Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
(٥٢) - كتاب التوبة
إفرادها تقتضي فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه، وعند اقترانها بفعل
المأمور تقتضي الانتهاء عن المحظور، فإن حقيقة التوبة الرجوع إلى الله بالتزام
فعل ما يحب، وترك ما يكره، فهي رجوع من مكروه إلى محبوب، فالرجوع
إلى المحبوب جزء مسماها، والرجوع عن المكروه الجزء الآخر، ولهذا علق
سبحانه الفلاح المطلق على فعل المأمور وترك المحظور بها فقال: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى
اللَّهِ جَميعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] فكل تائب مفلح ولا يكون
مفلحاً إلا مَنْ فَعَل ما أمر به وترك ما نهي عنه. وقال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَُّبْ
فَأُوْلَئِكَ هُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] وتارك المأمور ظالم كما إن فاعل المحظور
ظالم، وزوال اسم الظلم عنه بالتوبة الجامعة الأمرين، قال: وإنما سمي التائب
تائباً لرجوعه إلى أمر الله من نهيه وإلى طاعته من معصيته كما تقدم، فإذاً التوبة
هي حقيقة دين الإسلام والدين كله داخل في مسمى التوبة، وبهذا استحق
التائب أن يكون حبيب الله، فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، وإنما
يحب الله مَنْ فَعَل ما أمر به وترك ما نهى عنه، فإذاً التوبة هي الرجوع مما
يكرهه الله ظاهراً وباطناً إلى ما يحبه ظاهراً وباطناً، ويدخل في مسماها الإسلام
والإيمان والإحسان وتتناول جميع المقدمات. قال ابن القيم - مشيراً إلى الفرق
بين الاستغفار والتوبة -:
وأما الاستغفار فهو نوعان: مفرد ومقرون بالتوبة؛ فالمفرد كقول نوح
E
يُرْسِلِ السَّمَآَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ﴾ [نوح:
لقومه: ﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ، كَانَ غَفَّارًا
١٠، ١١]، وكقول صالح علَلا لقومه: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَُونَ﴾
[النمل: ٤٦]، وكقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠]،
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ
﴾ [الأنفال: ٣٣]، والمقرون كقوله تعالى: ﴿وَأَنِ أُسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ
٣٣
تُوبُواْ إِلَيْهِ يُعَنِعَّكُمْ مَّنَعًا حَسَنَّا إِلَى أَجَلِ مُسَتَّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَةٌ﴾ [هود: ٣]،
وقول صالح لقومه: ﴿فَأُسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِ قَرِيبٌ تُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١]،
وقول شعيب: ﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ ثُبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِِّ رَحِمٌ وَدُودٌ
[هود: ٩٠] فالاستغفار المفرد كالتوبة، بل هو التوبة بعينها مع تضمّنه طلب
المغفرة من الله، وهو محو الذنب، وإزالة أثره، ووقاية شره، لا كما ظنه بعض

٥٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
الناس إنها الستر فإن الله يستر على من يغفر له، ومن لا يغفر له، ولكن الستر
لازم مسماها أو جزءه، فدلالتها عليه إما بالتضمن وإما باللزوم، وحقيقتها وقاية
شر الذنب، ومنه المِغْفَر لِمَا يقي الرأس من الأذى، والستر لازم لهذا المعنى،
وإلا فالعمامة لا تسمى مغفراً، ولا القبع ونحوه مع ستره، فلا بد في لفظ
المغفر من الوقاية، وهذا الاستغفار الذي يمنع العذاب في قوله: ﴿وَمَا كَانَ
اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] فإن الله لا يعذب مستغفراً. وأما من
أصر على الذنب وطلب من الله مغفرته فهذا ليس باستغفار مطلق، ولهذا لا
يمنع العذاب، فالاستغفار يتضمن التوبة، والتوبة تتضمن الاستغفار، وكل منهما
يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق، وأما عند اقتران إحدى اللفظتين
بالأخرى فالاستغفار طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة والرجوع طلب وقاية شر
ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله فها هنا ذنبان، ذنب قد مضى
فالاستغفار طلب وقاية شره، وذنب يخاف وقوعه، فالتوبة العزم على أن لا
يفعله، والرجوع إلى الله يتناول النوعين، رجوع إليه ليقيه شر ما مضى، ورجوع
إليه ليقيه شر ما يستقبل من شر نفسه وسيئات أعماله، وأيضاً فإن المذنب بمنزلة
من ارتكب طريقاً تؤديه إلى هلاكه، ولا توصله إلى المقصود فهو مأمور أن
يوليها ظهره، ويرجع إلى الطريق التي فيها نجاته، وتوصله إلى مقصوده، وفيها
فلاحه، فها هنا أمران لا بد منهما، مفارقة شيء، والرجوع إلى غيره، فخصت
التوبة بالرجوع والاستغفار بالمفارقة، وعند إفرادهما يتناولان الأمرين، ولهذا
والله أعلم جاء الأمر بهما مرتباً بقوله: ﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ ثُبُواْ إِلَيْهِ﴾ [هود:
٩٠] فإنه الرجوع إلى طريق الحق بعد مفارقة الباطل، وأيضاً فالاستغفار من
باب إزالة الضرر، والتوبة طلب جلب المنفعة، فالمغفرة أن يقيه شر الذنب،
والتوبة أن يحصل له بعد الوقاية ما يحبه، وكل منهما يستلزم الآخر عند إفراده
والله أعلم.
وقيل في الفرق بينهما: إن التوبة لا تكون إلا لنفسه؛ أي: لِمَا اجترحته
نفسه خاصة من الآثام بخلاف الاستغفار، فإنه يكون لنفسه ولغيره أو لغيره
فقط، كما قال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ جَآَمُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا
وَلِإِخْوَيْنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] وقال تعالى حاكياً عن الملائكة:

٥٤٣
(٥٢) - كتاب التوبة
﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَ شَىْءٍ رَّحْمَةٌ وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾
[غافر: ٧] وإن التوبة هي الندم على ما فرّط في الماضي، والعزم على الامتناع
منه في المستقبل، والاستغفار طلب الغفران لِمَا صدر منه، ولا يجب فيه العزم
في المستقبل هذا. وقد ذكر صاحب ((المنازل)) أسراراً للتوبة بسط ابن القيم
الكلام في شرح السر الأول وتوضيحه أحببنا إيراده لغاية حسنه ولطافته.
قال صاحب ((المنازل)): ولطائف أسرار التوبة ثلاثة أشياء:
أولها: أن ينظر الجناية والقضية، فيعرف مراد الله فيها إذ خلّاك وإتيانها،
فإن الله رَك إنما خلى العبد والذنب لمعنيين: أحدهما: أن يعرف عزته في
قضائه وبره في ستره وحلمه في إمهال راكبه وكرمه في قبول العذر منه وفضله
في مغفرته.
الثاني: أن يقيم على عبده حجة عدله فيعاقبه على ذنبه بحجته.
قال ابن القيم في شرح هذا الكلام ١١١/١: اعلم أن صاحب البصيرة
إذا صدرت منه الخطيئة فله نظر إلى خمسه أمور:
أحدها: أن ينظر إلى أمر الله ونهيه، فيحدث له ذلك الاعتراف بكونها
خطيئة والإقرار على نفسه بالذنب.
الثاني: أن ينظر إلى الوعد والوعيد، فيحدث له ذلك خوفاً وخشية تحمله
على التوبة.
الثالث: أن ينظر إلى تمكين الله له منها وتخليته بينه وبينها أو تقديرها
عليه وإنه لو شاء لعصمه منها وحال بينه وبينها، فيحدث له ذلك أنواعاً من
المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وحكمته ورحمته ومعرفته وعفوه وحلمه وكرمه،
وتوجب هذه المعرفة عبودية بهذه الأسماء لا تحصل بدون لوازمها البتة، ويعلم
ارتباط الخلق والأمر والجزاء والوعد بأسمائه وصفاته، وأن ذلك موجب
الأسماء والصفات وأثرها في الوجود، وأن كل اسم وصفة مقتض لأثره
وموجبه متعلق به لا بد منه، وهذا المشهد يُطلعه على رياض مونقة من
المعارف والإيمان وأسرار القدر والحكمة يضيق عن التعبير عنها نطاق الكلم.
فمن بعضها: ما ذكره الشيخ - يعني: صاحب ((المنازل)) - أن يعرف العبد
عزته في قضائه، وهو أنه سبحانه العزيز الذي يقضي بما يشاء، وإنه لكمال عزه

٥٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
حَكَم على العبد وقضى عليه بأن قلّب قلبه وصرف إرادته على ما يشاء وحال
بين العبد وقلبه، وجعله مريداً شائياً لِمَا شاء منه العزيز الحكيم. وهذا من
كمال العزة إذ لا يقدر على ذلك إلا الله، وغاية المخلوق أن يتصرف في بدنك
وظاهرك، وأما جعلك مريداً شائياً لِمَا شاءه منك، ويريده فلا يقدر عليه إلا ذو
العزة الباهرة، فإذا عرف العبد عز سيده ولاحظه بقلبه وتمكّن شهوده منه كان
الاشتغال به عن ذل المعصية أولى به وأنفع له؛ لأنه يصير مع الله لا مع نفسه،
ومن معرفة عزته في قضائه: أن يعرف أنه مدبّر مقهور ناصيته بيد غيره لا عصمة
له، إلا بعصمته ولا توفيق له إلا بمعونته، فهو ذليل حقير في قبضة عزيز
حميد، ومن شهود عزته أيضاً في قضائه: أن يشهد أن الكمال والحمد والغنى
التام والعزة كلها لله، وأن العبد نفسه أولى بالتقصير والذم والعيب والظلم
والحاجة، وكلما ازداد شهوده لذله ونقصه وعيبه وفقره ازداد شهوده لعزة الله
وكماله وعبده وغناه وكذلك بالعكس، فنقص الذنب وذلته يطلعه على مشهد
العزة .
ومنها: أن العبد لا يريد معصية مولاه من حيث هي معصية، فإذا شهد
جريان الحكم عليه وجعله فاعلاً لِمَا هو غير مختار له ولا مريد بإرادته ومشيئته
واختياره، فكأنه مختار غير مختار، مريد غير مريد، شاءٍ غير شاء، فهذا يشهد
عزة الله وعظمته وكمال قدرته.
ومنها: أن يعرف بِرّه سبحانه في ستره عليه حال ارتكاب المعصية مع
كمال رؤيته له، ولو شاء لفضحه بين خلقه فحَذَروه، وهذا من كمال بره ومن
أسمائه البر، وهذا البر من سيده به نَفْع كمال غناه عنه، وكمال فقر العبد إليه،
فيشتغل بمطالعة هذه المنة، ومشاهدة هذا البر والإحسان والكرم فيذهل عن ذكر
الخطيئة فيبقى مع الله سبحانه، وذلك أنفع له من الاشتغال بجنایته وشهود ذل
معصيته، فإن الاشتغال بالله والغفلة عما سواه هو المطلب الأعلى والمقصد
الأسنى، ولا يوجب هذا نسيان الخطيئة مطلقاً بل في هذه الحال. فإذا فَقَدها
فليرجع إلى مطالعة الخطيئة وذكر الجناية، ولكل وقت ومقام عبودية تليق به.
ومنها: شهود حِلم اللّه ◌ُعَلَ في إمهال راكب الخطيئة ولو شاء لعاجله
بالعقوبة، ولكنه الحليم الذي لا يعجل فيحدث له ذلك معرفته سبحانه باسمه

٥٤٥
(٥٢) - كتاب التوبة
الحليم ومشاهدة صفة الحلم، والتعبد بهذا الاسم والحكمة والمصلحة الحاصلة
من ذلك بتوسط الذنب أحب إلى الله، وأصلح للعبد وأنفع من فَوْتها ووجود
الملزوم بدون لازمه ممتنع.
ومنها: معرفة العبد كرم ربه في قبول العذر منه إذا اعتذر إليه بنحو ما
تقدم من الاعتذار لا بالقدر، فإنه مخاصمة ومحاجة كما تقدم، فيقبل عذره
بكرمه وَجُوده فيوجب له ذلك اشتغالاً بذكره وشكره ومحبةٍ أخرى لم تكن
حاصلة له قبل ذلك، فإن محبتك لمن شَكّرك على إحسانك وجازاك به ثم غفر
لك إساءتك ولم يؤاخذك بها أضعاف محبتك على شُكر الإحسان وحده والواقع
شاهد بذلك، فعبودية التوبة بعد الذنب لون، وهذا لون آخر؛ يعني: أن عبودية
التوبة بعد الذنب لون، وهذا الذي ذكره أخيراً من معرفة العبد كرم ربه إلخ لون
آخر.
ومنها: أن يشهد فضله في مغفرته فإن المغفرة فضل من الله، وإلا فلو
أخذ بالذنب لأخذ يمحض حقه، وكان عادلاً محموداً، وإنما عفوه بفضله، لا
باستحقاقك، فيوجب لك ذلك أيضاً شكراً له ومحبة وإنابة إليه وفرحاً وابتهاجاً
به ومعرفة له باسمه الغفار، ومشاهدة لهذه الصفة، وتعبداً بمقتضاها وذلك
أكمل في العبودية والمحبة والمعرفة.
ومنها: أن يكمل لعبده مراتب الذل والخضوع والانكسار بين يديه
والافتقار إليه، فإن النفس فيها مضاهاة الربوبية لو قدرت لقالت كقول فرعون
ولكنه قَدَر فأظهر، وغيره عجز فأضمر، وإنما يخلصها من هذه المضاهاة ذل
العبودية، وهو أربع مراتب:
المرتبة الأولى: مشتركة بين الخلق وهي ذل الحاجة والفقر إلى الله، فأهل
السماوات والأرض محتاجون إليه فقراء إليه، وهو وحده الغني عنهم، وكل
أهل السماوات والأرض يسألونه وهو لا يسأل أحداً.
المرتبة الثانية: ذل الطاعة والعبودية، وهو ذل الاختيار، وهذا خاص
بأهل طاعته، وهو سر العبودية.
المرتبة الثالثة: ذل المحبة، فإن المحب ذليل بالذات لمحبوبه وعلى قدر
محبته له يكون ذله، فالمحبة أُسست على الذلة للمحبوب كما قيل [من الكامل]:

٥٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
حُكْم الْهَوَى أَنْفٌ يُشَالُ وَيُعْقَدُ
اخْضَعْ وَذِلَّ لِمَنْ تُحِبُّ فَلَيْسَ فِي
وقال آخر [من الطويل]:
عَلَيْهَا تُرَابُ الذُّلِّ بَيْنَ الْمَقَابِرِ
مَسَاكِينُ أَهْلِ الْحُبِّ حَتَى قُبُورُهُمْ
المرتبة الرابعة: ذلّ المعصية والجناية، فإذا اجتمعت هذه المراتب الأربع
كان الذل لله والخضوع له أكمل وأتم، إذ يذل له خوفاً وخشية ومحبة وإنابة
وإطاعة وفقراً وفاقة، وحقيقة ذلك هو الفقر الذي يشير إليه القوم، وهذا المعنى
أجلّ من أن يسمى بالفقر بل هو لب العبودية وسرّها وحصوله أنفع شيء للعبد،
وأحب شيء إلى الله فلا بد من تقدير لوازمه من أسباب الضعف والحاجة،
وأسباب العبودية والطاعة، وأسباب المحبة والإنابة، وأسباب المعصية
والمخالفة؛ إذ وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع، والغاية من تقدير عدم هذا
الملزوم ولازمه مصلحة وجوده خير من مصلحة فوته ومفسدة فوته أكبر من
مفسدة وُجُوده، والحكمة مبناها على دفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما
وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وقد فتح لك الباب، فإن كنت من
أهل المعرفة فادخل وإلا فردّ الباب وارجع بسلام.
ومنها: إن أسماءه الحسنى تقتضي آثارها اقتضاء الأسباب التامة لمسبَّباتها
فاسم السميع البصير يقتضي مسموعاً ومبصراً، واسم الرزاق يقتضي مرزوقاً،
واسم الرحيم يقتضي مرحوماً، وكذلك اسم الغفور والعفو والتواب والحليم
يقتضي من يغفر له ويتوب عليه ويعفو عنه ويحلم، ويستحيل تعطيل هذه
الأسماء والصفات؛ إذ هي أسماء حسنى وصفات كمال ونعوت جلال وأفعال
حكمة، وإحسان وَجُود فلا بد من ظهور آثارها في العالم، وقد أشار إلى هذا
أعلم الخلق بالله صلوات الله وسلامه عليه حيث يقول: ((لو لم تُذنبوا لذهب الله
بكم، ولجاء بقوم يذنبون، ثم يستغفرون، فيغفر لهم))، وأنت إذا فرضت
الحيوان بجملته معدوماً فلمن يرزق الرزاق سبحانه؟ وإذا فرضت المعصية
والخطيئة منتفية من العالم فلمن يغفر وعمن يعفو؟ وعلى من يتوب ويحلم؟ وإذا
فرضت الفاقات كلها قد سُدَّت، والعبيد أغنياء معافون فأين السؤال والتضرع
والابتهال والإجابة، وشهود الفضل والمنة والتخصيص بالإنعام والإكرام؟
فسبحان من تعرَّف إلى خَلْقه بجميع أنواع التعرفات ودلّهم عليه بأنواع الدلالات

٥٤٧
(٥٢) - كتاب التوبة
وفتح لهم إليه جميع الطرقات، ثم نصب إليه الصراط المستقيم وعرّفهم به
ودلّهم عليه: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيْنَةٍ وَيَحِْى مَنْ حَىَ عَنْ بَيْنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ
تَسَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٢].
ومنها: السر الذي لا تقتحمه العبارة، ولا تجسر عليه الإشارة، لولا
ينادى عليه منادي الإيمان على رؤوس الأشهاد، فشهد به قلوب خواص العباد،
فازدادت به معرفة لربها ومحبة له وطمأنينة وشوقاً إليه ولهجاً بذكره وشهوداً لِّه
ولطفه وكرمه وإحسانه ومطالعة لسر العبودية وإشرافاً على حقيقة الإلهية، وهو
ما ثبت في ((الصحيحين)) من حديث أنس بن مالك ظبه قال: قال
رسول الله وَلجر: (لَلَّه أفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على
راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى
شجرة، فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها
قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللَّهُمَّ أنت عبدي وأنا
ربك، أخطأ من شدة الفرح»، هذا لفظ مسلم.
وفي الحديث من قواعد العلم: إن اللفظ الذي يجري على لسان العبد
خطأ من فرح شديد أو غيظ شديد، ونحوه لا يؤاخذ به ولهذا لم يكن هذا
كافراً بقوله: أنت عبدي وأنا ربك، قال: والقصد أن هذا الفرح له شأن لا
ينبغي للعبد إهماله، والإعراض عنه، ولا يطلع عليه إلا من له معرفة خاصة
بالله وأسمائه وصفاته وما يليق بعز جلاله، وقد كان الأولى بنا طَيّ الكلام فيه
إلى ما هو اللائق بأفهام بني الزمان وعلومهم، ونهاية أقدامهم من المعرفة،
وضَعف عقولهم عن احتماله غير أنا نعلم أن الله رحمك سيسوق هذه البضاعة إلى
تجارها، ومن هو عارف بقدرها، وإن وقعت في الطريق بيد من ليس عارفاً بها
((فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)).
فاعلم أن الله وَلَ اختص نوع الإنسان من بين خلقه بأن كرَّمه وفضّله
وشرّفه وخلقه لنفسه، وخلق كل شيءٍ له وخصه من معرفته ومحبته وقُرْبه
وإكرامه بما لم يعطه غيره، وسخَّر له في سماواته وأرضه وما بينهما حتى
ملائكته الذين هم أهل قربه استخدمهم وجعلهم حفظة له في منامه ويقظته
وظَعْنه وإقامته، وأنزل إليه وعليه كُتُبُه، وأرسله وأرسل إليه، وخاطبه وكلمه منه

٥٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
إليه، واتخذ منهم الخليل والكليم والأولياء والخواص والأحبار، وجعلهم
معدن أسراره ومحل حكمته وموضع حبه، وخلق لهم الجنة والنار، فالخلق
والأمر والثواب والعقاب مداره على النوع الإنساني، فإنه خلاصة الخلق وهو
المقصود بالأمر والنهي، وعليه الثواب والعقاب، فللإنسان شأن ليس لسائر
المخلوقات، وقد خلق أباه بيده ونفخ من روحه وأسجد له ملائكته وعلَّمه
أسماء كل شيء وأظهر فضله على الملائكة، فمن دونهم من جميع المخلوقات
وطرد إيليس عن قربه وأبعده عن بابه إذ لم يسجد له مع الساجدين، واتخذه
عدواً له فالمؤمنون من نوع الإنسان خير البرية على الإطلاق وخيرة الله على
العالمين، فإنه خَلَقه ليتمّ نعمته عليه وليتواتر إحسانه إليه، وليخصه من كرامته
وفضله بما لم تنله أمنيته ولم يخطر على باله، ولم يشعر به ليسأله من المواهب
والعطايا الباطنة والظاهرة العاجلة والآجلة التي لا تُنال إلا بمحبته، ولا تُنال
محبته إلا بطاعته وإيثاره على ما سواه، فاتخذه محبوباً له وأعدّ له أفضل ما
يُعِدّه محب غنى قادر جواد لمحبوبه، إذ أقدم عليه وعهد إليه عهداً يقدم إليه فيه
بأوامره ونواهيه، وأعلمه في عهده ما يقربه إليه ويزيده محبة له وكرامة عليه،
وما يبعده منه ويسخطه عليه، ويسقطه من عينه، وللمحبوب عدو هو أبغض
خلق خلقه إليه قد جاهره بالعداوة، وأمر عباده أن يكون دينهم وطاعتهم
وعبادتهم له دون وليهم ومعبودهم الحق، واستقطع عباده واتخذ منهم حزباً
ظاهروه ووالوه على ربهم، وكانوا أعداء له مع هذا العدو، يدعون إلى سخطه
ويطعنون في ربوبيته وإلهيته ووحدانيته ويسبونه ويكذبونه، ويفتنون أولياءه
ويؤذونهم بأنواع الأذى، ويجهدون على إعدامهم من الوجود وإقامة الدالة لهم،
ومحو كل ما يحبه الله ويرضاه وتبديله بكل ما يسخطه ويكرهه، فعرّفه بهذا العدو
وطرائقهم وأعمالهم وما لهم، وحذّره موالاتهم والدخول في زمرتهم، والكون
معهم، وأخبره في عهده أنه أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين.
وأنه: سبقت رحمته غضبه وحِلمه عقوبته وعفوه مؤاخذته، وإنه قد أفاض
على خلقه النعمة وكتب على نفسه الرحمة، وإنه يحب الإحسان والجود
والعطاء والبر، وأن الفضل كله بيده والخير كله منه، والجود كله له، وأحب ما
إليه أن يجود على عباده ويوسعهم فضلاً ويغمرهم إحساناً وَجُوداً، أو يتم عليهم

٥٤٩
(٥٢) - كتاب التوبة
نعمه، ويضاعف لديهم مننه ويتعرف، إليهم بأوصافه وأسماءه، ويتحبب إليهم
بنعمه وآلاءه فهو الجواد لذاته، وجُوْد كل جواد خلقه الله ويخلقه أبداً أقل من
ذرة بالقياس إلى جوده، فليس الجواد على الإطلاق إلا هو، وَجُود كل جواد
فمن جوده ومحبته للجود والإعطاء والإحسان والبر والإنعام والإفضال فوق ما
يخطر ببال الخلق، أو يدور في أوهامهم وفرحه بعطائه وجوده وإفضاله أشد من
فرح الآخذ بما يعطاه، أو يأخذ أحوج ما هو إليه وأعظم ما كان قدراً، فإذا
اجتمع شدة الحاجة وعظم قدر العطية والنفع بها فما الظن بفرح المعطي؟ ففَرَحُ
المعطي سبحانه بعطائه أشد وأعظم من فَرَح هذا بما يأخذه، ولله المثل
الأعلى؛ إذ هذا شأن الجواد من الخلق، فإنه يحصل له من الفرح والسرور
والابتهاج واللذة بعطائه، وَجُوده فوق ما يحصل لمن يعطيه، ولكن الآخذ
غائب بلذة أخذه عن لذة المعطي وابتهاجه وسروره.
هذا مع كمال حاجته إلى ما يعطيه وفقره إليه وعدم وثوقه باستخلاف
مثله، وخوف الحاجة إليه عند ذهابه والتعرض لذل الاستعانة بنظيره ومن هو
دونه، ونفسه قد طبعت على الحرص والشح، فما الظن بمن تقدس وتنزه عن
ذلك كله؟ ولو أن أهل سماواته وأرضه وأول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنّهم
ورطبهم ويابسهم قاموا في صعيد واحدٍ فسألوه فأعطى كلاً ما سأله ما نقص
ذلك مما عنده مثقال ذرة، وهو الجواد لذاته كما أنه الحي لذاته العليم لذاته
السميع البصير لذاته، فجوده العالي من لوازم ذاته، والعفو أحب إليه من
الانتقام، والرحمة أحب إليه من العقوبة، والفضل أحب إليه من العدل،
والعطاء أحب إليه من المنع، فإذا تعرض عبده ومحبوبه الذي خلقه لنفسه وأعد
له أنواع كرامته وفضّله على غيره وجعله محل معرفته وأنزل إليه كتابه، وأرسل
إليه رسوله واعتنى بأمره، ولم يهمله ولم يتركه سدى، فتعرض لغضبه وارتكب
مساخطه وما يكرهه وأبق منه، ووالى عدوه وظاهره عليه، وتحيز إليه وقطع
طريق نِعمه وإحسانه إليه التي هي أحب شيء إليه، وفتح طريق العقوبة والغضب
والانتقام فقد استدعى من الجواد الكريم خلاف ما هو موصوف به من الجود
والإحسان والبر، وتعرض لإغضابه وإسخاطه وانتقامه، وأن يصير غضبه
وسخطه في موضع رضاه، وانتقامه وعقوبته في موضع كرمه وبِرّه وعطائه،

٥٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
فاستدعى بمعصيته من أفعاله ما سواه أحب إليه منه، وخلاف ما هو من لوازم
ذاته من الجود والإحسان، فبينما هو حبيبه المقرب المخصوص بالكرامة إذ
انقلب آبقاً شارداً راداً لكرامته، مائلاً عنه إلى عدوه مع شدة حاجته إليه، وعدم
استغنائه عنه طرفة عين، فبينما ذلك الحبيب مع العدو في طاعته وخدمته ناسياً
لسيده، منهمكاً في موافقة عدوه، قد استدعى من سيده خلاف ما هو أهله؛ إذ
عرضت له فكرة فتذكر بِرّ سيده وعطفه وَجُوده وكرمه، وعلم أنه لا بد له منه،
وأن مصيره إليه، وعَرْضه عليه، وأنه لم يقدم عليه بنفسه قدم به عليه، على
أسوأ الأحوال، ففر إلى سيده من بلد عدوه وَجَدّ في الهرب إليه حتى وصل إلى
بابه، فوضع خده على عتبة بابه، وتوسد ثرى أعتابه، متذللاً متضرعاً خاشعاً
باكياً آسفاً، يتملق سيده، ويسترحمه، ويستعطفه، ويعتذر إليه، قد ألقى بيده
إليه، واستسلم له وأعطاه قياده، وألقى إليه زمامه، فعلم سيده ما في قلبه، فعاد
مكان الغضب عليه رضاً عنه، ومكان الشدة عليه رحمة به، وأبدله بالعقوبة
عفواً، وبالمنع عطاءً وبالمؤاخذة حلماً، فاستدعى بالتوبة والرجوع من سيده ما
هو أهله، وما هو موجب أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فكيف يكون فرح
سيده به، وقد عاد إليه حبيبه ووليه طوعاً واختياراً، وراجع ما يحبه سيده منه
ويرضاه، وفَتَح طريق البر والإحسان والجود التي هي أحب إلى سيده من طريق
الغضب والانتقام والعقوبة؟
وهذا موضع الحكاية المشهورة عن بعض العارفين أنه حصل له شرود
وإباق عن سيده، فرأى في بعض السكك باباً قد فُتح وخرج منه صبي يستغيث
ويبكي، وأمه خلفه تطرده، حتى خرج، فأغلقت الباب في وجهه ودخلت،
فذهب الصبي غير بعيد، ثم وقف مفكراً فلم يجد له مأوى غير البيت الذي
أُخرج منه، ولا من يؤويه غير والدته، فرجع مكسور القلب حزيناً فوجد الباب
مُرتجاً فتوسده، ووضع خده على عتبة الباب ونام فخرجت أمه، فلما رأته على
تلك الحالة لم تملك أن رمت نفسها عليه والتزمته تقبله وتبكي وتقول: يا ولدي
أين تذهب عني ومن يؤويك سواي؟ ألم أقل لك: لا تخالفني ولا تحملني
بمعصيتك لي على خلاف ما جُبلت عليه من الرحمة لك والشفقة عليك وإرادتي
الخير لك؟ ثم أخذته ودخلت، فتأمل قول الأم: لا تحملني بمعصيتك لي على

٥٥١
(١) - بَابٌ فِي الْحَضِّ عَلَى التَّوْبَةِ، وَالْفَرَحِ بِهَا - حديث رقم (٦٩٢٧)
خلاف ما جُبلت عليه من الرحمة والشفقة، وتأمل قوله وَّ: (لَلَّه أرحم بعباده
من الوالدة بولدها))، وأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل
شيء؟ فإذا أغضبه العبد بمعصيته فقد استدعى منه صرف تلك الرحمة عنه، فإذا
تاب إلیه فقد استدعى منه ما هو أهله وأَولی به.
فهذه نبذة يسيرة تُطلعك على سر فرح الله بتوبة عبده أعظم من فرح هذا
الواجد لراحلته في الأرض المهلكة بعد اليأس منها، ووراء هذا ما تجفو عنه
العبارة، وتَدِقّ(١) عن إدراكه الأذهان، وإياك وطريقة التعطيل والتمثيل، فإن كلّاً
منهما منزل ذميم، ومرتع على عِلّاته وخيم، ولا يحلّ لأحدهما أن يجد روائح
هذا الأمر ونفسه؛ لأن زكام التعطيل والتمثيل مفسد لحاسة الشم كما هو مفسد
لحاسة الذوق، فلا يذوق طعم الإيمان ولا يجد ريحه، والمحروم كل المحروم
من عُرض عليه الغنى والخير فلم يقبله، فلا مانع لِمَا أعطى الله ولا معطي لِمَا
منع، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. هذا ملخّص ما
أردت نقله من كلام الإمام ابن قيّم الجوزيّة تَّثُ وإن أردت الزيادة في تحقيقاته
في هذا الباب، فراجع كتابه الممتع: ((مدارج السالكين في شرح منازل
السائرين»، تُشْفَ، وتُكْفَ(٢)، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(١) - (بَابٌ فِي الْحَضِّ عَلَى التَّوْبَةِ، وَالْفَرَحِ بِهَا)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٢٧] (٢٦٧٥)(٣) - (حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ،
حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ؛ أَنَّهُ
قَالَ: ((قَالَ اللهُ رَى: أَنَا عِنْدَ ظَنٍّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي، وَاللهِ لَلَّهُ
أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ يَجِدُ ضَالَّتَهُ بِالْفَلَاةِ، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ
(١) من باب ضرب، كما في ((المصباح)).
(٢) ((مدارج السالكين في شرح منازل السائرين)) ١١٩/١ - ١٢٦.
(٣) هذا الرقم مكرر.

٥٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
ذِرَاعاً، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعاً، وَإِذَا أَقْبَلَ إِلَيَّ يَمْشِي، أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ
أُمَزْوِل»).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في أول
((كتاب الذكر والدعاء)) برقم [١/ ٦٧٨١] (٢٦٧٥) من طريق الأعمش عن أبي
صالح، وتقدّم شرحه هناك مستوفّى، فلا حاجة إلى الإطالة بإعادته.
ورجاله: خمسة :
١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدثاني، ويقال: الأنباريّ، تقدّم في الباب
الماضي.
٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقيليّ - بالضم - أبو عمر الصنعانيّ، نزيل عسقلان،
ثقةٌ، ربّما وَهِم [٨] (ت١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٨٧/ ٤٦١.
٣ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدَويّ مولى عمر، أبو عبد الله، وأبو أسامة
المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، وكان يرسل [٣] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦.
٤ - (أَبُو صَالِح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، تقدّم قريباً.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَّةَ) ◌َبه، تقدّم قبل بابين، وشرح الحديث قد تقدّم بالرقم
الذكور، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٢٨] ( ... ) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا
الْمُغِيرَةُ - يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيَّ - عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةٍ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِكُمْ
بِضَالَّتِهِ، إِذَا وَجَدَهَا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْتَبِ الْقَعْنَبِيُّ) الحارثيّ، أبو عبد الرحمن
البصريّ، أصله من المدينة، وسكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، كان ابن معين، وابن
المديني لا يقدّمان عليه في ((الموطأ)) أحداً، من صغار [٩] (ت٢٢١) بمكة (خ
م د ت س) تقدم في ((الطهارة)) ١٧ / ٦١٧.
٢ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ) هو: المغيرة بن عبد الرحمن بن

٥٥٣
(١) - بَابٌ فِي الْحَضِّ عَلَى التَّوْبَةِ، وَالْفَرَحِ بِهَا - حديث رقم (٦٩٢٨)
عبد الله بن خالد بن حِزَام - بحاء مهملة، وزاي - المدنيّ، لقبه قُصَيّ، ثقةٌ له
غرائب [٧] قال أبو داود: كان قد نزل عسقلان (ع) تقدم في ((الطهارة» ٦٥٣/٢٦.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ،
ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت١٣٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
٤ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، تقدّم قريباً.
و «أبو هريرة رضڅبه)) ذکر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنِّف ◌َذَتُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين، وفيه رواية
تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة له أحفظ من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﴿به؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً)
قال النوويّ: قال العلماء: فَرَحُ الله تعالى هو رضاه، وقال المازريّ: الفرح
ينقسم على وجوه، منها: السرور، والسرور يقارنه الرضا بالمسرور به، قال:
فالمراد هنا: أن الله تعالى يرضى بتوبة عبده أشدّ مما يرضى واجد ضالته
بالفلاة، فعبّر عن الرضا بالفرح؛ تأكيداً لمعنى الرضا في نفس السامع، ومبالغة
في تقريره. انتهى(١).
وتعقّب المباركفوريّ كَّتُهُ ما ذكره النوويّ من التأويل، وقد أجاد في
ذلك، فقال: لا حاجة إلى التأويل، ومذهب السلف في أمثال هذا الحديث
إمرارها على ظواهرها، من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تأويل. انتهى(٢).
وقد أجاد الشيخ البرّاك في ردّه على الحافظ لمّا أكثر النقول في ((الفتح))
من أقوال المؤوّلين، حيث قال عند قوله: وإطلاق الفرح على الله مجاز عن
رضاه ... إلخ ما نصّه: كلّ ما ذكره الحافظ، ونقله في هذا الموضع جارٍ على
مذهب النفاة، وأهل التأويل منهم، وفي هذا كلّه صرف لفظ ((الفرح)) عن
ظاهره، فمن المعلوم أن الفرح غير الرضا، والرضا غير المحبَّة، وكلّها غير
(١) ((شرح النوويّ)) ٦٠/١٧ - ٦١.
(٢) ((تحفة الأحوذيّ)) ٣٦٦/٩.

٥٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
الإرادة، فإن الفرح ضدّه الحزن، والرضا ضدّه السخط، والمحبّة ضدّها
البغض، وكلّ هذه الصفات التي وردت في النصوص إضافتها إلى الله تعالى
تنفيها الأشاعرة، وأهل التأويل منهم يفسّرونها بالإرادة، وأهل السُّنّة والجماعة
لا يفرّقون بين الصفات الواردة في الكتاب والسُّنَّة، بل يُثبتونها لله ربَّ على ما
يليق به وال من غير تكييف، ولا تمثيل، ويردّون على الأشاعرة بأن حكم
الصفات واحد، والتفريق بينها تفريق بين المتماثلات، ولهذا يلزمهم فيما أثبتوه
نظير ما فرّوا منه فيما نفوه. انتهى كلام البرّاك حفظه الله(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ
جدّاً، فتمسّك به، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِكُمْ)؛ أي: من فرح أحدكم (بِضَالَّتِهِ)؛ أي:
بوجدان ضالته بعد فَقْدها، قال في ((النهاية)): الضالة هي الضائعة من كل ما
يُقتنى، من الحيوان وغيره، يقال: ضلّ الشيءُ: إذا ضاع، وهي في الأصل
فاعلة، ثم اتُّسِع فيها، فصارت من الصفات الغالبة، وتقع على الذكر والأنثى،
والاثنين والجمع. انتهى.
وقال الفيّومِيّ ◌َُّهُ: ضَلَّ الرجلُ الطريقَ، وضَلَّ عنه يَضِلُّ، من باب
ضرب ضَلَالاً، وضَلَالةً: زَلّ عنه، فلم يهتد إليه، فهو ضَالٌّ، هذه لغة نجد،
وهي الفُصْحَى، وبها جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿قُلّ إِن ضَلَّلْتُ فَإِنَّا أَضِلُ عَلَى
نَفْسِىٌ﴾ [سبأ: ٥٠]، وفي لغة لأهل العالية من باب تَعِبَ، والأصل في الضَّلالِ:
الغَيبة، ومنه قيل للحيوان الضائع: ضَالَّةٌ بالهاء للذكر والأنثى، والجمعُ
الضَّوَالُّ، مثل دابّة ودوابٌ، ويقال لغير الحيوان: ضائعٌ، ولُقَطَّةٌ، وضَلَّ البعيرُ:
غاب، وخَفِي موضعه، وأَضْلَلْتُهُ بالألف: فقدته، قال الأزهريّ: وأَضْلَلْتَ
الشيءَ بالألف: إذا ضاع منك، فلم تعرف موضعه، كالدّابّة، والناقة، وما
أشبههما، فإن أخطأت موضع الشيء الثابت، كالدار، قلت: ضَلَلْتُهُ، وضَلِلْتُهُ،
ولا تقل: أَضْلَلْتُهُ بالألف، وقال ابن الأعرابيّ: أَضَلَّنِي كذا بالألف: إذا
عجزت عنه، فلم تقدر عليه، وقال في ((البارع)): ضَلَّنِي فلان، وكذا في غير
الإنسان يَضِلَّنِي: إذا ذهب عنك، وعجزت عنه، وإذا طلبت حيواناً، فأخطأت
(١) تعليق الشيخ البرّاك على هامش ((الفتح)) ١٤ / ٢٩٢، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٣٠٩).

٥٥٥
(١) - بَابٌ فِي الْحَضِّ عَلَى التَّوْبَةِ، وَالْفَرَحِ بِهَا - حديث رقم (٦٩٢٩)
مكانه، ولم تهتد إليه، فهو بمنزلة الثوابت، فتقول: ضَلَلْتُهُ، وقال الفارابيّ:
أَضْلَلْتُهُ بالألف: أضعته. انتهى(١).
(إِذَا وَجَدَهَا)))؛ أي: الضالّة، و((إذا)) ظرف لفرح المقدّر؛ أي: من فرح
أحدكم وقت وجدان ضالّته، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي هريرة ﴿به هذا متّفقٌ عليه، وقد
مضى تخريجه، وبيان مسائله في أول ((كتاب الذكر والدعاء والتوبة)) برقم
[٦٧٨١/١] (٢٦٧٥) فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٢٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَيٍِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّهِ بِمَعْنَاهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد،
ثقةٌ عابدٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر
الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف شهير، عَمِي في آخر عمره، فتغير، وكان يتشيع
[٩] (٢١١) وله خمس وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن،
ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام بن عروة
شيئاً، وكذا فيما حَدَّث به بالبصرة، من كبار [٧] (ت١٥٤) وهو ابن ثمان
وخمسين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل الصنعانيّ، أبو عُثْبة أخو وهب، ثقةٌ [٤]
(ت١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
ۋە)) ذُكِر قبله.
و «أبو هريرة
(١) ((المصباح المنير)) ٣٦٤/٢ - ٣٦٥.

٥٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
[تنبيه]: رواية همّام بن منَبِّه عن أبي هريرة ◌َظُه هذه ساقها همّام بن
منّه تَخْثُ في ((صحيفته))، فقال:
هذا ما حدّثنا أبو هريرة رضي الله عن محمد رسول الله وَله، فذكر أحاديث،
منها: وقال رسول الله وَله: ((أيَفْرَح أحدكم براحلته، إذا ضلّت منه، ثم
وجدها؟)) قالوا: نعم يا رسول الله، قال: ((والذي نفس محمد بيده لَلَّه أشدّ
فرحاً بتوبة عبده إذا تاب، من أحدكم براحلته إذا وجدها)). انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم للمصنّف تَظْتُهُ أن أخرج رواية همّام هذه
بهذا السند، لكن بسياق مخالف لِما هنا، ونصّه:
[٦٧٨٣/١] (٢٦٧٥) - حدّثنا محمد بن رافع، حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا
معمر، عن هَمّام بن مُنَبِّه، قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة، عن رسول الله وَّه
فذكر أحاديث، منها: وقال رسول الله وَّيه: ((إن الله قال: إذا تلقاني عبدي بشبر
تلقيته بذراع، وإذا تلقاني بذراع تلقيته بباع، وإذا تلقاني بباع جئته أتيته بأسرع)).
انتهى .
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٣٠] (٢٧٤٤) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
- وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ
أَعُودُهُ، وَهُوَ مَرِيضٌ، فَحَدَّثَنَا بِحَدِيثَيْنِ: حَدِيثاً عَنْ نَفْسِهِ، وَحَدِيثاً عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ،
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ
فِي أَرْضِ دَوِّيَّةٍ، مَهْلَكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ، وَقَدْ
ذَهَبَتْ، فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشِرُ، ثُمَّ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ،
فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ، وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ،
وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ
وَزَادِهِ))).
(١) ((صحيفة همّام بن منبه)) رقم (٧٩).

٥٥٧
(١) - بَابٌ فِي الْحَضُّ عَلَى التَّوْبَةِ، وَالْفَرَحِ بِهَا - حديث رقم (٦٩٣٠)
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريباً.
٤ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم أيضاً قريباً .
٥ - (عُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ) التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] مات بعد المائة،
وقيل: قبلها بسنتين (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٢٩/ ٩٧٧.
٦ - (الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ) التيميّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٢] مات
بعد سنة سبعين (ع) تقدم في «الأشربة)) ٦/ ٥١٦١.
٧ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود الصحابيّ الشهير ◌َبه، تقدّم قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، غیر إسحاق،
فمروزيّ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن
عمارة، عن الحارث، وفيه عبد الله مهملاً، وقد تقدّم أنه إذا وقع عبد الله من
الصحابة في السند مهملاً يُنظر إلى السند، فإن كان كوفيّاً، كما هنا فهو ابن
مسعود إلى آخر القاعدة، وقد ذكرها السيوطيّ كَّثُ في ((ألفية الأثر)) حيث قال:
طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِ
وَحَيْثُمَا أُظْلِقَ ((عَبْدُ الله)) فِي
بَكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى
بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْ جَرَى
وَالشَّامِ مَهْمَا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرٍ
وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرٍ
شرح الحديث:
(عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ) وفي الرواية التالية عن إسحاق بن منصور، حدّثنا
أبو أسامة: ((حدّثنا الأعمش، حدّثنا عُمارة بن عُمير، قال: سمعت الحارث بن
سُويد، حدّثني عبد الله حديثين ... ))، فوقع التصريح بالتحديث والسماع في
جمیعهم.
قال في ((الفتح)): قوله: ((عن عمارة بن عمير)) فذكر البخاريّ تصريح
الأعمش بالتحديث، وتصريح شيخه عمارة في رواية أبي أسامة المعلّقة بعد

٥٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
هذا، وعمارة تيميّ من بني تيم اللات بن ثعلبة، كوفيّ من طبقة الأعمش،
وشيخه الحارث بن سويد تيميّ أيضاً، وفي السند ثلاثة من التابعين في نَسَقٍ
أولهم الأعمش، وهو من صغار التابعين، وعمارة من أوساطهم، والحارث من
کبارهم. انتهى(١).
(عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ) التيميّ، أبي عائشة الكوفيّ؛ أنه (قَالَ: دَخَلْتُ
عَلَى عَبْدِ اللهِ) بن مسعود رَبُهُ (أَعُودُهُ)؛ أي: أزوره، يقال: عُدت المريض
عيادةً: إذا زرته، فالرجل عائد، وجمعه عُوّادٌ، والمرأة عائدة، وجمعها عُوّد
بغير ألف، قال الأزهريّ: هكذا كلام العرب، ذكره الفيّوميّ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: وإلى الجمعين المذكورين أشار ابن مالك في
(الخلاصة)) حيث قال:
وَصْفَيْنٍ نَحْوُ ((عَاذِلٍ)» وَ«عَاذِلَهْ))
وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ
وَذَانِ فِي الْمُعَلِّ لَاماً نَدَرَا
وَمِثْلُهُ الْفُعَالُ فِيمَا ذُكِّرًا
وقوله: (وَهُوَ مَرِيضٌ) جملة حاليّة من المفعول؛ أي: والحال أن عبد الله
مريض، (فَحَدَّثَنَا بِحَدِيثَيْنٍ: حَدِيثاً عَنْ نَفْسِهِ)؛ أي: من قِبَل نفسه مما فتح الله
عليه بمجالسة النبيّ ◌َّهِ، ومشاهدته، وتدبّر معاني الكتاب والسُّنَّة.
[تنبيه]: لم يذكر المصنّف حديث عبد الله عن نفسه، وقد ذكره البخاريّ
في ((صحيحه))، من طريق أبي شهاب، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن
الحارث بن سُويد: حدّثنا عبد الله بن مسعود حديثين: أحدهما عن النبيّ وَّ،
والآخر عن نفسه، قال: ((إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل، يخاف
أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مَرّ على أنفه، فقال به هكذا))، قال
أبو شهاب بيده فوق أنفه. انتهى.
قال في ((الفتح)): قوله: (حديثين ... إلخ) هكذا وقع في هذه الرواية غير
مصرّح برفع أحد الحديثين إلى النبيّ وَّ، قال النوويّ: قالوا: المرفوع: ((لَلَّه
أفرح ... إلخ))، والأول قول ابن مسعود، وكذا جزم ابن بطال بأن الأول هو
(١) ((الفتح)) ٢٩١/١٤، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٣٠٨).
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٣٦/٢ - ٤٣٧.

(١) - بَابٌ فِي الْحَضِّ عَلَى التَّوْبَةِ، وَالْفَرَحِ بِهَا - حديث رقم (٦٩٣٠)
٥٥٩
الموقوف، والثاني هو المرفوع، وهو كذلك، ولم يقف ابن التين على تحقيق
ذلك، فقال أحد الحديثين عن ابن مسعود، والآخر عن النبيّ وَّر، فلم يزد في
الشرح على الأصل شيئاً، وأغرب الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة في
((مختصره))، فأفرد أحد الحديثين من الآخر، وعبَّر في كل منهما بقوله: عن ابن
مسعود، عن النبيّ وَّ﴾، وليس ذلك في شيء من نُسخ البخاريّ، ولا التصريح
برفع الحديث الأول إلى النبيّ وَ ل﴿ في شيء من نُسخ كتب الحديث إلا ما قرأت
في ((شرح مغلطاي)) أنه رُوي مرفوعاً من طريق وهّاها أبو أحمد الجرجانيّ؛
يعني: ابن عديّ. انتهى.
وقوله: ((إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه)»
قال ابن أبي جمرة(١): السبب في ذلك أن قلب المؤمن منوَّر، فإذا رأى من
نفسه ما يخالف ما ينوّر به قلبه عَظُم الأمر عليه، والحكمة في التمثيل بالجبل
أن غيره من المهلكات قد يحصل التسبب إلى النجاة منه، بخلاف الجبل إذا
سقط على الشخص لا ينجو منه عادة، وحاصله: أن المؤمن يغلب عليه
الخوف؛ لقوة ما عنده من الإيمان، فلا يأمن العقوبة بسببها، وهذا شأن
المسلم أنه دائم الخوف، والمراقبة يستصغر عمله الصالح، ويخشى من صغير
عمله السيئ.
وقال الطيبيّ كَّلُهُ: قوله: ((يرى ذنوبه)) المفعول الثاني محذوفٌ؛ أي:
كالجبال، بدليل قوله: ((كذباب))، ويجوز أن يكون ((كأنه)) مفعولاً ثانياً، والتشبيه
تمثيل، شبّه حالة ذنوبه، وأنها مهلكة له بحالته إذا كان تحت جبل على منوال
قوله [من الطويل]:
بِهَا يَوْمَ حَلُّوهَا وَغَدْواً بَلَاقِعُ
وَمَا النَّاسُ إِلَّ كَالدِّيَارٍ وَأَهْلِهَا
لم يُشبّه الناس بالديار، وإنما شبّه وجودهم في الدنيا، وسُرعة زوالهم
بحلول أهل الديار، وأوشك نهوضهم عنها، وتَرْكها خلاء خاويةً، دلّ التمثيل
الأول على غاية الخوف والاحتراز من الذنوب، والثاني على نهاية قلة
المبالاة، والاحتفال بها .
(١) ((بهجة النفوس)) ٤/ ٢٠٠.

٥٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
[فإن قلت]: ما التوفيق بين هذا القول، وقول رسول الله وَله: ((لَلَّه
أفرح)»؟.
[قلت]: لَمّا بالغ في احتراز المؤمن، وخوفه من الذنوب، وصوّره بتلك
الصورة الفظيعة الهائلة تصوّر أنه طلب ملجأ وكهفاً يلوذ إليه من ذلك الهول،
فقيل له: ليس ذلك الملجأ والمفزع إلا إلى الله تعالى؛ لأنه أفرح إلى آخره،
وذِكر الفاجر وارد على سبيل الاستطراد، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ
تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِئًا﴾ [فاطر: ١٢] بعد قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ قُرَاتٌ
سَأَبِعْ شَرَابُهُ﴾ [فاطر: ١٢]؛ لأن البحرين تمثيل للمؤمن والكافر. انتهى كلام
الطيبيّ تَخْشُهُ(١).
وقوله: ((وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب)) في رواية أبي الربيع الزهرانيّ عن
أبي شهاب، عند الإسماعيليّ: ((يرى ذنوبه كأنها ذباب مَرّ على أنفه))؛ أي: ذنبه
سهل عنده، لا يعتقد أنه يحصل له بسببه كبير ضرر، كما أن ضرر الذباب عنده
سهل، وكذا دَفْعه عنه، والذباب - بضم المعجمة، وموحدتين: الأولى خفيفة،
بينهما ألف - جمع ذبابة، وهي الطير المعروف.
وقوله: ((فقال به هكذا))؛ أي: نَحّاه بيده، أو دَفَعه، وهو من إطلاق
القول على الفعل، قالوا: وهو أبلغ.
وقوله: ((قال أبو شهاب)) هو موصول بالسند المذكور.
وقوله: ((بيده على أنفه)) هو تفسير منه لقوله: ((فقال به)). قال المحبّ
الطبريّ: إنما كانت هذه صفة المؤمن لشدة خوفه من الله، ومن عقوبته؛ لأنه
على يقين من الذنب، وليس على يقين من المغفرة، والفاجر قليل المعرفة بالله،
فلذلك قَلّ خوفه، واستهان بالمعصية.
وقال ابن أبي جمرة: السبب في ذلك أن قلب الفاجر مظلم، فوقوع
الذنب خفيف عنده، ولهذا تجد من يقع في المعصية إذا وُعظ يقول: هذا
سهل، قال: ويستفاد من الحديث أن قلة خوف المؤمن ذنوبه، وخِفَّته عليه يدلّ
على فجوره، قال: والحكمة في تشبيه ذنوب الفاجر بالذباب، كون الذباب
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٨٥٧/٦.