Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
(١١) - بَابُ فَضْلِ الإِجْتِمَاعِ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨٢٩)
ويَحْتَمِل أن يكون ذلك على جهة الإغياء، والأوّل أولى، والله تعالى
أعلم.
وقوله: «إن فضل العالم على العابد، كفضل القمر ليلة البدر على سائر
الكواكب)): هذه المفاضلة لا تصحّ حتى يكون كل واحد منهما قائماً بما وجب
عليه من العلم والعمل، فإنَّ العابد لو ترك شيئاً من الواجبات، أو عَمِله على
جهل لم يستحقّ اسم العابد، ولا تصحّ له عبادة، والعالم لو ترك شيئاً من
الواجبات لكان مذموماً، ولم يستحقّ اسم العالم، فإذاً محلّ التفضيل إنما هو
في النوافل، فالعابد يستعمل أزمانه في النوافل من الصلاة، والصوم، والذكر،
وغير ذلك، والعالم يستعمل أزمانه في طلب العلم، وحفظه، وتقييده،
وتعليمه، فهذا هو الذي شبَّهه بالبدر؛ لأنَّه قد كَمُل في نفسه، واستضاء به كل
شيء في العالم، من حيث إن علمه تعدّى لغيره، وليس كذلك العابد، فإنَّ
غايته أن ينتفع في نفسه، ولذلك شبَّهه بالكوكب الذي غايته أن يُظهر نفسه.
وقوله: ((وإن العلماء ورثة الأنبياء) إنما خصّ العلماء بالوراثة، وإن كان
العبّاد أيضاً قد ورثوا العلم بما صاروا به عبّاداً؛ لأنَّ العلماء هم الذين نابوا عن
النبيّ وَّ فِي حَمْلهم العلم عنه، وتبليغهم إياه لأمته، وإرشادهم لهم، وهدايتهم.
وبالجملة فالعلماء هم العالمون بمصالح الأمة بعده، الذابون عن سُنَّته،
الحافظون لشريعته، فهؤلاء الأحقّ بالوراثة، والأولى بالنيابة والخلافة، وأما
العبّاد فلم يُطلق عليهم اسم الوراثة؛ لقصور نفعهم، وقلّة حظهم.
وقوله: ((إن الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً))؛ يعني: أنهم - صلوات الله
عليهم - كان الغالب عليهم الزهد، فلا يتركون ما يورَث عنهم، ومن ترك منهم
شيئاً، يصحّ أن يورث عنه تصدّق به قبل موته، كما فعل نبينا وَل ﴿ حين قال:
((لا نورَث، ما تركنا صدقة))، متّفقٌ عليه.
وقوله: ((فمن أخذه أخذ بحظ وافر))؛ أي: بحظ عظيم، لا شيء أعظم
منه، ولا أفضل، كما ذكرناه. انتهى كلام القرطبيّ كَظَّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ،
والله تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ٦٨٥/٦ - ٦٨٧.

١٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
٨ - (ومنها): بيان فضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد، قال
النوويّ كَّلهُ: وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور، وقال مالك: يكره، وتأوله
بعض أصحابه، ويُلحق بالمسجد في تحصيل هذه الفضيلة: الاجتماع في
مدرسة، ورِباط، ونحوهما - إن شاء الله تعالى -، ويدلّ عليه إطلاقه في رواية
لمسلم عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدريّ ﴿ه بلفظ: ((لا يقعد قوم
يذكرون الله وَك إلا حفتهم الملائكة ... )) الحديث، فإنه مطلق يتناول جميع
المواضع، ويكون التقييد في الحديث الأول خرج مخرج الغالب، لا سيما في
ذلك الزمان، فلا يكون له مفهوم يُعمل به، قاله النوويّ تَخْذَّتُهُ(١).
٩ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَخَذَتُهُ: فيه ما يدلّ على جواز تعليم القرآن
في المساجد، أما للكبار الذين يتحفّظون بالمسجد فلا إشكال فيه، ولا يُختلف
فيه، وأما الصغار الذين لا يتحفّظون بالمساجد، فلا يجوز؛ لأنه تعريض
للمسجد للقذر والعبث، وقد قال ◌َ: ((جنّبوا مساجدكم صبيانكم
ومجانینکم)»(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث ضعيف، فلا يصلح حجةً للمسألة،
والله تعالى أعلم.
قال: وقد تمسّك بهذا الحديث من يُجيز قراءة القرآن على لسان واحد،
كما يُفعل عندنا بالمغرب، وقد كره بعض علمائنا ذلك، ورأوا أنها بدعة؛ إذ
لم تكن كذلك قراءة السلف، وإنما الحديث محمول على أن كلّ واحد يدرس
(١) ((شرح مسلم)) ٢١/١٧ - ٢٢.
(٢) هذا أخرجه المصنّف برقم (٧٥٠) من حديث واثلة بن الأسقع ﴿ه؛ أن النبي ◌َله
قال: ((جَنِّبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وشراءكم، وبيعكم، وخصوماتكم،
ورَفْع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسَلَّ سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر،
وجَمِّروها في الجُمَع))، وهو ضعيف؛ لأن في سنده الحارث بن نبهان، متروك،
وشیخه ضعيف.
وأخرجه عبد الرزاق في ((مصنّفه)) (١٧٢٦)، وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٢/
٢٦ وقال: رواه الطبرانيّ في ((الكبير))، ومكحول لم يسمع من معاذ. انتهى.
والحاصل أن الحديث ضعيف.

١٨٣
(١١) - بَابُ فَضْلِ الإِجْتِمَاعِ عَلَى ◌ِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨٢٩)
لنفسه، أو مع من يُصلح عليه، وليستعين به. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: القول بالكراهة هو الصواب؛ لأن ذلك ليس من
هدي السلف، بل هو مما أحدثه الناس في الأزمان المتأخّرة، والله تعالى
المستعان.
١٠ - (ومنها): أن العبرة بالأعمال الصالحات، لا بالنسب الشريف،
ولذا ترى أكثر العلماء من السلف والخلف لا أنساب لهم يتفاخرون بها، بل
كثير منهم من الموالي، ومع ذلك هم سادات الأمة، وينابيع الحكمة، وذو
النسب الشريف الذي لم يتّبع الهدى صار نِسْياً منسيّاً، ولذا قال وَله: ((إن الله
يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين))، رواه مسلم، وعن أبي هريرة
قال: قام رسول الله وَله حين أنزل الله وَك: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِنَ
(٢١٤)
[الشعراء: ٢١٤]، قال: ((يا معشر قريش اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله
شيئاً، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب
لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا صفية عمة رسول الله صل﴿ لا أغني عنك من الله
شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد ◌ّي سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله
شيئاً))، متّفقٌ عليه.
ولبعضهم شعراً [من البسيط]:
مَا بَالُ نَفْسِكَ أَنْ تَرْضَى تُدَنِّسُهَا
تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا
وقال آخر (من الطويل]:
عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ
فَقَدْ رَفَعَ الإِسْلَامُ سَلْمَانَ فَارِسٍ
ولآخر [من الكامل]:
إِنَّا وَإِنْ كَرُمَتْ أَوَائِلُنَا
نَبْنِي كَمَا كَانَتْ أَوَائِلُنَا
ولآخر:
وَثَوْبُ جِسْمِكَ مَغْسُولٌ مِنَ الدَّنِس
إِنَّ السَّفِينَةَ لَا تَجْرِي عَلَى الْيَسِ(٢)
وَلَا تَتْرُكِ التَّقْوَى اتِّكَالاً عَلَى النَّسَبْ
وَقَدْ وَضَعَ الْكُفْرُ الشَّرِيفَ أَبَا لَهَبْ
لَسْنَا عَلَى الأَحْسَابِ نَشَكِلُ
تَبْنِي وَنَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلُوا
(١) ((المفهم)) ٦/ ٦٨٧.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٤١٤/١ - ٤١٦.

١٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
كُنِ ابْنَ مَنْ شِئْتَ وَاكْتَسِبْ أَدَباً يُغْنِيكَ مَحْمُودُهُ عَنِ النَّسَبِ
لَيْسَ الْفَتَى مَنْ يَقُولُ کَانَ أَبِي
إِنَّ الْفَتَى مَنْ يَقُولُ هَا أَنَا ذَا
والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد الحافظ ابن رجب كلُّ في شرح
هذا الحديث، وأفاد، فأحببت إيراده هنا، وإن كان مطوّلاً؛ تكميلاً للفوائد،
ونشراً للعوائد؛ لأن كتابي هذا موضوع للتوسّع في جمع الفوائد العلميّة؛
تقريباً لها إلى محبي السُّنَّة، فأذكرها في مسائل مكمّلة لِمَا سبق من المسائل،
فأقول :
(المسألة الرابعة): قال رَُّ بعد أن ساق المتن: هذا الحديث خرّجه
مسلم من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، واعتَرَض عليه غير
واحد من الحفاظ في تخريجه، منهم الفضل الهرويّ، والدارقطنيّ، فإن
أسباط بن محمد رواه عن الأعمش، قال: حدّثنا عن أبي صالح، فتبيَّن أن
الأعمش لم يسمعه من أبي صالح، ولم يذكر من حدثه عنه، ورجّح الترمذيّ
وغيره هذه الرواية.
قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت لك الردّ على هذا الاعتراض، وأن
الصواب مع مسلم، وأن الحديث صحيح، دون شكّ، وذلك في التنبيه الذي
بعد المسألة الأولى، فارجع إليه تستفد علماً، وبالله التوفيق.
قال: وزاد بعض أصحاب الأعمش في متن الحديث: ((ومن أقال الله
مسلماً أقال الله عَثْرته يوم القيامة)).
وخرّجاه في ((الصحيحين)) من حديث ابن عمر ◌ًا، عن النبيّ وَّ قال:
(«المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله
في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن
ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة))(١).
وخرّج الطبراني من حديث كعب بن عُجرة، عن النبيّ وَ ل* قال: ((من
نفّس عن مؤمن كربة نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر على
(١) متّفقٌ عليه.

١٨٥
(١١) - بَابُ فَضْلِ الإِجْتِمَاعِ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨٢٩)
مؤمن عورته ستر الله عورته، ومن فرّج عن مؤمن كربة فرَّج الله عنه كربته))(١) .
وخرّج الإمام أحمد من حديث مسلمة بن مُخَلَّد، عن النبيّ وَّه قال: ((من
ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن نَجَّى مكروباً فكّ الله عنه كربة من
كرب يوم القيامة، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته))(٢). انتهى.
(المسألة الخامسة): قوله وَله: ((من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا
نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)).
هذا يرجع إلى أن الجزاء من جنس العمل، وقد تكاثرت النصوص بهذا
المعنى، كقوله ◌َ﴾: ((إنما يرحم الله من عباده الرحماء))(٣)، وقوله: ((إن الله
يعذّب الذين يعذّبون الناس في الدنيا))(٤).
و(«الكربة)): هي الشدة العظيمة التي توقع صاحبها في الكَرْب، وتنفيسها
أن يُخفَّف عنه منها، مأخوذ من تنفّس الخِناق، كأنه يرخي له الخناق، حتى
يأخذ نَفَساً، والتفريج أعظم من ذلك، وهو أن يزيل عنه الكربة، فتفرج عنه
كربته، ويزول همّه وغمّه، فجزاء التنفيس التنفيس، وجزاء التفريج التفريج، كما
في حديث ابن عمر، وقد جُمع بينهما في حديث كعب بن عُجرة.
وخرّج الترمذيّ من حديث أبي سعيد الخدريّ مرفوعاً: ((أيما مؤمن أطعم
مؤمناً على جوع أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة، وأيما مؤمن سقَى مؤمناً
على ظمأ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن كسا مؤمناً
على عُرْيٍ كساه الله من خُضْر الجنة))، وخرّجه الإمام أحمد بالشكّ في رَفْعه،
وقيل: إن الصحيح وَقْقه.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن ابن مسعود قال: ((يُحشر الناس يوم
القيامة أعرى ما كانوا قط، وأجوع ما كانوا قط، وأظمأ ما كانوا قط، وأنصب
(١) في سنده ليث بن أبي سُليم: ضعيف، وشعيب الأنماطيّ: مجهول، كما قال
الهيثميّ في ((المجمع)) ١٩٣/٨.
(٢) رواه أحمد ١٠٤/٤، وفي سنده: عنعنة ابن جريج.
(٣) متفق عليه.
(٤) رواه مسلم.

١٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
ما كانوا قط، فمن كسا لله كساه الله، ومن أطعم لله أطعمه الله، ومن سقَى لله
سقاه الله، ومن عفى الله أعفاه الله)).
وخرّج البيهقيّ من حديث أنس مرفوعاً: ((أن رجلاً من أهل الجنة يُشرف
يوم القيامة على أهل النار، فيناديه رجل من أهل النار: يا فلان، هل تعرفني؟
فيقول: لا والله، ما أعرفك، من أنت؟ فيقول: أنا الذي مررتَ بي في دار
الدنيا، فاستسقيتني شَرْبة من ماء، فسقيتك، قال: قد عرفت، قال: فاشفع لي
بها عند ربك، قال: فيسأل الله تعالى، فيقول: شَفِّعني فيه، فيأمر به، فيخرجه
من النار))(١).
وقوله: ((كربة من كرب يوم القيامة)) ولم يقل: من كرب الدنيا والآخرة،
كما قيل في التيسير والستر، وقد قيل في مناسبة ذلك: إن الكُرَب هي الشدائد
العظيمة، وليس كل أحد يحصل له ذلك في الدنيا، بخلاف الإعسار والعورات
المحتاجة إلى السَّتر، فإن أحداً لا يكاد يخلو من ذلك، ولو بتعسّر الحاجات
المهمة، وقيل: لأن كُرَب الدنيا بالنسبة إلى كُرَب الآخرة كلا شيء، فلذا
اّخر الله جزاء تنفيس الكرب عنده؛ لينفّس به کرب الآخرة، ويدلّ على ذلك
قول النبيّ ◌َّ: ((يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيُسمعهم
الداعي، ويَنفُدهم البصر، وتدنو الشمس منهم، فيبلغ الناس من الكَرْب والغم
ما لا يطيقون، ولا يحتملون، فيقول الناس بعضهم لبعض: ألا ترون ما
بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم عند ربكم ... )) وذكر حديث الشفاعة،
خرّجاه بمعناه، من حديث أبي هريرة ◌َظُه، وخرّجاه من حديث عائشة ◌ًَّا،
عن النبيّ وَّل﴿ قال: ((تُحشرون حُفاة عُراة غُرْلاً، قالت: فقلت: يا رسول الله
الرجال والنساء ينظر بعضهم بعضاً؟ فقال: الأمر أشدّ من أن يُهِمَّهم ذلك)).
وخرّجاه من حديث ابن عمر، عن النبيّ وَّ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ
النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ
[المطففين: ٦]، قال: ((يقوم أحدهم في الرَّشْح إلى
أنصاف أذنيه)).
(١) رواه أبو يعلى (٣٤٩٠) وفي سنده علي بن أبي سارة: متروك، راجع: ((المجمع))
٣٨٢/١٠.

١٨٧
(١١) - بَابُ فَضْلِ الإِجْتِمَاعِ عَلَى ◌ِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨٢٩)
وخرّجاه من حديث أبي هريرة عن النبيّ وَّ قال: ((يَعْرَق الناس يوم
القيامة، حتى يذهب عَرَقهم في الأرض سبعين ذراعاً، ويُلْجمهم حتى يبلغ
آذانهم))، ولفظه للبخاريّ، ولفظ مسلم: ((إن العرق ليذهب في الأرض سبعين
ذراعاً، وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس، أو إلى آذانهم)).
وخرّج مسلم من حديث المقداد عن النبيّ وَّ ر قال: («تدنو الشمس من
العباد، حتى تكون قدر ميل، أو ميلين، فتَصْهَرهم الشمس، فيكونون في العرق
قَدْر أعمالهم، فمنهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم
من يأخذه إلى حِقْويه، ومنهم من يُلجمه إلجاماً)).
وقال ابن مسعود: الأرض كلها يوم القيامة نار، والجنة من ورائها، ترى
أكوابها، وكواعبها، فيعرق الرجل حتى يرشح عرقه في الأرض قدر قامة، ثم
يرتفع حتى يبلغ أنفه، وما مسَّه الحساب، قال: فمم ذلك يا أبا عبد الرحمن؟
قال: مما يرى الناس ما يُصنع بهم.
وقال أبو موسى: الشمس فوق رؤوس الناس يوم القيامة، فأعمالهم
تظلهم، أو تُضحیهم(١).
وفي ((المسند)) من حديث عقبة بن عامر، مرفوعاً: ((كل امرئ في ظل
صدقته، حتى يُفصل بين الناس)) (٢).
(المسألة السادسة): قوله وَهُ: ((ومن يسَّر على مُعْسِر يسَّر الله عليه في
الدنيا والآخرة)): وهذا أيضاً يدلّ على أن الإعسار قد يحصل في الآخرة، وقد
وَصَف الله يوم القيامة بأنه عسير، وأنه على الكافرين غير يسير، فدلّ على أنه
يسير على غيرهم، وقال: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَفِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦]،
والتيسير على المعسر في الدنيا من جهة المال يكون بأحد أمرين: إما بإنظاره
إلى الميسرة، وذلك واجب، كما قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى
مَيْسَرَوْ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وتارةً بالوضع عنه إن كان غريماً، وإلا فبإعطائه ما يزول
به إعساره، وكلاهما له فضل عظيم.
(١) أي: تظهرهم، وتبرزهم.
(٢) رواه أحمد ١٤٧/٤ - ١٤٨، وصححه ابن حبّان برقم (٣٣١٠).

١٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
وفي ((الصحيحين)) عن أبي هريرة اله عن النبيّ وَّ قال: ((كان تاجر
يداين الناس، فإذا رأى معسراً قال لصبيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله أن يتجاوز
عنّا، فتجاوز الله عنه)).
وفيهما عن حذيفة، وأبي مسعود الأنصاريّ، سمعا النبيّ وَلّ يقول:
(مات رجل، فقيل له: بمَ غفر الله لك؟ فقال: كنت أبايع الناس، فأتجاوز عن
الموسر، وأخفف عن المعسر)).
وفي رواية: قال: ((كنت أُنظر المعسر، وأتجوّز في السكة - أو قال: في
النقد - فغُفر له)).
وخرّجه مسلم من حديث أبي مسعود، عن النبيّ وَّ، وفي حديثه:
((قال الله: نحن أحقّ بذلك منه، تجاوزوا عنه)).
وخرّج أيضاً من حديث أبي قتادة عظته، عن النبيّ وَّ قال: ((من سرّه أن
ينجيه الله من كُرَب يوم القيامة، فلينفّس عن معسر، أو يضع عنه)).
وخرّج أيضاً من حديث أبي الْيَسَر ◌َّ ◌ُبه، عن النبيِّ ◌ّ قال: ((من أنظر
معسراً، أو وضع عنه، أظله الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه)).
وفي ((المسند)) عن ابن عمر ﴿يَا، عن النبيّ وَ لّ قال: ((من أراد أن
تستجاب دعوته، أو تُكشف كربته، فليفرج عن معسر)(١).
(المسألة السابعة): قوله وَله: ((ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)):
هذا مما تكاثرت النصوص بمعناه، وخرّج ابن ماجه من حديث ابن عباس ﴿ًا، عن
النبيّ ◌َّه قال: ((من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف
عورة أخيه المسلم، كشف الله عورته، حتى يَفضحه بها في بيته)) (٢).
وخرّج الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر مظلته، سمع النبيّ وَل
يقول: ((من ستر على المؤمن عورته، ستره الله رحم يوم القيامة))(٣).
(١) وفي سنده زيد العمّيّ، على ضَعفه لم يسمع من ابن عمر ﴾
(٢) في سنده مقال، كما قال البوصيريّ، إلا أنه صحيح بشواهد.
(٣) رواه أحمد ١٥٩/٤، وفي سنده انقطاع، كما قال الهيثميّ في ((المجمع)) ١٣٤/١،
لکنه یصحّ بشواهد.

١٨٩
(١١) - بَابُ فَضْلِ الإِجْتِمَاعِ عَلَى ◌ِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨٢٩)
وقد رُوي عن بعض السلف أنه قال: أدركت قوماً لم يكن لهم عيوب،
فذكروا عيوب الناس، فذكر الناس لهم عيوباً، وأدركت قوماً كانت لهم عيوب،
فكَفُّوا عن عيوب الناس، فنُسيت عيوبهم، أو كما قال.
وشاهِدُ هذا الحديث: حديث أبي برزة ه، عن النبيّ وَلّ؛ أنه قال:
((يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تغتابوا المسلمين،
ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم، تتبَّع الله عورته، ومن تتبع الله
عورته يفضحه في بيته))(١)، خرّجه الإمام أحمد، وأبو داود، وخرّج الترمذيّ
معناه من حديث ابن عمر تا.
(واعلم): أن الناس على ضربين:
أحدهما: من كان مستوراً لا يُعرف بشيء من المعاصي، فإذا وقعت منه
هفوة، أو زلة، فإنه لا يجوز هتكها، ولا كشفها، ولا التحدث بها؛ لأن ذلك
غيبة محرّمة، وهذا هو الذي وردت فيه النصوص، وفي ذلك قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِ الدُّنْيَا
وَالْآَخِرَةَّ﴾ [النور: ١٩]، والمراد: إشاعة الفاحشة على المؤمن فيما وقع منه،
واثُّهِم به، وهو بريء منه، كما في قضية الإفك.
قال بعض الوزراء الصالحين لبعض من يأمر بالمعروف: اجتهد أن تستر
العصاة، فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسلام، وأَولى الأمور سَتر
العيوب، ومثل هذا لو جاء تائباً نادماً، وأقرّ بحدّ، ولم يُفَسِّره لم يُستفسَر، بل
يؤمر بأن يرجع، ويستر نفسه، كما أمر النبيّ ◌َ ﴿ ماعزاً، والغامدية، وكما لم
يستفسر الذي قال: أصبت حدّاً، فأقمه عليّ، ومثل هذا لو أُخذ بجريمته، ولم
يبلغ الإمام، فإنه يُشفع له، لا يبلغ الإمام، وفي مثله جاء في الحديث عن
النبيّ وَليقول: ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم))، خرّجه أبو داود، والنسائيّ، من
٢)
حديث عائشة
والثاني: من كان مشتهراً بالمعاصي، مُعلناً بها، ولا يبالي بما ارتكب
منها، ولا بما قيل له، هذا هو الفاجر المعلن، وليس له غِيبة، كما نصّ على
(١) صحيح بشواهده.
(٢) صححه ابن حبّان.

١٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
ذلك الحسن البصريّ وغيره، ومثل هذا لا بأس بالبحث عن أمره؛ لتقام عليه
الحدود، وصرَّح بذلك بعض أصحابنا - يعني: الحنبليّة - واستَدَلّ بقول
النبيّ وَلِّ: ((واعْدُ يا أُنيسُ على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها))(١). ومثل
هذا لا يُشفع له إذا أُخذ، ولو لم يبلغ السلطان، بل يُترك حتى يقام عليه الحدّ؛
لينكَفّ شرّه، ويَرتدع به أمثاله، قال مالك: من لم يُعرف منه أذى للناس، وإنما
كانت منه زلّة، فلا بأس أن يُشفع له ما لم يبلغ الإمام، وأما من عُرف بشرّ، أو
فساد، فلا أُحِبّ أن يَشفع له أحد، ولكن يُترك حتى يقام عليه الحدّ، حكاه ابن
المنذر وغيره.
وكَرِه الإمام أحمد رَفْع الفسّاق إلى السلطان بكل حال، وإنما كرهه؛
لأنهم غالباً لا يقيمون الحدود على وجهها، ولهذا قال: إن علمتَ أنه يقيم
عليه الحدّ فارفعه، ثم ذكر أنهم ضربوا رجلاً، فمات؛ يعني: أنه لم يكن قَتْله
جائزاً .
ولو تاب أحدٌ من الضرب الأول كان الأفضل له أن يتوب فيما بينه
وبين الله تعالى، ويستر على نفسه، وأما الضرب الثاني فقيل: إنه كذلك،
وقيل: بل الأَولى له أن يأتي الإمام، ويقرّ على نفسه بما يوجب الحدّ حتى
يطهّره .
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأولى عدم الاعتراف؛ لأنه وَ ل و أشار
على ماعز بالتراجع، فدلّ على أن الأَولى عدمه، بل يُحسن التوبة فيما بينه
وبين الله تعالى، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثامنة): قوله: ((والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه))،
وفي حديث ابن عمر رضيًا: ((ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته))،
وخرّج الطبرانيّ من حديث عمر عنه مرفوعاً: ((أفضل الأعمال إدخال السرور
على المؤمن: كسوت عورته، أو أشبعت جوعته، أو قضيت له حاجته))(٢).
(١) متّفقٌ عليه.
(٢) ضعّفه الهيثميّ في ((المجمع)) بأن في سنده ضعيفين: محمد بن بشير الكنديّ، وكثير
النوّاء، وحسّنه بعضهم.

١٩١
(١١) - بَابُ فَضْلِ الإِجْتِمَاعِ عَلَى ثِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨٢٩)
وبَعَث الحسن البصريّ قوماً من أصحابه في قضاء حاجة لرجل، وقال
لهم: مُرّوا بثابت البنانيّ، فخذوه معكم، فأتَوْا ثابتاً، فقال: أنا معتكف،
فرجعوا إلى الحسن، فأخبروه، فقال: قولوا: يا أعمش أما تعلم أن مشيك في
حاجة أخيك المسلم خير لك من حجة بعد حجة؟، فرجعوا إلى ثابت، فترك
اعتكافه، وذهب معهم.
وخرّج الإمام أحمد من حديث ابنة لخباب بن الأرتّ، قالت: خرج
خباب في سرية، فكان النبيّ وَل﴿ يتعاهدنا، حتى يحلُّب عنزة لنا في جفنة لنا،
فتمتلئ حتى تفيض، فلما قَدِم خباب حلبها، فعاد حلابها إلى ما كان.
وكان أبو بكر الصديق ﴿به يحلُب للحيّ أغنامهم، فلما استُخلف قالت
جارية منهم: الآن لا يحلبها، فقال أبو بكر: بل وإني لأرجو أن لا يغيّرني ما
دخلت فيه عن شيء كنت أفعله، أو كما قال.
وإنما كانوا يقومون بالحِلاب؛ لأن العرب كانت لا تحلب النساء منهم،
وكانوا يستقبحون ذلك، وكان الرجال إذا غابوا احتاج النساء إلى من يحلب
لهنّ.
وقد رُوي عن النبيّ وَّر أنه قال لقوم: ((لا تسقوني حَلْب امرأة))(١).
وكان عمر يتعاهد الأرامل، يستقي لهنّ الماء بالليل، ورآه طلحة بالليل
يدخل بيت امرأة، فدخل إليها طلحة نهاراً، فإذا هي عجوز عمياء مقعدة،
فسألها: ما يصنع هذا الرجل عندك؟ قالت: هذا مذ كذا وكذا يتعاهدني، يأتيني
بما يصلحني، ويُخرج عني الأذى، فقال طلحة: ثكلتك أمك يا طلحة،
أعورات عمر تتبع؟
وكان أبو وائل يطوف على نساء الحيّ وعجائزهنّ كل يوم، فيشتري لهنّ
حوائجهنّ، وما يصلحهن.
وقال مجاهد: صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه، فكان يخدمني.
وكان كثير من الصالحين يشترط على أصحابه أن يخدمهم في السفر،
وصحب رجل قوماً في الجهاد، فاشترط عليهم أن يخدمهم، وكان إذا أراد أحد
(١) منكر.

١٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
منهم أن يغسل رأسه أو ثوبه، قال: هذا من شَرْطي، فيفعله، فمات، فجرَّدوه
للغُسل، فرأوا على يده مكتوباً: من أهل الجنة، فنظروا، فإذا هي كتابة بين
الجلد واللحم.
وفي ((الصحيحين)) عن أنس قال: كنا مع النبيّ ◌َّ في السفر، فمنا
الصائم، ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلاً في يوم حارّ، أكثرُنا ظلّاً صاحب
الكساء، ومنا من يتقي الشمس بيده. قال: فسقط الصُّوّام، وقام المفطرون،
وضربوا الأبنية، وسَقَوا الركاب، فقال رسول الله وَّ ه: ((ذهب المفطرون اليوم
بالأجر)).
ويروى عن رجل من أسلم أن النبيّ وَل ◌ّ أُتي بطعام في بعض أسفاره،
فأكل منه، وأكل أصحابه، وقبض الأسلميّ يده، فقال له رسول الله ويلات: ((ما
لك؟)) فقال: إني صائم، قال: ((فما حملك على ذلك؟))، قال: كان معي ابناي
يرحّلان لي، ويخدماني، فقال: ((ما زال لهم الفضل عليك بعدُ)).
وفي مراسيل أبي داود عن أبي قلابة؛ أن ناساً من أصحاب رسول الله وَّله
قَدِموا يُثنون على صاحب لهم خيراً، قالوا: ما رأينا مثل فلان قط، ما كان في
مسير إلا وكان في قراءة، ولا نزلنا منزلاً إلا كان في صلاة، قال: ((فمن كان
يكفيه ضيعته - حتى ذَكَر - من كان يَعلف جمله، أو دابته؟» قالوا: نحن، قال:
«فکلکم خیر منه)).
(المسألة التاسعة): قوله وَلجر: ((ومن سلك طريقاً، يلتمس فيه علماً،
سهل الله له طريقاً إلى الجنة)). وقد رَوَى هذا المعنى أيضاً أبو الدرداء
عنه ،
عن النبيّ أَلۇ .
وسلوكُ الطريق لالتماس العلم يَدخل فيه سلوك الطريق الحقيقيّ، وهو
المشي بالأقدام إلى مجالس العلماء، ويدخل فيه سلوك الطرق المعنوية المؤدية
إلى حصول العلم، مثل حِفظه، ومدارسته، ومذاكرته، ومطالعته، وكتابته،
والتفهم له، ونحو ذلك، من الطرق المعنوية التي يُتوصل بها إلى العلم.
وقوله: ((سهّل الله له طريقاً إلى الجنة)): قد يراد بذلك: أن الله يسهّل له
العلم الذي طلبه، وسَلَك طريقه، وييسره عليه، فإن العلم طريق يوصل إلى الجنة،
١٧) ﴾ [القمر: ١٧]،
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذُكٍِ

١٩٣
(١١) - بَابُ فَضْلِ الإِجْتِمَاعِ عَلَى ◌ِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨٢٩)
وقال بعض السلف: هل من طالب علم، فيعان عليه؟ وقد يراد أيضاً: أن الله ييسر
لطالب العلم إذا قصد بطلبه وجه الله تعالى الانتفاع به، والعمل بمقتضاه، فيكون
سبباً لهدايته، ولدخول الجنة بذلك، وقد يُيسّر الله لطالب العلم علوماً أخرى ينتفع
بها، وتكون موصلة إلى الجنة، كما قيل: من عَمِل بما عَلِم أورثه الله علم ما لم
يعلم، وكما قيل: إن من ثواب الحسنة الحسنةَ بعدها، وقد دلّ على ذلك قوله
تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ أَهْتَدَوْاْ هُدَّىٌ﴾ [مريم: ٧٦]، وقوله تعالى: ﴿وَأَِّينَ أَهْتَدَوْاْ
زَادَهُمْ هُدَى وَءَائَنُهُمْ تَّقْوَنَّهُمْ (19)﴾ [محمد: ١٧]، وقد يدخل في ذلك أيضاً تسهيل
طريق الجنة الحسنى يوم القيامة، وهو الصراط، وما قبله، وما بعده من الأهوال،
فييسر ذلك على طالب العلم؛ للانتفاع به، فإن العلم يدلّ على الله من أقرب
الطرُق إليه، فمن سلك طريقه، ولم يُعَرِّج عنه، وصل إلى الله تعالى، وإلى الجنة
من أقرب الطرق، وأسهلها، فسَهُلَت عليه الطرق الموصلة إلى الجنة كلها في
الدنيا والآخرة، فلا طريق إلى معرفة الله، وإلى الوصول إلى رضوانه، والفوز
بقربه، ومجاورته في الآخرة، إلا بالعلم النافع، الذي بعث الله به رسله، وأنزل به
كتبه، فهو الدليل عليه، وبه يُهتدَى في ظلمات الجهل، والشُّبَه، والشكوك، ولهذا
سَمَّى الله كتابه نوراً يُهتَدى به في الظلمات، وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ
رَسُولُنَا يُبَيِّثُ لَكُمْ كَثِيرً مِّمَا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَعْفُواْ عَنْ
كَثِرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اْللَّهِ نُورٌ وَكِتَبٌ مُبِينٌ ﴿ يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ
أَتَّبَعَ رِضْوَانَهُ، سُبُلَ السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ
إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].
ومَثَل النبيّ وَ ﴿ حملة العلم الذي جاء به بالنجوم التي يُهتدَى بها في
الظلمات، ففي ((المسند)) عن أنس به عن النبيّ وَلو قال: ((إن مثل العلماء في
الأرض كمثل النجوم في السماء، يُهتدَى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا
انطمست النجوم أوشك أن تضلّ الهداة))(١).
وما دام العلم باقياً في الأرض، فالناس في هُدًى، وبقاء العلم ببقاء
حَمَلَته، فإذا ذهب حملته، ومن يقوم به، وقع الناس في الضلال، كما في
(١) في سنده: رشدين بن سعد: ضعيف.

١٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
((الصحيحين)) عن عبد الله بن عمرو ظه، عن النبيّ وَلّ: ((إن الله لا يقبض
العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، فإذا لم يَبق
عالمٌ اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا، وأضلوا)).
وذكر النبيّ ◌َّه يوماً رَفْع العلم، فقيل له: كيف يذهب العلم، وقد قرأنا
القرآن، وأقرأناه نساءنا، وأبناءنا؟ فقال النبيّ وَلقول: ((هذه التوراة، والإنجيل،
عند اليهود والنصارى، فماذا تغني عنهم؟))، فسئل عبادة بن الصامت عن هذا
الحديث، فقال: لو شئت لأخبرتك بأول علم يُرفع من الناس: الخشوع، وإنما
قال عبادة هذا؛ لأن العلم قسمان:
أحدهما: ما كان ثمرته في قلب الإنسان، وهو العلم بالله تعالى،
وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، المقتضية لخشيته، ومهابته، وإجلاله، والخضوع
له، ومحبته، ورجائه، ودعائه، والتوكل عليه، ونحو ذلك، فهذا هو العلم
النافع، كما قال ابن مسعود ربه: إن أقواماً يقرؤون القرآن، لا يجاوز
تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب، فَرَسَخ فيه نفع.
وقال الحسن: العلم علمان: علم على اللسان، فذاك حجة الله على ابن
آدم، كما في الحديث: ((القرآن حجة لك، أو عليك))، وعِلم في القلب، فذاك
العلم النافع.
والقسم الثاني: العلم الذي على اللسان، وهو حجة لك، أو عليك،
فأول ما يُرفع من العلم: العلم النافع، وهو الباطن الذي يخالط القلوب،
ويُصلحها، ويبقَى عِلم اللسان حجة، فيتهاون الناس به، ولا يعملون بمقتضاه،
لا حَمَلَته، ولا غيرهم، ثم يذهب هذا العلم بذهاب حملته، فلا يبقَى إلا
القرآن في المصاحف، وليس ثَمّ من يعلم معانيه، ولا حدوده، ولا أحكامه،
ثم يُسرَى به في آخر الزمان، فلا يبقَى في المصاحف، ولا في القلوب منه
شيء بالكلية، وبعد ذلك تقوم الساعة، كما قال ◌َله: ((لا تقوم الساعة إلا على
شرار الناس))، وقال: ((لا تقوم الساعة، وفي الأرض أحد يقول: الله الله)).
(المسألة العاشرة): قوله ◌َلّ: ((ما جلس قوم في بيت من بيوت الله،
يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم
الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)).

١٩٥
(١١) - بَابُ فَضْلِ الإِجْتِمَاعِ عَلَى ◌ِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨٢٩)
هذا يدلّ على استحباب الجلوس في المساجد؛ لتلاوة القرآن،
ومدارسته، وهذا إن حُمل على تعلم القرآن، وتعليمه، فلا خلاف في
ـُ عن النبيّ وَّه قال: ((خيركم
استحبابه، وفي ((صحيح البخاريّ)) عن عثمان
من تعلم القرآن، وعلّمه))، وقال أبو عبد الرحمن السُّلَميّ: فذلك الذي أقعدني
في مقعدي هذا، وكان قد عَلَّم القرآن في زمن عثمان بن عفان، حتى بلغ
الحجاج بن يوسف.
وإن حُمل على ما هو أعمّ من ذلك دخل فيه الاجتماع في المسجد على
دراسة القرآن مطلقاً، وقد كان النبيّ وَ﴿ أحياناً يأمر من يقرأ القرآن؛ ليسمع
قراءته، كما كان ابن مسعود به يقرأ عليه، وقال: ((إني أحب أن أسمعه من
غيري))، متفقٌ عليه.
وكان عمر رُه يأمر من يقرأ عليه، وعلى أصحابه، وهم يستمعون،
فتارةً يأمر أبا موسى، وتارة يأمر عقبة بن عامر.
وسئل ابن عباس ﴿ها: أيُّ العمل أفضل؟ قال: ذِكر الله، وما جلس قوم
في بيت من بيوت الله يتعاطون فيه كتاب الله فيما بينهم، ويتدارسونه، إلا
أظلّتهم الملائكة بأجنحتها، وكانوا أضياف الله ما داموا على ذلك، حتى
يخوضوا في حديث غيره. ورُوي مرفوعاً، والموقوف أصحّ.
ورَوَى يزيد الرّقَاشيّ عن أنس قال: كانوا إذا صَلَّوا الغداة قعدوا حِلَقاً
حِلَقاً، يقرؤون القرآن، ويتعلمون الفرائض والسنن، ويذكرون الله تعالى.
ورَوَى عطية، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّ وَ ◌ّ قال: ((ما من قوم
صَلَّوا صلاة الغداة، ثم قعدوا في مصلاهم، يتعاطون كتاب الله، ويتدارسونه،
إلا وُكِّل بهم ملائكة، يستغفرون لهم، حتى يخوضوا في حديث غيره)).
وهذا يدلّ على استحباب الاجتماع بعد صلاة الغداة لمدارسة القرآن،
ولكن عطية فيه ضعف.
وقد رَوَى حرب الكرماني بإسناده عن الأوزاعيّ أنه سئل عن الدراسة بعد
صلاة الصبح، فقال: أخبرني حسان بن عطية، أن أول من أحدثها في مسجد
دمشق: هشام بن إسماعيل المخزوميّ في خلافة عبد الملك بن مروان، فأخذ
الناس بذلك، وبإسناده عن سعيد بن عبد العزيز، وإبراهيم بن سليمان: أنهما

١٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
كانا يدرّسان القرآن بعد صلاة الصبح ببيروت، والأوزاعيّ في المسجد، لا يغيّر
عليهم، وذكر حرب أنه رأى أهل دمشق، وأهل حمص، وأهل مكة، وأهل
البصرة، يجتمعون على القرآن بعد صلاة الصبح، ولكن أهل الشام يقرؤون
القرآن كلهم جملة من سورة واحدة بأصوات عالية، وأهل البصرة، وأهل مكة
يجتمعون، فيقرأ أحدهم عشر آيات، والناس ينصتون، ثم يقرأ آخر عشر آيات،
حتى يفرغوا، قال حرب: وكل ذلك حسن جميل.
وقد أنكر مالك على أهل الشام، وقال زيد بن عبيد الدمشقيّ: قال لي
مالك بن أنس: بلغني أنكم تجلسون حِلَقاً تقرؤون، فأخبرته بما كان يفعل
أصحابنا، فقال مالك: عندنا كان المهاجرون والأنصار ما نعرف هذا، قال:
فقلت: هذا طريف، قال: وطريف رجل يقرأ، ويجتمع الناس حوله، فقال:
هذا من غير رأينا، قال أبو مصعب، وإسحاق بن محمد الّرُويّ: سمعنا مالك بن
أنس يقول: الاجتماع بكرة بعد صلاة الصبح لقراءة القرآن بدعة، ما كان
أصحاب رسول الله وَلّر، ولا العلماء بعدهم على هذا، كانوا إذا صلوا يخلو
كل بنفسه، ويقرأ، ويذكر الله تعالى، ثم ينصرفون من غير أن يكلّم بعضهم
بعضاً؛ اشتغالاً بذكر الله، فهذه كلها مُحْدَثة.
وقال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: لم تكن القراءة في المسجد من
أمْر الناس القديم، وأول من أحدث في المسجد: الحَجَّاج بن يوسف، قال
مالك: وأنا أكره ذلك الذي يُقرأ في المسجد في المصحف، وقد روى هذا كله
أبو بكر النيسابوريّ في كتاب مناقب مالك تَُّهُ .
واستَدَلّ الأكثرون على استحباب الاجتماع لمدارسة القرآن في الجملة
بالأحاديث الدالة على استحباب الاجتماع للذكر، والقرآنُ أفضل أنواع الذكر،
ففي ((الصحيحين)) عن أبي هريرة ظله، عن النبيّ وَ لّ قال: ((إن لله ملائكة
يطوفون في الطرُق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تعالى،
تنادوا: هَلُمُّوا إلى حاجتكم، فيحقّونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فيسألهم
ربهم، وهو أعلم بهم: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبّحونك، ويكبّرونك،
ويحمدونك، ويمجدونك .... )) الحديث، وقد تقدّم قريباً.
وفي ((صحيح مسلم)) عن معاوية ظُه؛ أن رسول الله وَير خرج على حلقة

١٩٧
(١١) - بَابُ فَضْلِ الإِجْتِمَاعِ عَلَى ◌ِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨٢٩)
من أصحابه، فقال: ((ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده لِمَا هدانا
للإسلام، ومنّ علينا به، فقال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا: الله ما أجلسنا
إلا ذلك ... )) الحديث.
وخرّج الحاكم من حديث معاوية قال: كنت مع النبيّ وَل ﴿ يوماً، فدخل
المسجد، فإذا هو بقوم في المسجد قعود، فقال النبيّ وَلهو: ((ما أقعدكم؟))
فقالوا: صلينا الصلاة المكتوبة، ثم قعدنا نتذاكر كتاب الله رَك، وسُنَّة نبيّه وَّآ،
فقال رسول الله وَ﴾: ((إن الله إذا ذَكَر شيئاً تعاظَمَ ذِكره)).
وفي المعنى أحاديث أُخَرُ متعددة، وقد أخبر وَلي أن جزاء الذين يجلسون
في بيت الله يتدارسون كتاب الله أربعة أشياء:
أحدها: تنزل السكينة عليهم، وفي ((الصحيحين)) عن البراء بن عازب
قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف، وعنده فرس، فتغشّته سحابة، فجعلت
تدور، وتدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبيّ وَّر، فذكر ذلك
له، فقال: ((تلك السكينة، تنزل للقرآن)»، وفيهما أيضاً عن أبي سعيد، أن
أُسيد بن حُضير بينما هو ليلة يقرأ في مِرْبده، إذ جالت فرسه، فقرأ، ثم جالت
أخرى، فقرأ، ثم جالت أيضاً، قال أسيد: فخشيت أن تطأ يحيى - يعني: ابنه -
قال: فقمت إليها، فإذا مثل الظّة فوق رأسي، فيها أمثال السرُج، عَرَجت في
الجوّ حتى ما أراها، فغدا على النبيّ وَّ، فذكر ذلك له، فقال: ((تلك الملائكة
كانت تسمع لك، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس، ما تستتر منهم)).
واللفظ لمسلم فيهما .
ورَوَى ابن المبارك عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحْر، عن
سعد بن مسعود؛ أن رسول الله صل ﴿ كان في مجلس، فرفع بصره إلى السماء،
ثم طأطأ بصره، ثم رفعه، فسئل رسول الله رَله عن ذلك، فقال: ((إن هؤلاء
القوم كانوا يذكرون الله تعالى - يعني: أهل مجلسٍ أَمامَهُ - فنزلت عليهم
السكينة، تحملها الملائكة كالقبّة، فلما دنت منهم تكلم رجل منهم بباطل،
فرُفعت عنهم))، وهذا مرسل.
والثاني: غَشَيان الرحمة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اَللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ
اَلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].

١٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
وخرّج الحاكم من حديث سلمان؛ أنه كان في عصابة، يذكرون الله
تعالى، فَمَرّ بهم رسول الله ◌َّ، فقال: ((ما كنتم تقولون؟ فإني رأيت الرحمة
تنزل عليكم، فأردت أن أشارككم فيها)).
وخرّج البزار من حديث أنس ظلاله عن النبيّ وَّر قال: ((إن الله سيّارة من
الملائكة، يطلبون حِلَق الذكر، فإذا أتوا إليهم حَفّوا بهم، ثم بَعَثُوا رائدهم إلى
السماء، إلى رب العزة تعالى، فيقولون: ربنا أتينا على عباد من عبادك يعظّمون
آلاءك، ويتلون كتابك، ويصلّون على نبيّك، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم،
فيقول الله تعالى: غَشُّوهم برحمتي، فيقولون: ربنا إن فيهم فلاناً الخطّاء، إنما
اعتنقهم اعتناقاً، فيقول تعالى: غَشُّوهم برحمتي، فهم الجلساء لا يشقى بهم
جليسهم))(١).
والثالث: أن الملائكة تحُفّ بهم، وهذا مذكور في الأحاديث التي
ذكرناها، وفي حديث أبي هريرة المتقدم: ((فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء
الدنيا))، وفي رواية الإمام أحمد: ((علا بعضهم على بعض، حتى يبلغوا
العرش)).
وقال خالد بن معدان، يرفع الحديث: ((إن ملائكةً في الهواء يسيحون بين
السماء والأرض، يلتمسون الذكر، فإذا سمعوا قوماً يذكرون الله تعالى، قالوا:
رُويداً - زادكم الله - فينشرون أجنحتهم حولهم، حتى يصعد كل منهم إلى
العرش)).
خرَّجه الخلال في ((كتاب السُّنَّة)).
والرابع: أن الله يذكرهم فيمن عنده، وفي ((الصحيحين)) عن أبي
هريرة رضيالله عن النبي وَلّ قال: ((يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه
حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته
في ملأ خير منهم)).
(١) في إسناده ضعف، لكن الهيثميّ حسّنه في ((المجمع)) ١٨/١٠ ونصّه: رواه البزار
من طريق زائدة بن أبي الرقاد، عن زياد النميريّ، وكلاهما وُثّق على ضعفه، فعاد
هذا إسناده حسن. انتهى.

١٩٩
(١١) - بَابُ فَضْلِ الإِجْتِمَاعِ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨٢٩)
وهذه الخصال الأربع لكل مجتمعِين على ذكر الله تعالى، كما في
((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة، وأبي سعيد، كلاهما عن النبيّ وَّر قال: ((إن
لأهل ذكر الله تعالى أربعاً: تنزل عليهم السكينة، وتغشاهم الرحمة، وتَحُفّ بهم
الملائكة، ويذكرهم الرب فيمن عنده))(١).
وقد قال الله تعالى: ﴿فَذْكُرُونِيِّ أَذْ كُرَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢].
وذِكر الله لعبده هو ثناؤه عليه في الملأ الأعلى بين ملائكته، ومباهاته به،
وتنويهه بذكره.
قال الربيع بن أنس: إن الله ذاكر مَن ذكره، وزائد مَن شكره، ومعذب
وَسَبِّحُوهُ بَكَةً
٤١
مَن كَفَره، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَّكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا
هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَكَبِكَتُهُ، لِيُخْرِحَكُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ﴾
٤٢
وَأَصِيلًا
[الأحزاب: ٤١ - ٤٣]، وصلاة الله على عبد هي ثناؤه عليه بين ملائكته، وتنويهه
بذكره، كذا قال أبو العالية، ذكره البخاريّ في ((صحيحه)).
وقال رجل لأبي أمامة: رأيت في المنام كأن الملائكة تصلي عليك،
كلما دخلت، وكلما خرجت، وكلما قمت، وكلما جلست، فقال أبو أمامة:
وأنتم لو شئتم صلّت عليكم الملائكة، ثم قرأ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًاً
كَثِيراً (® وَسَبِّحُ بَّكْرَةَ وَصِيلًا (٨ هُوَ الَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ وَمَلَبِكَتُهُ﴾، خرّجه
الحاكم.
(المسألة الحادية عشرة): قوله وَ لتر: ((ومن أبطأ به عمله لم يُسرع به نسبه))
معناه: أن العمل هو الذي يبلغ بالعبد درجات الآخرة، كما قال تعالى:
﴿وَلِكُلٍ دَرَجَتٌ مِّنَّا عَمِلُواْ﴾ [الأنعام: ١٣٢]، فمن أبطأ به عمله أن يبلغ به
المنازل العالية عند الله تعالى، لم يسرع به نسبه، فيبلغه تلك الدرجات، فإن الله
تعالى رتَّب الجزاء على الأعمال، لا على الأنساب، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُّفِخَ
(١) هو بهذا اللفظ رواه ابن أبي الدنيا، كما في ((الدرّ المنثور)) ٣٦٣/١، قاله بعض
المحققين، وأما لفظ مسلم، كما الحديث المذكور بعد هذا الحديث في هذا
الباب: ((لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت
عليهم السكينة، وذكرهم الله فیمن عنده)).

٢٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
[المؤمنون: ١٠١]، وقد أمر الله
١٠١
فِي الصُّورِ فَلَّ أَسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ
تعالى بالمسارعة إلى مغفرته ورحمته بالأعمال، كما قال تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى
مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاُلْأَرْضُ أُعِدَتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ
فِى السَّرَّآءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَظِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٣ -
وَالَّذِينَ هُم ◌ِثَايَتِ رَبِهِمْ
١٣٤]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةٍ رَبِّهِم تُشْفِقُونَ
وَالَّذِينَ يُؤْثُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةُ أَنَهُمْ إِلَى
٥٩
وَالَّذِيْنَ هُم بِهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (
٥٨
يُؤْمِنُونَ
يَِمْ رَجِعُونَ
٦٠
أُوْلَكَ يُسَرِعُونَ فِ اْخَرَتِ وَهُمْ لَمَا سَبِقُونَ
٦١
[المؤمنون: ٥٧ - ٦١ ].
قال ابن مسعود: يأمر الله بالصراط، فيُضرَب على جهنم، فيمرّ الناس
على قَدْر أعمالهم زمراً زمراً، أوائلهم كلمح البرق، ثم كمرّ الريح، ثم كمرّ
الطير، ثم كمرّ البهائم، حتى يمرّ الرجل سعياً، وحتى يمرّ الرجل مشياً، حتى
يمرّ آخرهم يتلبّط على بطنه، فيقول: يا رب لِمَ أبطأت بي؟ فيقول: إني لم
أُبطئ بك، إنما أبطأ بك عملك(١).
وفي ((الصحيحين)) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص 84* حين أنزل
عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ (3َ﴾ [الشعراء: ٢١٤]: ((يا معشر قريش اشتروا
أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد المطلب لا أغني
عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا
صفية عمة النبيّ وَ لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد عليه
سليني ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً)).
وفي رواية خارج ((الصحيحين)): ((إن أوليائي منكم المتقون، تأتي الناس
بالأعمال، وتأتوني بالدنيا، تحملونها على رقابكم، تقولون: يا محمد، يا
محمد، فأقول: قد بلَّغت)).
وخرّج ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة ظه، عن النبيّ وَله قال:
((إن أوليائي المتقون يوم القيامة، وإن كان نَسَب أقرب من نسب، يأتي الناس
بالأعمال، وتأتوني بالدنيا، تحملونها على رقابكم، تقولون: يا محمد،
يا محمد، فأقول: هكذا، وهكذا)»، فأعرض في كِلا عِطفيه.
(١) حسنٌ مرفوعاً وموقوفاً.