Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ (١) - بَابٌ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْقُقَرَاءُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ النِّسَاءُ، وَبَيَانُ الْفِتْنَةِ بِالنِّسَاءِ - حديث رقم (٦٩١٧) فذكره فإذا خلت الجنة عن العُزَّاب، وكان لكل واحد زوجتان كان النساء مثلي الرجال)). ويعارضه الحديث الآخر: ((إني رأيتكن أكثر أهل النار)). وفي الحديث الآخر: ((اطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها النساء))، وكلاهما في ((الصحيح)). والجمع بينهما أنهن أكثر أهل الجنة، وأكثر أهل النار؛ لكثرتهنّ، قال القاضي عياض: يخرج من مجموع هذا أن النساء أكثر ولد آدم، قال: وهذا كله في الآدميات، وإلا فقد جاء أن للواحد من أهل الجنة من الحور العدد الكثير، ففي حديث أبي سعيد ◌ُه: ((إن أدنى أهل الجنة الذي له اثنتان وسبعون زوجة)). [فإن قلت]: كيف اقتصر في هذا الحديث على ذكر زوجتين؟. [قلت]: الزوجتان من نساء الدنيا، والزيادة على ذلك من الحور العين. وقال أبو العباس القرطبيّ: بهذا يُعلم أن نوع النساء المشتمل على الحور والآدميات في الجنة أكثر من نوع الرجال من بني آدم، ورجال بني آدم أكثر من نسائهم، وعن هذا قال ◌َله: ((أقل ساكني الجنة النساء، وأكثر ساكني جهنم النساء))؛ يعني: نساء بني آدم هن أقل في الجنة، وأكثر في النار. قلت: وإذا قلنا بالأول إن لكل واحد منهم زوجتين من نساء الدنيا فُيشكل على ذلك قوله: ((أقل ساكني الجنة النساء))، ولعل راويه رواه بالمعنى في فهمه، فأخطأ فهمه من كونهن أكثر ساكني جهنم أنهن أقل ساكني الجنة. وقد تقدم أن ذلك لا يلزم، وأنهن أكثر ساكني الجهتين معاً لكثرتهنّ، والله أعلم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: دعواه خطأ الراوي في فهمه غير مقبول، بل المعنى عليه صحيح؛ إذ هو محمول على أول الأمر، فإنهن أكثر دخولاً النار، ثم يخرجن بالشفاعة، فيدخلن الجنة، فيكنّ أكثر من الرجال، حتى يكون لكل رجل زوجتان من نساء الدنيا، غير الحور العين، فإنهن أكثر، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٥٨/٨. ٤٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩١٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّحِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفاً يُحَدِّثُ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ، بِمَعْنَی حَدِيثِ مُعَاذٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ) القرشيّ الْبُسْريّ - بضم الموحّدة، وسكون المهملة - البصريّ، يُلَقَّب حمدان، ثقةٌ [١٠] (٢٥٠) أو بعدها (خ م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٨/٤٠. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر البصريّ، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثٍ مُعَاذٍ)؛ يعني: أن حديث محمد بن جعفر بمعنى حديث معاذ بن معاذ عن شعبة المتقدّم. [تنبيه]: رواية محمد بن جعفر عن شعبة هذه ساقها الإمام أحمد نَظْتُهُ في ((مسنده))، فقال: (١٩٨٥٠) - حدّثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي التيّاح، قال: سمعت مُطَرِّفاً يحدث أنه كانت له امرأتان، قال: فجاء إلى إحداهما، قال: فجعلت تنزع به عمامته، وقالت: جئت من عند امرأتك؟ قال: جئت من عند عمران بن حصين، فحَدَّث عن النبيّ وَلِّ حَسِب أنه قال: ((إن أقل ساكني الجنة النساء)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّْهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩١٩] (٢٧٣٩) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤ / ٤٢٧. ٤٨٣ (١) - بَابٌ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْقُقَرَاءُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ النِّسَاءُ، وَبَيَانُ الْفِتْنَةِ بِالنِّسَاءِ- حديث رقم (٦٩١٩) أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةٍ (١) نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعٍ سَخَطِك))). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَبُو زُرْعَةَ) هو: عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فَرُّوخ المخزوميّ مولى عَياش بن مطرّف الرازيُّ، أحد الأئمة النقّاد الأعلام، إمامٌ حافظٌ ثقةٌ ثبت مشهورٌ [١١]. روى عن أبي عاصم، وأبي نعيم، وقبيصة بن عقبة، ومسلم بن إبراهيم، وأبي الوليد الطيالسيّ، وأحمد بن يونس، وثابت بن محمد الزاهد، وخلاد بن يحيى، وعبد الله بن صالح العجليّ، والقعنبيّ، ومحمد بن سعيد بن سابق، وأبي سلمة التبوذكي وغيرهم. وروى عنه مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وإسحاق بن موسى الأنصاريّ، وحرملة بن يحيى، والربيع بن سليمان، ومحمد بن حميد الرازيّ، وعمرو بن عليّ، ويونس بن عبد الأعلى، وهم من شيوخه، وأبو حاتم، وأبو زرعة الدمشقيّ، وإبراهيم الحربيّ، ومحمد بن عوف الطائيّ، وهم من أقرانه، وسعيد بن عمرو الأذرعي، وصالح بن محمد جزرة، وعبد الله بن أحمد، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وابن أخيه أبو القاسم بن محمد بن عبد الكريم، وأبو عوانة الإسفرائيني، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: إمام، وقال الخطيب: كان إماماً ربانيّاً حافظاً مكثراً صادقاً، وقال عبد الله بن أحمد: لَمّا قَدِم أبو زرعة نزل عند أبي، وكان كثير المذاكرة له، فسمعت أبي يقول يوماً: ما صليت غير الفرض، استأثرت بمذاكرة أبي زرعة، وقال عبد الله بن أحمد في موضع آخر: قلت لأبي: يا أبت مَن الحفّاظ؟ قال: يا بنيّ شباب كانوا عندنا من أهل خراسان، وقد تفرّقوا، قلت: من هم؟ قال: محمد بن إسماعيل، وعبيد الله بن عبد الكريم، وعبد الله بن عبد الرحمن، والحسن بن شجاع، وقال عبد الله بن (١) وفي نسخة: ((وفَجْأَة)). ٤٨٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق أحمد: سمعت أبي يقول: ما جاوز الجسر أفقه من إسحاق، ولا أحفظ من أبي زرعة، وقال الحسن بن أحمد بن الليث: سمعت أحمد يدعو الله لأبي زرعة، وقال فضلك الرازيّ عن أبي مصعب: ما رأيت مثله بعيني، وقال فضلك أيضاً عن الربيع: أن أبا زرعة آيةٌ، وقال عبد الواحد بن غياث: ما رأى أبو زرعة مثل نفسه، قال ابن وارة: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة ليس له أصل، وقال أبو حاتم: رأيت في كتاب إسحاق بخطه إلى أبي زرعة: إني أزداد بك كل يوم سروراً، وقال البرذعيّ: سمعت محمد بن يحيى يقول: لا يزال المسلمون بخير ما أبقى الله لهم مثل أبي زرعة، وقال صالح بن محمد عن أبي زرعة: أنا أحفظ عشرة آلاف حديث في القراءات، وقال أيضاً: سمعت أبا زرعة يقول: كتبت عن إبراهيم بن موسى الرازيّ مائة ألف حديث، وعن أبي بكر بن أبي شيبة مائة ألف حديث، قال: فقلت له: بلغني أنك تحفظ مائة ألف حديث، تَقدِر أن تملي عليّ ألف حديث من حفظك؟ قال: لا، ولكن إذا أُلقي عليّ عرفت، وقال أبو يعلى الموصليّ: ما سمعنا يُذكر أحدٌ في الحفظ إلا كان اسمه أكبر من رؤيته، إلا أبو زرعة، فإن مشاهدته كانت أعظم من اسمه، وقال أبو جعفر التستريّ: سمعت أبا زرعة يقول: ما سَمِع أذني شيئاً من العلم إلا وعاه قلبي، وإن كنت لأمشي في سوق بغداد، فأسمع من الغُرف صوت المغنيات، فأضع إصبعي في أذني مخافة أن يعيه قلبي، وقال أبو حاتم: حدّثني أبو زرعة، وما خَلَّف بعده مثله علماً وفقهاً وفهماً وصيانةً وصدقاً ولا أعلم في المشرق والمغرب من كان يفهم هذا الشأن مثله، قال: وإذا رأيت الرازي يتنقص أبا زرعة، فاعلم أنه مبتدع، وروى البيهقيّ عن ابن وارة قال: كنا عند إسحاق بنيسابور، فقال رجل: سمعت أحمد يقول: صحّ من الحديث سبعمائة ألف حديث وكَسْر، وهذا الفتى - يعني: أبا زرعة - قد حفظ ستمائة ألف حديث، وقال البيهقيّ: وإنما أراد: ما صحّ من حديث رسول الله وَلجر، وأقاويل الصحابة، وفتاوى من أُخذ عنهم من التابعين، وقال محمد بن جعفر بن حمكويه: قال أبو زرعة: أحفظ مائة ألف حديث كما يحفظ الإنسان ﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾، وقال أبو جعفر التستريّ: سمعت أبا زرعة يقول: إن في بيتي ما كتبته منذ خمسين سنة، ولم أُطالعه منذ ٤٨٥ (١) - بَابٌ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْفُقَرَاءُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ النِّسَاءُ، وَبَيَانُ الْفِتْنَةِ بِالنِّسَاءِ - حديث رقم (٦٩١٩) كَتْبه، وإني أعلم في أي كتاب هو، في أي ورقة هو، في أي صفح هو، في أيّ سطر هو. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: حضر عند أبي زرعة محمد بن مسلم - يعني: ابن وارة - والفضل بن العباس المعروف بفضلك، فجرى بينهم مذاكرة، فذكر محمد بن مسلم حديثاً، فأنكر فضلك الصائغ، فقال: يا أبا عبد الله ليس هكذا هو، فقال: كيف هو؟ فذكر رواية أخرى، فقال محمد بن مسلم لأبي زرعة: أَيْشٍ تقول؟ فسكت، فألح عليه، فقال: هاتوا أبا القاسم ابن أخي، فدُعي له، فقال: اذهب، فادخل بيت الكتب، فَدَعِ القِمَظْر الأول، والثاني، والثالث، وعُدّ ستة عشر جزءاً، وائتني بالجزء السابع عشر، فذهب فجاء بالدفتر، فتصفح أبو زرعة، وأخرج الحديث فدفعه إلى محمد بن مسلم، فقرأه، وقال: نعم غَلِطنا . قال أبو سعيد بن يونس: مات بالريّ آخر يوم من ذي الحجة سنة أربع وستين ومائتين، وقال ابن المنادي: كان مولده سنة مائتين، وقال ابن حبان في ((الثقات)): كان أحد أئمة الدنيا في الحديث، مع الدين، والورع، والمواظبة على الحفظ، والمذاكرة، وتَرْك الدنيا، وما فيه الناس، تُؤُفّي سنة (٢٦٨). كذا قال، وفي ((الزهرة)): روى عنه مسلم حدیثین(١). انتهى. روى عنه المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٢ - (ابْنُ بُكَيْرٍ) هو: يحيى بن عبد الله بن بكير المخزوميّ مولاهم المصريّ، وقد يُنسب إلى جدّه، ثقة في الليث، وتكلموا في سماعه من مالك، من كبار [١٠] (ت٢٣١) وله سبع وسبعون سنةً (خ م ق) تقدم في ((الإمارة)) ٤٧٨٥/١٣. ٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ القاريّ - بتشديد التحتانية - المدنيّ، نزيل الإسكندرية، حليف بني زُهْرة، ثقةٌ [٨] (ت١٨١) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥. ٤ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش - بتحتانية، ومعجمة - الأسديّ، مولى آل الزبير، ثقةٌ فقيهٌ، إمام في المغازي [٥] لم يصحّ أن ابن معين لَيّنه مات سنة (١٤١) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١. (١) بل هو حديث واحد، وهو حديث الباب فقط. ٤٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العَدَويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ [٤] (ت١٢٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌ِّ، تقدّم قريباً. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذُ، وأنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه فرازيّ، وابن بُکیر فمصريّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفیه ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وأشدّ الناس اتباعاً للأثر. [تنبيه آخر]: قال النوويّ كَّلُ: هذا الحديث أدخله مسلم بين أحاديث النساء، وكان ينبغي أن يُقَدِّمه عليها كلّها، قال: وهذا الحديث رواه مسلم عن أبي زرعة الرازيّ، أحد حفاظ الإسلام، وأكثرهم حفظاً، ولم يرو مسلم في ((صحيحه)) عنه غير هذا الحديث، وهو من أقران مسلم، تُوُفّي بعد مسلم بثلاث سنين، سنة أربع وستين ومائتين. انتهى(١). شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌ِظُهَا؛ أنه (قَالَ: كَانَ مِنْ دُعَاءٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ)؛ أي: ذهاب نعمة الإسلام، والإيمان، ومنحة الإحسان والعرفان(٢)، وقال المناويّ كَُّ: قوله: ((نعمتك)) مفرد في معنى الجمع يعمّ النعم الظاهرة والباطنة، والنعمةُ: كل ملائم تُحمد عاقبته، ومن ثَمّ قالوا: لا نعمة الله على كافر، بل ملاذه استدراج، قال: والاستعاذة من زوال النعم تتضمن الحفظ عن الوقوع في المعاصي؛ لأنها تزيلها، ألا ترى إلى قوله [من المتقارب]: إذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا فَإِنَّ الْمَعَاصِي تُزِيلُ النِّعَمْ(٣) وقال الشوكانيّ كَخَّلهُ: استعاذ رسول الله وَّله من زوال نعمته؛ لأن ذلك لا يكون إلا عند عدم شكرها، وعدم مراعاة ما تستحقه النِّعم، وتقتضيه من (١) ((شرح النوويّ)) ١٧/ ٥٤. (٣) ((فيض القدير)) ١١٠/٢. (٢) ((عون المعبود)) ٢٨٣/٤. ٤٨٧ (١) - بَابٌ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْفُقَرَاءُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ النِّسَاءُ، وَبَيَانُ الْفِتْنَةِ بِالنِّسَاءِ- حديث رقم (٦٩١٩) تأدية ما يجب على صاحبها من الشكر، والمواساة، وإخراج ما يجب إخراجه. (١) انتھی(١). (وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ) بضم الواو المشدّدة؛ أي: تبدّلها بالبلاء. وقال القاري: أي: انتقالها من السمع، والبصر، وسائر الأعضاء. [فإن قلت]: ما الفرق بين الزوال والتحول؟. [قلت]: الزوال يقال في شيء كان ثابتاً لشيء ثم فارقه، والتحول تغير الشيء وانفصاله عن غيره؛ أي: إبدال الشيء بالشيء، فمعنى زوال النعمة: ذهابها من غير بَدَل، وتحوّل العافية: إبدال الصحة بالمرض، والغنى بالفقر، فكأنه سأل دوام العافية، وهي السلامة من الآلام، والأسقام. وقال الطيبيّ تَخْتُ: أي: تبدّل ما رزقتني من العافية إلى البلاء، وقال في الفرق بين الزوال والتحوّل: الزوال يقال في شيء كان ثابتاً لشيء ثم فارقه، والتحول: تغيُّر الشيء وانفصاله عن غيره، وباعتبار التغيّر قيل: حال الشيء يحول حولاً، وباعتبار الانفصال قيل: حال بيني وبين كذا، وحوّلتُ الشيءَ، فتحوّلَ: غيّرته إما بالذات، وإما بالحكم، فمعنى زوال النعمة: ذهابها من غير بدل، وتحول العافية: إبدال الصحّة بالمرض، والسلام بالبلاء. انتهى (٢). ووقع في بعض نسخ أبي داود بلفظ: ((وتحويل عافيتك)) من باب التفعيل، فيكون من باب إضافة المصدر إلى مفعوله. واستعاذ ◌َّ ر من ذلك؛ لأن من اختصه الله ◌ُعَلَ بعافيته فاز بخير الدارين، فإن تحولت عنه، فقد أصيب بشرّ الدارين، فإن العافية يكون بها صلاح أمور الدنيا والآخرة(٣). (وَفُجَاءَةِ) بضمّ الفاء، والمدّ، وفي نسخة: ((وفَجْأَة)) بفتح الفاء، وسكون الجيم، (نِقْمَتِكَ) قال النوويّ كَخَذَتُهُ: الْفَجْأة بفتح الفاء، وإسكان الجيم، (١) راجع: ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٣٦١/٨. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٩١٤/٦. (٣) راجع: ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٣٦١/٨. ٤٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق مقصورة، على وزن ضربة، والْفُجَاءة بضم الفاء، وفتح الجيم، والمدّ لغتان، وهي البغتة. انتهى. وقال في ((العون)): ((الفجاءة)) بضم الفاء، والمدّ، وفي نسخة بفتح الفاء، وسكون الجيم، بمعنى البغتة، والنقمة بكسر النون، وفتحها مع سكون القاف، وكَكَلِمة: المكافأة بالعقوبة، والانتقام بالغضب، والعذاب، وخصها بالذكر؛ لأنها أشدّ. انتهى(١). وقال في ((المرعاة)): ((وفجاءة نقمتك)) بضم الفاء، وفتح الجيم، ممدودةً: بمعنى البغتة، مشتقة مِن فاجأه مفاجأة: إذا جاءه بغتة، من غير أن يعلم بذلك، ويروى: ((فَجْأة)) بفتح الفاء، وإسكان الجيم، من غير مدّ، والنقمة بكسر النون وسكون القاف، وفي رواية بفتح، فكسر ككلمة(٢): العقوبة، وقال القاري: هي المكافأة بالعقوبة، والانتقام بالغضب والعذاب، وخَصّ فجاءة النقمة بالذكر؛ لأنها أشدّ من أن تصيب تدريجاً، كما ذكره المظهر، واستعاذ ◌َل ير من ذلك لئلا تصيبه النقمة من حيث لا يكون له علم بها، ولا تكون له فرصة، ومهلة للتوبة؛ لأنه إذا انتقم الله من العبد، فقد أحل به من البلاء ما لا يقدر على دفعه، ولا يستدفع بسائر المخلوقين، وإن اجتمعوا جميعاً، كما ورد في حديث ابن عبّاس ◌ِّ مرفوعاً: ((واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ... ))(٣) الحديث. انتهى بتصرّف (٤). (وَجَمِيعٍ سَخَطِكَ))) بفتحتين، أو بضمّ، فسكون؛ أي: ما يؤدي إليه؛ يعني: سائر الأسباب الموجبة لذلك، وإذا انتفت أسبابها حصلت أضدادها، وهو إجمال بعد تفصيل، وتعميم بعد تخصيص، أو المراد: جميع آثار غضبك، (١) ((عون المعبود)) ٢٨٣/٤. (٢) تقدّم أنها ككلمة، وتخفَّف مثلها، فتكون بفتح، فسكون، وبكسر، فسكون، فيكون فيها ثلاث لغات، فتنبّه. (٣) حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ برقم (٢٥١٦). (٤) راجع: ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٣٦١/٨. ٤٨٩ (١) - بَابٌ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْفُقَرَاءُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ النِّسَاءُ، وَبَيَانُ الْفِتْنَةِ بِالنِّسَاءِ - حديث رقم (٦٩٢٠) واستعاذ ◌َطهر من جميع سخطه؛ لأنه رَّك إذا سَخِط على العبد فقد هلك، وخاب وخسر، ولو كان السخط في أدنى شيء، وبأيسر سبب، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: هذا من أفراد المصنّف دَّلُهُ. (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ـ (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩١٩/١] (٢٧٣٩)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)» (٦٨٥)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٥٤٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤/ ٤٦٣)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٥٣/٤) وفي ((الدعاء)) (٣٩٨/١)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (١٣/٣٨)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٢٠] (٢٧٤٠) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن شعبة، أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنِّف، وكان لا يرجع عما في كتابه؛ لشدّة وثوقه به [١٠] (ت٢٢٧) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في الباب، و((أبو عثمان النهديّ)) هو: عبد الرحمن بن ملّ بن عمرو. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْلُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أسامة بن زيد الصحابيّ ابن الصحابيّ، حِبّ رسول الله وَّ، وابن حبّه شرح الحديث: (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) ﴿هَا، زاد في الرواية التالية من طريق معتمر بن ٤٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق ـ ، سليمان عن أبيه مع أسامة: سعيد بن زيد أحد العشرة المبشّرين بالجنّة وقد قال الترمذيّ: لا نعلم أحداً قال فيه: عن سعيد بن زيد غير معتمر بن سليمان. انتهى (قَالَ) أسامة: (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (مَا) نافية، (تَرَكْتُ) وفي رواية: ((ما أدع))؛ أي: أترك، وعبّر بالماضي لتحقّق وقوعه، (بَعْدِي)؛ أي: بعد موتي، وإنما قال: بعدي؛ لأن كونهن فتنة صار بعده أظهر، وأشهر، وأضرّ، فهو عَلَم من أعلام النبوّة حيث أخبر وَّر عن غيب وقد وقع، والله تعالى أعلم. (فِتْنَةً)؛ أي: امتحاناً وابتلاء، (هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ))) لأن الطباع كثيراً تميل إليهنّ، وتقع في الحرام لأجلهنّ، وتسعى للقتال والعداوة بسببهنّ، وأقل ذلك أن ترغّبه في الدنيا ليتهالك فيها، وأيّ فساد أضرّ من هذا، وحبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة، مع ما هنالك من مظنة الميل بالعشق، وغير ذلك من فتن، وبلایا، ومِحَن. قيل: أرسل بعض الخلفاء إلى الفقهاء بجوائز، فقبلوها، وردّها الفضيل، فقالت له امرأته: تردّ عشرة آلاف، وما عندنا قوت يومنا؟ فقال: مَثَلي ومَثَلكم كقوم لهم بقرة يحرثون عليها، فلما هَرَمت ذبحوها، وكذا أنتم أردتم ذبحي على كِبَر سني، موتوا جوعاً قبل أن تذبحوا فضيلاً. وكان سعيد بن المسيِّب يقول - وقد أتت عليه ثمانون سنة -: ما شيء أخوف عندي عليّ من النساء. وقيل: إن إبليس لمّا خُلقت المرأة قال: أنتِ نصف جندي، وأنت موضع سري، وأنت سهمي الذي أرمي بك، فلا أخطىء أبداً (١). وقال الطيبيّ كَذَتُهُ: قوله: ((فتنة أضرّ))، وذلك لأن المرأة إذا لم يكن يمنعها الصلاح الذي من جبلّتها كانت عين المفسدة، فلا تأمر زوجها إلا بشرّ، ولا تحثّه إلا على فساد، وقد قدّمها الله تعالى في آية ذكر الشهوات: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ﴾ على سائر الأنواع، وجعلها نفس الشهوات، حيث بيّن الشهوات بقوله: ﴿مِنَ النِّساءِ﴾، ثم عقّبها بغيرها: ﴿وَالْبَنِينَ وَالْقَتَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنَْمِ وَالْحَرْثِ﴾ الآية [آل عمران: ١٤] (١) ((فيض القدير)) ٤٣٦/٥. ٤٩١ (١) - بَابٌ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْفُقَرَاءُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ النِّسَاءُ، وَبَيَانُ الْفِتْنَةِ بِالنِّسَاءِ- حديث رقم (٦٩٢١) دلالةً على أنها أصلها ورأسها(١)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أسامة بن زيد ها هذا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٢٠/١] (٢٧٤٠)، و(البخاريّ) في ((النكاح)) (٥٠٩٦)، و(الترمذيّ) في ((الأدب)) (٢٧٨٠)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٥٪ ٣٦٤ و٤٠٠)، و(ابن ماجه) في ((الفتنة)) (٣٩٩٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٦٠٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٦/٤ و٤٦٧/٧)، و(أحمد) في (مسنده)) (٢٠٠/٥ و٢١٠)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢٤٩/١)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٥٩٦٧ و٥٩٦٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٤١٥ و٤١٧ و٤١٨ و٤١٩ و٤٢٠)، و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب)) (٧٨٤ و٧٦٨٦ و٧٨٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩١/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٢٤٢)، وفوائده تأتي بعده، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٢١] (٢٧٤١) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، جَمِيعاً عَنِ الْمُعْتَمِرِ، قَالَ ابْنُ مُعَاذٍ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ أَبِي: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ؛ أَنَّهُمَا حَدَّثَا عَنْ رَسُولِ اللهِِّ أَنَّهُ قَالَ: ((مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِي النَّاسِ فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) بن سهل الْهَرَويّ الأصلِ، ثم الْحَدَثانيّ، ويقال له: الأنباريّ بِنون، ثم موحدة، أبو محمد، صدوق في نفسه، إلا أنه عَمِي، فصار يتلقن ما ليس من حديثه، فأفحش فيه ابن معين القول، من قدماء [١٠] (ت٢٤٠) وله مائة سنة (م ق)، تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٧. (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٧/ ٢٢٦٠. ٤٩٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق ٢ - (سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ) العدويّ أبو الأعور، الصحابيّ الشهير، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، ماتَ سنة خمسين، أو بعدها بسنة، أو سنتين (ع) تقدم في ((البيوع)) ٤١٢٥/٥١. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (وَسَعِيدٍ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ) قال الترمذيّ ◌َّتُهُ بعد أن أخرج الحديث: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ، وقد رَوَى هذا الحديث غيرُ واحدٍ. من الثقات عن سليمان التيميّ، عن أبي عثمان، عن أسامة بن زيد، عن النبيّ وَّر، ولم يذكروا فيه عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، ولا نعلم أحداً قال: عن أسامة بن زيد، وسعيد بن زيد، غير المعتمر. انتهى(١). والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم شرحه، وبيان مسألتيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٢٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، كُلُّهُمْ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوق يخطئ [٨] (ت١٩٠) أو قبلها، وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٠/٥. ٢ - (هُشَيْمُ) - بالتصغير - ابن بَشِير - بوزن عظيم - ابن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم - بمعجمتين - الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت١٨٣) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. والباقون ذُكروا في الباب، والبابين الماضيين، و((ابْنُ نُمَيْرِ)) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، و((جرير)) هو: ابن عبد الحميد. (١) ((جامع الترمذيّ)) ١٠٣/٥. ٤٩٣ (١) - بَابٌ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْفُقَرَاءُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ النِّسَاءُ، وَبَيَانُ الْفِتْنَةِ بِالنِّسَاءِ - حديث رقم (٦٩٢٣) وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ)؛ يعني: كلّ الثلاثة، وهم: أبو خالد الأحمر، وهشيم بن بشير، وجرير بن عبد الحميد رووا هذا الحديث عن سليمان التيميّ بسنده الماضي. [تنبيه]: أما رواية أبي خالد الأحمر عن سليمان التيميّ، فقد ساقها ابن أبي شيبة ◌َّثُ في ((مسنده))، فقال: (١٧٦٤٢) - حدّثنا أبو خالد الأحمر، عن سليمان التيميّ، عن أبي عثمان، عن أسامة، قال: قال رسول الله وَعليه: ((ما تركت بعدي على أمتي فتنة أضرّ على الرجال من النساء)). انتهى(١). وأما رواية هشيم عن سليمان التيميّ، فقد ساقها أحمد تَخَّلُ في («مسنده))، فقال: (٢١٧٩٤) - حدّثنا هشيم، أنا سليمان التيميّ، عن أبي عثمان النَّهْديّ، عن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله وَمليون: ((ما تركت بعدي فتنة أضرّ على أمتي من النساء على الرجال)). انتهى (٢). وأما رواية جرير بن عبد الحميد عن سليمان التيميّ، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٢٣] (٢٧٤٢) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِّ وَ﴿ قَالَ: ((إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةٍ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ»، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ بَشَّارٍ: ((لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو مَسْلَمَةَ) سعيد بن يزيد بن مسلمة الأزديّ، ثم الطاحيّ، أبو مسلمة البصريّ القصير، ثقةٌ [٤] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٦٦/٨٨. (١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٦/٤. (٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٠٠/٥. ٤٩٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق ٢ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعة - بضم القاف، وفتح المهملة - الْعَبْدِيّ الْعَوَقيّ - بفتح العين المهملة، والواو، ثم قاف - البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣] (٨ أو١٠٩) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٧/٦. ٣ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ها، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل أربعة أبواب، و((محمد بن جعفر)) هو: المعروف بغندر. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَتُهُ، وأن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وأنه مسلسل بالبصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد ظُه أحد المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ)؛ أنه (قَالَ: ((إِنَّ الدُّنْبَا (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) حُلْوَةٌ) بضم أوله؛ أي: لذيذةٌ حسنةٌ، وإنما وصفها بالخضرة؛ لأن العرب تسمي الشيء الناعم خَضِراً، أو لِشَبَهها بالخضروات في ظهور كمالها، وسرعة زوالها. (خَضِرَةٌ) بفتح فكسر؛ أي: ناعمة طرية محبوبة، وفيه بيان أنها تَفْتِن الناس بلونها، وطعمها(١). وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((إن الدنيا خضرة حلوة ... إلخ)) هكذا هو في جميع النسخ: ((فاتقوا الدنيا))، ومعناه: تجنبوا الافتتان بها، وبالنساء، وتدخل في النساء: الزوجات وغيرهنّ، وأكثرهن فتنة: الزوجات؛ لدوام فتنتهن، وابتلاء أكثر الناس بهنّ، ومعنى ((الدنيا خضرة حلوة)) يَحْتَمِل أن المراد به شيئان: أحدهما: حُسنها للنفوس، ونضارتها، ولذّتها؛ كالفاكهة الخضراء الحلوة، فإن النفوس تطلبها طلباً حثيثاً، فكذا الدنيا. (١) ((تحفة الأحوذيّ)) ٣٥٦/٦. ٤٩٥ (١) - بَابٌ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْفُقَرَاءُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ النِّسَاءُ، وَبَيَانُ الْفِتْنَةِ بِالنِّسَاءِ- حديث رقم (٦٩٢٣) والثاني: سرعة فنائها، كالشيء الأخضر في هذين الوصفين، ومعنى ((مستخلفكم فيها)) جاعلكم خلفاء من القرون الذين قبلكم، فينظر هل تعملون بطاعته أم بمعصيته، وشهواتكم؟. انتهى(١). وقال الطيبيّ كَُّهُ: قوله: ((حلوة خضرة)) كناية عن كونها غرّارة، تفتن الناس بلونها وطعمها، وليس تحتها طائل. انتهى (٢). وقال المناويّ كَُّهُ: ((فإن الدنيا)) في الرغبة والميل إليها، وحرص النفوس عليها؛ كالفاكهة التي هي ((خضرة)) في المنظر ((حلوة)) في المذاق، وكل منهما يُرْغَب فيه منفرداً، فكيف إذا اجتمعا، وقال الأكمل: الحلو ما يميل إليه الطبع السليم، والأخضر الطّرِيّ الناعم، وأراد أن صورة الدنيا ومتاعها حَسَن المنظر، يعجب الناظر. انتهى ". وقال أيضاً: ((الدنيا حلوة خضرة))؛ أي: مشتهاة، مُونِقة، تُعجب الناظرين، فمن استكثر منها أهلكته، كالبهيمة إذا أكثرت من رعي الزرع الأخضر أهلكها، ففي تشبيه الدنيا بالخضرة التي ترعاها الأنعام، إشارةً إلى أن المستكثر منها كالبهائم، فعلى العاقل أن يقنع بما تدعو الحاجة منها، ويجتنب الإفراط والتفريط في تناولها، فإنه مهلك (٤). (وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا)؛ أي: جاعلكم خلفاء من قَرْن خَلَوا قبلكم، (فَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ؟) هل تطيعونه أو لا؟(٥). وقال الطيبيّ تَخَُّ: الاستخلاف إقامة الغير مقام نفسه؛ أي: جعل الله الدنيا مزينة لكم؛ ابتلاءً، هل تتصرفون فيها كما يحب ويرضى، أو تُسخطونه، وتتصرفون فيها بغير ما يحب ويرضى؟ انتهى (٦). وقال المناويّ تَخَُّ: ((وإن الله مستخلفكم فيها))؛ أي: جاعلكم خَلَفاً في الدنيا، ((فناظر كيف تعملون))؛ يعني: أن الأموال التي في أيديكم إنما هي (١) ((شرح النوويّ)) ٥٥/١٧. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٢٦٥/١٠. (٣) ((فيض القدير)) ١٧٩/٢. (٥) ((تحفة الأحوذيّ)) ٣٥٦/٦. (٤) ((فيض القدير)) ٥٤٤/٣. (٦) ((مرقاة المفاتيح)) ٦/ ٢٤٣. ٤٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق أموال الله خلقها، وخَوّلكم إياها، وخوّلكم الاستمتاع فيها، وجعلكم خَلَفَاً بالتصرف فيها، فليست هي بأموالكم حقيقةً، بل أنتم فيها بمنزلة الوكلاء، فناظر هل تتصرفون فيها على الوجه الذي يَرضَى به المستخلِف أو لا؟ والمراد: مستخلفكم فيما كان بأيدي مَن قبلكم بتوريئكم إياهم، فناظر هل تعتبرون بحالهم أو لا؟ وكيفية النظر من المتشابه نؤمن بأنه يصير، ولا نشتغل بكيفيته، والحديث مسوق للتحذير من زخرف الدنيا، وزهرتها. انتهى (١). (فَاتَّقُوا الدُّنْيَا)؛ أي: احذروا زيادتها على قدر الحاجة المُعِينة للدين النافعة في الأخرى، وقال القاري: ((فاتقوا الدنيا))؛ أي: احذروا من الاغترار بما فيها من الجاه، والمال، فإنها في وشك الزوال، واقنعوا فيها بما يُعينكم على حسن المآل، فإن حلالها حساب، وحرامها عذاب. انتهى (٢). (وَاتَّقُوا النِّسَاءَ)؛ أي: كيدهنّ، والاغترار بهنّ. وقال القاري: ((واتقوا النساء))؛ أي: احذروا أن تميلوا إلى المنهيات بسببهنّ وتقعوا في فتنة الدين لأجل الافتتان بهنّ. وقال الطيبيّ نَّثُهُ: احذروا أن تميلوا إلى النساء بالحرام، وتَقبلوا أقوالهنّ، فإنهن ناقصات، عقل لا خير في كلامهن غالباً. انتهى، وهو تخصيص بعد تعميم، إشارة إلى أنها أضر ما في الدنيا من البلايا(٣). وقال المناويّ: ((فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء)): خَصّص بعدما عمم؛ إيذاناً بأن الفتنة بهنّ أعظم الفتن الدنيوية، فإنه نّ ◌َلَ أخبر بأن الذي زُيِّن به الدنيا من ملاذها وشهواتها سبعة أشياء، أعظمها النساء اللاتي هنّ أعظم زينتها، وشهوتها، وأعظمها فتنة، وقد أخرج ابن عساكر عن ابن عمر: أن إبليس لقي موسى علّل*، فقال: يا موسى إن لك عليّ حقّاً، إياك أن تجالس امرأة ليست بِمَحْرَم، فإني رسولها إليك، ورسولك إليها. انتهى (٤). (فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ)) يريد: قَتْل النفس التي أُمر بنو إسرائيل فيها بذبح البقرة، واسم المقتول: عاميل، قتله ابن أخيه، أو عمه (١) ((فيض القدير)) ١٧٩/٢. (٣) ((مرقاة المفاتيح)) ٢٤٣/٦. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٢٤٣/٦. (٤) ((فيض القدير)) ١٧٩/٢. ٤٩٧ (١) - بَابٌ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْفُقَرَاءُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ النِّسَاءُ، وَبَيَانُ الْفِتْنَةِ بِالنِّسَاءِ- حديث رقم (٦٩٢٣) ليتزوج ابنته، أو زوجته، وقال في ((المطامح)): يَحْتَمل كونه أشار إلى قصة هاروت وماروت؛ لأنهما فُتنا بسبب امرأة من بني إسرائيل، ويَحْتَمِل أنه أشار إلى قضية بلعام بن باعوراء؛ لأنه إنما هلك بمطاوعة زوجته، وبسببهن هلك كثير من العلماء(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذه القصص ليس لها مستند يصحّ، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَفِي حَدِيثِ ابْنٍ بَشَّارٍ)؛ يعني: محمد بن بشَّار شيخه الثاني، ((لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ؟») أشار به على اختلاف شيخيه في هذه اللفظة، فمحمد بن المثنَّى رواه بلفظ: ((فينظر))، ورواه محمد بن بشَّار بلفظ: ((لينظر))، ولا خلاف في المعنى، بل الغرض بيان الاختلاف؛ أداء للأمانة العلميّة، فيؤدّي كل لفظة كما سمعها من شيخه، وهذا من ورع المحدّثين، واحتياطاتهم، فللَّه درّهم، ما أشدّ ورعهم، وتقواهم، والله تعالى اعلم. مسائل تتعلَّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُه هذا من أفراد المصنّف تَذُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٢٣/١] (٢٧٤٢)، و(الترمذيّ) في ((الفتن)) (٢١٩١)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٠٠/٥)، و(ابن ماجه) في ((الفتن)) (٤٠٤٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٤٦/١١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣/ ٢٢)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٣٣١/٢)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (١/ ٢٧٤)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٤٠/٤) وفي ((مسند الشاميين)) (٣٥٧/٣)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٣٥٢/٢)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٢٣٦/١)، و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب)) (١٨١/٢)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤/ ٥٥١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٩/٣ و٩١/٧) وفي ((شعب الإيمان)) (٦/ ١٧١ و٣١٠ و٢٧٨/٧)، والله تعالى أعلم. (١) ((فيض القدير)) ١٨٠/٢. ٤٩٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ ◌َ﴿ من الشفقة بأمته، حيث كان يُحذّرهم مما يكون سبب هلاكهم في الدنيا والآخرة، فقد حذّرهم في هذا الحديث عن الافتتان بالدنيا، والنساء. ٢ - (ومنها): مشروعيّة ضرب الأمثال؛ لإيضاح المسائل. ٣ - (ومنها): بيان كون الدنيا حسنة المنظر، حلو المذاق؛ لكنها سريعة الزوال، فلا ينبغي لعاقل الاغترار بزخارفها . ٤ - (ومنها): التحذير من الافتتان بالنساء، فإنهنّ أخطر ما يغترّ بهنّ الرجال، ولذا قدّمنهنّ الله رَك في تعداد شهوات النفس، فقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ مِنَ الْنِسِ﴾ الآية [آل عمران: ١٤]؛ إشارة إلى عِظَم فتنتهنّ، فالواجب على العاقل أن يأخذ الحذر منهنّ، ومن الدنيا، فيجتنب الميل إليهنّ، فيسلك مسلك التوسّط في ذلك، لا تفريط، ولا إفراط، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): وفي الحديث أن الفتنة بالنساء أشدّ من الفتنة بغيرهنّ، ويشهد له قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِن اٌلِسِ﴾، فجعلهنّ من حب الشهوات، وبدأ بهنّ قبل بقية الأنواع؛ إشارةً إلى انهنّ الأصل في ذلك، ويقع في المشاهدة حبّ الرجل ولده من امرأته التي هي عنده أكثر من حبه ولده من غيرها، ومن أمثلة ذلك قصة النعمان بن بشير ◌ًا في الهبة، وقد قال بعض الحكماء: النساء شرّ كلهنّ، وأشرّ ما فيهنّ عدم الاستغناء عنهنّ، ومع أنها ناقصة العقل والدين تحمل الرجل على تعاطي ما فيه نقص العقل والدين، كشغله عن طلب أمور الدين، وحمله على التهالك على طلب الدنيا، وذلك أشدّ الفساد. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١) ((الفتح)) ٣٦٩/١١ - ٣٧٠ رقم (٥٠٩٦). ٤٩٩ (٢) - بَابُ قِصَّةٍ أَصْحَابِ الْغَارِ الثَّلَاثَةِ، وَالتَّوَسُّلِ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٦٩٢٤) (٢) - (بَابُ قِصَّةٍ أَصْحَابِ الْغَارِ الثَّلَاثَةِ، وَالتَّوَسُّلِ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٢٤] (٢٧٤٣) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ - يَعْنِي: ابْنَ عِيَاضٍ أَبَا ضَمْرَةَ - عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرِ يَتَمَشَّوْنَ، أَخَّذَهُمُ الْمَطَرُ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَغْضِ: انْظُرُوا أَعْمَالاً عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً للهِ، فَادْعُوا اللهَ تَعَالَى بِهَا، لَعَلَّ الله (١) يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانٍ كَبِيرَانٍ، وَامْرَأَتِي، وَلِيَ صِبْيَةٌ صِغَارٌ، أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا أَرَحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ، فَبَدَأْتُ بِوَالِدَّ، فَسَقَيْتُهُمَا قَبْلَ بَنِيَّ، وَأَنَّهُ نَأَى بِي ذَاتَ يَوْمِ الشَّجَرُ، فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَخْلُبُ، فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِمَا، أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ، حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَاقْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً، نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللهُ مِنْهَا فُرْجَةً، فَرَأَوْا مِنْهَا السَّمَاءَ، وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِيَ ابْنَهُ عَمٍّ، أَحْبَيْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، وَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا، فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةٍ دِينَارٍ، فَتَعِبْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَجِثْتُهَا بِهَا، فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللهِ اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَفْتَحِ الْخَاتَمَ إِلَّ بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ عَنْهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً، فَفَرَجَ لَهُمْ، وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيراً بِفَرَقٍ أَرُزُّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَقَهُ، فَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ، حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ (١) وفي نسخة: (لعله يفرّجها)). ٥٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق بَقَرَأْ وَرِعَاءَهَا، فَجَاءَنِي، فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَظْلِمْنِي حَقِّي، قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرِعَائِهَا، فَخُذْهَا، فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، خُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرِعَاءَهَا، فَأَخَذَهُ، فَذَهَبَ بِهِ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلَِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ اللهُ مَا بَقِيَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَِّيُّ) هو: محمد بن إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن المسيَّبِيّ، مِن وَلَد المسيَّب بن عابد المخزوميّ المدنيّ، صدوقٌ [١٠] (ت٢٣٦) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١. ٢ - (أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ أَبُو ضَمْرَةَ) هو: أنس بن عياض بن ضمرة، أبو عبد الرحمن الليثيّ المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت٢٠٠) وله ست وتسعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٨١/ ٤٣٣. ٣ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ، فقيهٌ، مشهور [٣] (ت١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. والباقيان ذُكرا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف نَظُّ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر ظّ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّابِ ﴿َا (عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ أَنَّهُ قَالَ: (بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ) الإضافة فيه بيانيّة (١)، و(النفر)): بفتحتين: جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفر فيما زاد على العشرة، قاله الفيّومِيّ ◌َّهُ(٢). قال الحافظ تَّلهُ: لم أقف على اسم واحد منهم، وفي حديث عقبة بن (١) ((المرقاة)) ٢١٦/١٤. (٢) ((المصباح المنير)) ٦١٧/٢.