفة للطرف الثاني
على الأول، ويفيد أنه وَقَفَ مصافحة الملائكة على حصول حالتين لنا: على
حال مشاهدة الجنة والنار مع ذكر الله تعالى، ودوام ذلك، فيعني - والله تعالى
أعلم -: أن التمكن إنما هو أن يشاهد الأمور كلها بالله تعالى، فإذا شاهد
الجنة مثلاً لم يحجبه ما يشاهد من نعيمها وحُسنها من رؤية الله تعالى، بل لا
يلتفت إليها من حيث هي جنة، بل من حيث هي أنها محل القرب من الله
تعالى، ومحل رؤيته، ومشاهدته، فيكون فرقه في جمعه، وعطاؤه في منعه،
ومن كان كذلك ناسب الملائكة في معرفتها، فبادرت إلى إكرامه، ومشافهته،
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٧٣٢/٥.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ١٤٩/٥.

٦٠٣
(٣) - بَابُ فَضْلِ دَوَامِ الذِّكْرِ، وَالْفِكْرِ فِي أُمُورِ الآخِرَةِ، وَالْمُرَاقَبَةِ ... إلخ - حديث رقم (٦٩٤١)
وإعظامه، ومصافحته، والمسؤول من الكريم المتعال أن يمنحنا من صفاء هذه
الأحوال. انتهى(١).
وقال الطيبيّ: قوله: ((على فرُشكم، وطرقكم)) يريد به الديمومة في جميع
الحالات، وقال الأشرف: أي: في حالتَيْ فراغكم، وشُغلكم، وفي زمانَيْ
أيامكم ولياليكم. انتهى(٢).
قال: وقوله: (وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ) استدراك عن هذا التعليق، وتقرير على
الحالة التي كان عليها حنظلة، وأنكر عليها، ومن ثَمّ ناداه باسمه؛ تنبيهاً على
أنه كان ثابتاً على الصراط المستقيم، وما نافق قط. انتهى (٣).
(سَاعَةً)؛ أي: كذا؛ يعني: المنافسة، (وَسَاعَةً)))؛ أي: كذا؛ يعني:
المعافسة، وفي رواية: ((ساعة فساعة)) بالفاء، قال ابن الملك: الفاء في الساعة
الثانية للإيذان بأن إحدى الساعتين معقبة بالأخرى.
والمعنى: أنه لا يكون الرجل منافقاً بأن يكون في وقت على الحضور،
وفي وقت على الفتور، ففي ساعة الحضور تؤدون حقوق ربكم، وفي ساعة
الفتور تقضون حظوظ أنفسكم.
ويَحْتَمِل أن يكون قوله: ((ساعة وساعة)) للترخيص، أو للتحفظ؛ لئلا
تسأم النفس عن العبادة.
وحاصله: أن هذه المداومة على ما ذكرت يا حنظلة مشقّة لا يطيقها كل
أحد، فلم يكلَّف بها، وإنما الذي يطيقه الأكثرون أن يكون الإنسان على هذه
الحالة ساعة، ولا عليه بأن يصرف نفسه للمعافسة المذكورة وغيرها ساعة أخرى،
وأنت كذلك، فأنت على الصراط المستقيم، ولم يحصل منك نفاق قط، كما
توهمته، فانته عن اعتقادك ذلك، فإنه مما يُدخله الشيطان على السالكين، حتى
يغيّرهم عما هم فيه، ثم لا يزال يغيّرهم كذلك إلى أن يتركوا العمل رأساً (٤).
(١) ((المفهم)) ٦٨/٧.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٧٣٢/٥.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٧٣٢/٥.
(٤) ((مرقاة المفاتيح)) ٥١/٥.

٦٠٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
وقوله: (ثَلاَثَ مَرَّاتٍ) وفي بعض النسخ: ((ثلاث مرار))، قال القاري:
وهو يَحْتَمِل أن يكون قوله: ((والذي ... إلخ))، أو قوله: ((ولكن ... إلخ))، أو
قوله: ((ساعة وساعة))، وإنما اختار الطيبي الأخير؛ لتحققه، وهذا يدل على
(١)
تحقیقه. انتھی
.
وقال الطيبيّ كَّلُ: قوله: ((ثلاث مرّات))؛ أي: قال: يكونون ساعةً في
الحضور في الذكر، وساعةً في المعافسة ثلاث مرّات تأكيداً لتأثير القول حتى
يزيل عنه ما اتّهم به نفسه.
وقال التوربشتيّ: ((ساعةً وساعةً)) مُحْتَمِل للترخيص، وهو أظهر، ومُحْتَمِلٌ
للحثّ على التحفّظ به؛ لئلا تسأم النفس عن العبادة.
وقال المظهر: معنى الحديث: لو كنتم في غَيبتي مثل ما كنتم في
حضوري من صفاء القلب والخوف من الله تعالى، ولو دمتم على الذكر لزارتكم
الملائكة، وصافحتكم عياناً، ولا بُدّ من هذا القيد؛ لأن الملائكة يصافحون
أهل الذكر غير عيان. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حنظلة بن الربيع الأَسَيّديّ ◌َوبه هذا من أفراد
المصنّف تَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٤١/٣ و٦٩٤٢ و٦٩٤٣] (٢٧٥٠)،
و(الترمذيّ) في ((الزهد)) (٢٤٥٢ و٢٥١٤)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤٢٣٩)،
و(أحمد) في («مسنده)) (١٧٨/٤ و٣٤٦)، و(البيهقيّ) في ((شُعب الإيمان)) (٢/
٢٣)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (٣٢٣/١٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أنه ينبغي للمؤمن أن يكون شديد الخوف من النفاق على
(١) ((مرقاة المفاتيح)) ٥٢/٥.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٧٣٢/٥.

٦٠٥
(٣) - بَابُ فَضْلِ دَوَامِ الذِّكْرِ، وَالْفِكْرِ فِي أُمُورِ الآخِرَةِ، وَالْمُرَاقَبَةِ ... إلخ - حديث رقم (٦٩٤١)
نفسه، وقد ترجم البخاريّ كَّثُ على هذا في ((كتاب الإيمان)) من ((صحيحه))،
فقال: ((باب خوف المؤمن أن يحبط عمله، وهو لا يشعر))، وقال إبراهيم
التيميّ: ما عرضت قولي على عملي إلا خَشِيتُ أن أكون مُكَذِّباً، وقال ابن أبي
مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبيّ ◌َير كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما
منهم أحدٌ يقول: إنه على إيمان جبريل، وميكائيل، ويُذكَرُ عن الحسن: ما
خافه إلا مؤمن، ولا أمِنَه إلا منافق، وما يُحذر من الإصرار على النفاق،
والعصيان من غير توبة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ
يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. انتهى (١).
من شدّة الخوف من
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة
النفاق، مع قوّة إيمانهم، واجتهادهم في إخلاص العمل لله تعالى.
قال الحافظ ابن رجب كَّهُ في كتابه الممتع ((جامع العلوم والحكم)):
كان الصحابة ﴿ يخافون النفاق على أنفسهم، وكان عمر يسأل حذيفة عن
نفسه، وسئل أبو رجاء العطارديّ: هل أدركت من أدركت من أصحاب
رسول الله * يخشون النفاق؟ فقال: نعم إني أدركت منهم بحمد الله صدراً
حسناً، نَعَم شديداً، نعم شديداً، وقال البخاريّ في (صحيحه)): وقال ابن أبي
مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبيّ ◌َّلتر كلهم يخاف النفاق على نفسه،
ويُذكر عن الحسن قال: ما خافه إلا مؤمن، ولا أمِنه إلا منافق. انتهى.
وروى الحسن: أنه حلف ما مضى مؤمن قط، ولا بقي إلا وهو من
النفاق غير آمن، وما مضى منافق قط، ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن، وكان
يقول: من لم يَخَفْ النفاق فهو منافق، وسمع رجل أبا الدرداء يتعوذ من النفاق
في صلاته، فلما سلم قال له: ما شأنك وشأن النفاق؟ فقال: اللَّهُمَّ اغفر لي
ثلاثاً، لا تأمن البلاء، والله إن الرجل ليُفتَن في ساعة واحدة، فينقلب عن دينه.
والآثار عن السلف في هذا كثيرة جدّاً، قال سفيان الثوريّ: خلاف ما
بيننا وبين المرجئة ثلاث، فذكر منها، قال: نحن نقول: نفاق، وهم يقولون:
لا نفاق، وقال الأوزاعيّ: قد خاف عمر النفاق على نفسه، قيل لهم: إنهم
(١) (صحيح البخاريّ)) ٢٦/١.

٦٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
يقولون إن عمر لم يَخَفْ أن يكون يومئذ منافقاً حتى سأل حذيفة، ولكن خاف
أن يُبتَلَى بذلك قبل أن يموت، قال: هذا قول أهل البدع، يشير إلى أن عمر
كان يخاف على النفاق على نفسه في الحال الظاهر أنه أراد أن عمر كان يخاف
نفسه في الحال من النفاق الأصغر، والنفاق الأصغر وسيلة إلى النفاق الأكبر
كما أن المعاصي بريد الكفر، وكما يُخشَى على من أصر على المعصية أن
يُسلَب الإيمان عند الموت، كذلك يُخشَى على من أصر على خصال النفاق أن
يُسلب الإيمان، فيصير منافقاً خالصاً.
وسئل الإمام أحمد: ما تقول فيمن لا يخاف على نفسه النفاق؟ قال:
ومن يأمن على نفسه النفاق؟.
قال: ومن أعظم خصال النفاق العمليّ أن يعمل الإنسان عملاً، ويُظهر
أنه قصد به الخير، وإنما عَمِله ليتوصل به إلى غرض له سيئ، فيتم له ذلك،
ويتوصل بهذه الخديعة إلى غرضه، ويفرح بمكره وخداعه، وحَمْد الناس له
على ما أظهره، ويتوصل به إلى غرضه السيئ الذي أبطنه، وهذا قد حكاه الله
في القرآن عن المنافقين واليهود، فحَكى عن المنافقين أنهم: ﴿أَتَّخَذُواْ مَسْجِدًا
ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَغْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلٌ
وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَاً إِلَّا الْحُسْنَّ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧]، وأنزل في
اليهود: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَنَواْ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلَا
تَحْسَبَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِّ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (13)﴾ [آل عمران: ١٨٨]، وهذه الآية
نزلت في اليهود: سألهم النبيّ وَّر عن شيء فكتموه، وأخبروه بغيره، فخرجوا،
وقد أَرَوْه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك، وفَرِحوا بما أوتوا
من كتمانهم، وما سئلوا عنه، قال ذلك ابن عباس، وحديثه مخرَّج في
((الصحیحین)).
وفيهما أيضاً عن أبي سعيد: أنها نزلت في رجال من المنافقين كانوا إذا
خرج النبيّ وَّ إلى الغزو، وتخلفوا عنه فرحوا بمقعدهم خلافه، فإذا قدم
رسول الله ◌َ* من الغزو اعتذروا إليه، وحلفوا، وأحبوا أن يُحمدوا بما لم
یفعلوا .
وفي حديث ابن مسعود ◌َظُه عن النبيّ وَّ: ((قال من غشنا فليس منا،

٦٠٧
(٣) - بَابُ فَضْلِ دَوَامِ الذِّكْرٍ، وَالْفِكْرِ فِي أُمُورِ الآخِرَةِ، وَالْمُرَاقَبَةِ ... إلخ - حديث رقم (٦٩٤١)
والمكر والخديعة في النار)) (١)، وقد وصف الله المنافقين بالمخادعة، ولقد
أحسن أبو العتاهية في قوله [من الخفيف]:
دِينُ إِلَّ مَكَارِمَ الأَخْلَاقْ
لَيْسَ دُنْيَا إلَّا بِدِينٍ وَلَيْسَ الدْ
رِ هُمَا مِنْ خِصَالِ أَهْلِ النِّفَاقْ
إِنَّمَا الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّا
ولمّا تقرّر عند الصحابة ﴿ه أن النفاق هو اختلاف السرّ والعلانية خَشِي
بعضهم على نفسه أن يكون إذا تغيّر عليه حضور قلبه، ورقّته، وخشوعه عند
سماع الذكر برجوعه إلى الدنيا، والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال، أن
يكون ذلك منه نفاقاً، كما في ((صحيح مسلم)) عن حنظلة الأُسَيِّديّ: أنه مرّ به
أبو بكر ظًا ... الحديث.
وفي ((مسند البزار)) عن أنس قال: قالوا: يا رسول الله إنا نكون عندك
على حال، فإذا فارقناك كنا على غيره، قال: ((كيف أنتم وربّكم؟)) قالوا: الله
ربنا في السر والعلانية، قال: ((ليس ذاكم من النفاق))(٢). انتهى(٣).
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخَّتُهُ: وقول أبي بكر ◌َظُبه: ((والله إنا لنلقى
مثل هذا)) ردّ على غلاة الصوفية الذين يزعمون دوام مثل تلك الحال، ولا
يعرجون بسببها على أهل، ولا مال، ووَجْه الردّ أن أبا بكر به أفضل الناس
كلهم بعد رسول الله وَيقول إلى يوم القيامة، ومع ذلك، فلم يدّع خروجاً عن جبلّة
البشرية، ولا تعاطى من دوام الذكر، وعدم الفترة ما هو خاصة الملائكة، وقد
ادّعى قوم منهم دوام الأحوال، وهو بما ذكرناه شبه المحال، وإنما الذي يدوم
المقامات، لكنها تتفاوت فيها المنازلات، والمقام: ما يحصل للإنسان بسعيه
وكسبه، والحال: ما يحصل له بهبة ربه، ولذلك قالوا: المقامات مكاسب،
والأحوال مواهب، ومن طاب وقته علا نَعْته، ومن صفا وارده طاب وِرْدُه.
(١) رواه الطبرانيّ، وصححه ابن حبّان.
(٢) رواه البزار في ((مسنده)) رقم (٥٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٣٣٢/٢، وذكره الهيثميّ
في ((المجمع)) ٣٢/١، وزاد نسبته إلى أبي يعلى، وقال: رجاله رجال الصحيح،
انتھی.
(٣) راجع: ((جامع العلوم والحكم)) ٤٩١/٢ - ٤٩٥.

٦٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
وعلى الجملة فسُنَّة الله في هذا العالم الإنسانيّ جَعْلُ تمكينهم في
تلوينهم، ومشاهدتهم في مكابدتهم، وسِرُّ ذلك أن هذا العالَم متوسّط بين
عالَمَي الملائكة والشياطين، فمكّن الملائكة في الخير بحيث يفعلون ما
يؤمرون، ويسبّحون الليل والنهار لا يفترون، ومكَّن الشياطين في الشرّ
والإغواء، بحيث لا يغفلون، وجعل هذا العالم الإنسانيّ متلوّناً، فيمكّنه،
ويُلَوِّنه، ويُفنيه ويُبقيه، ويُشهده، ويُفقده، وإليه أشار النبيّ وَّهَ بقوله: ((ولكن يا
حنظلة! ساعة وساعة)).
وقال في حديث أبي ذرّ رَُّه: ((وعلى العاقل أن يكون له ساعاتٌ: ساعة
يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر فيها في صنع الله،
وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب))(١)، هكذا الكمال، وما عداه
تُرّهاتٌ وخيال. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٤٢] ( .. ) - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، سَمِعْتُ
أَبِي يُحَدِّثُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ حَنْظَلَةَ، قَالَ:
كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَوَعَظَنَا، فَذَكَّرَ النَّارَ، قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ إِلَى الْبَيْتِ،
فَضَاحَكْتُ الصِّبْيَانَ، وَلَاعَبْتُ الْمَرْأَةَ، قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ، فَذَكَرْتُ
ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَ مَا تَذْكُرُ، فَلَقِينَا رَسُولَ اللهِ، فَقُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللهِ نَافَقَ حَنْظَلَةُ، فَقَالَ: ((مَهْ؟))، فَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَنَا قَدْ
فَعَلْتُ مِثْلَ مَا فَعَلَ، فَقَالَ: ((يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً، وَلَوْ كَانَتْ تَكُونُ قُلُّوبُكُمْ كَمَا
تَكُونُ عِنْدَ الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ، حَتَّى تُسَلِّمَ عَلَيْكُمْ فِي الطَّرُقِ))).
(١) حديث ضعيف جدّاً، رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ١٦٦/١ - ١٦٨، وابن حبّان في
((صحيحه)) (٣٦١)، وفي إسناده إبراهيم بن هشام بن يحيى الغسانيّ الدمشقيّ: قال
أبو حاتم: كذّاب، وكذّبه أبو زرعة، كما في ((ميزان الاعتدال)) ١٤٢/٢ - ١٤٣،
وقال الذهبيّ: متروك.
(٢) ((المفهم)) ٦٧/٧ - ٦٨.

٦٠٩
(٣) - بَابُ فَضْلِ دَوَامِ الذِّكْرِ، وَالْفِكْرِ فِي أُمُورِ الآخِرَةِ، وَالْمُرَاقَبَةِ ... إلخ - حديث رقم (٦٩٤٣)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسج، تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنْبَريّ مولاهم التَّنُّوريّ
- بفتح المثناة، وتثقيل النون المضمومة - أبو سهل البصريّ، ثقةٌ ثبت في شعبة
[٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٢.
٣ - (أَبُوهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو عبيدة
التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، ولم يثبت عنه [٨] (ت١٨٠) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٧٦/١٨.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَذَكَّرَ النَّارَ) يَحْتَمِلُ أن يكون بتخفيف الكاف، من الذكر،
ويَحْتَمِل أن يكون بتشديدها، من التذكير، فقوله: ((النارَ)) بالنصب على المفعوليّة
في الأول، وعلى نزع الخافض في الثاني؛ أي: ذكّرنا، وخوّفنا بذكر النار،
وعذابها، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَقَالَ: ((مَهْ؟))) قال القاضي عياض: معناه الاستفهام؛ أي: ما
تقول، والهاء هنا هي هاء السكت، قال: ويَحْتَمِل أنها للكفّ، والزجر،
والتعظيم لذلك. انتهى (١)؛ أي: فالهاء على هذا الاحتمال جزء كلمة، فتنبّه.
والحديث من أفراد المصنّف تَّقُ وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في
الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٤٣] ( ... ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ حَنْظَلَةَ الَّمِيمِيِّ
الأُسَبِّدِيِّ الْكَاتِبِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ وَّهِ، فَذَكَّرَنَا الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، فَذَكَرَ نَحْوَ
حَدِيثِهِمًا).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧/ ٦٧ - ٦٨.

٦١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة البغداديّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (الْفَضْلُ بْنُ دُكِّيْنِ) الكوفيّ، واسم دُكين: عمرو بن حماد بن زهير
التيميّ مولاهم الأحول، أبو نعيم الْمَلائِيّ - بضم الميم - مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ
[٩] (ت٢١٨ أو٢١٩) وهو من كبار شيوخ البخاريّ (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩١/٦.
٣ - (سُفْيَانٌ) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمًا) فاعل ذَكَر ضمير سفيان الثوريّ، وضمير
((حديثهما)) لجعفر بن سليمان الضُّبَعيّ، وعبد الوارث بن سعيد.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ عن سعيد الْجُريريّ هذه ساقها البيهقيّ ◌َّثُهُ
في ((شُعب الإيمان))، فقال:
(١٠٥٩) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا
محمد بن عليّ بن ميمون بالرَّقَّة، ثنا الْفِرْيابيّ، والفضل بن دُكين قالا: ثنا سفيان، عن
سعيد الْجُريريّ، عن أبي عثمان النَّهْديّ، عن حنظلة التميميّ الأَسَيِّديّ الكاتب، قال:
كنا عند رسول الله و له، فذَكَّرنا بالجنة والنار، كأنهما رأي عين، فقمت، وأتيت إلى
أهلي، فضحكت، ولهوت - وفي حديث الفِرْيابيّ - ولَعِبت، فلقيت أبا بكر، فذكرت
ذلك له، فقلت: يا أبا بكر نافق حنظلة، فقال أبو بكر: وما ذاك؟ فأخبرته، فقلت: كنا
عند رسول الله بَّ﴿، فذكَّرنا بالجنة والنار، كأنّا رأي عين، فقمت إلى أهلي، فضحكت،
ولعبت، فقال أبو بكر: إنّا لنفعل ذلك، فأتيت النبيّ وَّ، فقلنا: يا رسول الله إنا إذا كنا
عندك تُذَكِّرنا بالجنة والنار، كأنّا رأي عين، فقمت إلى أهلي، فضحكت، ولَعِبت، فقال
النبيّ ◌َّهِ: ((يا حنظلة ساعةً وساعةً، لو كنتم تكونون كما تكونون عندي، لصافحتكم
الملائكة في بيوتكم، وعلى فُرُشكم، يا حنظلة سماعةً وساعةً)).
قال: الفريابي أتم سياقة للحديث، رواه مسلم في ((الصحيح)) عن زهير بن
حرب، عن الفضل بن دُكين. انتهى(١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١) ((شعب الإيمان)) ٢٣/٢.

٦١١
(٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٤٤)
(٤) - (بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٤٤] (٢٧٥١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ - يَعْنِي:
الْحِزَامِيَّ - عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((لَمَّا
خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ
غَضَبِي))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب وقبل بابين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف كَذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه،
فبغلانيّ، وقد دخل المدينة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأنه مما قيل فيه: إنه
أصحّ أسانيد أبي هريرة
٠
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُبه؛ (أَنَّ النَّبِيَّ وَ لِ قَالَ: ((لَمَّا خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ) وفي
الرواية الثالثة: ((لمّا قضى الله الخلق))، ولا تنافي بين هذا وبين رواية ابن ماجه
بلفظ: ((قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ))؛ لإمكان حمل قوله: ((لما خلق))، و((لَمّا قضى))؛
أي: أراد أن يخلق، أو أن يقضي، فهو قبل الخلق، والله تعالى أعلم.
(كَتَبَ)؛ أي: كتابة حقيقيّة، لا مجازيّة، ودليل هذا رواية الترمذيّ وابن
ماجه بلفظ: ((كتب ربكم على نفسه بيده ... )) الحديث، فإنه ظاهر في أنه
كَتَبِه ◌َعَلَّ بيده، كما صحّ أنه كَتَب التوراة لموسى بيده، وقد قدّمنا غير مرّة أن
الحقّ أن الله وَجَ يداً كما أثبتها لنفسه في كتابه، وأثبتها له النبيّ وَّ في
الأحاديث الصحاح، كهذا الحديث وغيره، أما ما ذكره في ((الفتح)) في ((كتاب
بدء الخلق))، وفي (كتاب التوحيد)) في شرح هذا الحديث من التأويلات الزائفة
المخالفة لطريق السلف فمما يجب الحذر عنه، ولولا مخافة التطويل الأوردته،

٦١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
مع التعليق عليه، ولكن يكفي اللبيب التلميح، فإنه يفهم بالإشارة ما يفهمه
الغبي بألف عبارة، ويكتفي بالقليل، والغبي لا يكفيه التطويل، ولو تُليت عليه
التوراة والإنجيل.
(فِي كِتَابِهِ) يَحْتَمِل أن يكون المراد: اللوح المحفوظ، ويَحْتَمل أن يكون
كتاباً آخر مختصّاً بهذا الأمر؛ تنويهاً بشأنه، ورفعاً لقدره. (فَهُوَ)؛ أي: ذلك
الكتاب (عِنْدَهُ) وَلَ عنديّة حقيقيّة على ظاهر اللفظ، على مراد الله تعالى دون
أن نؤوله، وقوله: (فَوْقَ الْعَرْشِ) صفة لـ(كتابه))، أو حال منه، قال في
((الفتح)): وقيل: إن فوق هنا بمعنى: دون، كما جاء في قوله تعالى: ﴿بَعُوضَةٌ
فَمَا فَوْقَهَاْ﴾ [البقرة: ٢٦]، وهو بعيد. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: تفسير ((فوق)) في هذا الحديث بـ((دون)) غير
صحيح، وكذا تفسير ابن حبّان في ((صحيحه)) له بـ(تحت)) حيث قال: قوله:
((فوق العرش)) من ألفاظ الأضداد التي تستعمل العرب في لغتها، يريد به:
تحت العرش، لا فوقه، كقوله جلَّ وعلا: ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] يريد
به: أمامهم؛ إذ لو كان وراءهم لكانوا قد جاوزوه، ونظير هذا قوله جلَّ وعلا:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْىٍ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةٌ فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] أراد به:
فما دونها. انتهى كلامه(٢)، غير صحيح أيضاً، فالأسلم ما ذهب إليه السلف،
فإنهم يُثْبتون ما صحّ في الحديث على ظاهره، على مراد الله تعالى، دون
تأويل، ولا تمثيل، ولا تعطيل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: ١١]، فاسلك سبيلهم تَسْلم، وتَغْنم، والله تعالى الهادي إلى سواء
السبيل.
وقال الخطابي: المراد بالكتاب أحد شيئين: إما القضاء الذي قضاه،
كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اَللَّهُ لَأَغْلِيَنَ أَنَا وَرُسُلِيَّ﴾ [المجادلة: ٢١]؛ أي: قضى
ذلك، قال: ويكون معنى قوله: ((فوق العرش))؛ أي: عنده علم ذلك، فهو لا
ينساه، ولا يُبدله، كقوله تعالى: ﴿فِ كِتَبٍ لَّا يَضِلُّ رَبِ وَلَا يَنَسَى﴾ [طه: ٥٢]،
(١) ((الفتح)) ٤٠٩/١٧، ((كتاب التوحيد)) رقم (٧٤٢٢).
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ١٤/ ١٢.

٦١٣
(٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةٍ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٤٤)
وإما اللوح المحفوظ الذي فيه ذِكر أصناف الخلق، وبيان أمورهم، وآجالهم،
وأرزاقهم، وأحوالهم، ويكون معنى: ((فهو عنده فوق العرش))؛ أي: ذِكره،
وعلمه، وكل ذلك جائز في التخريج، على أن العرش خَلْق مخلوق تحمله
الملائكة، فلا يستحيل أن يماسُوا العرش إذا حملوه، وإن كان حامل العرش
وحامل حملته هو الله، وليس قولنا: إن الله على العرش؛ أي: مماس له، أو
متمكن فيه، أو متحيز في جهة من جهاته، بل هو خبر جاء به التوقيف، فقلنا
به، ونفينا عنه التكييف؛ إذ ليس كمثله شيء(١).
قال الجامع عفا الله عنه: مضمون كلام الخطابيّ المذكور أنه ينفي أن
يكون فوق العرش كتاب؛ حيث تأول الكتاب بعلم الله تعالى، وهذا غير
صحيح، بل الحقّ أن الله تعالى كتب كتاباً، فهو عنده فوق العرش.
وأجاد صاحب ((المرعاة)) حيث قال بعد ذكر كلام الخطّابيّ المذكور:
قلت: هو خبر جاء به التوقيف، فقلنا به، ونفينا عنه التكييف؛ إذ ليس كمثله
شيء، فالأَولى، بل المتعيَّن إمراره على ظاهره، كما جاء من غير تصرف فيه.
انتهى(٢).
وسيأتي لبعض المحقّقين مزيد ردّ على الخطابيّ في المسألة الثالثة - إن
شاء الله تعالى -.
وقال ابن أبي جمرة: يؤخذ من كون الكتاب المذكور فوق العرش أن
الحكمة اقتضت أن يكون العرش حاملاً لِمَا شاء الله من أثر حكمة الله،
وقدرته، وغامض غَيْبه؛ ليستأثر هو بذلك من طريق العلم، والإحاطة، فيكون
من أكبر الأدلة على انفراده بعلم الغيب، قال: وقد يكون ذلك تفسيراً لقوله:
(@)﴾ [طه: ٥]؛ أي: ما شاءه من قدرته، وهو كتابه
﴿الرَّحْنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى
الذي وضعه فوق العرش. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: أول كلام ابن أبي جمرة حقّ، فقد أثبت الكتاب
(١) ((الفتح)) ٤٠٩/١٧.
(٢) ((مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٦٦/٨.
(٣) ((الفتح)) ٤٠٩/١٧.

٦١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
المذكور، وأنه فوق عرشه، ثم أفسده بما ذكره في آخر كلامه، حيث فسّر قوله
بأن المراد هو الكتاب المذكور، وهذا
تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى
نفي لنصّ صريح بأنه تعالى قد استوى على عرشه استواء ظاهراً كما يليق
بجلاله، بأن المراد استواء هذا الكتاب، وهذا تأويل باطلٌ بلا شكّ، وقد تعقّبه
الشيخ البراك، فأجاد، وأفاد، فقال:
وأما ما نقله الحافظ عن ابن أبي جمرة فهو على النقيض من قول
الخطابيّ، فإنه أثبت أن فوق العرش كتاباً، وهو مما اقتضته حكمته، وقدرته،
ولكن من المنكر في كلامه قوله: وقد يكون تفسيراً لقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
اسْتَوَى ﴾﴾ إلخ فإن ذلك يقتضي أن إضافة الاستواء إلى الله من مجازٌ، وأن
المراد به كون ذلك فوق العرش، فيؤُول معنى قوله: ﴿الرَّحَْنُ عَلَى الْعَرْشِ
أَسْتَوَى ®﴾ إلى معنى: كتابه على العرش استوى، وهذا ظاهر الفساد، فإنه
تحريف للكلم عن مواضعه. انتهى كلام الشيخ البرّاك(١)، وهو تعقّب سديد،
وتحقيقٌ مفيد، والله تعالى أعلم.
(إِنَّ رَحْمَتِي) بكسر الهمزة، وتفتح، فالكسر على أنها ابتداء كلام، يحكي
مضمون الكتاب، والفتح على أنها مفعول ((كَتَبَ))، وفي الرواية التالية: ((سبقت
رحمتي غضبي))، والمراد بالسبق هو الغلبة.
قيل: المعنى: أن تعلّق الرحمة غالبٌ سابقٌ على تعلّق الغضب؛ لأن
الرحمة مقتضى ذاته المقدّسة، وأما الغضب فإنه متوقّف على سابق عمل من
العبد، وبهذا يندفع استشكال من أورد وقوع العذاب قبل الرحمة في بعض
المواطن، كمن يَدخل النار من الموحّدين، ثم يَخرج بالشفاعة أو غيرها.
وقيل: معنى الغلبة: الكثرة والشمول، تقول: غلب على فلان الكرم؛
أي: أكثر أفعاله، وهذا كلّه بناءً على أن الرحمة والغضب من صفات الذات،
وهو الحقّ، وقال بعض العلماء: الرحمة والغضب من صفات الفعل، لا من
صفات الذات، ولا مانع من تقدّم بعض الأفعال على بعض، فتكون الإشارة
بالرحمة إلى إسكان آدم فعاليَّ الجنّة أولّ ما خُلق مثلاً، ومقابلها ما وقع من
(١) راجع: كتابة الشيخ البرَّاك على هامش ((الفتح)) ٤٠٩/١٧ - ٤١٠.

٦١٥
(٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٤٤)
إخراجه منها، وعلى ذلك استمرّت أحوال الأمم بتقديم الرحمة في خلقهم
بالتوسيع عليهم من الرزق وغيره، ثم يقع بهم العذاب على كفرهم، وأما ما
أشكل من أمر من يُعذّب من الموحّدين، فالرحمة سابقةٌ في حقّهم أيضاً، ولولا
وجودها لخُلّدوا أبداً .
وقال التوربشتيّ كَُّهُ: في سَبْق الرحمة بيان أن قِسْط الخَلْق منها أكثر من
قسطهم من الغضب، وإنها تنالهم من غير استحقاق، وإن الغضب لا ينالهم إلا
باستحقاق، ألا ترى أن الرحمة تشمل الإنسان جنيناً، ورضيعاً، وفطيماً،
وناشئاً، من غير أن يصدر منه شيء من الطاعة، ولا يلحقه الغضب إلا بعد أن
يصدر عنه من الذنوب ما يستحق معه ذلك.
وقال الطيبيّ ◌َّهُ عند قوله: ((لمّا قضى الله الخلق)) أي: لمّا خلق الخلق
حكم حكماً جازماً ووعد وعداً لازماً، لا خُلف فيه بـ((إن رحمتي سبقت
غضبي)) شبّه حُكمه الجازم الذي لا يعتريه نسخ، ولا يتطرّق إليه تغيير حُكم
الحاكم إذا قضى أمراً، وأراد إحكامه عَقَد عليه سِجِلاً، وحفظه، عنده؛ ليكون
ذلك حجة باقيةً، محفوظةً عن التبديل والتحريف، وقوله: ((فوق العرش)) تنبيه
على تعظيم الأمر، وجلالة القدر.
ووجه المناسبة بين قضاء الخلق وسبق الرحمة: أنهم مخلوقون للعبادة
شكراً للنعم الفائضة عليهم، ولا يقدر أحد على أداء حق الشكر، وبعضهم
يقصرون فيه فسبقت رحمته في حق الشاكر بأن وفّ جزاءه، وزاد عليه ما لا
يدخل تحت الحصر، وفي حق المقصر إذا تاب ورجع بالمغفرة والتجاوز،
ومعنى (سبقت رحمتي)): تمثيل لكثرتها وغلبتها على الغضب بفرسَي رهان
تسابقتا فسبقت إحداهما على الأخرى. انتهى بتصرّف(١).
وقال في ((اللمعات)): وذلك لأن آثار رحمة الله وَجُوده وإنعامه عمَّت
المخلوقات كلها، وهي غير متناهية، بخلاف أثر الغضب، فإنه ظاهر في بعض بني
آدم بعض الوجوه، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَاً﴾ [النحل: ١٨]،
وقال: ﴿عَذَابِّ أُصِيبُ بِهِ، مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِ وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]،
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٦/ ١٨٦٠.

٦١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
وأيضاً تهاون العباد، وتقصيرهم في أداء شكر نعمائه تعالى أكثر من أن يُعَدّ
ويحصى، ﴿وَلَوَّ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، فمن
رحمته أن يبقيهم، ويرزقهم، ويُنعّمهم بالظاهر، ولا يؤاخذهم بهذا في الدنيا،
وظهور رحمته في الآخرة قد تكفل ببيانه الحديث الآتي: ((إن الله مائة رحمة ...
وفيه: وأخّر تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة))، فإذن لا شك في
أن رحمته تعالى سابقة وغالبة على غضبه. انتهى(١).
وقال السنديّ كَّتُهُ: قوله: ((كتب على نفسه)) يدلّ على أنه ساق هذا
الكلام على أنه وَعَدَ بأنه سيُعامل بالرحمة ما لا يُعامل بالغضب، لا أنه إخبار
عن صفة الرحمة والغضب بأن الأُولى دون الثانية؛ لأن صفاته كلها كاملة
عظيمة، ولأن ما فَعَلَ من آثار الأُولى فيما سبق أكثر مما فَعَل من آثار الثانية.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قرّر السنديّ، لكن فيه ما المانع من كون
الأولى دون الثانية، كما دلّ عليه ظاهر السياق، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: ولا يُشكل هذا الحديث بما جاء أن الواحد من الألف يدخل
الجنة، والبقيّة النار:
إِمّا لأنه يعامل بمقتضى الرحمة، ولا يُعامل بمقتضى الغضب، كما قال
تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَهُ، عَشُْ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيْئَةِ فَلَ يُجْزَ إِلَّا مِثْلَهَا﴾
[الأنعام: ١٦٠]، وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ الَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾
الآية [البقرة: ٢٦١]، وقال: ﴿إِنَّمَا يُوَنَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
وإِمّا لأن مظاهر الرحمة أكثر من مظاهر الغضب، فإن الملائكة كلهم
مظاهر الرحمة، وهم أكثر خلق الله، وكذا ما خلق الله في الجنة من الحور
والوالدان وغير ذلك. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رَظ ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه.
(١) ((مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٦٦/٨.
(٢) ((حاشية السنديّ على النسائيّ) ١٢٣/١.

٦١٧
(٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةٍ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٤٤)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤ /٦٩٤٤ و٦٩٤٥ و٦٩٤٦] (٢٧٥١)،
و(البخاريّ) في ((بدء الخلق)) (٣١٩٤) و((التوحيد)) (٧٤٠٤ و٧٤٢٢ و٧٤٣٥
و٧٥٥٣ و٧٥٥٤)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٥٤٣)، و(النسائيّ) في
((الكبرى)) (٤١٧/٤ و٤١٨)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (١٨٩) وفي ((الزهد))
(٤٢٩٥)، و(همّام بن منبه) في ((صحيفته)) (١٣/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده))
(١١٢٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٢/٢ و٢٥٧ و٢٥٩ و٣١٣ و ٣٥٨ و٣٨١
و٣٩٠٧ ٤٣٣ و٤٦٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦١٤٣ و٦١٤٤ و٦١٤٥)،
و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٨٩/٣)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (١٣٠٩٦)،
و(ابن أبي عاصم) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (١/ ٢٧٠)، و(البيهقيّ) في ((الاعتقاد))
(١١٤/١) وفي ((الأسماء والصفات)) (ص٣٩٥ - ٣٩٦ و٤١٦)، و(البغويّ) في
((شرح السُّنَّة)) (٤١٧٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سعة رحمة الله تعالى، وهو كقوله : ﴿وَرَحْمَتِى
وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٦].
٢ - (ومنها): بيان إثبات صفة الكتابة، واليد، والرحمة، والغضب، على
ما يليق بجلاله ◌ّل، ولا التفات إلى من فسّر الغضب باللازم، فقال: هو إرادة
إيصال العذاب إلى من يقع عليه الغضب، كما مشى عليه في ((الفتح)) وغيره؛
لأن ذلك من التأويلات التي مشى عليها المتأخرون من الأشاعرة وغيرهم، وهو
مخالف لهدي السلف، فإن مذهبم التمسّك بظواهر الكتاب والسُّنَّة، فصفة
الغضب ثابتةٌ لله تعالى كسائر صفاته، من المحبة، والرضا، والضحك، وغير
ذلك على ما يليق بجلاله يل، فعليك بمذهب السلف تسلم، وتغنم، والله
تعالى الهادي إلى الطريق الأقوم.
٣ - (ومنها): بيان إثبات كتابة الأمور في الأزل، وأن الله ◌ُعَلَ عَلِم
الأشياء وكَتَبها قبل أن يخلقها، فهي تكون على مقتضى ذلك، دون زيادة أو
نقص.
٤ - (ومنها): ما قاله الشيخ البرّاك - حفظه الله تعالى -: هذا الحديث من

٦١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
أدلّة أهل السُّنّة على علوّ الله تعالى على خلقه، واستوائه على عرشه، وهو يدلّ
كذلك على أن الكتاب الذي كتبه كتب فيه على نفسه أن رحمته تغلب غضبه،
وهو عنده فوق العرش، وهذه العنديّة عنديّة مكان؛ لقوله: ((فوق العرش))،
وهذا الكتاب يَحْتَمِل أن يكون هو اللوح المحفوظ الذي هو أمّ الكتاب، وهو
كتاب المقادير، ويَحْتَمِل أن يكون غيره، فهو كتاب خاصّ، والله أعلم.
قال: وعلى كلّ فلا يمتنع أن يكون الكتاب المذكور عند الله تعالى فوق
العرش، كما هو ظاهر الحديث، ولا موجب لتأويله بصرفه عن ظاهره، كما
صنع ذلك الخطّابيّ - في كلامه السابق - حيث قال: المراد بالكتاب: أحد
الشيئين ... إلى آخر كلامه، فنفى على كلّ من التقديرين أن يكون فوق العرش
كتاب؛ إذ تأول الكتاب بعلم الله تعالى بما كَتب على نفسه، أو الذي عنده ذِكر
الكتاب وعِلمه، والحامل له على هذا التأويل إما اعتقاد أن الله ليس بذاته فوق
العرش، فلا يكون شيء من المخلوقات عنده فوق العرش، وإما اعتقاد امتناع
أن يكون شيء غير الله فوق العرش، والأول باطلٌ بأدلّة العلوّ والاستواء،
والثاني لا دليل عليه، بل هذا الحديث بمجموع ألفاظه يدلّ على بطلانه، فقد
دلّ الحديث على أن هذا الكتاب عند الله فوق العرش، والله تعالى أعلم بنفسه،
والرسول ﴿ الذي أخبر بذلك أعلم بربّه، فليس لأحد أن يعارض خبره وَله .
انتهى كلام البرّاك، وهو تحقيقُ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٤٥] ( .. ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ
أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ: ((قَالَ اللهُ رَىَ: سَبَقَتْ
رَحْمَتِي غَضَبِي)»).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ) تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.

٦١٩
(٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٤٦)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٤٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، أَخْبَرَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، عَنِ
الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَمَّا قَضَى اللهُ الْخَلْقَ، كَتَبَ فِي كِتَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَهُوَ مَوْضُوعٌ
عِنْدَهُ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم) - بمعجمتين، وزانُ جعفر - المروزيّ، ثقةٌ، من صغار
[١٠] (ت٢٥٧) أو بعدها)، وقارب المائة (م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٥/٤.
٢ - (أَبُو ضَمْرَةَ) أنس بن عياض الليثيّ المدنيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عبد الله بن سعد بن أبي ذُباب - بضم
الذال المعجمة، وموحّدتين - الدَّوْسيّ المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٥] (ت٢٤٦) (عخ
م مد ت س ق) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٥٢٩/٥٤.
٤ - (عَطَاءُ بْنُ مِينَاءَ) - بكسر الميم، وسكون التحتانية، ثم نون - المدنيّ،
وقيل: البصريّ، أبو معاذ، صدوقٌ [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٩٨/٧٧.
و((أبو هريرة څ)) ذُكر قبله.
وقوله: (لَمَّا قَضَى اللهُ الْخَلْقَ) ظاهر الحديث أن الكتابة بعد الخلق،
ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: ((إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق)) ففيه أن
الكتابة قبل الخلق، فقيل: معنى قوله: ((قضى الخلق)) أي: أراد الخلق، وقيل:
المراد من الثاني: تعلّق الخلق، وهو حادث، فجاز أن يكون بعده، وأما الأول
فالمراد منه نفس الحكم، وهو أولى، فبالضرورة يكون قبله، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَهُوَ مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ) وفي رواية البخاريّ: ((وَضْعٌ عنده)). قال في
((العمدة)): وَضْعُ بمعنى موضوع عنده، قال الجوهريّ: وضعت الشيء من يدي
وَضْعاً، ومَوْضِعاً، ومَوضُوعاً، وهو مثل المعقول؛ أي: وزناً. انتهى(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله
الحمد والمنّة.
(١) ((عمدة القاري)) ١٠٠/٢٥.

٦٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٤٧] (٢٧٥٢) - (حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى النُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَّ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً
وَتِسْعِينَ، وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءاً وَاحِداً، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلَائِقُ،
حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا؛ خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ»).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ :
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ بَحْيَى النُّجِيبِيُّ) هو: حرملة بن يحيى بن حرملة بن
عمران، أبو حفص النُّجِيبيّ المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوق [١١] (ت٣
أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب المصريّ، تقدّم قبل باب.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النجاد الأَيْليّ، أبو يزيد، مولى آل أبي
سفيان، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) على الصحيح، وقيل: سنة (١٦٠)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب القرشيّ المخزوميّ، أبو
محمد المدنيّ، أحد العلماء الأثبات، الفقهاء الكبار، من كبار [٣] مات بعد
التسعين، وقد ناهز الثمانين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦.
و «أبو هريرة څ)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَتُهُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين،
والثاني بالمدنيين، وأنه أحد ما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة ظُه، وفيه
ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة، وقد اتفقوا على أن مرسلاته أصحّ المراسيل،
وقال ابن المدينيّ: لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه، وفيه أبو هريرة رأس
المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً.