Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
(٢٣) - بَابُ فَضْلِ الدُّعَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ بِظَهْرِ الْغَيْبِ - حديث رقم (٦٩٠٣)
أي: في غَيبة المدعوّ له عنه، وإن كان حاضراً معه، بأن دعا له بقلبه حينئذ،
أو بلسانه، ولم يُسمعه. (إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ) وفي الرواية التالية: ((قال الملك
الموكل به: آمين، ولك بمثل»، وفي الرواية الثالثة: ((دعوة المرء المسلم لأخيه
بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملَك مُؤَثَّل، كلما دعا لأخيه بخير، قال
الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل))، وفي رواية أبي داود: ((إذا دعا الرجل
لأخيه بظهر الغيب، قالت الملائكة: آمين، ولك بمثل)). (وَلَكَ) فيه التفات،
(بِمِثْلِ))) بكسر الميم، وسكون المثلثة، وتنوين اللام؛ أي: أعطى الله لك بمثل
ما سألت لأخيك، قال الطيبيّ تَخْتُهُ: الباء زائدة في المبتدأ، كما في: بحسبك
درهم، وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه يدعو لأخيه المسلم بتلك
الدعوة؛ ليدعو له الملك بمثلها، فيكون أعون للاستجابة، ذكره في ((العون))(١).
وقال المناويّ تَخْتُ: ((ولك بمثل)) بكسر الميم، وسكون المثلثة، على
الأشهر، قال القاضي عياض: ورويناه بفتحها أيضاً، يقال: هو مثله، ومَثِيله
بزيادة الياء؛ أي: عدیله سواءً. انتهى.
وقال في ((المشارق)): قوله: ((ولك بمثل)) كذا رويناه بكسر الميم، وسكون
الثاء، وبِمَثَل أيضاً بفتحهما، يقال: مِثْلٌ، ومَثَلٌ، ومَثِيل، مثلُ شِبْهٍ، وشَبَهٍ،
وشَبِيه؛ أي: لك من الأجر لدعائك مثل ما دعوت له فيه، ورغبته. انتهى (٢).
قال المناويّ: وتنوينه عوضٌ من المضاف إليه؛ يعني: بمثل ما دعوته،
وهذا بالحقيقة دعاء من الملَك بمثل ما دعاه لأخيه، وما قيل: إن معناه: ولك
بمثل ما دعوته؛ أي: بثوابه فرکیك. انتهى.
وقال في موضع آخر: ((ولك أيها الداعي بمثل ذلك))؛ أي: مثل ما دعوت
به لأخيك، وهذا يَحْتَمِل كونه إخباراً من الملَك بأن الله ◌َلَ يجعل له مثل ثواب
ما دعا به؛ لكونه عَلِم ذلك بالاطلاع على اللوح المحفوظ، أو غير ذلك من
طُرُق العلم، ويَحْتَمِل أنه دعا له به، والأول أقرب. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم.
(١) ((عون المعبود)) ٢٧٦/٤.
(٢) ((مشارق الأنوار على صحاح الآثار)) ٧٣٢/١.
(٣) ((فيض القدير)) ٥٢٥/٣ و٤٨/٥.

٤٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي الدرداء به هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٠٣/٢٣ و٦٩٠٤ و٦٩٠٥ و٦٩٠٦] (٢٧٣٢
و٢٧٣٣)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٥٣٤)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد))
(٦٢٥)، و(ابن ماجه) في ((الحجّ)) (٢٨٩٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(١٩٧/١٠ و١٩٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٩٥/٥ و٤٥٢/٦)، و(عبد بن
حُميد) في ((مسنده)) (٩٨/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٩٨٩)، و(الطبرانيّ)
في ((الكبير)) (٢٥٤/٢٤) وفي (الدعاء)) (٣٩٥/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(٣٥٣/٣) و((شُعب الإيمان)) (٥٠٢/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٣٩٧)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب دعاء المسلم لأخيه المسلم بظهر الغيب.
٢ - (ومنها): بيان أن دعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب سبب لاستجابة
دعائه، فلذا كان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه دعا لأخيه بالغيب.
٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ نَّلهُ: وفي هذا فضل الدعاء لأخيه المسلم
بظهر الغيب، ولو دعا لجماعة من المسلمين حصلت هذه الفضيلة، ولو دعا
لجملة المسلمين، فالظاهر حصولها أيضاً، وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعو
لنفسه يدعو لأخيه المسلم بتلك الدعوة؛ لأنها تستجاب، ويحصل له مثلها.
(١)
انتهى" .
٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّلهُ: قوله: ((ما من عبد مسلم يدعو)):
المسلم هنا هو الذي سَلِم المسلمون من لسانه ويده، الذي يحبّ للناس ما
يحبّ لنفسه؛ لأنَّ هذا هو الذي يحمله حاله وشفقته على أخيه المسلم أن يدعو
له بظهر الغيب؛ أي: في حال غيبته عنه، وإنما خصّ حالة الغيبة بالذكر؛
لِبُعدها عن الرياء، والأغراض المُفسدة، أو المُنقصة، فإنه في حال الغيبة
(١) (شرح النوويّ)) ٤٩/١٧.

٤٤٣
(٢٣) - بَابُ فَضْلِ الدُّعَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ بِظَهْرِ الْغَيْبِ - حديث رقم (٦٩٠٤)
يتمحّض الاخلاص، ويصحّ قصد وجه الله تعالى بذلك، فيوافقه الملك في
الدعاء، ويبشّره على لسان رسوله * بأن له مثل ما دعا به لأخيه، والأخوة
هنا هي الأخوة الدينية، وقد تكون معها صداقة، ومعرفة، وقد لا يكون، وقد
يتعيَّن، وقد لا يتعين، فإنَّ الإنسان إذا دعا لإخوانه المسلمين حيث كانوا،
وصَدَق الله في دعائه، وأخلص فيه في حال الغَيبة عنهم، أو عن بعضهم، قال
الملك له ذلك القول، بل قد يكون ثوابه أعظم؛ لأنَّه دعا بالخير، وقَصَده
للإسلام، ولكل المسلمين، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٠٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْل،
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَرْوَانَ الْمُعَلِّمُ، حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كَرِيزٍ، قَالَ:
حَدَّثَتْنِي أُمُّ الدَّرْدَاءِ، قَالَتْ: حَدَّثَنِي سَيِّدِي؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ:
((مَنْ دَعَا لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُؤَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن النحويّ البصريّ، نزيل
مرو، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [4] (ت٢٠٤) وله اثنتان وثمانون سنةً (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٣٩/٦.
٣ - (مُوسَى بْنُ سَرْوَانَ الْمُعَلِّمُ) ((سروان)» بالسين المهملة، ويقال: ثروان
بالثاء المثلَّثة، ويقال: بالفاء بدل المثلثة (٢)، العجليّ البصريّ، ثقة [٧].
روى عن طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز، وأبي المتوكل الناجيّ، وبُديل بن
ميسرة، ومورّق العجليّ، وغيرهم.
(١) «المفهم)) ٧/ ٦١ - ٦٢.
(٢) وقال النوويّ: قوله: ((سروان)) هكذا رواه عامة الرواة، وجميع نُسخ بلادنا:
(سروان)) بسين مهملة مفتوحة، وكذا نقله القاضي عن عامة شيوخهم، وقال: وعن
ابن ماهان أنه بالثاء المثلثة، قال البخاريّ، والحاكم: يقالان جميعاً فيه، وهما
صحيحان، وقال بعضهم: فردان بالفاء، وهو أنصاريّ عجليّ. انتهى.

٤٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
وروى عنه شعبة، وابن المبارك، وأبو عبيدة الحداد، ومحمد بن سوار،
والنضر بن شميل، وهلال بن فياض، ووكيع، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وسئل عنه
الدار قطنيّ، فقال: إسناد مجهول، حمله الناس.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا
هذا الحديث.
والباقون ذُكروا قبله.
وقولها: (سَيِّدِي) تريد زوجها أبا الدرداء، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا
سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]، وفيه توقير المرأة زوجها.
وقوله: (قَالَ الْمَلَكَ الْمُوَكَّلُ بِهِ ... إلخ) فيه إثبات ملَك مُؤَكَّل لمن يدعو
لأخيه لظهر الغيب يدعو له بالمثل.
والحديث من أفراد المصنّف تَّتُ وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في
الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظْلَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٠٥] (٢٧٣٣) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ
يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ صَفْوَانَ - وَهُوَ
ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَفْوَانَ - وَكَانَتْ تَحْتَهُ الدَّرْدَاءُ، قَالَ: قَدِمْتُ الشَّامَ، فَأَتَيْتُ أَبَا
الدَّرْدَاءِ فِي مَنْزِلِهِ، فَلَمْ أَجِدْهُ، وَوَجَدْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ، فَقَالَتْ: أَتْرِيدُ الْحَجَّ الْعَامَ؟
فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَادْعُ اللهَ لَنَا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ◌َهَ كَانَ يَقُولُ: ((دَعْوَةُ الْمَرْءِ
الْمُسْلِمِ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكْ مُؤَثَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لأَخِيهِ
بِخَيْرِ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُؤَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلِ))، قَالَ: فَخَرَجْتُ إِلَى السُّوقِ،
فَلَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، يَرْوِيِهِ عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، أخو إسرائيل، الكوفيّ،
نزل الشام مرابطاً، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت١٨٧) وقيل: (١٩١) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٢٨/٥.

٤٤٥
(٢٣) - بَابُ فَضْلِ الدُّعَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ بِظَهْرِ الْغَيْبِ - حديث رقم (٦٩٠٥)
٢ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) ميسرة العَرْزميّ الكوفيّ، تقدّم قبل ثلاثة
أبواب.
٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ،
صدوقٌ، إلا أنه يدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
٤ - (صَفْوَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنٍ صَفْوَانَ) بن أمية بن خلف الْجُمَحيّ المكيّ
القرشيّ، كان زوج الدرداء بنت أبي الدرداء، ثقة [٣].
روى عن أبي الدرداء، وعن أم الدرداء، وعليّ، وسعد بن أبي وقاص،
وابن عمر، وحفصة بنت عمر.
وروى عنه الزهريّ، وأبو الزبير، وعمرو بن دينار، وغيرهم.
قال سعد: كان قليل الحديث، وقال النسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: مدنيّ
تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، والنسائيّ، وابن
ماجه، له عندهم في الدعاء بظهر الغيب، وعند النسائيّ: ((وليس من البر
الصيام في السفر)).
والباقون ذُكروا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ صَفْوَانَ - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَفْوَانَ - وَكَانَتْ تَحْتَهُ الدَّرْدَاءُ)؛ أي:
كانت زوجته الدرداء بنت أبي الدرداء. (قَالَ) صفوان: (قَدِمْتُ) بكسر الدال،
(الشَّامَ) بالهمزة ودونها: البلد المعروف، (فَأَتَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ) وَهِ (فِي مَنْزِلِهِ)؛
أي: لأزوره في بيته (فَلَمْ أَجِدْهُ) في البيت، (وَوَجَدْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ) تقدّم أنها
هجيمة، أو جهيمة. (فَقَالَتْ) أم الدرداء: (أَتْرِيدُ الْحَجَّ الْعَامَ؟)؛ أي: في هذه
السنة، قال صفوان: (فَقُلْتُ: نَعَمْ) أريده، (قَالَتْ: فَادْعُ اللهَ لَنَا بِخَيْرٍ) لأن
الحج مظنَّة إجابة الدعاء، (فَإِنَّ النَّبِيَّ ◌َِ﴿ كَانَ يَقُولُ: ((دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِم
لأَخِيهِ) المسلم (بِظَهْرِ الْغَيْبِ)؛ أي: بالغيب، فـ((ظهر)) مقحم، (مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدُّ
رَأْسِهِ)؛ أي: عند رأس الداعي لأخيه بالغيب، (مَلَكُ مُؤَكَّلٌ) بالتأمين على
دعائه، والدعاء له بالمثل، (كُلَّمَا دَھَا لأَخِيهِ بِخَيْرِ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ:

٤٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
آمِينَ)؛ أي: استجب يا الله دعاء هذا الداعي، ثم بعد التأمين قال له: (وَلَكَ
بِمِثْلِ)))؛ أي: لك مثل ما دعوت به لأخيك. (قَالَ) صفوان: (فَخَرَجْتُ) من
منزل أبي الدرداء بعدما سمعت الحديث من أم الدرداء مرسَلاً، (إِلَى السُّوقِ،
فَلَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ) رَظُبهِ (فَقَالَ لِي) أبو الدرداء (مِثْلَ ذَلِكَ)؛ أي: مثل ما قالت
أمّ الدرداء من سؤاله عن حجه العام، وطلب الدعاء منه، وإخباره بالحديث،
حال كون أبي الدرداء ظُه (يَرْوِيهِ)؛ أي: ينقله مباشرة (عَنِ النَّبِيِّ وََّ) لا كما
روته أم الدرداء بالإرسال.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد سبق تخريجه، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٠٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ،
عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: عَنْ صَفْوَانَ بْنِ
عَبْدِ اللهِ بْنِ صَفْوَانَ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ، أبو خالد الواسطيّ، تقدّم قريباً.
والباقيان ذُكرا في الباب وقبله.
وقوله: (وَقَالَ: عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَفْوَانَ) فاعل ((قال)) ضمير
يزيد بن هارون؛ يعني: أن يزيد قال في روايته: ((عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
صَفْوَانَ)) ذَكَرِه بنَسَبه، بخلاف عيسى بن يونس، فإنه قال: ((عن صفوان)) ولم
يذكر نَسَبه، وأما قوله: ((وهو ابن عبد الله بن صفوان)) فإنه ملحَق ممن بعده،
فتنبه .
[تنبيه]: رواية يزيد بن هارون عن عبد الملك بن أبي سليمان هذه ساقها
الإمام أحمد ◌َّتُ في ((مسنده))، فقال:
(٢٧٥٩٩) - حدّثنا يزيد بن هارون، أنا عبد الملك، عن أبي الزبير، عن
صفوان بن عبد الله، وكانت تحبه أم الدرداء، فأتاهم، فوجد أم الدرداء،
فقالت له: أتريد الحج العام؟ فقال: نعم، قالت: فادع لنا بخير، فإن النبيّ وَّ
كان يقول: ((إن دعوة المرء المسلم مستجابة لأخيه بظهر الغيب، عند رأسه

٤٤٧
(٢٤) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ حَمْدِ اللهِ تَعَالَى بَعْدَ الأَكْلِ وَالشُّرْبٍ - حديث رقم (٦٩٠٧)
ملك موكّل به، كلما دعا لأخيه بخير، قال: آمين، ولك بمثل))، قال: فخرجت
إلى السوق، فلقيت أبا الدرداء، فحدّثني عن النبيّ وَّ بمثل ذلك. انتهى(١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّ ◌ِلَلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾.
(٢٤) - (بَابُ اسْتِحْبَابٍ حَمْدِ اللهِ تَعَالَى بَعْدَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٠٧] (٢٧٣٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ
لِابْنٍ ثُمَيْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى
عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ، فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ، فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) محمد الهمدانيّ الكوفيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٢ - (أَبُوِ أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (زَكَرِيَّاءَ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ) خالد، ويقال: هُبيرة بن ميمون بن فيروز
الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، وكان يدلّس [٦] (ت٧ أو٨
أو ١٤٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٩/٨٣.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ،
وروايته عن ابن عمر مرسلة [٥] (ع) تقدم في ((الزكاة)) ٢٣٣٣/١٦.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) الصحابيّ الشهير ظ ◌ُبه، تقدّم قريباً.
والباقيان ذُكرا في الباب الماضي، وقبله بباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسل بالكوفيين، سوى الصحابيّ،
فمدنيّ، ثم بصريّ، وفيه أنس ظُّه الخادم الشهير، ومن المكثرين السبعة.
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٦/ ٤٥٢.

٤٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) ◌َُّه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى
عَنِ الْعَبْدِ) فيه إثبات صفة الرضا الله نََّ على ما يليق بجلاله، ولا يؤوّل، وفي
رواية الضياء في ((المختارة)): ((إن الله لَيُدخل العبد الجنة بالأكلة، أو الشربة،
يحمد الله رحبت عليها)).
(أَنْ يَأْكُلَ الأَْلَةَ)؛ أي: بسبب أن يأكل، أو لأجل أن يأكل، أو مفعول
به لـ((يرضى))؛ يعني: أنه يحب منه أن يأكل الأكلة، قال النوويّ: الأكلة هنا
بفتح الهمزة، وهي المرة الواحدة من الأكل، كالغداء، أو العَشاء. انتهى.
وقال القاري: بفتح الهمزة؛ أي: المرة من الأكل، حتى يشبع، ويُروَى
بضم الهمزة؛ أي: اللقمة، وهي أبلغ في بيان اهتمام أداء الحمد، لكن الأول
أوفق مع قوله: ((أو يشرب الشَّربة))، فإنها بالفتح لا غير، وكل منهما مفعول
مطلق لفعله. انتهى(١).
وقال القرطبيّ كَخَّتُهُ: قد تقدَّم أن الأكلة بفتح الهمزة: المرة الواحدة من
الأكل، وبالضم: اللقمة، ويصلح هذا اللفظ هنا للتقييدين، وبالفتح وجدته
مقيَّداً في كتاب شيخنا، والحمد هنا بمعنى الشكر، وقد قدمنا أن الحمد يوضع
موضع الشكر، ولا يوضع الشكر موضع الحمد. انتهى (٢).
(فَيَحْمَدَهُ) بالنصب، وهو ظاهر، ويجوز الرفع؛ أي: فهو؛ أي: العبد
يحمده (عَلَيْهَا)؛ أي: على الأكلة، وقوله: (أَوْ) للتنويع، وليست للشك من
الراوي، خلافاً لمن زعم ذلك. (يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ، فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا)))؛ أي: على
الشربة، قال المناويّ ◌َُّهُ: وفيه أن أصل سُنَّة الحمد تحصل بأيّ لفظ اشتقّ
مادة (ح م د) بل بما يدل على الثناء على الله تعالى، والأولى ما كان النبيّ
يحمد به، وسيأتي في المسألة الثالثة.
قال: وهذا تنويه عظيم بمقام الشكر، حيث رتَّب هذا الجزاء العظيم الذي
هو أكبر أنواع الجزاء، كما قال ◌َالَ: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]
في مقابلة شُكره بالحمد، وعبَّر بالمرّة إشعاراً بأن الأكل والشرب يَستحقّ الحمد
(١) ((تحفة الأحوذيّ)) ٤٣٧/٥.
(٢) ((المفهم)) ٦٠/٧ - ٦١.

٤٤٩
(٢٤) - بَابُ اسْتِخْبَابٍ حَمْدِ اللهِ تَعَالَى بَعْدَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ - حديث رقم (٦٩٠٧)
عليه، وإن قلّ جدّاً، وأنه يتعين علينا أن لا نحتقر من الله شيئاً، وإن قلّ.
انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ه هذا من أفراد
المصنّف تَخَذَتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٠٧/٢٤ و٦٩٠٨] (٢٧٣٤)، و(الترمذيّ) في
((الأطعمة)) (١٨١٦) وفي ((الشمائل)) (١٩٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٠٢/٤)،
و(أحمد) في («مسنده)) (١٠٠/٣ و١١٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٣٨/٥
و٧٣/٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٩٨/٧)، و(الطبرانيّ) في ((الدعاء)) (١/
٢٨١)، و(هنّاد) في ((الزهد)) (٣٩٩/٢)، و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب)) (٢/
١٦٠)، و(البيهقيّ) في («شعب الإيمان)) (١٢٤/٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب الحمد بعد الأكل والشرب.
٢ - (ومنها): بيان أن الله لا يرضى لعباده بسبب حمده على الأكل والشرب.
٣ - (ومنها): ما قاله ابن بطال: اتفقوا على استحباب الحمد بعد
الطعام، ووردت في ذلك أنواع لا يتعيَّن شيء منها، وقال النوويّ: في الحديث
استحباب حمد الله تعالى عَقِب الأكل والشرب، وقد جاء في البخاريّ صفة
التحميد: ((الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، غير مكفيّ، ولا موذَّع، ولا
مستغنى عنه رَبَّنَا))، وجاء غير ذلك، ولو اقتصر على ((الحمد لله)) حصل أصل
السُّنَّة. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: ومما ورَدَ: ما أخرجه البخاريّ عن أبي
أمامة نصبه؛ أن النبيّ وَّ كان إذا رفع مائدته قال: ((الحمد لله كثيراً طيباً مباركاً
فيه، غير مكفيّ، ولا مودَّع، ولا مستغنى عنه، رَبَّنا)).
(١) ((فيض القدير)) ٢٦٢/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٥١/١٧.

٤٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
وفي رواية: ((كان إذا فرغ من طعامه - وقال مرة: إذا رفع مائدته - قال:
الحمد لله الذي كفانا، وأروانا، غير مكفيّ، ولا مكفور، وقال مرة: الحمد لله
ربنا، غیر مکفیّ، ولا موڈَّع، ولا يستغنى عنه ربنا)).
وأخرج أبو داود من حديث أبي سعيد: ((الحمد لله الذي أطعمنا،
وسقانا، وجعلنا مسلمين)).
ولأبي داود، والترمذيّ من حديث أبي أيوب: ((الحمد لله الذي أطعم،
وسقی، وسوّغه، وجعل له مخرجاً)).
وأخرج النسائيّ، وصححه ابن حبان، والحاكم من حديث أبي هريرة
ما في حديث أبي سعيد، وأبي أمامة، وزيادة في حديث مطوّل.
وللنسائيّ من طريق عبد الرحمن بن جبير المصريّ، أنه حدثه رجل خَدَم
النبيّ وَّو ثمان سنين؛ أنه كان يسمع النبيّ وَل﴿ إذا قُرِّب إليه طعامه يقول:
بسم الله، فإذا فرغ قال: ((اللَّهُمَّ أطعمت، وسقيت، وأغنيت، وأقنيت،
وهديت، وأحييت، فلك الحمد على ما أعطيت))، وسنده صحيح، قاله في
(الفتح))(١) .
٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ◌َخَّتُهُ: فيه دلالة على أن شكر النعمة، وإن
قلّت سببُ نَيْل رضا الله تعالى الذي هو أشرف أحوال أهل الجنة، وسيأتي
قول الله ريك لأهل الجنة حين يقولون: ((أعطيتنا ما لم تُعط أحداً من خلقك،
فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: ما هو؟ ألم تبيّض وجوهنا،
وتدخلنا الجنة، وتزحزحنا عن النار؟، فيقول: أُحلّ عليكم رضواني، فلا
أسخط عليكم بعده أبداً))، متّفقٌ عليه.
قال: وإنما كان الشكر سبباً لذلك الإكرام العظيم؛ لأنَّه يتضمّن معرفة
المُنعِم، وانفراده بخلق تلك النعمة، وبإيصالها إلى المنعَم عليه، تفضلاً من
المنعِم، وكرماً، ومنةً، وإن المنعَم عليه فقير، محتاج إلى تلك النِّعم، ولا غنى
(١) ((الفتح)) ٣٨٨/١٢.

٤٥١
(٢٤) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ حَمْدِ اللهِ تَعَالَى بَعْدَ الأَْلِ وَالشُّرْبِ - حديث رقم (٦٩٠٨)
له عنها، فقد تضمّن ذلك معرفة حقّ الله تعالى وفضله، وحقّ العبد، وفاقته،
وفقره، فجعل الله تعالى جزاء تلك المعرفة تلك الكرامة الشريفة. انتهى كلام
القرطبيّ ◌َّهُ(١) وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّقُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٠٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بُوسُفَ
الأَزْرَقُ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ) هو: إسحاق بن يوسف بن مِرْداس
المخزوميّ الواسطيّ، المعروف بالأزرق، ثقةٌ [٩] (ت١٩٥) وله ثمان وسبعون
سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩١/٢٣.
والباقيان ذُكرا في الباب، وقبل باب.
وقوله: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ) ووقع في النسخة الهنديّة ما نصّه:
((حدّثنا زكريّا بن أبي زائدة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أنس بن مالك، قال:
قال رسول الله ﴾﴾( بنحوه)).
[تنبيه]: رواية إسحاق بن يوسف عن زكريّا هذه ساقها أبو يعلى تَخّْثُ في
(«مسنده))، فقال:
(٤٣٣٤) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا إسحاق بن يوسف، حدّثنا
زكريا، عن سعيد بن أبي بُردة، عن أنس بن مالك، قال رسول الله وَله: ((إن الله
ليرضى عن العبد، أن يأخذ الأكلة، فيحمد الله عليها، أو يشرب الشربة)).
(٢)
انتھی(٢).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾.
(١) ((المفهم)) ٧/ ٦١.
(٢) ((مسند أبي يعلى)) ٧/ ٣٠٠.

٤٥٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
(٢٥) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ يُسْتَجَابُ لِلدَّاعِي مَا لَمْ يَعْجَلْ، فَيَقُولُ:
دَعَوْتُ، فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٠٩] (٢٧٣٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَاهـ
قَالَ: ((يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، فَيَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ، فَلَا - أَوْ - فَلَمْ
يُسْتَجَبْ(١) لِي))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ الإمام، تقدّم
قريباً .
٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (ابْنُ شِهَابِ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام المشهور، تقدّم أيضاً
قريباً .
٤ - (أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ) سعد بن عُبيد الزهريّ، مولى
عبد الرحمن بن أزهر، يكنى أبا عبيد المدنيّ، ثقةٌ [٣] وقيل: له إدراك، مات
سنة (٩٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٩٠/٧٣.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ظُبه، تقدّم قبل أربعة أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظْلَثُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه،
فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك وغيره، وفيه رواية تابعيّ عن
تابعيّ، وفيه أبو هريرة ربه، قد سبق القول فيه غير مرّة.
(١) وفي نسخة: ((أو فلم يستجاب لي)).

٤٥٣
(٢٥) - بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ يُسْتَجَابُ لِلدَّاعِي مَا لَمْ يَعْجَلْ، فَيَقُولُ: دَعَوْتُ ... إلخ - حديث رقم (٦٩٠٩)
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ) تقدّم أن اسمه سعد بن عُبيد، وكنيته أبو عبيد. (مَوْلَى)
عبد الرحمن (ابْنِ أَزْهَرَ) ويقال له أيضاً: مولى عبد الرحمن بن عوف، كما في
الرواية التالية؛ لأنهما ابنا عمّ، وَكَانَ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَأَهْلِ الْفِقْهِ بالمدينة. (عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَالَ: ((يُسْتَجَابُ) من الاستجابة، بمعنى
الإجابة، تقول العرب: استجبتك؛ أي: أجبتك، قال كعب بن الغنويّ [من
الطويل]:
وَدَاعِ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النِّدَى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ
والمعنى: أنه يُستجاب دعاء الداعي بعد استيفاء شروط الإجابة، كما بُيّن
في الحديث الثالث: ((لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم،
ما لم يستعجل)).
(لأَحَدِكُمْ)؛ أي: كل واحد منكم؛ إذ اسم الجنس المضاف يفيد العموم
على الأصحّ.
(مَا) مصدريّة ظرفيّة، (لَمْ يَعْجَلْ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِب؛ أي:
مدة عدم عَجَله، وقوله: ((دعوت فلم يُستجب لي)) بيان، وتفسير للعجلة،
(فَيَقُولُ) بالنصب لا غير.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في ((العمدة))، والذي يظهر لي أنه
يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة: الجزم إن صحّت الرواية عطفاً على ((يعجل))،
والرفع على الاستئناف، والنصب بأن مضمرة بعد الفاء السببيّة، كما قال في
«الخلاصة» :
وَبَعْدَ فَا جَوَابٍ نَفْي أَوْ طَلَبْ مَحْضَيْنِ ((أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
ونظيره قوله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ بعد قوله: ﴿يُكَاسِبْكُمْ بِ اَللَّهُ﴾
الآية [البقرة: ٢٨٤].
وإلى جواز هذه الأوجه أشار ابن مالك في ((الخلاصة)) حيث قال:
وَالْفِعْلُ مِنْ بَعْدِ الْجَزَا إِنْ يَقْتَرِنْ بِالْفَا أَوِ الْوَاوِ بِتَغْلِيثٍ فَمِنْ
فقد قرئ قوله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ﴾ بالأوجه الثلاثة، والله تعالى أعلم.
(قَدْ دَعَوْتُ، فَلَا) يستجاب لي، (أَوْ) للشكّ من الراوي؛ أي: قال: (فَلَمْ

٤٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
يُسْتَجَبْ لِي))) قال ابن بطال تَّتُهُ: المعنى أنه يسأم، فيترك الدعاء، فيكون
كالمانّ بدعائه، أو أنه أتى من الدعاء ما يستحقّ به الإجابة، فيصير كالمبخُّل
للربّ الكريم، الذي لا تُعجزه الإجابة، ولا ينقصه العطاء.
وقد وقع في رواية أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي هريرة الآتي بعد
حديث: ((لا يزال يستجاب للعبد، ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم، وما لم
يستعجل، قيل: وما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر
يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك، ويدع الدعاء))، ومعنى قوله: ((يستحسر))،
وهو بمهملات: ينقطع، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥ /٦٩٠٩ و٦٩١٠ و٦٩١١] (٢٧٣٥)،
و(البخاريّ) في ((الدعوات)) (٦٣٤٠) وفي ((الأدب المفرد)) (٦٥٤)، و(مالك)
في ((الموطأ)) (٢١٣/١)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٤٨٤)، و(الترمذيّ) في
((الدعوات)) (٣٣٨٧ و٣٦٠٨)، و(ابن ماجه) في ((الدعاء)) (٣٨٥٣)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٤١/١٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩٦/٢)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٩٧٥)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٣٧٤/١
و٣٧٥)، و(الطبرانيّ) في ((الدعاء)) (٤٤/١ و٤٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ على الدعاء، والإلحاح على الله تعالى في المسألة،
وأن لا ييأس الداعي من الإجابة، ولا يسأم الرغبة، فإنه يستجاب له، أو يكفّر
عنه من سيئاته، أو يدّخر له، فإن الدعاء عبادة، كما قال الله تعالى: ﴿أُدْعُونِيّ
أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:
٦٠]، فسمى الدعاء عبادة، ومن أدمن قرع الباب يوشك أن يُفتَح له، ولا
يملّ الله وَ من العطاء، حتى يملّ العبد من الدعاء، ومن عَجِل، وتَبَرّم، فنفسه
قد ظلم.

٤٥٥
(٢٥) - بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ يُسْتَجَابُ لِلدَّاعِي مَا لَمْ يَعْجَلْ، فَيَقُولُ: دَعَوْتُ ... إلخ - حديث رقم (٦٩٠٩)
قال ابن عبد البرّ كَّتُهُ: روينا عن مروان العجليّ أنه قال: سألت ربي
عشرين سنة في حاجة، فما قضاها حتى الآن، وأنا أدعوه فيها، ولا أيأس من
(١)
قضائها . انتهى
٢ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): وفي هذا الحديث أدبٌ من آداب
الدعاء، وهو أنه يلازم الطلب، ولا ييأس من الإجابة؛ لِمَا في ذلك من
الانقياد، والاستسلام، وإظهار الافتقار، حتى قال بعض السلف: لأنَا أشدّ
خشية أن أُحرم الدعاء، من أن أُحرم الإجابة، وكأنه أشار إلى حديث ابن
عمر، رفعه: ((من فُتح له منكم باب الدعاء، فتحت له أبواب الرحمة ... ))
الحديث، أخرجه الترمذيّ بسند ليّن، وصححه الحاكم، فوَهِمَ.
وقال الداوديّ: يُخشى على من خالف، وقال: قد دعوت فلم يُستجب
لي أن يُحرم الإجابة، وما قام مقامها من الادخار، والتكفير. انتهى.
وقد وردت أحاديث دالّة على أن دعوة المؤمن لا تردّ، وأنها إما أن
تعجّل له الإجابة، وإما أن تَدفع عنه من السوء مثلها، وإما أن يدّخر له في
الآخرة خير مما سأل.
فأشار الداودي إلى ذلك، وإلى ذلك أشار ابن الجوزيّ بقوله: اعلم أن
دعاء المؤمن لا يردّ، غير أنه قد يكون الأَولى له تأخير الإجابة، أو يُعَوَّض بما
هو أولى له عاجلاً، أو آجلاً، فينبغي للمؤمن أن لا يترك الطلب من ربه، فإنه
متعبَّد بالدعاء، كما هو متعبَّد بالتسليم، والتفويض. انتهى(٢).
٣ - (ومنها): ما قاله أبو عمر بن عبد البرّ كَّتُهُ: في هذا الحديث دليل
على تخصيص قول الله وَك: ﴿أَدْعُونِ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وأن الآية
ليست على عمومها، ألا ترى أن هذه السُّنَّة الثابتة خَصّت منها الداعي إذا
عَجِل، فقال: قد دعوت، فلم يستجب لي، والدليل على صحة هذا التأويل
قول الله رَّ: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾ [الأنعام: ٤١]، ولكن قد رُوي
عن النبيّ وَّ﴿ في الإجابة، ومعناها ما فيه غِنَّى عن قول كلّ قائلّ، وهو حديث
رَظُه، عن النبيّ ◌َّ أنه قال: ((ما من مسلم يدعو بدعوة،
أبي سعيد الخدريّ
(١) ((الاستذكار)) ٥٢٦/٢.
(٢) ((الفتح)) ٣٤٩/١٤ - ٣٥٠.

٤٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: فإما أن يعجّل
له دعوته، وإما أن يؤخّرها له في الآخرة، وإما أن يكفّر عنه، أو يكفّ عنه من
السوء مثلها)) (١).
قال: وفيه دليل على أنه لا بدّ من الإجابة على إحدى هذه الأوجه
الثلاثة، فعلى هذا يكون تأويل قول الله رَك - والله أعلم - ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ
إِلَيّهِ إِن شَآءَ﴾، أنه يشاء، وأنه لا مُكرِه له، ويكون قوله رَى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ
الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦]، على ظاهره، وعمومه، بتأويل حديث أبي سعيد
المذكور، والله أعلم بما أراد بقوله، وبما أراد رسول الله وَلهو، والدعاء خير
كله، وعبادة، وعملٌ حسنٌ، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
وقد روي عن أبي هريرة رضيه؛ أنه كان يقول: ما أخاف أن أُحرم
الإجابة، ولكني أخاف أن أُحرم الدعاء.
قال: وهذا عندي على أنه حَمَل آية الإجابة على العموم، والوعد، والله
لا يخلف الميعاد.
وروي عن بعض التابعين أنه كان يقول: الداعي بلا عمل كالرامي بلا
وَتَر.
ورُوي عن النبيّ ◌َّهو أنه قال: ((لا يقبل الله دعاء من قلب لاهٍ، فادعوه،
وأنتم موقنون بالإجابة))(٢)، وقد علمنا أن ليس كل الناس تجاب دعوته، ولا
في كل وقت تجاب دعوة الفاضل، وأن دعوة المظلوم لا تكاد تُرَدّ. انتهى كلام
ابن عبد البرّ رَّهُ(٣)، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(١) رواه أحمد، والبزّار، والحاكم، وأبو يعلى بأسانيد جيّدة، وقال: صحيح الإسناد،
قاله الشيخ الألبانيّ كَذَفُ.
(٢) رواه الترمذيّ، والحاكم، وقال: مستقيم الإسناد، تفرد به صالح المريّ، وهو أحد
زهاد البصرة. انتهى.
قال الحافظ: صالح المريّ لا شك في زهده، لكن تركه أبو داود، والنسائيّ،
وقال في ((التقريب)): صالح بن بشير المرّيّ، أبو بِشر البصريّ القاصّ الزاهد
ضعيف من السابعة، مات سنة (١٧٢) وقيل: بعدها .
(٣) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٢٩٦/١٠ - ٢٩٩.

٤٥٧
(٢٥) - بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ يُسْتَجَابُ لِلدَّاعِي مَا لَمْ يَعْجَلْ، فَقُولُ: دَعَوْتُ ... إلخ - حديث رقم (٦٩٠٩)
٤ - (ومنها): ما قال في ((الفتح)): ومن جملة آداب الدعاء تحري
الأوقات الفاضلة؛ كالسجود، وعند الأذان، ومنها تقديم الوضوء، والصلاة،
واستقبال القبلة، ورفع اليدين، وتقديم التوبة، والاعتراف بالذنب،
والإخلاص، وافتتاحه بالحمد، والثناء، والصلاة على النبيّ وَّيقول، والسؤال
بالأسماء الحسنى وأدلة ذلك كلّه واضحة من الكتاب والسنن الصحيحة.
وقال الكرمانيّ تَخْلُهُ ما ملخصه: الذي يُتصوّر في الإجابة وعدمها أربع
صور :
الأُولى: عدم العجلة، وعدم القول المذكور، الثانية: وجودهما، الثالثة،
والرابعة: عدم أحدهما، ووجود الآخر، فدلّ الخبر على أن الإجابة تختصّ
بالصورة الأولى، دون الثلاث، قال: ودلّ الحديث على أن مطلق قوله تعالى:
﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ مقيّد بما دلّ عليه الحديث.
قال الحافظ: وقد أُوِّل الحديث المشار إليه قبلُ على أن المراد بالإجابة
ما هو أعمّ من تحصيل المطلوب بعينه، أو ما يقوم مقامه، ويزيد عليه، والله
أعلم.
(المسألة الرابعة): قد ذكر في ((الفتح)) في أول ((كتاب الدعوات)) بحثاً
جيّداً متعلّقاً بالدعاء، وذلك أنه تكلّم على الآية التي أوردها البخاريّ تَظْتُهُ في
الترجمة، وهي قول الله تعالى: ﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية.
قال: وهذه الآية ظاهرة في ترجيح الدعاء على التفويض، وقالت طائفة:
الأفضل ترك الدعاء، والاستسلام للقضاء، وأجابوا عن الآية بأن آخرها دلّ
على أن المراد بالدعاء: العبادة؛ لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْرُونَ عَنْ عِبَادَتِ﴾
[غافر: ٦٠]، واستدلّوا بحديث النعمان بن بشير ﴿يا، عن النبيّ ◌َ﴾، قال:
((الدعاء هو العبادة))، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ
يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ﴾ الآية، أخرجه الأربعة، وصححه الترمذيّ، والحاكم.
وشذّت طائفة، فقالوا: المراد بالدعاء في الآية: ترك الذنوب، وأجاب
الجمهور أن الدعاء من أعظم العبادة، فهو كالحديث الآخر: ((الحج عرفة))؛
أي: معظم الحج، ورُكُنه الأكبر، ويؤيده ما أخرجه الترمذيّ من حديث

٤٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
أنس رظُبه، رفعه: ((الدعاء مُخّ العبادة))(١).
وقد تواردت الآثار عن النبيّ وَ﴿ بالترغيب في الدعاء، والحثّ عليه؛
كحديث أبي هريرة ◌َظُه، رفعه: ((ليس شيء أكرم على الله من الدعاء))، أخرجه
الترمذيّ، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، والحاكم، وحديثه رفعه: ((من لم
يسأل الله يغضب عليه))، أخرجه أحمد، والبخاريّ في ((الأدب المفرد))،
والترمذيّ، وابن ماجه، والبزار، والحاكم، كلهم من رواية أبي صالح الْخُوزيّ
- بضم الخاء المعجمة، وسكون الواو، ثم زاي - عنه، وهذا الخوزي مختلف
فيه، ضعّفه ابن معين، وقوّاه أبو زرعة.
قال الحافظ: وظنّ الحافظ ابن كثير أنه أبو صالح السمّان، فجزم بأن
أحمد تفرّد بتخريجه، وليس كما قال، فقد جزم شيخه المزيّ في ((الأطراف))
بما قلته.
ووقع في رواية البزار، والحاكم، عن أبي صالح الْخُوزيّ، سمعت
أبا هريرة.
قال الطيبيّ كَّلهُ: معنى الحديث: أن من لم يسأل الله يُبغضه،
والمبغوض مغضوب عليه، والله يحب أن يُسأل. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: وإلى معنى هذا الحديث أشار من قال، وأجاد
في المقال [من البسيط]:
وَسَلِ الَّذِي أَبْوَابُهُ لَا تُحْجَبُ
لَا تَسْأَلَنَّ بُنَيَّ آدَمَ حَاجَةً
وَبُنَيُّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ
اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ
قال: ويؤيده حديث ابن مسعود
رَظُلّه رفعه: ((سلوا الله من فضله، فإن الله
يحب أن يُسأل))، أخرجه الترمذيّ(٢).
وله من حديث ابن عمر رضيها رفعه: ((إن الدعاء ينفع مما نزل، ومما لم
ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء))، وفي سنده لِيْن، وقد صححه مع ذلك
الحاكم.
(١) حديث ضعيف، في سنده ابن لهيعة، وهو متكلّم فيه.
(٢) حديث ضعيف، في سنده حمّاد بن واقد: ضعيف.

٤٥٩
(٢٥) - بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ يُسْتَجَابُ لِلدَّاعِي مَا لَمْ يَعْجَلْ، فَقُولُ: دَعَوْتُ ... إلخ - حديث رقم (٦٩٠٩)
وأخرج الطبرانيّ في ((الدعاء)) بسند رجاله ثقات، إلا أن فيه عنعنة بقية،
عن عائشة يا، مرفوعاً: ((إن الله يحب الملحين في الدعاء)).
وقال الشيخ تقيّ الدين السبكيّ كَّثُ: الأولى حمل الدعاء في الآية على
ظاهره، وأما قوله بعد ذلك ﴿عَنْ عِبَادَتِ﴾ فوجْه الربط: أن الدعاء أخص من
العبادة، فمن استكبر عن العبادة، استكبر عن الدعاء، وعلى هذا فالوعيد إنما
هو في حقّ من ترك الدعاء استكباراً، ومن فعل ذلك كَفَر، وأما من تَرَكه
لمقصد من المقاصد، فلا يتوجه إليه الوعيد المذكور، وإن كنا نرى أن ملازمة
الدعاء، والاستكثار منه أرجح من الترك؛ لكثرة الأدلة الواردة في الحثّ عليه.
قال الحافظ: وقد دل قوله تعالى: ﴿فَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:
٦٥] أن الإجابة مشترطة بالإخلاص، وقال الطيبيّ كَّلُ: معنى حديث
النعمان ◌ُه أن تُحْمَل العبادة على المعنى اللغويّ؛ إذ الدعاء هو إظهار غاية
التذلل، والافتقار إلى الله تعالى، والاستكانة له، وما شُرعت العبادات إلا
للخضوع للباري، وإظهار الافتقار إليه، ولهذا خَتم الآية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يَسْتَكْبُونَ عَنْ عِبَادَتِ﴾ حيث عبَّر عن عدم التذلل والخضوع بالاستكبار،
ووَضَع عبادتي موضع دعائي، وجَعَل جزاء ذلك الاستكبار الصغار، والهوان.
وحَكَى القشيريّ في ((الرسالة)) الخلاف في المسألة، فقال: اختُلف أي
الأمرين أولى: الدعاء، أو السكوت والرضا؟ فقيل: الدعاء، وهو الذي ينبغي
ترجيحه؛ لكثرةِ الأدلة؛ ولِمَا فيه من إظهار الخضوع، والافتقار، وقيل:
السكوت والرضا أَولى؛ لِمَا في التسليم من الفضل.
قال الحافظ: وشُبهتهم أن الداعي لا يعرف ما قُدّر له، فدعاؤه إن كان
على وفق المقدور، فهو تحصيل الحاصل، وإن كان على خلافه فهو معاندة.
والجواب عن الأول: أن الدعاء من جملة العبادة؛ لِمَا فيه من الخضوع
والافتقار، وعن الثاني أنه إذا اعتقد أنه لا يقع إلا ما قدَّر الله تعالى، كان
إذعاناً، لا معاندةً، وفائدة الدعاء تحصيل الثواب بامتثال الأمر، ولاحتمال أن
يكون المدعوّ به موقوفاً على الدعاء؛ لأن الله خالق الأسباب ومسيَّباتها .
قال: وقالت طائفة: ينبغي أن يكون داعياً بلسانه، راضياً بقلبه، قال:
والأولى أن يقال: إذا وجد في قلبه إشارة الدعاء، فالدعاء أفضل، وبالعكس.

٤٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
قال الحافظ: القول الأول أعلى المقامات أن يدعو بلسانه، ويرضى
بقلبه، والثاني لا يتأتى من كل أحد، بل ينبغي أن يختص به الكُمَّل، قال
القشيريّ: ويصح أن يقال: ما كان لله، أو للمسلمين فيه نصيب، فالدعاء
أفضل، وما كان للنفس فيه حظّ، فالسكوت أفضل.
وعَبّر ابن بطال عن هذا القول لمّا حكاه بقوله: يستحب أن يدعو لغيره،
ويترك لنفسه.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى مخالفة هذا القول لهدي النبيّ وَلآ،
فإنه كان كثير الدعاء لنفسه، ولأمته، وخير الهدي هدي محمد بَّهِ، وشرّ
الأمور محدثاتها، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال: وعمدة من أوّل الدعاء في الآية بالعبادة أو غيرها قوله تعالى:
﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾ [الأنعام: ٤١] وإن كثيراً من الناس يدعو، فلا
يستجاب له، فلو كانت على ظاهرها لم يتخلف.
والجواب عن ذلك: أن كل داع يستجاب له، لكن تتنوع الإجابة، فتارة
تقع بعين ما دعا به، وتارة بِعِوَضه، وقد ورد في ذلك حديث صحيح، أخرجه
الترمذيّ، والحاكم، من حديث عبادة بن الصامت ظه، رفعه: ((ما على
الأرض مسلم يدعو بدعوة، إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها)).
ولأحمد من حديث أبي هريرة ه: ((إما ان يعجّلها له، وإما أن يدّخرها
له)»، وله في حديث أبي سعيد، رفعه: ((ما من مسلم يدعو بدعوة، ليس فيها
إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته،
وإما أن يدّخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها))، وصححه
الحاكم .
ومن شروط إجابة الدعاء أيضاً: أن يكون طيّب المَطعم والملبس؛
وُبه قال: قال رسول الله وَله: ((أيها الناس إن الله طيب لا
لحديث أبي هريرة
يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ
[المؤمنون: ٥١]، وقال:
كُلُواْ مِنَ الَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَِحًا إِنِّ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر الرجل
يطيل السفر، أشعث، أغبر، يمدّ يديه إلى السماء، يا رب، يا رب، ومطعمه