Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
(٥) - بَابٌ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَّاءَهُ - حديث رقم (٦٧٩٦)
(أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ) إنما عدل عن الضمير إلى الظاهر؛ تفخيماً وتعظيماً
ودَفعاً لتوهّم عود الضمير على الموصول؛ لئلا يتّحد في الصورة المبتدأ
والخبر، ففيه إصلاح اللفظ لتصحيح المعنى، وأيضاً فعَوْد الضمير على المضاف
إليه قليل.
قال الحافظ: وقرأت بخط ابن الصائغ في ((شرح المشارق)): يَحْتَمِل أن
يكون ((لقاء الله)) مضافاً للمفعول، فأقامه مقام الفاعل، و((لقاءه)) إما مضاف
للمفعول، أو للفاعل الضميرِ، أو للموصول؛ لأن الجواب إذا كان شرطاً،
فالأَولى أن يكون فيه ضمير، نعم هو موجود هنا، ولكن تقديراً. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قال العلماء: محبة الله لعبده: إرادته الخير له،
وهدايته إليه، وإنعامه عليه، وكراهته له على الضدّ من ذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((قال العلماء)) أراد به: علماء
الكلام، والأشاعرة، لا علماء السلف؛ لأن تفسير محبّة الله تعالى بإرادة الخير
ونحوه ليس مذهب السلف ﴿، بل هو تفسير باللازم، وهو غير صحيح، بل
الذي عليه السلفُ، وأهلُ الحديث إثبات صفة المحبّة لله تعالى حقيقةً على ما
يليق بجلاله زيل، ثم إذا أحبّ الله عبده أراد له الخير، وهداه إليه، وأنعم
عليه، وعلى هذا الكراهة، فليُتفطّن، والله تعالى أعلم.
(وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ)؛ أي: حين يرى ما له من العذاب عند الغرغرة،
(كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ))) فأبعده من رحمته، وأدناه من نقمته، وفيه إثبات صفة المحبّة،
والكراهية لله تعالى على ما يليق بجلاله ◌َلَ، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الأولى): حديث عبادة بن الصامت
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٩٦/٥ و٦٧٩٧] (٢٦٨٣)، و(البخاريّ) في
((الرقاق)) (٦٥٠٢)، و(الترمذيّ) في ((الجنائز)) (١٠٦٦)، و(النسائيّ) في
(١) ((الفتح)) ٦٩٩/١٤، ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٥٠٧).

٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
((المجتبى)) (١٨٣٦ و١٨٣٧) و((الكبرى)) (١٩٦٢ و١٩٦٣)، و(الطيالسيّ) في
((مسنده)) (٥٧٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠٧/٣ و٣١٦/٥ و٣٢١)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (٧٠٨/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٠٠٩)،
و(البزّار) في ((مسنده)) (٧٨٠)، و(ابن أبي عاصم) في ((الآحاد والمثاني)) (٣/
٤٣٠)، و(أبو يعلى) في (مسنده)) (١٣/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(١٤٤٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): فضل محبة لقاء الله تعالى.
٢ - (ومنها): بيان أن الجزاء من جنس العمل، فإنه قابل المحبّة بالمحبّة،
والكراهة بالكراهة.
٣ - (ومنها): بيان معنى كراهة لقاء الله - كما ورد في حديث عائشة
بأنه ليس المراد كراهة الموت، بل ما يكون وقت الاحتضار من حال العبد عند
ما يُبشَرُ المؤمن، ويُنذَرُ الكافرُ، فإذا استبشر المؤمن، وانقبض الكافر كان ذلك
علامة حب لقاء الله، وكراهته.
٤ - (ومنها): البداءة بأهل الخير في الذِّكر لِشَرَفهم، وإن كان أهل الشرّ
أکثر.
٥ - (ومنها): أن المحتضر إذا ظهرت عليه علامات السرور كان ذلك
دليلاً على أنه بُشّر بالخير، وكذا بالعكس.
٦ - (ومنها): أن محبة لقاء الله لا تدخل في النهي عن تمنّ الموت؛
لأنها ممكنة مع عدم تمني الموت، كأن تكون المحبة حاصلة لا يفترق حاله
فيها بحصول الموت ولا بتأخره، وأن النهي عن تمني الموت محمول على
حالة الحياة المستمرّة، وأما عند الاحتضار والمعاينة، فلا تدخل تحت النهي،
بل هي مستحبّة، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): أن في كراهة الموت في حالة الصحة تفصيلاً، فمن كرهه
إيثاراً للحياة على ما بعد الموت من نعيم الآخرة كان مذموماً، ومن كرهه خشية
أن يُفضي إلى المؤاخذة كأن يكون مقصّراً في العمل، لم يستعدّ له بالأُهبة بأن
يتخلّص من التبعات، ويقوم بأمر الله كما يجب فهو معذور، لكن ينبغي لمن

٨٣
(٥) - بَابٌ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللّهُ لِقَاءُهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ - حديث رقم (٦٧٩٧ - ٦٧٩٨)
وجد ذلك أن يبادر إلى أخذ الأهبة حتى إذا حضره الموت لا يكرهه، بل يحبّه
لِمَا يرجو بعده من لقاء الله تعالى.
٨ - (ومنها): أن فيه أن الله تعالى لا يراه في الدنيا أحد من الأحياء،
وإنما يقع ذلك للمؤمنين بعد الموت أخذاً من حديث عائشة نا الآتي:
((والموت قبل لقاء الله)). واللقاء أعمّ من الرؤية، فإذا انتفى اللقاء انتفت
الرؤية، وقد ورد بأصرح من هذا في ((صحيح مسلم)) من حديث أبي أمامة
مرفوعاً في الحديث الطويل الآتي في ((الفتن))، وفيه: ((تعلّموا أنه لن يرى أحد
منكم ربه حتى يموت))، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٩٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ، يُحَدِّثُ
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِّ نَِّ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل أربعة أبواب.
[تنبيه]: رواية شعبة عن قتادة هذه ساقها النسائيّ كَثُ في ((الكبرى))،
فقال :
(١٩٦٢) - حدّثنا محمد بن المثنى، قال: نا محمد (١)، قال: ثنا شعبة،
عن قتادة، قال: سمعت أنساً يحدّث عن عبادة، عن النبيّ وَّ قال: ((من أحب
لقاء الله، أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله، كره الله لقاءه)). انتهى.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٩٨] (٢٦٨٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرُّزِّيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ
الْحَارِثِ الْهُجَيْمِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ
عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنَّ كَرِهَ
لِقَاءَ الهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ»، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ،
(١) هو: ابن جعفر غُندر.

٨٤
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
فَقَالَ: ((لَيْسَ كَذَلِكِ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللهِ، وَرِضْوَانِهِ، وَجَنَّتِهِ، أَحَبَّ
لِقَاءَ اللهِ، فَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللهِ، وَسَخَطِهِ، كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ،
وَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرُّزِّيُّ) - براء مضمومة، ثم زاي ثقيلة -: نسبة
إلى الرّزّ المعروف المأكول، أبو جعفر البغداديّ، ثقةٌ يَهِم [١٠] (٢٣١) (م)
تقدم في ((الجهاد والسِّير)) ٢٧ / ٤٦٠١.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ الْهُجَيْمِيُّ) هو: خالد بن الحارث بن عُبيد بن سُليم،
أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥.
[تنبيه]: قوله: ((الْهُجَيميّ)) بضمّ الهاء، وفتح الجيم بعدها ميم: نسبة إلى
محلّة بالبصرة نزلها بنو الْهُجيم بن عمرو بن تميم بن مُرّ بن أَدّ، بطن من تميم،
فنُسبت المحلّ إليهم، قاله في ((اللباب))(١).
٣ - (سَعِيدٌ) بن أبي عروبة مِهْران اليشكريّ، أبو النضر البصريّ، تقدّم
قريباً .
٤ - (قَتَادَةُ) بن دعامة المذكور في السند الماضي.
٥ - (زُرَارَةُ) - بضم أوله - ابن أوفى العامريّ الْحَرَشيّ - بمهملة، وراء
مفتوحتين، ثم معجمة - أبو حاجب البصريّ، قاضيها، ثقةٌ عابدٌ [٣] مات فَجْأةً
في الصلاة سنة ثلاث وتسعين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١.
٦ - (سَعْدُ بْنُ هِشَام) بن عامر الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] استشهد بأرض
الهند (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٦٨٨/١٥.
٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌َّا، تقدّمت قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُباعيّات المصنّف رَخْذَلُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين غير شيخه،
فبغداديّ، وسعد وعائشة، فمدنيّان، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٨٢/٣.

٨٥
(٥) - بَابٌ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ - حديث رقم (٦٧٩٨)
بعض: قتادة، عن زرارة، عن سعد، ورواية الآخرين من رواية الأقران، وفيه
عائشة غيرنا من المكثرين السبعة، وأفقه نساء الأمة دشنا.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ◌ُّا؛ أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (مَنْ
أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ))) تقدم شرح هذه
الجمل، قالت عائشة ﴿: (فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ؟) الهمزة
للاستفهام، و((كراهية)) خبر لمحذوف، بيّن في رواية النسائيّ، ولفظه: ((كراهية
لقاء الله كراهية الموت؟))، وهو بتقدير أداة الاستفهام، وقولها: (فَكُلُّنَا نَكْرَهُ
الْمَوْتَ) ولفظ النسائيّ: ((كلنا نكره الموت))، بلا فاء، والجملة مستأنفة بَيَّنت
بها سبب الاستفهام؛ أي: إنما استفهمتُ عن معنى كراهية لقاء الله خوفاً من أن
ندخل فيها، حيث إننا نكره الموت.
(فَقَالَ) وَ: (لَيْسَ كَذَلِك)؛ أي: ليس معنى كراهية لقاء الله كراهية
الموت، وفي رواية النسائيّ: ((قال: ذاك عند موته)) والإشارة إلى المذكور، من
محبة لقاء الله تعالى، وكراهيته؛ يعني: أن كراهية لقاء الله تعالى ليس مطلقاً،
بل هو في وقت معيّن، وذلك عند موته، ومعاينته ما أعدّ له، من عظيم
الثواب، وأليم العقاب.
(وَلَكِنَّ) بتشديد النون، فقوله: (الْمُؤْمِنَ) منصوب على أنه اسم (لكن))،
ويَحْتمل أن يكون بتخفيف النون، و((المؤمن)) مرفوع على الابتداء خبره: ((أحب
لقاء الله))، (إِذَا بُشِّرَ) بالبناء للمفعول؛ أي: إذا بشّرته الملائكة عند احتضاره
(بِرَحْمَةِ اللهِ، وَرِضْوَانِهِ، وَجَنَّتِهِ، أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ، فَأَحَبَّ اللّهُ لِقَاءَهُ) وفي رواية
البخاريّ: (بُشر برضوان الله وكرامته))، وفي حديث حميد، عن أنس: ((ولكن
المؤمن إذا حُضر جاءه البشير من الله، وليس شيء أحب إليه من أن يكون قد
لقي الله، فأحبّ الله لقاءه))، وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى: ((ولكنه إذا
حُضر فأما إن كان من المقرّبين، فروح وريحان وجنّة نعيم، فإذا بُشّر بذلك
أحبّ لقاء الله، واللَّه للقائه أحبّ)).
(وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ) بالبناء للمفعول أيضاً، (بِعَذَابِ اللهِ، وَسَخَطِهِ، كَرِهَ

٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
لِقَاءَ اللهِ، وَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ))) قال الخطابيّ كَُّهُ: تضمّن حديث الباب من التفسير
ما فيه غُنية عن غيره، واللقاء يقع على أوجه: منها: المعاينة. ومنها: البعث؛
كقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِقَِّ اَللَّهِ﴾ [الأنعام: ٣١]؛ أي: بالبعث.
ومنها: الموت؛ كقوله تعالى: ﴿كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَأَنْ﴾ الآية
[العنكبوت: ٥]، وقوله: ﴿قُلّ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَّفِرُونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَقِيكُمْ﴾ الآية
[الجمعة: ٨]. انتهى.
وقال النووي رَّتُهُ: هذا الحديث يفسّر آخرُهُ أوّلَهُ، ويبيّن المراد بباقي
الأحاديث المطلقة: ((من أحبّ لقاء الله، ومن كره لقاء الله)).
ومعنى الحديث: أن الكراهة المعتبرة هي التي تكون عند النزع في حالةٍ
لا تُقبل توبته، ولا غيرها، فحينئذ يُبشّر كلُّ إنسان بما هو صائر إليه، وما أُعدّ
له، ويُكشف له عن ذلك، فأهل السعادة يُحبّون الموت، ولقاءَ الله، لينتقلوا إلى
ما أُعدّ لهم، ويحبّ اللهُ لقاءهم؛ أي: فيُجزِل لهم العطاء والكرامة، وأهل
الشقاوة يَكرهون لقاءه، لِمَا عَلِمُوا من سوء ما ينتقلون إليه، ويَكره الله لقاءهم؛
أي: يُبعدهم عن رحمته وكرامته، ولا يريد ذلك بهم، وهذا معنى كراهته
سبحانه لقاءهم، وليس معنى الحديث أن سبب كراهة الله تعالى لقاءَهُم كراهتُهُم
ذلك، ولا أن حبّه لقاءَ الآخرين حبُّهم ذلك، بل هو صفة لهم. انتهى (١).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ؤها هذا من أفراد المصنّف ◌َّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٩٨/٥ و٦٧٩٩ و٦٨٠٠ و٦٨٠١] (٢٦٨٤)
وعلّقه البخاريّ في ((الرقاق)) (٦٥٠٧)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (١٨٣٨)
و((الكبرى)) (١٩٦٤)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤٢٦٤)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٤٤/٦ و٥٥ و٢٠٧ و٢٣٦)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٧١٦/٣)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٣٠١٠)، و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب)) (٤٣٠١)،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢/١٧ - ١٣.

٨٧
(٥) - بَابٌ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُلِقَاءَهُ - حديث رقم (٦٧٩٩ - ٦٨٠٠)
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٤٥٠) وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٩٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بن عثمان الْبُرْسانيّ - بضمّ الموحّدة، وسكون الراء،
ثم مهملة - أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ قد يخطئ [٩] (ت٢٠٤) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية محمد بن بكر عن سعيد بن أبي عروبة هذه ساقها
الترمذيّ تَكْثُ في ((جامعه)) بسند المصنّف، فقال:
(١٠٦٧) - وحدّثنا محمد بن بشّار، حدّثنا محمد بن بكر، عن سعيد بن
أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة؛
أنها ذَكَرت أن رسول الله وَله قال: ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن
كَرِه لقاء الله كره الله لقاءه)»، قالت: فقلت: يا رسول الله كلنا نكره الموت؟،
قال: ((ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا بُشِّر برحمة الله، ورضوانه، وجنته، أحب
لقاء الله، وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا بُشِّر بعذاب الله، وسخطه، كره
لقاء الله، وكره الله لقاءه))، قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ.
(١)
انتھی(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٠٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ
زَكَرِيَّاءَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِيٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ:
((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ، وَالْمَوْتُ
قَبْلَ لِقَاءِ اللهِ)).
(١) ((جامع الترمذيّ)) ٣٧٩/٣.

٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) - بضم الميم، وسكون المهملة، وكسر الهاء - القرشيّ
الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقة [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٢ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة خالد، ويقال: هُبيرة بن ميمون بن فيروز
الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، وكان يدلّس [٦] (ت٧ أو٨ أو
١٤٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٩/٨٣.
٣ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ
فاضلٌ [٣] قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المائة، وله نحو من
ثمانين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٤ - (شُرَيْح بْنُ هَانِيٍّ) بن يزيد الحارثيّ الْمَذْحِجيّ، أبو الْمِقْدام الكوفيّ،
مخضرمٌ ثقةٌ، قُتل مع ابن أبي بكرة بسجستان سنة (٧٨) (بخ م ٤) تقدم في
((الطهارة)) ٥٩٦/١٥.
والباقيان ذكرا في الباب وقبله.
وقوله: (وَالْمَوْتُ قَبْلَ لِقَاءِ اللهِ) قال الحافظ تَّتُهُ: هذه الزيادة من كلام
عائشة عليها فيما يظهر لي، ذكرَتْها استنباطاً مما تقدم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أشار الحافظ إلى كون هذه الزيادة مدرجة
في الحديث، ولم يذكر حجته على الإدراج، والذي يظهر لي أنها مرفوعة من
نفس الحديث، فقد أخرجها مسلم وغيره، ولم يُشر أحد إلى إدراجها، فليُتنبّه،
والله تعالى أعلم.
قال: وفيه أن الله تعالى لا يراه في الدنيا أحد من الأحياء، وإنما يقع
ذلك للمؤمنين بعد الموت، وأصرح من هذا حديث: ((فاعلموا أنكم لن تروا
ربكم حتى تموتوا))، حديث صحيح، أخرجه مسلم بنحوه.
وقال ابن الأثير تَخْتُ: المراد بلقاء الله: المصير إلى الدار الآخرة،
وطَلَب ما عند الله، وليس الغرض به الموت؛ لأن كلّاً يكرهه، فمن ترك
الدنيا، وأبغضها، أحب لقاء الله، ومن آثرها، ورَكِن إليها، كَرِه لقاء الله؛ لأنه
إنما يصل اليه بالموت.

٨٩
(٥) - بَابٌ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ - حديث رقم (٦٨٠١ - ٦٨٠٢)
وقوله: ((والموت قبل لقاء الله)) يبيّن أن الموت غير اللقاء، ولكنه مُعترِض
دون الغرض المطلوب، فيجب أن يصبر عليه، ويَحتَمِل مشاقّه حتى يصل إلى
الفوز باللقاء. انتهى (١).
والحديث من أفراد المصنّف تَخْذَلُ وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسألتيه
في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٠١] ( ... ) - (حَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ،
حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، حَدَّثَنِي شُرَيْحُ بْنُ هَانِيٍ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ(٢)؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه المذكور في الباب الماضي.
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ - بفتح المهملة، وكسر
الموحّدة - الكوفيّ، نزل الشام مرابطاً، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت١٨٧) وقيل: (١٩١)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
والباقون تقدموا قبله.
[تنبيه]: رواية عيسى بن يونس عن زكريّا هذه ساقها إسحاق بن
راهويه تخذتُ في ((مسنده))، فقال:
(١٧٧٩) - أخبرنا عيسى بن يونس، عن زكريا، وهو ابن زائدة، عن
الشعبيّ، قال: حدّثني شُريح بن هانئ؛ أن عائشة حدّثته، عن رسول الله وَالهول
قال: ((من أحبّ لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كَرِه لقاء الله كَرِه الله لقاءه،
والموت قبل لقاء الله)). انتهى (٣).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تََّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٠٢] (٢٦٨٥) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشْعَشِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرُ، عَنْ
(١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٢٦٦/٤.
(٣) ((مسند إسحاق بن راهويه)) ١٠٣٦/٣.
(٢) وفي نسخة: ((حدّثته)).

٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
مُطَرِّفٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِيٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َله:
((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ)»، قَالَ:
فَأَتَبْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَذْكُرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلـ
حَدِيثاً، إِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَقَدْ هَلَكْنَا، فَقَالَتْ: إِنَّ الْهَالِكَ مَنْ هَلَكَ، بِقَوْلِ
رَسُولِ اللهِ وَ، وَمَا ذَاَ؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ
لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ)»، وَلَيْسَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ،
فَقَالَتْ: قَدْ قَالَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَلَيْسَ بِالَّذِي تَذْهَبُ إِلَيْهِ، وَلَكِنْ إِذَا شَخَصَ
الْبَصَرُ، وَحَشْرَجَ الصَّدْرُ، وَاقْشَعَرَّ الْجِلْدُ، وَتَشَتَّجَتِ الأَصَابِعُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ مَنْ أَحَبَّ
لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ الهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشْعَشِيُّ) هو: سعيد بن عمرو بن سهل الْكِنْديّ،
أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٠) (م س) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤.
٢ - (عَبْثَرُ) - بفتح أوله، وسكون الموحّدة، وفتح المثلثة - ابن القاسم
الزُّبيديّ - بالضم - أبو زُبيد كذلك الكوفيّ، ثقة [٨] (ت١٧٩) (ع) تقدم في
(الإيمان)) ٣٠٥/٤٨.
٣ - (مُطَرِّفُ) - بضم أوله، وفتح ثانيه، وتشديد الراء المكسورة - ابن
طَرِيف، أبو بكر، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٦]
(ت١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩٠/ ٤٧٢.
[تنبيه]: كون مطّرف هنا هو ابن طَرِيف هو الظاهر؛ فما وقع لبعض
الشارحين(١) من أنه ابن عبد الله بن الشِّخِّير ففيه نظر لا يخفى؛ لأن ابن عبد الله
متقدّم الطبقة؛ لأنه من الطبقة الثانية، مات سنة (٨٧) وقيل: (٩٥)، فيَبعد أن
يدركه عبث؛ وهو من الطبقة الثامنة، ولأنه قد ذكر في ((التهذيب)) ابن طريف
ممن روى عنه عبثر، وروى هو عن الشعبيّ، ولم يذكر ابن عبد الله بن الشّخّير
راوياً عن الشعبيّ، ولا عبثراً ممن روى عنه.
(١) راجع: ((شرح الشيخ الهرريّ)) ٣٠/٢٥.

٩١
(٥) - بَابٌ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءُهُ - حديث رقم (٦٨٠٢)
وبالجملة فكونه ابن عبد الله الظاهر أنه غلطٌ، ومما يؤيّد ذلك أن ابن
راهويه أخرج هذا الحديث في «مسنده)) (١) عن جرير بن عبد الحميد، عن مطرّف
هذا، وبيقين أن جريراً لم يلق مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير؛ لأنه مات سنة
(٨٧) أو سنة (٩٥)، ووُلد جرير سنة (١٠٧)؛ أي: بعد موته بأكثر من عشر
سنين، فاتّضح بهذا أن مطرّفاً هنا هو ابن طَريف بلا شكّ، ولله الحمد والمنّة.
والباقون ذُكروا قبله، و((عامر)) هو: الشعبيّ.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَتُهُ، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابيّ
فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ظُه أحفظ من روى
الحديث في عصره.
شرح الحديث:
(عَنْ شُرَيْح بْنِ هَانِيٍ) الحارثيّ الْمَذْحِجيّ المخضرم الكوفيّ، (عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َّبُهَ؛ أنه (قَالَّ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ)؛ أي:
المصير إلى الدار الآخرة، (أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ) فيه إثبات المحبّة والكراهية لله رَّ
على ما يليق بجلاله، دون تأويل، كما ذهب إليه شُرّاح هذا الحديث، على ما
أوضحناه قريباً. (وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ))) فيه أن الجزاء من جنس
العمل. (قَالَ) شريح (فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ◌َّا (فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ،
(يَذْكُرُ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول،
سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ)
(عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ حَدِيثً، إِنْ كَانَ كَذَلِكَ)؛ أي: إن كان الحديث كما ذكره أبو
هريرة نظرته، وإنما قال ذلك؛ لاحتمال أن يكون أخطأ فيه أبو هريرة ظُبه، أو
أخطأ هو في فَهْمه، فلعل عائشة ﴿ّا سمعت من رسول الله وَّ ما يخالفه، أو
لعلها تفهّمه المراد منه. (فَقَدْ هَلَكْنَا)؛ أي: لكون الموت مبغوضاً إلى النفس
بالطبع. (فَقَالَتْ) عائشة ◌ِؤُها: (إِنَّ الْهَالِكَ مَنْ هَلَكَ، بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) هذه
الجملة قدّمتها قبل استفهامها حديث أبي هريرة؛ لتبيّن أن الهالك كلّ الهالك
(١) راجع: ((مسند إسحاق بن راهويه)) ٩٠٤/٣.

٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
هو الذي هلك بحكم رسول الله وَّل*، فإنه لا منجى، ولا ملجأ له، بل هو
الخاسر في الدنيا والآخرة. (وَمَا ذَاكَ؟)؛ أي: ما هو الحديث الذي ذكره أبو
هريرة؟ (قَالَ) أبو هريرة: (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ،
وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ))) وقوله: (وَلَيْسَ مِنَّا أَحَدٌ) وفي رواية النسائيّ:
((وَلَكِنْ لَيْسَ مِنَّا أَحَدٌ))، (إِلَّا وَهُوَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ) هذه الجملة من كلامٍ شريح بَيَّنَ
بها وجهَ الإشكال من الحديث. (فَقَالَتْ) عائشة ◌ِّ: (قَدْ قَالَهُ رَسُولُ اللهِ﴾؛
أي: هذا الحديث الذي حدّثك به أبو هريرة، ففيه تصديقٍ من عائشة ◌ّا لأبي
هريرة بأنه حفظ الحديث كما هو، ولم يغيّره، (وَلَيْسَ بِالَّذِي تَذْهَبُ إِلَيْهِ) الباء
زائدة؛ أي: ليس المراد ما تفهمه أنت من الإطلاق، بل هو مقيّد بحالة
الاحتضار حين يُبَشَّر المؤمن بخير، ويُنذَر الكافر بشرّ، وإلى هذا أشارت بقولها :
(وَلَكِنْ إِذَا شَخَصَ الْبَصَرُ) بفتح الشين، والخاء، يقال: شَخَصَ البصر، من باب
منع: إذا ارتفع، ويتعدّى بنفسه، فيقال: شَخَصَ الرجلُ بَصَرَه: إذا فتح عينيه، لا
يَظْرِف، وربّما يُعَدّى بالباء، فيقال: شَخَص الرجل ببصره، قاله الفيّوميّ دَّثُ(١).
ومعناه هنا: ارتفاع الأجفان إلى فوقُ، وتحديدُ النظر.
وفي رواية النسائيّ: ((وَلَكِنْ إِذَا طَمَحَ الْبَصَرُ)). قال المجد: طَمَحَ بصرُهُ
إليه، كمنع: ارتفع، ووقع في نسخة ((الكبرى)): ((وطفح البصر)) بالفاء بدل
الميم، والظاهر أنه تصحيف، فإن الطَّفْح معناه الامتلاء، ولا يناسب هنا.
(وَحَشْرَجَ الصَّدْرُ) كَدَحْرَج، قال المجد تَظْذُ: الحَشْرَجَة: الغَرْغَرة عند
الموت، وتردُّدُ النَّفَس. (وَاقْشَعَرَّ الْجِلْدُ)؛ أي: قام شعره، وأخذته قُشَعْرِيرَةٌ؛
أي: رِعْدَةٌ، (وَتَشَتَّجَتِ الأَصَابِعُ) قال النوويّ كَّتُ: تشنّج الأصابع: تقبّضُها.
قال في ((الفتح)): وهذه الأمور هي حالة المحتضِر، وكأن عائشة
أخذته من معنى الخبر الذي رواه عنها سعد بن هشام مرفوعاً لمّا قالت له:
(«فكلنا نكره الموت؟ فقال: ليس كذلكِ، ولكن المؤمن إذا بُشِّر برحمة الله،
ورضوانه، وجنته، أحب لقاء الله، فأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا بُشّر
بعذاب الله، وسخطه، كره لقاء الله، وكره الله لقاءه)).
(١) (المصباح المنير)) ٣٠٦/١.

٩٣
(٥) - بَابٌ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ الهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ - حديث رقم (٦٨٠٣)
(فَعِنْدَ ذَلِكَ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ
لِقَاءَهُ) وأخرج عبد بن حميد من وجه آخر عن عائشة ؤها مرفوعاً: ((إذا أراد الله
بعبد خيراً قيّض له قبل موته بعام ملكاً يسدّده، ويوفّقه حتى يقال: مات بخير ما
كان، فإذا حُضر ورأى ثوابه اشتاقت نفسه، فذلك حين أحبّ لقاء الله،
وأحبّ الله لقاءه، وإذا أراد الله بعبد شرّاً قَيّض له قبل موته بعام شيطاناً،
فأضلّه، وفَتَنه، حتى يقال: مات بشرّ ما كان عليه، فإذا حُضر، ورأى ما أُعِدّ
له من العذاب جَزِعَت نفسه، فذلك حين كره لقاء الله، وكره الله لقاءه))، والله
تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة حته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٠٢/٥ و٦٨٠٣] (٢٦٨٥)، و(البخاريّ) في
((التوحيد)) (٧٥٠٤) دون قصّة عائشة غيرنا، و(الترمذيّ) في ((الجنائز)) (١٠٦٧)،
و(النسائيّ) في (المجتبى)) (١٨٣٤ و١٨٣٥ و١٨٣٨) و((الكبرى)) (١٩٦٠ و١٩٦١
و١٩٦٤)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤٤١٨)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٥٦٧)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٣/٢ و٣٤٦ و٤٢٠)، و(ابن راهويه) في ((مسنده))
(١٥٩٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٠٠٨)، و(الخطيب) في ((تاريخ بغداد))
(٣١١/١٢)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٤٤٨)، وفوائده تقدّمت، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٠٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنِي جَرِيرٌ،
عَنْ مُطَرِّفٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ عَبٍَْ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
وكلهم ذُكروا في الباب، وقبله.
[تنبيه]: رواية جرير بن عبد الحميد عن مطرّف هذه ساقها إسحاق بن
راهويه كلّثُ في ((مسنده))، فقال:

٩٤
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
(١٥٩٠) - أخبرنا جرير، عن مُطَرِّف، عن الشعبيّ، عن شُريح بن هانئ،
عن أبي هريرة، عن رسول الله وَ له قال: ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه،
ومن أبغض لقاء الله أبغض الله لقاءه))، قال: فأتيت عائشة، فأخبرتها، فقلت
لها: لئن كان ما يقول أبو هريرة حقّاً، فقد هلكنا، فقالت: إن الهالك لَمَن
هلك في قول رسول الله وَلجر، وما ذاك؟ قلت: يقول: قال رسول الله ومايقول: ((من
أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن أبغض لقاء الله أبغض الله لقاءه))، فقالت:
وأنا أشهد به، هل تدري متى يكون ذاك؟ إنما يكون إذا طَمَح البصر، وحَشْرَج
الصدر، وانشجبت الأصابع، واقشَعَرّ الجلد، فعند ذلك من أحب لقاء الله
أحب الله لقاءه، ومن أبغض لقاء الله أبغض الله لقاءه. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٠٤] (٢٦٨٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو عَامِرِ الأَشْعَرِيُّ،
وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى،
عَنِ النَّبِّ وَّرِ قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللّهِ أَحَبَّ اللّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ
لِقَاءَهُ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو عَامِرِ الأَشْعَرِيُّ) عبد الله بن بَرّاد بن يوسف بن أبي بردة بن أبي
موسى الأشعريّ، الكوفيّ، صدوق [١٠] (خت م) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ
الجماعة بلا واسطة، تقدّم قريباً.
٣ - (بُرَيْدُ) بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ
يخطئ قليلاً [٦] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.
٤ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، وُلد بالبصرة، قيل:
اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد جاوز
الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.
(١) ((مسند إسحاق بن راهويه)) ٩٠٤/٣.

٩٥
(٦) - بَابُ فَضْلِ الذِّكْرِ، وَالدُّعَاءِ، وَالتََُّّبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٦٨٠٥)
٥ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ الصحابيّ الشهير ظُه، تقدّم
قريباً .
والباقيان ذُكرا في الباب الماضي.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي موسى الأشعريّ
إنّه هذا قد مضى
مضى
شرحه مستوفى في حديث عبادة څبه وما بعده، وفيه:
مسألتان:
(المسألة الأولى): هذا الحديث متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٠٤/٥] (٢٦٨٦)، و(البخاريّ) في ((الرقاق))
(٦٥٠٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٧٣٠١)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٨/
١٥٢)، و(القُضاعيّ) في ((مسند الشهاب)) (٢٦٦/١)، والله تعالى أعلم.
(٦) - (بَابُ فَضْلِ الذِّكْرِ، وَالدُّعَاءِ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٠٥] (٢٦٧٥)(١) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ،
عَنْ جَعْفَرٍ بْنِ بُرْقَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ) - بضم الموحّدة، وسكون الراء، بعدها قاف -
الكلابيّ أبو عبد الله الرَّقّيّ، صدوقٌ يَهِم في حديث الزهريّ [٧] (ت١٥٠)
وقيل: بعدها (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٧/٦٣.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ) واسمه عمرو بن عُبيد بن معاوية البَكّائيّ - بفتح
الموحّدة، والتشديد - أبو عوف الكوفيّ، نَزَل الرَّقَّة، وهو ابن أخت ميمونة أم
(١) تقدّم هذا الرقم.

٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
المؤمنين غيرنا، يقال: له رؤية، ولا يثبت، وهو ثقة [٣] (١٠٣) (بخ م ٤) تقدم
في ((الإيمان)) ٣٥٧/٦٣.
والباقون ذُكروا في البابين الماضيين.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي هريرة به هذا متَّفقٌ عليه، وقد
مضى شرحه، وبيان مسائله في ((باب الحثّ على ذكر الله تعالى)) [٦٧٨١/١]
(٢٦٧٥) فراجعه تستفد.
وقوله: (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي)؛ أي: أعامله على حسب ظنه، وأفعل به
ما يتوقعه مني، فليُحْسِن رجاءه، أو أنا قادر على أن أعمل به ما ظن أني
أعامله به، فالمراد: الحثّ على تغليب الرجاء على الخوف، والظنّ على بابه،
ذكره القاضي ◌َُّهُ .
قال: ويمكن تفسيره بالعلم، والمعنى: أنا عند يقينه بي، وعِلمه بأن
مصيره إليّ، وحسابه عليّ، وأن ما قضيت من خير وشرّ، فلا مردّ له، لا معطي
لِمَا منعت، ولا رادٌ لِمَا أعطيت؛ أي: إذا تمكن العبد في مقام التوحيد،
ورسخ في مقام الإيمان، والوثوق به، قَرُب منه، ورفع دونه الحجاب، بحيث
إذا دعاه أجاب، وإذا سأله استجاب.
وجزم بعض المتأخرين بثاني احتماليه، فقال: معناه: عند يقينه بي،
فالاعتماد عليّ، والوثوق بوعدي، والرهبة من وعيدي، والرغبة فيما عندي،
أعطيه إذا سألني، وأستجيب له إذا دعاني، كلّ ذلك على حسب ظنه، وقوّة
يقينه، والظن قد يَرِد بمعنى اليقين، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَقُواْ
رَيِهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]؛ أي: يوقنون، إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشر؛ أي: إن ظن
بي خيراً أفعل به خيراً، وإن ظن بي شرّاً أفعل به شرّاً.
قال العلامة ابن القيم تخّتُهُ: وأعظم الذنوب عند الله تعالى إساءة الظن
به، فإن من أساء الظن به ظَنّ به خلاف كماله الأقدس، وظنَّ به ما يناقض
أسماءه وصفاته، ولهذا توعّد عليه بما توعّد به غيره، فقال: ﴿عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ
وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمْ﴾ [الفتح: ٦]، وقال: ﴿وَذَلِكُمْ ظَتْكُمُ الَّذِى
ظَنَنْتُم بِرَيَّكُمْ أَرْدَنَّكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣].
وقال الكرماني تَّثُهُ: وفيه إشارة إلى ترجيح جانب الرجاء على الخوف؛

٩٧
(٦) - بَابُ فَضْلِ الذِّكْرِ، وَالدُّعَاءِ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللّهِ تَعَالَى - حديث رقم (٦٨٠٥)
أي: لأن العاقل إذا سمعه لا يَعْدِل إلى ظنّ إيقاع الوعيد، وهو جانب الخوف،
بل إلى ظنّ وقوع الوعد، وهو جانب الرجاء، وهو كما قال المحققون مقيّد
بالمحتضِر، وفي غيره أقوال، ثالثها الاعتدال. انتهى(١).
وقال ابن أبي جمرة تَخْتُهُ: المراد بالظنّ هنا: العلم؛ لقوله: ﴿وَظَنُّواْ أَنْ لَّا
مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ﴾ [التوبة: ١١٨].
وفي ((المفهم)): معنى ((ظن عبدي بي)): ظنُّ الإجابة عند الدعاء، وظنّ
القبول عند التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار، وظن المجازاة عند فعل
العبادة بشروطها؛ تمسكاً بصادق وعده (٢).
وقال المناويّ كَّتُهُ: ((أنا عند ظن عبدي بي)) إن ظن بي خيراً فله مقتضى
ظنه، وإن ظن بي شرّاً؛ أي: أني أفعل به شرّاً فله ما ظنّه، فالمعاملة تدور مع
الظنّ، فذا حسنُ ظنه بربه وَفّى له بما أَمَل وظنّ، والتطيّر سوء الظنّ بالله،
وهروب عن قضائه، فالعقوبة إليه سريعة، والمقت له كائن، ألا ترى إلى
العصابة التي فرَّت من الطاعون، كيف أماتهم؟ .
وقال الحكيم الترمذيّ: الظن: ما تردّد في الصدر، وإنما يحدث من
الوهم، والظن هاجسة النفس، وللنفس إحساس بالأشياء، فإذا عرض أمر دبّر
لها الحسّ شأن الأمر العارض، فما خرج لها من التدبير، فهو هواجس النفس،
فالمؤمن نور التوحيد في قلبه، فإذا هجست نفسه لعارض أضاء النور، فاستقرت
النفس، فاطمأن القلب، فحَسُن ظنه؛ لأن ذلك النور يُريه من علائم التوحيد،
وشواهده، ما تسكن النفس إليه، وتعلم أن الله كافيه وحَسْبه في كل أموره،
وأنه كريم رحيم عطوف به، فهذا حسن الظن بالله.
وأما إذا غلب شَرَهُ النفس، وشهواتها، فيفور دخان شهواتها، كدخان
الحريق، فيُظلم القلب، وتغلب الظلمة على الضوء، فتحيى النفس بهواجسها،
وأفكارها، وتضطرب، ويتزعزع القلب عن مستقره، وتفقد الطمأنينة، وتَعْمَى
عين الفؤاد؛ لكثرة الظلمة والدخان، فذلك سوء الظن بالله، فإذا أراد الله بعبد
خيراً أعطاه حُسن الظن، بأن يزيده نوراً يقذفه في قلبه؛ ليقشع ظلمة الصدر،
(١) ((فيض القدير)) ٣١٢/٢.
(٢) ((فيض القدير)) ٤٩٠/٤.
:

٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
كسحاب ينقشع عن ضوء القمر، ومن لم يُمنح ذلك، فصدره مظلم؛ لِمَا أتت
به النفس من داخل شهواتها، والعبد ملوم على تقوية الشهوات من استعمالها،
فإذا استعملها فقد قوّاها، ككانون كلما ألقيت فيه حطباً ازداد لَظاً، ودخاناً.
انتھی(١).
وقوله: (وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي) المراد بالمعيّة هنا هي المعيّة الخاصة
بالمؤمنين، وهي معيّة العون، والنصر، والتوفيق، والقبول، والرضى، ﴿
تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦].
يعني: أن الله تعالى مع الداعي، يسمع دعاءه، ويستجيب له، ويُنيله
مطلوبه، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ الآية
[البقرة: ١٨٦]، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٠٦] (.) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَحْيَى
- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ - وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سُلَيْمَانَ - وَهُوَ التَّيْمِيُّ - عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((قَالَ اللهُ وَتَ: إِذَا تَقَرَّبَ عَبْدِي مِنِّي
شِبْراً، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعاً، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّ ذِرَاعاً، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعاً - أَوْ بُوعاً - وَإِذَا
أَثَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان الناقد المشهور، تقدّم قريباً.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، وقد يُنسب لجدّه، أبو
عمرو البصريّ، ثقة [٩] (١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦.
٣ - (سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ) ابن طرخان، أبو المعتمر البصريّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين الماضيين
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي هريرة ﴿به هذا متّفقٌ عليه، وقد
(١) ((فيض القدير)) ٤ /٤٩١.

٩٩
(٦) - بَابُ فَضْلِ الذِّكْرِ، وَالدُّعَاءِ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللّهِ تَعَالَى - حديث رقم (٦٨٠٧)
استوفيت شرحه، وبيان مسائله في الباب الأول: ((باب الحثّ على ذكر الله
تعالى)) [٦٧٨١/١] (٢٦٧٥) فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (أَوْ بُوعاً) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي، و((البُوع)) بفتح الباء،
وتضمّ، قال المجد تَّقُهُ: الباع: قدر مدّ اليدين، كالْبَوع - بالفتح ۔ ویُضمّ،
جمعه أبواع. انتهى.
وقال الخطابيّ: الباع معروف، وهو قدر مَدّ اليدين، وأما البَوْع بفتح
الموحّدة، فهو مصدر باع يبوع بَوْعاً، قال: ويَحْتَمِل أن يكون بضم الباء، جمع
باع، مثل دار ودُور.
قال الحافظ: وأغرب النوويّ، فقال: الباع، والبُوع، والبَوْع بالضم،
والفتح، كله بمعنّى، فإن أراد ما قال الخطابيّ، وإلا لم يصرّح أحد بأن البوع
بالضم والباع بمعنى واحد. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قول الحافظ: لم يصرح أحد ... إلخ فيه نظر
لا يخفى، فقد قدّمت أن ما قاله النوويّ صواب، وليس خطأ، والله تعالى
أعلم.
وقوله: (وَإِذَا أَتَانِ يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَّةً) فيه إثبات صفة الإتيان، والهرولة لله
تعالى على ما يليق بجلاله ◌ُعَلَ، وقد تقدم البحث فيه مستوفى في الباب
المذكور، فارجع إليه، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٠٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ
أَبِهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((إِذَا أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً))).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ) الصنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ
[١٠] (ت٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٩٢/ ٥٠٣.
٢ - (مُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، تقدّم قبل باب.
و(«أبوه)) ذُكر في السند الماضي.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ ... إلخ) الظاهر أن المصنّفِ تَُّ لم تقع له هذه

١٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
الزيادة في رواية شيخه محمد بن عبد الأعلى، وإلا فقد وقعت في رواية ابن
حبّان الآتية في التنبيه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية المعتمر، عن أبيه هذه ساقها ابن حبّان تَكّْثُهُ في
((صحيحه))، فقال:
(٣٧٦) - أخبرنا الحسن بن سفيان، قال: حدّثنا محمد بن المتوكل،
قال: حدّثنا المعتمر بن سليمان، قال: حدّثني أبي، قال: أنبأنا أنس بن
مالك، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((قال الله تبارك وتعالى: إذا
تقرّب عبدي مني شبراً تقربت منه ذراعاً، وإذا تقرب مني ذراعاً تقربت منه
باعاً، وإذا أتاني مشياً أتيته هرولةً، وإن هرول سعيت إليه، والله أوسع
بالمغفرة)». انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٠٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ
لأَبِي كُرَيْبٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَّ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((يَقُولُ اللهُ رَتْ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِّي(٢)، وَأَنَا
مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلٍ،
ذَكَرْتُهُ فِي مَلِ خَيْرٍ مِنْهُ، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ شِبْراً، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ
ذِرَاعً اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ بَاعاً، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (أَبُو صَالِح) ذكوان السمّان المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكرواً في الباب وقبله.
والحديث متَّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل خمسة أبواب،
ولله الحمد والمنّة.
(١) ((صحيح ابن حبان)) ٢/ ١٠٠.
(٢) وفي نسخة: ((عبدي بي)).