Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
(١٩) - بَابُ التَّسْبِيحِ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَعِنْدَ النَّوْمِ - حديث رقم (٦٨٨٩)
وكانت قد وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شَمّاس، أو ابن عمّ له، فكاتَبَته
على نفسها، فأتت رسول الله ولم تستعينه على كتابتها، فقالت: يا رسول الله!
أنا جويرية بنت الحارث سيّد قومه، وقد أصابني من الأمر ما لم يَخْفَ عليك،
فوقعتُ في السهم لثابت بن قيس، أو لابن عمّ له، فكاتَبْته على نفسي، وجئتك
أستعينك، فقال لها: ((هل لك في خير من ذلك؟)) قالت: وما هو يا رسول الله؟
قال: ((أقضي كتابتك، وأتزوجك))، قالت: نعم، قال: ((قد فعلتُ))، فبلغ الناس
أنه قد تزوجها، فقالوا: أصهار رسول الله وَلاتر، فأرسلوا ما كان في أيديهم من
بني المصطلِق، فلقد أعتق الله بها مائة أهل بيت من بني المصطلق، قالت
عائشة يومًا: فما أعلم امرأة أعظم بركة منها على قومها .
وأخرج ابن سعد في ((الطبقات)) عن أبي قلابة؛ أن النبيّ وَّر سبى
جويرية، فجاء أبوها، فقال: إن ابنتي لا يُسبى مثلها، فخلّ سبيلها، فقال:
أرأيت إن خيَّرتها، أليس قد أحسنت؟ قال: بلى، فأتاها أبوها، فذكر لها ذلك،
فقالت: قد اخترت رسول الله آل﴾ .
قال الحافظ: هذا مرسل صحيح الإسناد، وماتت سنة خمسين على
الصحيح، قال الخزرجيّ: لها أحاديث انفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم
بمثلهما. انتهى(١).
[تنبيه]: كون جُويرية بنت الحارث الخزاعيّة هي أم المؤمنين ◌ٌّا هو
الصواب، وقد أخطأ ابن حبّان حيث قال في ((صحيحه)) بعد إخراج الحديث ما
نصّه: جويرية هي بنت الحارث بن عبد المطلب عمّ النبيّ وَّر. انتهى.
وقد ردّ ذلك عليه العلماء، فقالوا: هذا خطأ من ابن حبّان، والصواب
أنها جويرية بنت الحارث الخزاعيّة المصطلِقيّة، أم المؤمنين ﴿ّ، فراجع
(الإصابة))(٢) وغيرها، والله تعالى أعلم.
(أَنَّ النَّبِيّ ◌َِهُ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً) بضمّ الموحّدة، وسكون الكاف:
أول النهار، قال الفيّوميّ تَخْتُ: البُكْرة من الغداة: جمعها بُكَر، مثلُ غُرْفة
(١) ((مرعاة المفاتيح)) ٩١٥/٧.
(٢) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٧/ ٥٧٠ - ٥٧١.

٣٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
وغُرَف، وأبكار جمع الجمع، مثلُ رُطَب وأرطاب، وإذا أريد بُكرة يوم بعينه
مُنعت الصرف؛ للتأنيث والعلميّة. انتهى(١).
(حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ) متعلّق بـ((خَرَجَ))، وقال في ((المرعاة)): قوله: ((حين
صلى الصبح))؛ أي: أراد صلاة الصبح؛ يعني: أراد أن يصلي فرض الصبح.
(٢) .
.
انتھی
وقوله: (وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا) بفتح الجيم، وتُكسر؛ أي: موضع صلاتها،
والجملة حالية. (ثُمَّ رَجَعَ) وَّه إليها (بَعْدَ أَنْ أَضْحَى)؛ أي: دخل في الضحوة،
وهي ارتفاع النهار، قال الفيّوميّ: الضَّحَاءُ بالفتح، والمدّ: امتداد النهار، وهو
مذكّر، كأنه اسم للوقت، والضَّحْوَةُ مثله، والجمع ضُحِّى، مثلُ قَرْية وقُرَّى،
وارتفعت الضُّحَى؛ أي: ارتفعت الشمس، ثم استُعملت الضُّحَى استعمال
المفرد، وسُمّي بها، حتى صُغِّرت على ضُحَيٍّ، بغير هاء، وقال الفراء: كَرِهوا
إدخال الهاء؛ لئلا يلتبس بتصغير ضَحْوَةٍ. انتهى(٣).
(وَهِيَ جَالِسَةٌ) جملة حاليّة أيضاً؛ أي: والحال أنها جالسة في موضعها،
وفي رواية أبي داود: ((فخرج النبيّ وَّرَ، وهي في مصلاها، ورجع، وهي في
مصلاها))، وفي رواية أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ: ((أن النبيّ وَّ مَرّ عليها
بُكرةً، وهي في المسجد تَذْكُر، ثم مَرّ بها قريباً من نصف النهار))، ولابن
ماجه: ((مَرّ بها رسول الله وَله حين صلى الغداة، أو بعدما صلى الغداة، وهي
تذكر الله، فرجع حين ارتفع النهار، أو قال: انتصف، وهي كذلك))، وفي
((الأدب المفرد)): ((ثم رجع إليها بعدما تعالى النهار، وهي في مجلسها)).
(فَقَالَ) وَ: ((مَا) نافية، (زِلْتِ) بكسر التاء، خطاب لجويرية على تقدير
الاستفهام؛ أي: أثَبَتِّ في مكانك، وما زلت؟.
[تنبيه]: ((زِلْتِ)) بكسر الزاي ماضي يَزال، كخاف يخاف، يقال: مَا زَالَ
يفعل كذا، ولا أَزَالُ أفعله، لا يُتَكلَّم به إلا بحرف النفي، والمراد به: ملازمة
الشيء، والحال الدائمة، مثل ما بَرِحَ وزناً ومعنى، وقد تكلم به بعض العرب
(١) ((المصباح المنير)) ٥٨/١.
(٣) ((المصباح المنير)) ٣٥٨/٢.
(٢) ((مرعاة المفاتيح)) ٧/ ٩١٥.

(١٩) - بَابُ التَّسْبِيحِ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَعِنْدَ الثَّوْمِ - حديث رقم (٦٨٨٩)
٣٨٣
على أصله، فقال: مَا زَيِلَ زيد يفعل كذا، قاله الفيّومِيّ تَظْهُ(١).
و((زال يزال)) من الأفعال الأربعة التي تنسخ المبتدأ والخبر بشرط تقدّم
نفي، أو شِبهه، كما قال في ((الخلاصة)):
كَكَانَ ظَلَّ بَاتَ أَضْحَى أَصْبَحَا أَمْسَى وَصَارَ لَيْسَ زَالَ بَرِحَا
لِشِبْهِ نَفْي أَوْ لِنَفْي مُتْبَعَهْ
فَتِئ وَانْفَكَّ وَهَذِي الأَرْبَعَهْ
وضمير المؤنَّثة هنا اسمها، وخبرها قوله: (عَلَى الْحَالِ) هُو مما يجوز
تذكيره، وتأنيثه، ولذا قال: (الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟)))؛ أي: من الجلوس على
ذِكر الله تعالى، وفي رواية أبي داود: ((لم تزالي في مصلاك هذا؟))، وفي
(الأدب المفرد)): ((ما زِلت في مجلسك؟)). (قَالَتْ) جُويرية: (نَعَمْ)؛ أي: ما
زلت، قال الفيّوميّ رَّتُهُ: قولهم في الجواب: نَعَمْ معناها: التَّصْدِيقُ، إن
وقعت بعد الماضي، نحو: هل قام زيد؟ والوَعْدُ، إن وقعت بعد المستقبل،
نحو: هل تقوم؟ قال سيبويه: نَعَمْ عِدَةٌ، وتصديقٌ، قال ابن بابشاذ: يريد أنها
عِدَةٌ في الاستفهام، وتصديق للإخبار، ولا يريد اجتماع الأمرين فيها في كلّ
حال، قال النِّيليُّ: وهي تُبقي الكلام على ما هو عليه، من إيجاب، أو نفي؛
لأنها وُضعت لتصديق ما تقدَّم، من غير أن ترفع النَّفي، وتُبطله، فإذا قال
القائل: ما جاء زيد، ولم يكن قد جاء، وقلت في جوابه: نَعَمْ، كان التقدير:
نعم ما جاء، فصدقت الكلام على نفيه، ولم تبطل النفيَ، كما تبطله بَلَى، وإن
كان قد جاء، قلت في الجواب: بَلَى، والمعنى: قد جاءٍ، فَنَعَمْ تُبقي النفي
على حاله، ولا تُبطله، وفي التنزيل: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]،
ولو قالوا: نَعَمْ كان كفراً؛ إذ معناه: نعم، لست بربنا؛ لأنها لا تزيل النفي،
بخلاف بَلَى، فإنها للإيجاب بعد النفي. انتهى(٢).
(قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: (لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ)؛ أي: بعد أن خرجت من عندك، أو
بعدما فارقتك (أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ) بنصب ((أربع)) على المصدر؛ أي: تكلمت بعد
مفارقتك أربع كلمات، وقال الطيبيّ: قوله: ((أربع كلمات)) يقتضي تقدير
الناصب في كلّ من المنصوبات؛ إذ الكلمات خمس، كأنه قيل: سبحان الله
(١) ((المصباح المنير)) ٢٦١/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦١٤/٢.

٣٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
وبحمده عدد خلقه، وسبحان الله وبحمده رضا نفسه، وهلمّ جرًا.
[فإن قلت]: كيف صرّح في القرينة الأولى بالعدد، وفي الثالثة بالزِّنَة،
وعزل الثانية والرابعة عنهما؟.
[قلت]: ليؤذِن بأنهما لا يدخلان في جنس المعدود، والموزون، ولا
يحصرهما المقدار، لا حقيقةً، ولا مجازاً، فيحصل الترقّي حينئذ من عدد
الخلق إلى رضا الله، ومن زنة العرش إلى مداد الكلمات. انتهى (١).
(ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ) بالبناء للمفعول، (بِمَا قُلْتٍ)؛ أي: بجميع ما
قلت من الذكر من أول النهار إلى هذا الوقت.
وقوله: (مُنْذُ الْيَوْمِ)؛ أي: في هذا اليوم.
[فائدة]: قال المَجد ◌َُّ في ((القاموس)): ((مُنْذُ)): بَسيطٌ، مَبْنيٍّ على
الضم، و((مُذْ)) محذوفٌ منه، مَبْنِيٍّ على السكونِ، وتُكسرُ مِيمُهُما، ويَليهما اسمٌ
مجرورٌ، وحينئذ: حَرْفًا جَرّ بمعنى ((مِنْ)) في الماضي، و((في)) في الحاضِرِ،
و(منْ وإلى)) جميعاً في المَعْدودِ، كما رأيتُهُ مُنْذُ يوم الخميسِ، واسمٌ مرفوعٌ:
كمُنْذُ يومانٍ، وحينئذ: مُبْتدآنٍ، ما بعدَهما خَبرٌ، ومعنَاهُما: الأَمَدُ في الحاضِرِ،
والمعدودِ، وأوَّلُ المُدَّةِ في الماضِي، أو ظَرْفانِ مُخْبَرٌ بِهِما عَمَّا بعدَهما،
ومعناهُما: بينَ وبينَ، كَلَقِيتُه مُنْذُ يومانٍ؛ أي: بيني وبينَ لقائِهِ يومانٍ، وتَليهما
الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ، نحوُ:
مَا زَالَ مُذْ عَقَدَتْ يَداهُ إزارَهُ
أو الاسْمِيَّةُ:
وَمَا زِلْتُ أبْغِي المالَ مُذْ أنا يافِعُ
وحينئذٍ: ظَرْفانِ مُضافانٍ إلى الجُمْلَةِ، أو إلى زمانٍ مُضافٍ إليها، وقيلَ:
مُبْتَدَآنٍ، وأصلُ مُذْ: مُنْذُ؛ لِرُجوعِهِم إلى ضم ذالِ مُذْ عندَ مُلاقاةِ الساكنينِ، كمُذُ
اليوم، ولولا أن الأَصلَ الضمُّ لكَسَرُوا، ولَتَصْغِيرِهِم إيَّاهُ على مُنَيْذٍ، أو إذا
كانثَ مُذْ اسماً فَأَصْلُها مُنْذُ، أو حَرْفاً فهي أصلٌ، ويقالُ: ما لقِيتُه مُنْذَ اليوم،
ومُذَ اليومِ، بفتح ذالِهِما، أو أصْلُها ((مِن)) الجارَّةُ، و(ذُو)) بمعنى الذي، أو ((منْ
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٨٢٣/٦.

٣٨٥
(١٩) - بَابُ التَّسْبِيحِ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَعِنْدَ النَّوْمِ - حديث رقم (٦٨٨٩)
إِذْ)) حُذِفَت الهمزةُ، فالْتَقَى ساكنانٍ، فضُمَّ الذالُ، أو أصْلُها مِنْ ذَا اسمَ إشارةٍ،
فالتقديرُ في ما رَأيْتُهُ مُذ يومانٍ: من ذَا الوَقْتِ يومانٍ، وفي كُلِّ تَعَسُّفٌ.
(١)
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أشار ابن مالك إلى قاعدة ((مذْ))، و((منذ)) في
«الخلاصة)) حيث قال:
وَامُذْ)) وَ((مُنْذُ)) اسْمَانِ حَيْثُ رَفَعَا أَوْ أُولِيَا الْفِعْلُ كَـ«جثْتُ مُذْ دَعَا))
هُمَا وَفِي الْحُضُورِ مَعْنَى (فِي)) اسْتَبِنْ
وَإِنْ يَجُرَّا فِي مُضِيٍّ فَكَّامِنْ))
وقال في ((المرعاة)): ((منذ)) بضم الميم، وقد تُكسر ((اليوم)) بالجرّ، على
ما هو المختار، و((منذ)) على هذا حرف جر بمعنى ((من))، أو ((في))؛ أي: من
ابتداء النهار، أو في الوقت المذكور، ويجوز رفع ((اليوم)). انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: وجه رفع ((اليوم)) على أنه خبر لـ((منذ))، أو هو
مبتدأ، و((منذ)) خبر مقدّم، كما هو مقرّر في محلّه(٣)، والله تعالى أعلم.
(لَوَزَنَتْهُنَّ)؛ أي: عَدَلتهنّ في الميزان، يقال: وزَنَ الشيءُ وزناً: ثَقُل،
وزِنته: عادَلته بغيره، ومنه قوله: ((لا يزن عند الله جناح بعوضة))؛ أي: لا
يَعْدل؛ أي: لا قَدْر له، قاله في ((المشارق))(٤).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: (لوزنتهنّ))؛ أي: لَرَجَحت عليهنّ في الثواب، وهو
دليلٌ على أن الدعوات، والأذكار الجوامع يحصل عليهنّ من الثواب، أضعاف
ما يحصل على ما ليست كذلك، ولذلك كان* يحب الدعوات الجوامع.
(٥)
انتھی(٥) .
وقال في ((المرعاة)): (لوزنتهن)) بفتح الزاي والنون؛ أي: ساوتهنّ في
الوزن، يقال: هذا يزن درهماً؛ أي: يساويه، أو غلبتهنّ في الوزن، يقال:
وازنه، فوزن: إذا غلب عليه، وزاد في الوزن.
(١) ((القاموس المحيط)) ص٤٣١.
(٢) ((مرعاة المفاتيح)) ٩١٨/٧.
(٣) راجع: ((شرح ابن عقيل على الخلاصة)) مع ((حاشية الخضريّ)) عليه ٤٧٦/١.
(٤) ((مشارق الأنوار على صحاح الآثار)) ٥٦٩/٢.
(٥) ((المفهم)) ٧/ ٥٢.

٣٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
وقال القاضي: أي: لرجحت تلك الكلمات على جميع أذكاركِ، وزادت
عليهنّ في الأجر والثواب، والضمير راجع إلى ((ما)) باعتبار المعنى. انتهى (١).
وقال الطيبيّ نقلاً عن التوربشتيّ(٢): (لوزنتهنّ))؛ أي: ساوتهنّ، أو لو
قُوبلت بما قلت لساوتهنّ، ويَحْتَمِل أن يراد الرجحان؛ أي: رجحت عليهنّ في
الوزن، كما تقول: حاججته، فحَجَجته؛ أي: غلبته في الحجة، وأعاد الضمير
إلى ما يقتضيه المعنى، لا إلى لفظة ((ما)) في قوله: ((ما قلتِ))، وفيه تنبيهٌ على
أنها كلمات كثيرة. انتهى(٣).
(سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ) قال القرطبيّ تَخْتُ: هذا الكلام على اختصاره
جملتان :
إحداهما: جملة ((سبحان الله))، فإنَّها واقعة موقع المصدر، والمصدر يدلّ
على صدره، فكأنه قال: سبّحت الله التسبيح الكثير، أو التسبيح كلَّه، على قول
من قال: إن (سبحان الله)): اسم عَلَمٌ للتسبيح، ((وبحمده)) متعلِّق بمحذوف
تقديره: وأُثني عليه بحمده؛ أي: بذكر صفات كماله، وجلاله، فهذه جملة
ثانية، غير الجملة الأولى. انتهى (٤).
(عَدَدَ خَلْقِهِ) قال في ((المرعاة)): هو وما عُطف عليه منصوبات بنزع
الخافض، ويقدّر المقدار في الثلاثة الأخيرة؛ أي: بعدد جميع مخلوقاته.
وقال الطيبيّ تَخَُّهُ: قوله: ((عدد خلقه)) وكذلك ما بعده نُصب على
المصدر؛ أي: سبحته تسبيحاً يساوي خلقه عند التعداد، وزنة عرشه، ومداد
كلماته في المقدار، ويوجب رضا نفسه، أو يكون ما يرتضيه لنفسه.
وقال المظهر(٥): ((عدد خلقه)) منصوب على المصدر؛ أي: أعدّ تسبيحه،
وتحميده بعدد خلقه، وبمقدار ما يرضاه خالصاً، وبثِقَل عرشه، ومقداره،
وبمقدار كلماته.
(١) ((مرعاة المفاتيح)) ٩١٨/٧.
(٢) سيأتي تعقب السيوطيّ عليه قريباً.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٨٢٢/٦.
(٤) ((المفهم)) ٧/ ٥٢.
(٥) سيأتي تعقّب السيوطيّ على كلامه قريباً.

٣٨٧
(١٩) - بَابُ التَّسْبِيحِ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَعِنْدَ النَّوْمِ - حديث رقم (٦٨٨٩)
وقال التوربشتيّ(١): ((زنة عرشه)) ما يوازنه في القدر والرزانة، يقال: هو
زنة الجبل؛ أي: حذاؤه في الثقل والرزانة، والمداد مصدر، تقول: مددت
الشيء أمُدّه مدّاً، ومِداداً، وقيل: يَحْتَمِل أن يكون جمع مُدّ بالضمّ؛ أي:
مكيال، فإنه يُجمع على مِداد. انتهى (٢) .
(وَرِضَا نَفْسِهِ)؛ أي: بمقدار رضا ذاته الشريفة؛ أي: بمقدارٍ يكون سبباً
لرضاه تعالى، أو بمقدار يرضي به لذاته، ويختاره، فهو مثل ما جاء: ((ومِلْأَ ما
شئت من شيء بعد»، وفيه إطلاق النفس عليه تعالى من غير مشاكلة، وبمقدار
ثِقَل عرشه، وبمقدار زيادة كلماته؛ أي: بمقدارٍ يساويهما يساوي العرش وزناً،
والكلمات عدداً، وقيل: نَصْب الكل على الظرفية، بتقدير: قَدْر؛ أي: قَدْر
عدد مخلوقاته، وقَدْر رضاه ... إلخ، وقيل: نصب هذه الألفاظ على
المصدرية؛ أي: أَعُدّ تسبيحه المقرون بحمده عدد خلقه، وأُقَدِّر مقدار ما يرضى
لنفسه، وزنة عرشه، ومقدار كلماته. انتهى(٣).
وقال القرطبيّ كَُّ: ((ورضا نفسه)): يعني: أن رضاه عمن رضي عنه من
النبيين والصالحين لا ينقطع، ولا ينقضي، وإنما ذكر النبيّ وَّر هذه الأمور على
جهة الإغياء، والكثرة التي لا تنحصر، منبهاً على أن الذاكر بهذه الكلمات
ينبغي له أن يكون بحيث لو تمكّن من تسبيح الله، وتحميده، وتعظيمه عدداً لا
يتناهى، ولا ينحصر لفعل ذلك، فحصل له من الثواب ما لا يدخل في
(٤)
حساب. انتهى (٤).
(وَزِنَةَ عَرْشِهِ)؛ أي: قَدْر وَزْن عرشه، ولا يعلم وزنه إلا الله تعالى.
(وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ))) بكسر الميم، قيل: معناه: مثلها في العدد، وقيل: مثلها
في عدم النفاد، وقيل: مثلها في الكثرة، وقيل: في الثواب، والمداد مصدر
مثل المدد، وهو ما كثّرت به الشيء، قاله النوويّ(٥).
(١) سيأتي تعقّب السيوطي عليه قريباً.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٦/ ١٨٢٢.
(٣) ((مرعاة المفاتيح)) ٩١٩/٧.
(٥) ((شرح النوويّ)) ٤٤/١٧، و((مرعاة المفاتيح)) ٩١٨/٧.
(٤) ((المفهم)) ٥٣/٧.

٣٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
وقال القرطبيّ: قوله: ((مداد كلماته)) هو بكسر الميم، وبأَلِف بين
الدالَيْن، ويعني به: كلامه القديم المنَزَّه عن الحروف، والأصوات، وعن
الانقطاع، والتغييرات، كما قال تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِ لَنَفِدَ
(١)﴾ [الكهف: ١٠٩]. انتهى.
اُلْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ نَفَدَ كَلِمَتُ رَبِّ وَلَوْ جِثْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًا
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ من نفي الحروف
والأصوات، في كلام الله تعالى مخالف لمذهب المحقّقين من السلف، ومَنْ
بعدهم من أن الله تعالى يتكلم بحرف وصوت، ويُسمعه من يشاء، ويكلّم من
شاء إذا شاء متى شاء، وإنما دعا القرطبي إلى هذا اعتقادُه كما هو مذهب
الأشاعرة أن كلام الله عبارة عن الكلام النفسيّ الذاتيّ، وأن ما أنزل من
القرآن، وغيره من كلامه تعالى عبارة عن ذلك الكلام النفسيّ، وهذا غير
صحيح، بل هو مذهب باطل مخالف لمذهب السلف، كما استوفيت البحث في
ذلك في ((المنحة الرضية شرح التحفة المرضيّة)) في الأصول، فراجعه(١) تستفد
علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق.
وقال في ((النهاية)): أي: مثل عددها، وقيل: قدر ما يوازيها في الكثرة
عِيَارَ كيل، أو وزن، أو عدد، أو ما أشبهه من وجوه الحصر والتقدير، وهذا
تمثيل يراد به التقريب؛ لأن الكلام لا يدخل في الكيل والوزن، وإنما يدخل
في العدد، والمداد مصدر كالمدد، يقال: مددت الشيءَ مداً، ومداداً، وهو ما
یکثر به، ویزاد. انتهى(٢).
وقال النوويّ: قال العلماء: واستعماله هنا مجاز؛ لأن كلمات الله تعالى
لا تُحْصَر بعدّ، ولا غيره، والمراد: المبالغة به في الكثرة؛ لأنه ذَكَر أوّلاً ما
يحصره العدد الكثير، من عدد الخلق، ثم ارتقى إلى ما هو أعظم من ذلك،
وعبَّر عنه بهذا؛ أي: ما لا يحصيه عدد كما لا تحصى كلمات الله تعالى.
انتهى(٣).
وقال في ((اللمعات)): وهذا ادّعاء، ومبالغة في تكثيرها، كأنه تكلم بهذا
(١) راجع: ((المنحة)) ٢٩٥/١ - ٣١١.
(٣) (شرح النوويّ)) ٤٤/١٧.
(٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ص ٨٦١.

٣٨٩
(١٩) - بَابُ التَّسْبِيحِ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَعِنْدَ النَّوْمِ - حديث رقم (٦٨٨٩)
المقدار، فلا يتجه أن يقال: إنه ما معنى أسبّحه بهذا المقدار، سواء كان خبراً،
أو إنشاء، وهو لم يسبّح إلا واحداً. انتهى.
وقال السنديّ: [فإن قلت]: كيف يصحّ تقييد التسبيح بالعدد المذكور، مع
أن التسبيح هو التنزيه عن جميع ما لا يليق بجنابه الأقدس، وهو أمر واحد في
ذاته، لا يقبل التعدد، وباعتبار صدوره عن المتكلم لا يمكن اعتبارُ هذا العدد
فيه؛ لأن المتكلم لا يقدر عليه، ولو فُرض قدرته عليه أيضاً لَمَا صحّ تعلق هذا
العدد بالتسبيح، إلا بعد أن صدر منه بهذا العدد، أو عزم على ذلك، وأما
بمجرد أنه قال مرةً: سبحان الله لا يحصل منه هذا العدد؟.
[قلت]: لعل التقييد بملاحظة استحقاق ذاته الأقدس. انتهى(١)، والله
تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جُويرية ﴿نا هذا من أفراد المصنّف وَّلُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٨٩/١٩ و٦٨٩٠] (٢٧٢٦)، و(البخاريّ) في
((الأدب المفرد)) (٢٢٥/١)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٥٠٣)، و(الترمذيّ)
في ((الدعوات)) (٣٥٥٥)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٧٧/٣) وفي ((الكبرى))
(٤٨/٦) وفي ((عمل اليوم والليلة)) (١٦١ و١٦٣ و١٦٤)، و(ابن ماجه) في
((الآداب)) (٣٨٠٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٥٨/١ و٣٢٤/٦ - ٣٢٥ و٤٢٩
و٤٣٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٨٢/١٠ - ٢٨٣)، و(الحميديّ) في
«مسنده)) (٢٣٢/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٨٢٨ و٨٣٢)، و(الطبرانيّ)
في ((الكبير)) (١٦٢/٢٤، ١٦٣)، و(ابن أبي عاصم) في ((الآحاد والمثاني)) (٥٪
٤٣٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٧٠٦٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(١٢٩٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) ((مرعاة المفاتيح)) ٩١٩/٧.

٣٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
١ - (منها): بيان استحباب الذكر بهذه الأذكار؛ لكثرة ثوابها .
٢ - (ومنها): بيان أن بعض الأذكار مع وجازة ألفاظه يكون أكثر من كثير
من الألفاظ، وذلك فضل الله ◌ُعَلَ يؤتيه من يشاء، ﴿وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
[الحديد: ٢١].
٣ - (ومنها): ما قاله بعضهم: هذه الفضائل التي جاءت عن النبيّ وَلو:
((من قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة غفر له ... ))، وما شاكلها إنما هي
لأهل الشرف في الدين، والكمال، والطهارة من الجرائم العظام، ولا يُظَنّ أن
مَنْ فَعَل هذا، وأصرّ على ما شاء من شهواته، وانتهك دِين الله، وحرماته، أنه
يُلحق بالسابقين المطهرين، وينال منزلتهم في ذلك بحكاية أحرف ليس معها
تُقَّى، ولا إخلاص، ولا عمل، ما أظلمه لنفسه، من يتأول دين الله على هواه.
انتھی .
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد هذا القائل، وأفاد، فإنه لا ينبغي
الاغترار بفضائل هذه الأذكار ونحوها من الأعمال الصالحات، بل لا بدّ أن
يكون صاحبها متخلّياً عن الأخلاق الرذيلة، ومتحلّياً بالأخلاق الجميلة، كي
ينال بهذه الأذكار والدعوات أجراً عظيماً، وفضلاً جسيماً، فليتقّ الله في نفسه،
ويلزم السُّنَّة، ويجتنب البدع والمخالفات، وإلا فلا يطمع في نيل ما أُعدّ من
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ
الفضائل فيها؛ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]،
أَجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ تَجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَوَاءٍ تَحْيَهُمْ وَمَمَاتُهُمَّ سَلَّ مَا
﴾ [الجاثية: ٢١]، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ
٢١
يَحْكُمُونَ (
الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٣)﴾ [صَ: ٢٨]، اللَّهُمَّ اهدنا فيمن هديت،
وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شرّ ما
قضیت، آمين.
(المسألة الرابعة): بعد أن كتبت ما تقدّم في شرح هذا الحديث وجدت
رسالة للحافظ العلامة السيوطيّ تَخّْلهُ كتبها في إعراب الكلمات الماضية: ((عدد
خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته)) قد أجاد البحث فيها، وأفاد،
وتعقّب بعض ما تقدّم من إعراب بعض الناس، فأحببت كتابتها بنصّها هنا
تكميلاً للفائدة، ونشراً للعائدة، فأقول: قال رَّهُ:

٣٩١
(١٩) - بَابُ التَّسْبِيحِ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَعِنْدَ النَّوْمِ - حديث رقم (٦٨٨٩)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي لا تأخذه سِنَة، ولا يُقَدَّر لعرشه زِنَة. والصلاة والسلام
على سيدنا محمد الذي نَزَّل عليه أفصحَ الحديث، وأحسنه.
[وبعد]: فقد سئلت عن وجه النصب في قوله وقالله: ((سبحان الله وبحمده،
زنة عرشه، ورضا نفسه، وعدد خلقه، ومداد كلماته)).
والجواب عندي: أن هذه الكلمات الأربع منصوبات على تقدير الظرف،
والتقدير: قدرَ زنة عرشه، وكذا البواقي، فلما حُذف الظرف قام المضاف إليه
مقامه في إعرابه، فهذا الإعراب هو المتجه المطّرد السالم من الانتقاض، وقد
ذَكَر السائل: أنه هل يصحّ أن يكون منصوباً على المصدر، أو على الحال، أو
على حذف الخافض؟
وأقول: أما النصب على المصدر فقد ذكره المظهر في ((شرح المصابيح))،
قال: عدد خلقه منصوب على المصدر؛ أي: أَعُدّ تسبيحه وتحميده بعدد خلقه،
وبمقدار ما يرضاه خالصاً، وبثقل عرشه، ومقداره، وبمقدار كلماته، وسَبَقه إلى
ذلك الأشرف في ((شرحه)) قال: عدَد خَلْقه، وكذلك ما بعده منصوب على
المصدر؛ أي: سبّحته تسبيحاً يساوي خلقه عند التعداد، وزنة عرشه، ومداد
كلماته في المقدار، يوجب رضا نفسه. انتهى.
فإن أراد بذلك أن نفسه مصدر، وأنه منصوب على أنه مفعول مطلق، فلا
يخفى ما فيه، فإنه لا يكون مصدراً للتسبيح، كما هو واضح، بل يكون مصدراً
لفعل من الزِّنَة، ويكون التقدير: سبحان الله أزنه زنة عرشه، ولا يخفى فساد
هذا التقدير؛ لأنه ليس المراد إنشاء وزن التسبيح، بل المراد إنشاء قول
التسبيح، والمعنى: أقول: سبحان الله قولاً كثيراً مقدار زنة عرشه في الكثرة
والعظم، وعلى تقدير فعل الزنة يكون المعنى: أَزِن التسبيح زنة عرشه، وهو
ظاهر الفساد، ثم إذا قُدِّر في الأخرى أَعُدّه عدد خلقه، كما أفصح به المظهريّ
أدى إلى أن المعنى إنشاء عدّ التسبيح، وليس مراداً، بل المراد: أقوله قولاً عدد
خلقه، ثم لا يمكنه ذلك في رضا نفسه، فإن قيل: يقدَّر: أُرضيه رضا نفسه، قلنا :
حينئذ يعود الضمير على غير التسبيح، وهي في أزنه، وأعدّه عائد على التسبيح،
فيختل التناسق في الكلمات، ثم لا يمكن ذلك في مداد كلماته بلا مرية.

٣٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
ويبقى على المظهر تعقّبان:
أحدهما: أن عدداً لو كان مصدراً لم يجئ بالفتح؛ لأن مصدر عَدّ على
فَعْل بسكون العين، فيجب أن يُدْغَم، فيقال: عَدّاً بالتشديد، كرَدّ، ومَدّ، وشدّ،
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَذَّا﴾ [مريم: ٨٤].
والثاني: أنه قال: منصوب على المصدر، ثم قال: أي: أَعُدّ تسبيحه
بعدد خلقه، فأدخل عليه الباء، وليس هذا شأن المصدر الذي هو مفعول
مطلق، لا يقال: ضربت زيداً يضرب في موضع ضربته ضرباً، ثم قال:
وبمقدار ما يرضاه، ويثقل عرشه، ومقداره، وبمقدار كلماته، وهذا كله يبطل
القول بأنه منصوب على المصدر، ويؤول إلى نزع الخافض، أو الظرفية، فإن
النصب على الظرفية، ونَزْع الخافض متقاربان، فإن الظرف منصوب على إسقاط
الخافض الذي هو ((في))، غير أنه باب مطّرد، والنصب بنزع الخافض في غير
الظرف غير مطّرد، فاتجه بذلك أنه منصوب على الظرف بتقدير قَدْر، وقد صرّح
بذلك الخطابيّ في ((معالم السنن))، قوله: ((ومداد كلماته))؛ أي: قدر ما يوازنها
في العدد والكثرة.
وقال ابن الأثير في ((النهاية)): ((ومداد كلماته))؛ أي: مثل عددها، وقيل:
قَدْر ما يوازنها في الكثرة عِيارَ كيل، أو وزن، أو ما أشبهه، وهذا تمثيل يراد به
التقريب. انتهى.
فأشار بقوله: ((مِثْل)) إلى المصدر، أو الوصف، وبقوله: ((وقيل: قَدْر)) إلى
الظرف.
وقال الشيخ أكمل الدين في ((شرح المشارق)): قوله: ((عدد خلقه))؛ أي:
عدداً كعدد خلقه، وزنة عرشه؛ أي: بمقدار وزنه، ورضا نفسه؛ أي: غير
منقطع، فأشار إلى أن لكل واحدة إعراباً على حِدَة، الأولى مصدر، والثانية
ظرف، والثالثة حال، ولا شكّ أن تساوي الكل في الإعراب حيث أمكن
أَولى، وتقدير ((قَدْر)) في كل منهما صحيح، فاتجه نصب الكل على الظرف،
بتقدير ((قَدْر)) .
[فإن قيل]: لم يصرح أحد بأن قَدْر انتصب على الظرف.
[قلت]: ذلك لعدم اطلاعك في أمهات الكتب، وقد صرح الخطيب

٣٩٣
(١٩) - بَابُ التَّسْبِيحِ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَعِنْدَ النَّوْمِ - حديث رقم (٦٨٨٩)
التبريزيّ والمرزوقيّ كلاهما في ((شرح الحماسة)) وقول الشاعر [من الطويل]:
فَسَايَرْتُهُ مِقْدَارَ مِيلٍ وَلَيْتَنِي
وفي قوله [من الطويل]:
هَلِ الْوَجْدُ إِلَّا أَنَّ قَلْبِيَ لَوْ دَنَا مِنَ الْجَمْرِ قِيدَ الرُّمْحِ لَاحْتَرَقَ الْجَمْرُ
بأن نصب مقدار وقيد كلاهما على الظرف، وقِيد بمعنى قَدْر. قال ابن
شمعون في ((شرح الإيضاح)) في قول الفرزدق [من الكامل]:
مَا زَالَ مُذْ عَقَدَتْ يَدَاهُ إِزَارَهُ فَسَمَا فَأَدْرَكَ خَمْسَةَ الأَشْبَارِ
يجوز نصب خمسة الأشبار نصب الظرف بِسَمًا بتقدير مضاف؛ أي: سما
مقدار خمسة الأشبار.
وقال جماعة في حديث أن موسىلعلّا سأل ربه أن يُدنيه من الأرض
المقدسة رميةً بحجر: إن رمية نُصِب على الظرف، بتقدير: قد رأى قَدْر رمية
بحجر.
وقال الطيبي في ((شرح المشكاة)) في حديث فضل الصلاة التي يُستاك لها
على الصلاة التي لا يستاك لها سبعين ضُعفاً: قوله: سبعين مفعول مطلق، أو
ظرف؛ أي: تَفْضُل مقدار سبعين.
وقال أبو البقاء في حديث ((من فارق الجماعة شبراً)): هو منصوب على
الظرف، والتقدير: قَدْر شبر.
وقال الطيبيّ في حديث ((من تقرب إليّ شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن
تقرب إليّ ذراعاً تقربت منه باعاً)): شبراً، وذراعاً، وباعاً، في الشرط والجزاء
منصوبان على الظرفية؛ أي: من تقرَّب إليّ مقدار شبر.
وقال أيضاً في حديث ((من ظلم شبراً من أرض)): المفعول به محذوف،
وشبراً يجوز أن يكون مفعولاً؛ أي: ظلم شبراً، ومفعولاً فيه، مقدار شبر.
وقال أيضاً في حديث أنه ◌َّلهم أقطع الزبير حُضْر فرسه: نصب حُضر على
حذف المضاف؛ أي: قَدْر ما يعدو عدوة واحدة.
ثم إن المسألة منصوصة في كتب النحو. قال ابن مالك في ((التسهيل)):
الصالح للظرفية القياسية ما دلّ على مقدار، وقال في الألفية:
وَقَدْ يَنُوبُ عَنْ مَكَانٍ مَصْدَرُ وَذَاكَ فِي ظَرْفِ الزَّمَانِ يَكْثُرُ

٣٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
وقال ابن هشام في ((التوضيح)): ينوب المصدر عن الظرف إذا كان مُعَيّناً
لمقدار، نحو: انتظرتك حلبَ ناقة.
وقال أبو حيان في ((شرح التسهيل)): قال الصفّار في ((شرح الكتاب)):
اعلم أن المصدر إذا استُعمِل في معنى الظرف جاز أن يضاف إلى الفعل،
تقول: أتيتك ريث قام زيد؛ أي: قَدْر بطء قيامه، فلما خرجت إلى الظرف جاز
فيها ما جاز في الظرف.
ثم إن نَصْب زِنَة بخصوصها على الظرفية منصوص عليه من سيبويه، وأئمة
النحو.
قال ابن مالك في ((شرح التسهيل)): من الجاري مجرى ظرف الزمان
باطراد مصادر، قامت مقام مضاف إليها تقديراً، نحو قولهم: هو قرب الدار،
ووزن الجبل، وزِنَته.
والمراد بالاطراد: أن لا تختص ظرفيته بعاملٍ مّا، كاختصاص ظرفية
المشتقّ من اسم الواقع فيه. انتهى.
وقال أبو حيان في ((شرح التسهيل)): وذكر سيبويه من المنتصب ظرفاً:
صددك، وصفيك، ووزن الجبل، وزنة الجبل، وأقطار البلاد، وهذه كلها
ينصبها الفعل اللازم لإبهامها. انتهى.
وقال في ((الارتشاف)): فرّق سيبويه بين وزن الجبل، وزنة الجبل، فمعنى
وزن الجبل: ناحية توازنه؛ أي: تقابله قريبةً كانت منه، أو بعيدةً، وزنة الجبل:
حذاءه؛ أي: متصلة به، وكلاهما مبهم، يصل إليهما الفعل، وينتصب ظرفاً .
انتھی .
وقد قال التوربشتي شارح ((المصابيح)) في هذا الحديث: زنة عرشه: ما
يوازنه في القَدْر، يقال: هو زنة الجبل؛ أي: حذاؤه في الثقل والرّزانة. انتهى.
وهذا منه إيماء إلى تخريج الحديث على الظرفية، وقد خرّجوا على
الظرفية ما هو أبلغ من ذلك، رُوي أن معاوية استَعْمَل ابن أخيه عمرو بن
عُتبة بن أبي سفيان على صدقات كلب، فاعتدى عليهم، فقال ابن العَدّاء الكلبيّ
[من البسيط]:

٣٩٥
(١٩) - بَابُ التَّسْبِيحِ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَعِنْدَ الثَّوْمِ - حديث رقم (٦٨٨٩)
سَعَى عِقَالاً فَلَمْ يَتْرُكْ لَنَا سَبَداً (١) فَكَيْفَ لَوْ قَدْ سَعَى عَمْرُو عِقَالَيْنِ
قال ابن الأثير في ((النهاية)): نصب عقالاً على الظرف، أراد: مُدَة عقال،
والعقال: صدقة عام. وقال ابن يعيش في ((شرح المفصّل)): من المنصوب على
الظرف قولهم: سِيَّرَ عليه ترويحتين، وانتُظِر به نحو جزورين، والمراد مدة
ذلك، والترويحتين تثنية الترويحة: واحدة التراويح في الصلاة.
وقال أبو البقاء في قوله وَّ﴾: ((ليصلّ أحدكم نشاطه)): إنه منصوب على
تقدير الظرف؛ أي: مدة نشاطه، فحَذَفه، وأقام المصدر مقامه.
وقال الأشرف في ((شرح المصابيح)): يجوز أن يكون نشاطه بمعنى
الوقت، وأن يراد به الصلاة التي نشط لها.
[فإن قلت]: فما تقول في نصبه على الصفة للمصدر؟.
[قلت]: هذا ذكره طائفة، وأقول: لا يخلو إما أن يجعل صفة للمصدر
المذكور، وهو سبحان، أو لمقدّر:
فأما الأول: فيعكر عليه الفصل بينه وبين موصوفه بقوله: ((وبحمده))،
وذلك ضعيف، أو ممنوع، مع أن عندي في جواز وصف سبحان وقفةٌ، فإنه
غير متصرف، ولم يستعمل إلا عَلَماً للتسبيح، منصوباً ولم يتصرف فيه بشيء.
وأما الثاني: وهو أن يجعل التقدير سبحان الله تسبيحاً زنة عرشه، ففيه
وقفة من وجوه:
الأول: أنه تقدير ما لا حاجة إليه؛ لأن المصدر يصرَّح به في اللفظ،
فأي حاجة إلى تقدير مصدر آخر؟
الثاني: أن المصدر المذكور منصوب بفعل مقدَّر، فإذا قُدّر مصدر آخر
لزم منه تقدير ثلاثة: فعل المصدر الظاهر، والمصدر المقدر، وفعل آخر له؛
لأن الفعل الواحد لا ينصب مصدرين، ولا ضرورة تدعو إلى ذلك.
الثالث: أن الكلام لا يصح إلا بتقدير آخر؛ لأن التسبيح ليس نفس
الزنة، فيكون التقدير: مثل زنة عرشه، وإذا آل الأمر إلى تقدير، فالمراد المثلية
في المقدار، فرجع إلى ما قلناه من الظرفية، خصوصاً أن قوله: ((رضا نفسه)) لا
(١) السبد بالباء محرّكةً: القليل.

٣٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
يصح فيه تقدير المثالية، ولهذا قال الأشرف: يساوي خلقه عند التعداد، وزنة
عرشه في المقدار، ويوجب رضا نفسه، فأخرجه عن حَيِّز المساواة، وتقدير قَدْر
صحیح فيه؛ أي: قَدْراً يبلغ رضا نفسه.
[فإن قلت]: بقي وجه إبطال الحال.
[قلت]: إذا قُدّر أسبح، أو أقول: سبحان الله موازناً لعرشه، فإن جُعل
حالاً من الفاعل نافره أن المفعول هنا مطلق، والمعهود مجيء الحال من
المفعول به، ولا يمكن كونه من المضاف إليه، كما لا يخفى، ولا يطرد التقدير
بالمشتقّ في مداد كلماته، كما هو ظاهر، فبطل الحال.
وبقي من الوجوه الممكنة في إعرابه أربعة:
أحدها: أن يجعل مفعولاً به لفعل، أو وصف مقدر؛ أي: يبلغ زنة
عرشه، أو بالغاً زنة عرشه.
الثاني: أن يكون القول مقداراً، وسبحان الله مفعول أول، وزنة عرشه
مفعول ثان على لغة من يُجري القول مُجرى الظنّ بلا شرط.
الثالث: أن يكون خبراً لكان، مقدرةً هي واسمها ضميراً راجعاً إلى
التسبيح، ويُقدّر إما بصيغة المضارع، أو اسم الفاعل.
الرابع: وهو خاصّ برضا نفسه أن يُجعل مفعولاً له على جعل الرضا
بمعنى الإرضاء، كقولك: سبّحت ابتغاء وجه الله.
وكلها لا يعوَّل عليها، والعمدة على الأول، والله أعلم آخره، والحمد لله.
انتهى ما كتبه العلامة المحقّق السيوطيّ تَخْذُ(١)، وهو بحث مفيد جدّاً، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٩٠] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي رِشْدِينَ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ، قَالَتْ: مَرَّ بِهَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ حِينَ صَلَّى صَلَاةَ
(١) ((رفع السُّنَّة في نصب الزنة)) للسيوطيّ كَلَهُ، من مجموع كتابه ((الحاوي للفتاوي))
٢٨٤/٢ - ٢٨٨.

٣٩٧
(١٩) - بَابُ التَّسْبِيحِ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَعِنْدَ التَّوْمِ - حديث رقم (٦٨٩٠)
الْغَدَاةِ (١)، أَوْ بَعْدَمَا صَلَّى الْغَدَاةَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ
خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ)).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنَ بِشْرٍ) الْعَبْديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩]
(ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٧/١.
٢ - (مِسْعَرُ) بن كِدَام - بكسر أوله، وتخفيف ثانيه - ابن ظُهير الهلاليّ، أبو
سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و((إسحاق)) هو: ابن راهويه، و((أبو
رِشدين)) بكسر الراء، والدال هو: كريب، مولى ابن عبّاس المذكور قبله.
[فائدة]: قال الإمام النسائيّ كَّثُ في ((الكبرى)) بعد إخراجه الحديث من
طريق مسعر بسند المصنف ما نصّه:
قال أبو عبد الرحمن: أبو رِشدين هو: كريب، مولى ابن عباس، وابنه
رِشدين بن كريب ضعيف، وأخوه محمد بن كريب ليس بالقويّ، إلا أنه أصلح
قليلاً، وكريب ثقة، وليس في موالي ابن عباس ضعيف، إلا شعبة مولى ابن
عباس، فإن مالكاً قال: لم يكن يُشْبه القراء. انتهى(٢).
وقوله: (مَرَّ بِهَا ... إلخ) فيه التفات؛ إذ الأصل: مرّ بي.
وقوله: (أَوْ بَعْدَمَا صَلَّى) ((أو)) فيه للشكّ من الراوي.
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) فاعل ((ذَكَر))، وكذا الضمائر بعده
لمسعر.
[تنبيه]: رواية مسعر عن محمد بن عبد الرحمن هذه ساقها ابن ماجه تَظّثهُ
في ((سننه)) بسند المصنّف، فقال:
(٣٨٠٨) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا محمد بن بشر، ثنا مِسعر،
حدّثني محمد بن عبد الرحمن، عن أبي رِشدين، عن ابن عباس، عن جويرية،
قالت: مَرّ بها رسول الله صل حين صلى الغداة، أو بعدما صلى الغداة، وهي
(١) وفي نسخة: ((حين صلى الغداة)).
(٢) ((السنن الكبرى)» ٤٩/٦.

٣٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
تذكر الله، فرجع حين ارتفع النهار، أو قال: انتصف، وهي كذلك، فقال:
((لقد قلتُ منذ قمتُ عنكِ أربع كلمات، ثلاث مرات، وهي أكثر، وأرجح، أو
أوزن مما قلتِ: سبحان الله، عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله
زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٩١] (٢٧٢٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ - وَاللَّفْظُ
لاِبْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَم، قَالَ:
سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ؛ أَنَّ فَاطِمَةَ اشْتَكَتْ مَا تَلْقَى مِنَ الرَّحَى فِي
يَدِهَا، وَأَتَى النَّبِيَّ وَّهِ سَبْيٌ، فَانْطَلَقَتْ، فَلَمْ تَجِدْهُ، وَلَقِيَتْ عَائِشَةَ، فَأَخْبَرَتْهَا، فَلَمَّا
جَاءَ النَّبِيُّ وَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءٍ فَاطِمَةَ إِلَيْهَا، فَجَاءَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِلَيْنَا، وَقَدْ
أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْنَا نَقُومُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ِهِ: ((عَلَى مَكَانِكُمَا))، فَقَعَدَ بَيْنَنَا، حَتَّى
وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمِهِ عَلَى صَدْرِيٍ، ثُمَّ قَالَ(٢): ((أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْراً مِمَّا سَأَلْتُمَا، إِذَا
أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا، أَنْ تُكَبِّرَا اللهَ أَرْبَعاً وَثَلَاثِينَ، وَتُسَبِّحَاهُ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدَاهُ
ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِم))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة، أبو محمد الْكِنديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، إلا
أنه رُيّما دَلَّس [٥] (ت١١٣) أو بعدها، وله نيف وستون سنةً (ع) تقدم في
((المقدمة)) ١/١.
٢ - (ابْنُ أَبِي لَيْلَى) هو: عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاريّ المدنيّ،
ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٣] اختلف في سماعه من عمر رَظانه مات بوقعة الجماجم سنة
ثلاث وثمانين. وقيل: إنه غَرِق (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَظْتُ، وأنه شيخيه من التسعة الذين روى عنهم
(١) ((سنن ابن ماجه)) ١٢٥١/٢.
(٢) وفي نسخة: ((وقال: ألا)).

٣٩٩
(١٩) - بَابُ التَّسْبِيحِ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَعِنْدَ النَّوْمِ - حديث رقم (٦٨٩١)
الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه تقدّم القول فيه
قبل حدیثین.
شرح الحديث:
(عَنِ الْحَكَم) هو ابن عُتيبة بمثناة، وموحّدة، مصغّراً، فقيه أهل الكوفة؛
أنه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى) هو عبد الرحمن، قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ) ◌َظُهُ؛
(أَنَّ فَاطِمَةَ) بنت رسول الله وَّهِ حَوْنَا (اشْتَكَتْ) وفي رواية البخاريّ: ((شَكَت))،
(مَا تَلْقَى) بفتح أوله وثالثه، من باب تَعِب؛ أي: الذي تجده (مِنَ الرَّحَى) قال
الفيّوميّ: الرَّحَى مقصوراً: الطاحون، والضِّرْس أيضاً، والجمع: أَرْحِ،
وأَرْحَاءٌ، مثلُ سبب وأسباب، وربما جُمعت على أَرْحِيَةٍ، ومَنَعه أبو حاتمٌ،
وقال: هو خطأ، وربما جُمعت على رُحيٍّ على فُعُولٍ، وقال ابن الأنباريّ:
والاختيار أن تُجمَع الرَّحَى على أَرْحَاءٍ، والقفا على أَقفاء، والندى على أَنداء؛
لأن جمع فَعَلِ على أَفْعِلة شاذٌ، وقال الزجاج أيضاً: الرَّحَى أنثى، وتصغيرها:
رُحَيَّةٌ، والجمع: أَرْحَاءٌ، ولا يجوز أَرْحِيَةٌ؛ لأن أَفْعِلة جَمْع الممدود، لا
المقصور، وليس في المقصور شيء يُجمع على أَفعِلة، قال ابن السِّكِّيت:
والتثنية: رَحَيَانٍ، ورَحَوَانٍ. انتهى(١).
(فِي يَدِهَا) زاد بَدَلُ بن الْمُحَبَّر في روايته: ((مما تَطْحَن))، وفي رواية
القاسم مولى معاوية عن عليّ عند الطبرانيّ: ((وأرَتْه أثراً في يدها من الرحى)).
وفي زوائد عبد الله بن أحمد في مسند أبيه، وصححه ابن حبان، من
طريق محمد بن سيرين، عن عَبِيدة بن عمرو، عن عليّ: ((اشتكت فاطمة مَجْل
يدها))، وهو بفتح الميم، وسكون الجيم، بعدها لام، معناه: التقطيع.
وقال الطبريّ: المراد به: غِلَظ اليد، وكلّ مَن عَمِل عملاً بكفه، فغَلُظ
جلدها قيل: مَجِلت(٢) كفه.
وعند أحمد من رواية هُبيرة بن يَرِيم عن عليّ: ((قلت لفاطمة: لو أتيت
(١) ((المصباح المنير)) ٢٢٣/١.
(٢) مجل من بابي نصر، وفَرِح. اهـ. ((ق)).

٤٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
النبيّ ◌َ﴿، فسألتيه خادماً، فقد أجهدك الطحن، والعمل))، وعنده وعند ابن
سعد، من رواية عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عليّ: ((أن رسول الله وَل و لما
زوَّجه فاطمة ... )) فذكر الحديث، وفيه: ((فقال عليّ لفاطمة ذات يوم: والله لقد
سَنَوْت حتى اشتكيت صدري، فقالت: وأنا والله لقد طحنت حتى مَجِلت
يداي)».
وقوله: ((سنوت)) بفتح السين المهملة، والنون؛ أي: استقيت من البئر،
فكنت مكان السانية، وهي الناقة.
وعند أبي داود من طريق أبي الورد بن ثُمامة، عن عليّ بن عبد، عن
عليّ: ((قال: كانت عندي فاطمة بنت النبيّ وَّ، فجَرَّت بالرحى حتى أثّرت
بيدها، واستقت بالقِربة حتى أثّرت في عنقها، وقَمَّت البيتَ حتى اغبرت
ثيابها»، وفي رواية له: ((وخبزت حتى تغيَّر وجهها)).
وقوله: (وَأَتَى النَّبِيَّ وَّ) جملة حاليّة بتقدير ((قد))، أو دون تقديرها على
خلاف بين النحاة. (سَبْيٌ) مرفوع على الفاعليّة لـ((أتى))، و((السبي)) بفتح السين
المهملة، وسكون الموحّدة، آخره مثنّاة تحتانيّة؛ أي: عبيد مسبيّون، يقال: سَبَيْتُ
العدوّ سَبْياً، من باب رمى: إذا أَسَرْته، والاسم: السِّبَاءُ، وزانُ كتاب، والقصر
لغة، وأَسْبَيْتُهُ مثلُه، فالغلامِ سَبِيٍّ، ومَسْبِيٍّ - بالتشديد - والجارية سَبِيَّةٌ، ومَسْبِيَّةٌ
- بالتشديد أيضاً - وجمعها سَبَايَا، مثلُ عطيّة وعطايا، وقوم سَبْيٌ - بالتخفيف -
وصفٌ بالمصدر، قال الأصمعيّ: لا يقال للقوم إلا كذلك، قاله الفيّوميّ(١).
ووقع في بعض النسخ بلفظ: ((فأُتي النبيّ وَّر بسبي))، فالفعل على هذا
مبنيّ للمفعول، فتنبّه.
وفي رواية البخاريّ: ((قوله: فأتت النبيّ وَّ تسأله خادماً))؛ أي: جارية
تخدمها، ويُطلق أيضاً على الذكر، وفي رواية السائب: ((وقد جاء الله أباك
بسبي، فاذهبي إليه، فاستخدميه))؛ أي: اسأليه خادماً، وزاد في رواية يحيى
القطان، عن شعبة: ((وبلَغها أنه جاءه رقيق))(٢).
(١) ((المصباح المنير)) ٢٦٥/١، بزيادة من ((القاموس)) ص٥٩٢.
(٢) ((الفتح)) ٣١٥/١٤، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٣١٨).