Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ (٤) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَمَنِّي الْمَوْتِ؛ لِضُرِّ نَزَلَ بِهِ - حديث رقم (٦٧٩٢) وقد ساقها أيضاً أحمد كَّثُ في ((مسنده)) بسند المصنّف، فقال: (١٣١٨٨) - حدّثنا رَوْح، ثنا شعبة، قال: سمعت ثابتاً البنانيّ قال: سمعت أنس بن مالك، يحدّث عن النبيّ وَل﴿؛ أنه قال: ((لا يتمنّ أحدكم الموت، من ضرّ أصابه، فإن كان لا بدّ فاعلاً، فليقل: اللَّهُمَّ أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفّني ما كانت الوفاة خيراً لي)). انتهى(١). وأما رواية حمّاد بن سلمة عن ثابت، فقد ساقها أحمد تَخُّْ في ((مسنده)) بسند المصنّف، فقال: (١٣٦٠٤) - حدّثنا عفّان، أنا حماد، عن ثابت، عن أنس؛ أن النبيّ وَّ- قال: ((لا يتمنينّ أحدكم الموت، من ضرّ أصابه، ولكن ليقل: اللَّهُمَّ أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفّني إذا كانت الوفاة خيراً لي)). انتهى (٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٩٢] ( ... ) - (حَدَّثَنِي حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، وَأَنَسٌ بَوْمَئِذٍ حَيٍّ، قَالَ أَنَسٌ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهـ قَالَ: (لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ)) لَتَمَنَّيْتُهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عمر بن عبيد الله بن أبي بكرة الثقفيّ البكراويّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي كرمان، وقيل: إن حفصاً جده هو ابن عبد الرحمن بن أبي بكرة، ثقةٌ [١٠] (٢٣٣) (خ م) تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٩/٢٦. ٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد العبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (١٧٦) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤. ٣ - (عَاصِمُ) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ، لم يتكلم فيه إلا القطان، فكأنه بسبب دخوله في الولاية [٤] مات بعد سنة أربعين ومائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥. (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٠٨/٣. (٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٤٧/٣. ٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة ٤ - (النَّضْرُ بْنُ أَنَسٍ) بن مالك الأنصاريّ، أبو مالك البصريّ، ثقةٌ [٣] مات سنة بضع ومائة (ع) تقدم في ((العتق)) ٣٧٦٧/٢. و ((أنس څته)) ذُكر قبله. وقوله: (حَدَّثَنَا عَاصِمٌ) هو ابن سليمان المعروف بالأحول، وقد سَمع من أنس، وربما أدخل بينهما واسطة كهذا، قاله في ((الفتح))(١). وقوله: (وَأَنَسٌ يَوْمَئِذٍ حَيٍّ) جملة حاليّة؛ يعني: أن النضر حدّث عاصماً بهذا الحديث، والحال أن أنساً ◌ُّه حيّ؛ يعني: أن النضر حدّث به في حياة أبيه. وقوله: (لَا يَتَمَنَّيَنَّ) وفي رواية للبخاريّ: ((لا يتمنَّى))، قال في ((الفتح)): قوله: ((لا يتمنى)) كذا للأكثر بلفظ النفي، والمراد به النهي، أو هو للنهي، وأُشبعت الفتحة، ووقع في رواية الكشميهنيّ: ((لا يتمنينّ)) بزيادة نون التأكيد، ووقع في رواية همام: ((لا يتمنّ أحدكم الموت، ولا يَدْع به قبل أن يأتيه))، فَجَمَع في النهي عن ذلك بين القصد والنطق، وفي قوله: ((قبل أن يأتيه)) إشارة إلى الزجر عن كراهيته إذا حضر؛ لئلا يدخل فيمن كره لقاء الله تعالى، وإلى ذلك الإشارة بقوله ◌ّ﴾ عند حضور أجله: ((اللَّهُمَّ ألحقني بالرفيق الأعلى))، وكلامه ◌َّه بعدما خُيِّر بين البقاء في الدنيا والموت، فاختار ما عند الله، وقد خَطَب بذلك، وفهمه عنه أبو بكر الصديق رظُه، كما تقدم بيانه في ((المناقب)). وحكمة النهي عن ذلك أن في طلب الموت قبل حلوله نوع اعتراض، ومراغمة للقدر، وإن كانت الآجال لا تزيد، ولا تنقص، فإن تمني الموت لا يؤثر في زيادتها، ولا نقصها، ولكنه أمر قد غُيِّب عنه. قال النوويّ تَخْتُ: في الحديث التصريح بكراهة تمني الموت؛ لضرّ نزل به، من فاقة، أو محنة بعدوّ ونحوه، من مشاق الدنيا، فأما إذا خاف ضرراً، أو فتنة في دِينه فلا كراهة فيه؛ لمفهوم هذا الحديث، وقد فعله خلائق من السلف لذلك، وفيه أن من خالف، فلم يصبر على الضرّ، وتمنى الموت لضرّ نزل به، فليقل الدعاء المذكور. (١) ((الفتح)) ١٧/ ٨٢. ٦٣ (٤) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَمَنِّي الْمَوْتِ؛ لِضُرُّ نَزَلَ بِهِ - حديث رقم (٦٧٩٣) قال الحافظ: ظاهر الحديث المنع مطلقاً، والاقتصار على الدعاء مطلقاً، لكن الذي قاله الشيخ لا بأس به لمن وقع منه التمني؛ ليكون عوناً له على ترك التمني. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: ما دلّ عليه ظاهر الحديث من المنع مطلقاً هو الأَولى، لا ما قاله الشيخ النووي، فليُتَنّه، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٩٣] (٢٦٨١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِذْرِيسَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمِ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى خَبَّابٍ، وَقَدِ اْتَوَى سَبْعَ كَيَّاتٍ فِي بَطْنِهِ، فَقَالَ: لَوْمَا(٢) أَنَّ رُّسُولَ اللهِنَِّ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ الكوفيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِذْرِيسَ) الأوديّ الكوفيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجليّ الأحمسيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٩. ٤ - (قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمِ) البجليّ، أبو عبد الله الكوفيّ مخضرمٌ ثقةٌ [٢] ويقال: له رؤية، وهو الذي يقَّال: إنه اجتمع له أن يروي عن العشرة المبشّرين بالجنّة، مات بعد التسعين، أو قبلها، وقد جاز المائة، وتغير (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٧٥. ٥ - (خَبَّابُ) - بموحدتين الأولى مثقّلة - ابن الأرَتّ التميميّ، أبو عبد الله، (١) ((الفتح)) ١٧/ ٨٢. (٢) وفي نسخة: ((لولا أنّ)). ٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة من السابقين إلى الإسلام، وكان يُعَذَّب في الله، وشهد بدراً، ثم نزل الكوفة، ومات بها سنة سبع وثلاثين (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤٠٧/٣٣. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف كَذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وفيه قيس، من كبار التابعين، وهو الذي يقال: إنه اجتمع له أن يروي عن العشرة المبشّرين بالجنّة، وإليه أشار السيوطيّ رَّتُهُ في (ألفيّة الحديث)) حيث قال: وَذَاكَ قَيْسٌ مَا لَهُ نَظِيرُ وَعُدَّ عِنْدَ حَاكِمٍ كَثِيرُ وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﴿ه، ومن السابقين إلى الإسلام، وكان يُعذّب في الله ◌َالَ. شرح الحديث: (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِم) واسم أبي حازم: حُصين بن عوف، وقيل: عوف بن عبد الحارث، وقيلًّ: عبد عوف بن الحارث بن عوف؛ أنه (قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى خَبَّابٍ) بموحدتين الأولى مثقّلة، ابن الأرتّ - بهمزة وراء مفتوحتين، وتشديد التاء المثناة من فوقُ - أبي عبد الله، التميميّ الصحابيّ المشهور سُبي في الجاهلية، وبِيع بمكة، ثم حالف بني زُهرة، وأسلم قبل أن يدخل رسول الله وَج دار الأرقم، قيل: أسلم سادس ستة، وهو أول من أظهر إسلامه، فعُذّب عذاباً شديداً لذلك، ذُكر أن عمر بن الخطّاب سأله عما لقي في ذات الله، فكشف عن ظهره، فقال عمر: ما رأيت كاليوم، قال خبّاب: لقد أُوقدت لي نار، وسُحِبتُ عليها، فما أطفأها إلا وَدَك ظهري. وشهد بدراً، والمشاهد كلها، وكان قَيْناً في الجاهليّة، يعمل السيوف، ثمّ نزل الكوفة، ومات بها سنة (٣٧هـ) مُنصَرَفَ عليّ ◌َلُه من صِفِّين، وصَلَّى عليه عليّ وقيل: لمّا رجع عليّ من صفّين مرّ على قبر خبّاب ◌َظُبه، فقال: رحم الله خبّاباً، أسلم راغباً، وهاجر طائعاً، وعاش مُجاهداً، وابتُلي في جسمه أحوالاً، ولن يُضيّع الله أجره. تقدّمت ترجمته في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ٠٧/٣٣ زاد في رواية البخاريّ: ((نعوده))، وقوله: (وَقَدِ اكْتَوَى) جملة حاليّة من ٦٥ (٤) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَمَنِّي الْمَوْتِ؛ لِضُرِّ نَزَلَ بِهِ - حديث رقم (٦٧٩٣) ((خبّاب))؛ أي: والحال أنه قد اكتوى (سَبْعَ كَيَّاتٍ فِي بَطْنِهِ) فيه بيان سبب عيادتهم له، وهو أنه كان مريضاً، فاكتوى لمرضه، فعُدناه؛ يعني: أنه قد تداوى بالكيّ من مرض أصابه في بطنه سبع کَیّات. و((الكيّ)): هو إحراق الجلد بحديدة ونحوها، قال الطيبيّ كّثهُ: الكيّ علاج معروف في كثير من الأمراض، وقد ورد النهي عن الكيّ، فقيل: النهي لأجل أنهم كانوا يرون الشفاء منه، وأما إذا اعتقد أنه سبب، وأن الشافي هو الله، فلا بأس به، ويجوز أن يكون النهي من قِبَل التوكّل، وهو درجة أخرى غير الجواز. انتهى. ويؤيده حديث: ((لا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربّهم يتوكلون» متفق عليه. وقال في ((العمدة)): قوله: ((وقد اكتوى)): النهي الذي جاء عن الكيّ هو لمن يعتقد أن الشفاء من الكيّ، أما من اعتقد أن الله رَك هو الشافي، فلا بأس به، أو ذلك للقادر على مداواة أخرى، وقد استعجل، ولم يجعله آخر الدواء. انتھی(١). [تنبيه]: أخرج هذا الحديث أحمد في «مسنده)) من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال: دخلت على خباب، وقد اكتوى سبعاً فقال: لولا أني سمعت رسول الله ( يقول: ((لا يتمنى أحدكم الموت)) لتمنيته، ولقد رأيتني مع رسول الله * ما أملك درهماً، وإن في جانب بيتي الآن لأربعين ألف درهم، قال: ثم أتُي بكفنه، فلما رآه بكى، قال: لكن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة مَلْحَاءٍ(٢)، إذا جُعلت على رأسه قَلَصَت عن قدميه، وإذا جُعلت على قدميه قلصت عن رأسه، حتى مُدَّت على رأسه وجُعل على قدميه الإذخر. انتهى. وفي رواية الترمذيّ: ((فقال: ما أعلم أحداً من أصحاب النبيّ وَّ لقي من البلاء ما لقيتُ))؛ أي: من الوجع الذي أصابه. وحَكَى الحافظ العراقيّ تَخْلُ في ((شرح الترمذيّ)) احتمالَ أن يكون أراد بالبلاء: ما فُتح عليه من المال بعد أن كان لا يجد درهماً، كما وقع صريحاً في رواية عنه، قال: ((لقد كنتُ وما أجد درهماً على عهد رسول الله وَّله، وفي ناحية بيتي أربعون ألفاً))؛ يعني: (١) ((عمدة القاري)) ٢٢٦/٢١. (٢) أي: فيها خطوط بيض وسُود. ٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة الآن. وتعقّبه بأن غيره من الصحابة كان أكثر مالاً منه؛ كعبد الرحمن بن عوف، واحتمالَ أن يكون أراد: ما لقي من التعذيب في أول الإسلام من المشركين، وكأنه رأى أن اتساع الدنيا عليه يكون ثواب ذلك التعذيب، وكان يُحبّ أن لو بقي له أجره مُؤَفّراً في الآخرة. قال: ويحتمل أن يكون أراد: ما فَعَلَ من الكيّ مع ورود النهي عنه، كما قال عمران بن حُصين ◌َّ: ((نُهينا عن الكيّ، فاكتوينا، فما أفلحنا)). قال: وهذا بعيد، قال الحافظ: وكذلك الذي قبله. انتھی(١). (فَقَالَ) خبّاب ◌َتُهُ (لَوْمًا) وفي بعض النسخ: (لولا)) وهما بمعنى واحد، موضوعان للدلالة على امتناع شيء لوجود غيره، كما قال في ((الخلاصة)): (لَوْلَا)) و(لَوْمَا)) يَلْزَمَانِ الابْتِدَا إِذَا امْتِنَاعاً بِوُجُودٍ عَقَدَا (أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ)؛ أي: لأستريح من شدّة المرض الذي من شأن الجِبِّة البشريّة أن تنفِرَ منه، ولا تصبر عليه. وفيه أن الدعاء بالموت ممنوع، وهذا لا يعارض ما تقدّم من حديث أنس ره؛ لأن المراد هنا: الدعاء بالجزم، وهناك بالتعليق، كما تقدّم إيضاحه قريباً . وقال في ((الفتح)): الدعاء بالموت أخصّ من تمنّي الموت، وكلّ دعاء تمنّ، من غیر عکس. [تنبيه]: هذا الحديث ساقه البخاريّ مطوّلاً، فقال: (٥٣٤٨) - حدّثنا آدم، حدّثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: دخلنا على خَبّاب نعوده، وقد اكتوى سبع کیّات، فقال: إن أصحابنا الذين سَلَفُوا مَضَوا، ولم تَنْقُصهم الدنيا، وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعاً إلا التراب، ولولا أن النبيّ ◌َ ﴿ نهانا أن ندعو بالموت، لدعوت به، ثم أتيناه مرّة أخرى، وهو يبني حائطاً له، فقال: إن المسلم ليؤجر في كل شيء ينفقه، إلا في شيء يجعله في هذا التراب. انتهى(٢). (١) ((الفتح)) ٤٦/١٣، ((كتاب المرضى)) رقم (٥٦٧٢). (٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢١٤٧/٥. ٦٧ (٤) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَمَنِّي الْمَوْتِ؛ لِضُرِّ نَزَلَ بِهِ - حديث رقم (٦٧٩٣) وقوله: ((إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا))؛ أي: لم تنقص أجورهم بمعنى أنهم لم يتعجلوها في الدنيا، بل بقيت موفّرة لهم في الآخرة، وكأنه عَنَى بأصحابه: بعض الصحابة ممن مات في حياة النبيّ ◌َّ، فأما من عاش بعده، فإنهم اتسعت لهم الفتوح، ويؤيده حديثه الآخر: ((هاجرنا مع رسول الله وَّلتر، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مضى، لم يأكل من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عمیر)). ويَحْتَمِل أن يكون عَنَى: جميع من مات قبله، وأن من اتسعت له الدنيا لم تؤثّر فيه، إما لكثرة إخراجهم المال في وجوه البِرّ، وكان من يحتاج إليه إذ ذاك كثيراً، فكانت تقع لهم الموقع، ثم لمّا اتسع الحال جدّاً، وشَمِل العدل في زمن الخلفاء الراشدين، استغنى الناس، بحيث صار الغني لا يجد محتاجاً يضع بِّه فيه، ولهذا قال خباب: وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعاً إلا التراب؛ أي: الإنفاق في البنيان. وأغرب الداوديّ، فقال: أراد خباب بهذا القول: الموت؛ أي: لا يجد للمال الذي أصابه إلا وَضْعه في القبر، حكاه ابن التين، وردّه، فأصاب، وقال: بل هو عبارة عما أصابوا من المال، قاله في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الأولى): حديث خبّاب بن الأرتّ (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٩٣/٤ و٦٧٩٤] (٢٦٨١)، و(البخاريّ) في ((المرضى)) (٥٦٧٢) و((الدعوات)) (٦٣٤٩ و٦٣٥٠) و((الرقاق)) (٦٤٣٠ و٦٤٣١) و((التمنّي)) (٧٢٣٤)، و(الترمذيّ) في ((الجنائز)) (٩٧٠) و((صفة القيامة)) (٢٤٨٣)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٤/٤) و((الكبرى)) (١٩٤٩)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٠٩/٥ و١١٠ و١١٢ و٣٩٥/٦)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٥٤)، (١) ((الفتح)) ٤٧/١٣، ((كتاب المرضى)) رقم (٥٦٧٢). ٦٨ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٢٩٩٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٦٦٨ و٣٦٦٩ و٣٦٧٠ و٣٦٧١ و٣٦٧٢ و٣٦٧٥ و٣٦٧٩)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٣/ ٣٨٣)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (١٤٦/١)، و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب)) (١٠٤٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٧٧/٣) و((شعب الإيمان)) (٣٩٣/٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن الدعاء بالموت. ٢ - (ومنها): بيان جواز التداوي بالكيّ، وقد ورد النهي عنه، قال البخاريّ كَُّ في ((صحيحه)): ((باب من اكتوى، أو كَوَى غيره، وفَضْلٍ من لم يكتو))، قال في ((الفتح)): كأنه أراد أن الكتيّ جائز للحاجة، وأن الأولى تركه إذا لم يتعيَّن، وأنه إذا جاز كان أعمّ من أن يباشر الشخص ذلك بنفسه، أو بغيره لنفسه، أو لغيره، وعموم الجواز مأخوذ من نسبة الشفاء إليه في حديث ابن عباس مرفوعاً قال: ((الشفاء في ثلاثة: في شَرْطة مِحْجم، أو شَرْبة عسل، أو كيّة بنار، وأنا أنهى أمتي عن الكيّ))، وفَضْل تركه من قوله: ((وما أحب أن أکتوي)). وقد أخرج مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر قال: ((رُمِي سعد بن معاذ على أكحله، فحسمه رسول الله (وَ ل98))، ومن طريق أبي سفيان عن جابر: (أن النبيّ وَ ◌ّه بعث إلى أُبَيّ بن كعب طبيباً، فقطع منه عِرقاً، ثم كواه))، وروى الطحاويّ، وصححه الحاكم، عن أنس قال: ((كواني أبو طلحة في زمن النبيّ وَّ))، وأصله في البخاريّ، وأنه كُوِي من ذات الجنب. وعند الترمذيّ عن أنس: ((أن النبيّ ◌َ﴿ كَوَى أسعد بن زرارة من الشوكة))، ولمسلم عن عمران بن حصين ها: ((كان يُسَلَّم عليّ حتى اكتويتُ فتُرك، ثم تركت الكيّ، فعاد))، وله عنه من وجه آخر: أن الذي كان انقطع عني رجع إليّ؛ يعني: تسليم الملائكة، كذا في الأصل، وفي لفظ: ((أنه كان يسلّم عليّ، فلما اكتويت أمسك عني، فلما تركته عاد إليّ))، وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذيّ عن عمران: ((نَهَى رسول الله وَلّ عن الكيّ، فاكتوينا، فما أفلحنا، ولا أنجحنا))، وفي لفظ: ((فلم يُفلحن، ولم ينجحن))، وسنده قويّ. ٦٩ (٤) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَمَنِّي الْمَوْتِ؛ لِضُرِّ نَزَلَ بِهِ - حديث رقم (٦٧٩٤) والنهي فيه محمول على الكراهة، أو على خلاف الأولى؛ لِمَا يقتضيه مجموع الأحاديث، وقيل: إنه خاصّ بعمران؛ لأنه كان به الباسور، وكان موضعه خطراً، فنهاه عن كيّه، فلما اشتدّ عليه كواه، فلم ينجح. وقال ابن قتيبة: الكيّ نوعان: كيّ الصحيح؛ لئلا يَعتلّ، فهذا الذي قيل فيه: لم يتوكل من اكتوى؛ لأنه يريد أن يدفع القدر، والقدر لا يدافَع، والثاني: كيّ الجرح إذا نَغَل؛ أي: فسد، والعِضو إذا قُطع، فهو الذي يُشرع التداوي به، فإن كان الكيّ لأمر مُحْتَمِل فهو خلاف الأولى؛ لِمَا فيه من تعجيل التعذيب بالنار لأمر غير محقّق. وحاصل الجمع: أن الفعل يدلّ على الجواز، وعدم الفعل لا يدلّ على المنع، بل يدلّ على أن تَرْكه أرجح من فِعْله، وكذا الثناء على تاركه. وأما النهي عنه، فإما على سبيل الاختيار والتنزيه، وإما عما لا يتعيَّن طريقاً إلى الشفاء، والله أعلم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن الأَولى عدم الكيّ، لكن لو استعمله يجوز، فبهذا تجتمع الأحاديث في هذا الباب، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): ذمّ إنفاق المال في البناء، إلا بقدر ما تدعو إليه الحاجة؛ لقول خبّاب وظه: ((إن المسلم ليؤجَر في كل شيء ينفقه، إلا في شيء يجعله في هذا التراب))، وهو وإن كان موقوفاً، إلا أنه في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قِبَل الرأي، وقد روي مرفوعاً صريحاً، أخرجه الطبراني من طريق عمر بن إسماعيل بن مجالد، وعمر كذّبه ابن معين(٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّقُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٩٤] ( ... ) - (حَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَوَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ). (١) ((الفتح)) ٩٠/١٣ - ٩١، ((كتاب الطبّ)) رقم (٥٧٠٤). (٢) راجع: ((الفتح)) ٤٨/١٣. ٧٠ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ) بن عربيّ البصريّ، ثقة [١٠] (ت٢٤٨) وقيل: بعدها (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٥/١٤. ٢ - (مُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ البصريّ، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا خلال الأبواب الخمسة الماضية، و((إسحاق بن إبراهيم)) هو: ابن راهويه، و((ابن نمير)) هو: محمد بن عبد الله، و((أبوه)) هو: عبد الله بن نمير، و((أبو أسامة)) هو: حمّاد بن أسامة. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ)؛ يعني: كلّ هؤلاء الستّة: سفيان بن عيينة، وجرير بن عبد الحميد، ووكيع بن الجرّاح، وعبد الله بن نُمير، ومعتمر بن سليمان، وأبو أسامة رووا هذا الحديث عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، وخباب [تنبيه]: أما رواية سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد، فقد ساقها الحميديّ نَّثُ في ((مسنده))، فقال: (١٥٤) - حدّثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: ثنا قيس، قال: عُدنا خباباً، وقد اكتوى في بطنه سبعاً، فقال: لولا أن رسول الله و ◌ّ نهانا أن ندعو بالموت، لدعوت به، ثم قال: فإنه قد مضى قَبْلنا أقوام، لم ينالوا من الدنيا شيئاً، وأنّا قد بقينا بعدهم، حتى نلنا من الدنيا ما لا يدري أحدنا في أيّ شيء يضعه، إلا في التراب، وأن المسلم يؤجَر في كل شيء ينفقه، إلا فيما أنفق في التراب. انتهى (١). وأما رواية وكيع، فقد ساقها البخاريّ تَُّ في ((صحيحه))، فقال: (٦٠٦٦) - حدّثني يحيى بن موسى، حدّثنا وكيع، حدّثنا إسماعيل، عن قيس، قال: سمعت خبّاباً، وقد اكتوى يومئذ سبعاً في بطنه، وقال: لولا أن رسول الله ◌َّ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت بالموت، إن أصحاب محمد قبَلقول مضوا، ولم تنقصهم الدنيا بشيء، وإنا أصبنا من الدنيا ما لا نجد له موضعاً إلا (٢) التراب. انتهى (١) ((مسند الحميديّ)) ٨٣/١. (٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢٣٦٢/٥. ٧١ (٤) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَمَنِّي الْمَوْتِ؛ لِضُرِّ نَزَلَ بِهِ - حديث رقم (٦٧٩٥) وأما روايات الباقين، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٩٥] (٢٦٨٢) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبَّوَ هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِهِ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا يَتَمَّنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ(١)، وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلَّا خَيْراً)). قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم هذا الإسناد نفسه قبل باب. شرح الحديث: (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُتَبٍِّ) الأبناوي الصنعانيّ؛ أنه (قَالَ: هَذَا) إشارة إلى الأحاديث المجموعة في الصحيفة المشهورة، فـ((هذا)) مبتدأ، و(مَا) اسم موصول خبره؛ أي: الذي (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َّهُ (عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ﴾)؛ أي: حال كونه آخذاً له عنه وَله. (فَذَكَرَ) همّام (أَحَادِيثَ) مجموعها (١٣٨) حديثاً، (مِنْهَا)؛ أي: من تلك الأحاديث، وهو خبر مقدّم لقوله: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَيَ) لِقَصْد لفظه، فهو مبتدأ محكيّ. (لَا يَتَمَنَّى) قال في ((الفتح)): كذا للأكثر بلفظ النفي، والمراد به: النهي، أو هو للنهي، وأُشبعت الفتحة، ووقع في رواية الكشميهنيّ: ((لا يتمنّينّ)) بزيادة نون التأكيد. انتهى. وقال الطيبيّ: الياء في قوله: ((لا يتمنى)) مُثْبَتة في رسم الخطّ في كُتُب الحديث، فلعله نهي وَرَدَ على صيغة الخبرِ، أو المراد منه: لا يتمنّ، فأُجري مُجرى الصحيح. وقيل: هو لفظ النهي، وأُشبعت الفتحة. قيل: والنفي بمعنى النهي أبلغ وآكد، لإفادته أن من شأن المؤمن انتفاء ذلك عنه، وعدم وقوعه عنه بالكليّة، أو لأنه قدّر أن المنهيّ حين ورد النهي عليه انتهى عن المنهيّ عنه، وهو يخبر عن انتهائه، ولو تُرك على النهي المحض ما كان أبلغ. انتهى. وقال المناويّ كَّتُهُ: ((لا يتمنى)) نَهْيٌ أُخرج بصورة النفي؛ للتأكيد، ذكره (١) وفي نسخة: ((انقطع أمله)). ٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة القاضي، وهو كما في ((الكشاف)) أبلغ وآكد؛ لأنه قُدّر أن المنهي حال ورود النهي عليه انتهى عن المنهيّ عنه، وهو يُخبر عن انتهائه، كأنه يقول: لا ينبغي للمؤمن المتزود للآخرة، والساعي في ازدياد ما يثاب عليه، من العمل الصالح، أن يتمنى ما يمنعه عن البرّ، والسلوك لطريق الله، وعليه الخبر، قال: ((خير الناس من طال عمره، وحَسُن عمله))(١)؛ لأن مَن شأنه الازدياد، والترقي من حال إلى حال، ومن مقام إلى مقام، حتى ينتهي إلى مقام القُرْب، كيف يَطلب القطع عن مطلوبه؟(٢). (لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ) لدلالته على عدم الرضا بما أنزل الله به من المشاقّ، ولأن ضرر المرض مطهِّر للإنسان من الذنوب، والموت قاطع له، ولأن الحياة نعمة، وطلب إزالة النعمة قبيح(٣). (وَلَا يَدْعُ بِهِ)؛ أي: لا يسأل الله تعالى الموت، (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ) الموت بانقضاء أجله، وقوله: (إِنَّهُ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء، والجملة تعليليّة؛ أي: إنما نُهي عن تمنّي الموت، والدعاء به؛ لأنه إذا مات ... إلخ، ويَحْتَمل أن يكون بفتح الهمزة إن صحّت الرواية، بتقدير حرف التعليل؛ أي: لأنه (إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ) بالعين المهملة، وفي بعض النسخ: ((أمله)) بالميم بدل العين؛ أي: رجاءه، والمعنى: أن الإنسان ينقطع ما يعمله من الخيرات في حياته إذا مات، فلا ينبغي له أن يتمنّى الموت، ولا أن يدعو به، وإن أصابه ما أصابه من البأساء والضرّاء؛ لئلا تنقطع خيراته، وقوله: (وَإِنَّهُ) كسابقه، والضمير للشأن، وهو ضمير تفسّره جملة بعده، كما قال ابن مالك ◌َُّ في ((الكافية)): وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا بِجُمْلَةٍ كَـ«إِنَّهُ زَيْدٌ شَرَى)) أي: إن الحال والشأن (لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ) منصوب على أنه مفعول مقدّم، (عُمْرُهُ) مرفوع على أنه فاعل مؤخّر، (إِلَّا خَيْراً))) وفيه إشارة إلى أن المعنى في النهي عن تمني الموت والدعاء به هو انقطاع العمل بالموت، فإن الحياة يتسبب (١) حديث صحيح: أخرجه أحمد، والترمذيّ. (٢) ((فيض القدير)) ٤٤٤/٦. (٣) ((فيض القدير)) ٤٤٤/٦. ٧٣ (٤) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَمَنِّي الْمَوْتِ؛ لِضُرِّ نَزَلَ بِهِ - حديث رقم (٦٧٩٥) منها العمل، والعمل يُحَصِّل زيادة الثواب، ولو لم يكن إلا استمرار التوحيد، فهو أفضل الأعمال، ولا يَرِد على هذا أنه يجوز أن يقع الارتداد - والعياذ بالله تعالى - عن الإيمان؛ لأن ذلك نادر، والإيمان بعد أن تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، وعلى تقدير وقوع ذلك، وقد وقع، لكن نادراً، فمن سبق له في علم الله خاتمة السوء، فلا بدّ من وقوعها طال عمره أو قصر، فتعجيله بطلب الموت لا خير له فيه، ويؤيّده حديث أبي أمامة ◌َلُه؛ أن النبيّ وَّ قال لسعد: ((يا سعد إن كنت خُلقت للجنة، فما طال من عمرك، أو حَسُن من عملك فهو خير لك)). أخرجه أحمد بسند لیّن. واستُشكل بأنه قد يعمل السيئات، فيزيده عمره شرّاً. وأجيب بأجوبة : أحدها: حَمْل المؤمن على الكامل، وفيه بُعْدٌ. والثاني: أن المؤمن بصدد أن يعمل ما يُكَفّر ذنوبه، إما من اجتناب الكبائر، وإما من فِعل حسنات أخر، قد تقاوم بتضعيفها سيئاته، وما دام الإيمان باقياً فالحسنات بصدد التضعيف، والسيئات بصدد التكفير. والثالث: يُقيّد ما أُطلق في هذه الرواية بما وقع في الرواية الأخرى من الترجي، حيث جاء بقوله: ((لعله يستعتب))، والترجي مشعر بالوقوع غالباً لا جزماً، فخرج الخبر مخرج تحسين الظن بالله، وأن المحسن يرجو من الله الزيادة، بأن يوفقه للزيادة من عمله الصالح، وأن المسيء لا ينبغي له القنوط من رحمة الله، ولا قَطْع رجائه، أشار إلى ذلك الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ))، ويدلّ على أن قِصَر العمر قد يكون خيراً للمؤمن حديث أنس به، وفيه: ((وتوفَّني إذا كان الوفاة خيراً لي))، وهو لا ينافي حديث أبي هريرة ظه: ((إن المؤمن لا يزيده عمره إلا خيراً)) إذا حُمل حديث أبي هريرة على الأغلب، ومقابله على النادر، قاله في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٤٩/١٣ - ٥٠، ((كتاب المرضى)) رقم (٥٦٧٣). ٧٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ته هذا بهذا السياق من أفراد المصنّف نَخْدَّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٩٥/٤] (٢٦٨٢)، و(همّام بن منبّه) في ((صحيفته)) (٤٨/١)، و(معمر) في ((الجامع)) (٣١٤/١١)، و(عبد الرزّاق) في (مصنّفه)) (٣١٤/١١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣١٦/٢ و٣٥٠)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٣٠١٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٧٧/٣) و((الزهد الكبير)) (٢٣٩/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٤٤٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): أخرج البحاريّ كَّثُ في ((صحيحه)) حديث أبي هريرة رضيه هذا بسياق آخر، أحببت إيراده هنا؛ ليكون مكمّلاً لحديثه المذكور هنا، قال تَخْذّتُهُ : (٥٣٤٩) - حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني أبو عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف؛ أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله وله يقول: ((لن يُدخل أحداً عملُه الجنة))، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((لا، ولا أنا، إلا أن يتغمَّدني الله بفضل ورحمة، فسدّدوا، وقاربوا، ولا يتمنينّ أحدكم الموت، إما محسناً، فلعله أن يزداد خيراً، وأما مسيئاً فلعله أن يستعتب)). انتهى(١). قال في ((الفتح)): قوله: ((إما محسناً، فلعله يزداد، وإما مسيئاً، فلعله يَستعتب))، كذا لهم بالنصب فيهما، وهو على تقدير عامل نَصْب، نحو: (يكون))، ووقع في رواية أحمد عن عبد الرزاق، بالرفع فيهما. وقوله: ((يَستعتب))؛ أي: يَسترضي اللهَ بالإقلاع، والاستغفار، والاستعتابُ طلب الإعتاب، والهمزة للإزالة؛ أي: يطلب إزالة العتاب، عاتبه: لامَه، وأعتبه: أزال عتابه، قال الكرمانيّ: وهو مما جاء على غير القياس؛ إذ الاستفعال إنما يُنبنى من الثلاثيّ، لا من المزيد فيه. انتهى (٢). (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢١٤٧/٥. (٢) ((الفتح)) ٢٢٢/١٣. ٧٥ (٤) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَمَنِّي الْمَوْتِ؛ لِضُرِّ نَزَلَ بِهِ - حديث رقم (٦٧٩٥) وقال المناويّ تَخُّْ: قوله: ((إما محسناً))، و((إما مسيئاً)) بكسر همزة ((إما)) فيهما، ونَصْب ((محسناً)) و((مسيئاً))، قال القاضي: وهو الرواية المعتدّ بها، تقديره: إن كان محسناً، فحُذف الفعل بما استكن فيه، من الضمير، وعُوِّض عنه («مَا))، وأُدغم في ميمها النون، ويَحْتَمِل أن يكون ((إمّا)) حرف تقسيم، و((محسناً)) منصوب بأنه خبر ((يكون))، والتقدير: إما أن يكون محسناً، أو حالٌ والعامل فيه ما دلّ عليه الفعل السابق؛ أي: إما أن يتمناه محسناً. انتهى. ورُوي بفتحها، ورَفْع ((محسن)) بجعله صفة لمبتدأ محذوف، وما بعده خبره. وقال ابن مالك تَخّلُهُ: تقديره: إما أن يكون محسناً، وإما أن يكون مسيئاً، فحَذَف ((يكون)) مع اسمها، وأَبقَى الخبر، قال: و((لعل)) هنا شاهد على مجيئها للرجاء المجرد عن التعليل، وأكثر مجيئها في الرجاء، إذا كان معه تعلیل . وتعقبه الدمامينيّ، فقال: اشتمل كلامه على أمرين ضعيفين، قابِلَين للنزاع : أما الأول: فجَزْمه بأن ((محسناً)) و((مسيئاً)) خبر ليكون محذوفاً، مع احتمال أن يكونا حالين من فاعل ((يتمنى))، وهو ((أحدكم))، وعطف أحد الحالين على الآخر، وأتى بعد كل حال بما ينبه على علة النهي عن تمني الموت، والأصل: لا يتمنى أحدكم الموت إما محسناً، وإما مسيئاً؛ أي: سواء كان على حالة الإحسان، أو الإساءة، أما إذا كان محسناً فلا يتمناه، لعله يزداد إحسانه إحساناً، فيضاعف ثوابه، وإما أن يكون مسيئاً، فلا يتمناه، فلعله يَندَم على إساءته، ويطلب الرضا، فيكون سبباً لمحو ذنوبه. وأما الثاني: فادعاؤه أن أكثر مجيء ((لعل)) للترجي، وهذا قَيْد ممنوع، وكُتُب أكابر النحاة طافحة بالإعراض عنه. وقوله: ((فلعله يستعتب))؛ أي: يطلب الْعُثْبَى؛ أي: الرضا من الله، بأن يحاول إزالة غضبه بالتوبة، ورد المظالم، وتدارك الفائت، وإصلاح العمل، ذكره القاضي. وقال التوربشتيّ: والنهي وإن أُطلق لكن المراد منه التقييد بما وُجّه به من تلك الدلالة، وقد تمناه كثير من الصديقين شوقاً إلى لقاء الله تعالى، وتنعماً ٧٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة بالوصول لحضرته، وذلك غير داخل تحت نهي التقييد، والمطلق راجع للمقيد. انتهى . هذا وليس لك أن تقول: لم تَنحصِر القسمة في هذين الوصفين، فلعله يكون مسيئاً فيزداد إساءة، فتكون زيادة العمر زيادة له في الشقاء، كما في خبر: ((شَرّ الناس من طال عمره، وساء عمله))(١). أو لعله يكون محسناً، فتنقلب حاله إلى الإساءة؛ لأنا نقول: تَرَجِّ النبيّ وَّ ر له زيادة الإحسان، أو الانكفاف عن السوء بتقدير أن يدوم على حاله، فإذا كان معه أصل الإيمان، فهو خير له بكل حال، وبتقدير أن يَخِفّ إحسانه، فذلك الإحسان الخفيف الذي داوم عليه مضاعف له مع أصل الإيمان، وإن زادت إساءته، فالإساءة كثير منها مكفَّر، وما لا يُكَفَّر يرجى العفو عنه، فما دام معه الإيمان، فالحياة خير له، كما بيَّنه المحقق أبو زرعة(٢) . وقال في ((الفتح)): ظاهر الحديث انحصار حال المكلف في هاتين الحالتين، وبقي قسم ثالث، وهو أن يكون مخلِّطاً، فيستمرّ على ذلك، أو يزيد إحساناً، أو يزيد إساءةً، أو يكون محسناً، فينقلب مسيئاً، أو يكون مسيئاً، فيزداد إساءةً. والجواب: أن ذلك خرج مخرج الغالب؛ لأن غالب حال المؤمنين ذلك، ولا سيما والمخاطَب بذلك شفاهاً الصحابة قال: وقد خطر لي في معنى الحديث أن فيه إشارةً إلى تغبيط المحسن بإحسانه، وتحذير المسيء من إساءته، فكأنه يقول: من كان محسناً، فليترك تمني الموت، وليستمرّ على إحسانه، والازدياد منه، ومن كان مسيئاً، فليترك تمني الموت، وليُقلِع عن الإساءة؛ لئلا يموت على إساءته، فيكون على خطر، وأما من عدا ذلك، ممن تضمّنه التقسيم، فيؤخذ حكمه من هاتين الحالتين؛ إذ لا انفكاك عن أحدهما، والله أعلم. انتهى (٣). ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكُتُ وَإِلَيْهِ أُنِيِبُ﴾ . (١) تقدّم أنه صحيح. (٢) ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) ٤٤٤/٦ - ٤٤٥. (٣) ((الفتح)) ٨٣/١٧ - ٨٤، ((كتاب التمنّي)) رقم (٧٢٣٥). ٧٧ (٥) - بَابٌ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ - حديث رقم (٦٧٩٦) (٥) - (بَابٌ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٩٦] (٢٦٨٣) - (حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ وَِّ قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَذَّابُ(١) بْنُ خَالِدٍ) بن خالد بن الأسود الْقَيْسيّ، ويقال في اسمه: هُذْبة - بضم أوله، وسكون الدال، بعدها موحّدة - أبو خالد البصريّ ثقةٌ عابدٌ، تفرّد النسائي بتليينه، من صغار [٩] مات سنة بضع و(٢٣) (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٥١/١١. ٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ رُبّما وَهِمَ [٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠. ٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، تقدّم قريباً. ٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) . الّه، ذُكر في الباب الماضي. ٥ - (عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) بن قيس الأنصاريّ الْخَزْرجيّ، أبو الوليد ، بالرملة سنة أربع وثلاثين، الصحابيّ الشهير، أحد النُّقباء، البدريّ، مات وله اثنتان وسبعون سنةً، وقيل: عاش إلى خلافة معاوية هما، قال سعيد بن عُفير: كان طوله عشرة أشبار (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٨/١٠. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َذَثُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى عبادة رضَُّه، فمدنيّ، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ. (١) بفتح الهاء، وتشديد الدال المهملة. ٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رُه، وفي رواية شعبة، عن قتادة التالية: ((قال: سمعت أنساً يُحدّث)) (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) رَبه وقد رواه حميد، عن أنس، عن النبيّ وَ﴿ بغير واسطة، أخرجه أحمد، والنسائيّ، والبزار، من طريقه، وذكر البزار أنه تفرَّد به، فإن أراد مطلقاً وَرَدَت عليه رواية قتادة، وإن أراد بقيد كونه جَعَله من مسند أنس سَلِم(١). (أَنَّ نَبِيَّ اللهِهِ قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ)؛ أي: المصير إلى الدار الآخرة، بمعنى أن المؤمن عند الغَرْغَرة يُبَشَّر برضوان الله تعالى، فيكون موته أحبّ إليه من حياته. قيل: الحب هنا هو الذي يقتضيه الإيمان بالله، والثقة بوعده، دون ما يقتضيه حكم الجِبِلَّة. قال الحافظ وليّ الدين كَظُّ: قال العلماء: معنى هذا الحديث: عند الاحتضار، والمعاينة، فحينئذ يُكشف الغطاء، فأهل السعادة يبشرون بما أعدَّه الله لهم، وأراده فيهم، وهو معنى محبته لقاءهم(٢)، فيغتبطون، ويُسَرّون بذلك، ويحبون الموت؛ لتحصيل تلك الكرامة، وأهل الشقاوة كُشف لهم عن حالهم، فكرهوا الورود على ربهم؛ لِمَا تيقنوا من تعذيبه لهم، والله تعالى قد أبعدهم عنه، وأراد بهم العذاب، وهو معنى كرهه لقاءهم (٣)، فـ((مَنْ)) هنا خبرية، غير شرطية، وليس معنى الحديث: أن سبب حب الله لقاء هؤلاء حبهم ذلك، ولا أن سبب كراهة الله لقاء هؤلاء كراهتهم ذلك، ولكنه صفة حال هؤلاء وهؤلاء في أنفسهم، وعند ربهم، كأنه قال: من أحب لقاء الله فهو الذي أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله فهو الذي كره الله لقاءه، فيستدل باستبشار (١) راجع: ((الفتح)) ٦٩٨/١٤، ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٥٠٧). (٢) هذا فيه نظر؛ لأنه صَرْف لمعنى الكلام إلى غير وجهه، بل المعنى أن صفة المحبّة ثابتة لله تعالى، ثم يترتّب على ذلك إكرامه، وإنعامه، وإرادة الخير له، هذا هو مذهب السلف، فتنبه. (٣) هذا نظير ما سبق في المحبّة، فصفة الكراهية ثابتة له مثّل، ثم يترتب عليه ما ذُكر، فهو من لوازمها، فتنبّه. ٧٩ (٥) - بَابٌ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ - حديث رقم (٦٧٩٦) المحتضر بعد المعاينة على الخير، وبانكماشه بعدها على الشرّ، وقد فَسّرت عائشة ﴿يُّ الحديث بذلك، وروته عن النبيّ وَّر، فوجب الرجوع إليه. وقال ابن عبد البرّ بعد نقله هذا المعنى عن أهل العلم: وقال أبو عبيدة: ليس وجهه عندي كراهة الموت وشدته؛ لأن هذا لا يكاد يخلو منه أحد، ولكن المكروه من ذلك إيثار الدنيا، والركون إليها، وكراهته أن يصير إلى الله، والدار الآخرة، قال: ومما يبيِّن ذلك أن الله تعالى قد عاب قوماً في كتابه بحب الحياة الدنيا، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآَنَا وَرَضُواْ بِالْخَيَوْقِ الدُّنْيَا وَأَطْمَأَنُواْ بِهَا﴾ [يونس: ٧]، وقال: ﴿وَلَنَجِدَتَّهُمْ أَخْرَصََ النَّاسِ عَلَى حَيَوْقٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَذُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعََّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦]، وقال: ﴿وَلَا يَنَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَّدَّمَتْ أَيْدِيهِزَّ﴾ [الجمعة: ٧]، قال: فهذا يدلّ على أن الكراهية للقاء الله تعالى ليست بالكراهية للموت، وإنما هو الكراهية للنُّقلة من الدنيا إلى الآخرة. انتهى. وقال المازريّ: من قُضي بموته لا بدّ أن يموت، وإن كان كارهاً لقاء الله، ولو كره الله موته ما مات، ولا لقيه، فيُحمل الحديث على كراهة الله تعالى الغفران له، وإرادته لإبعاده من رحمته. انتهى. قال وليّ الدين: وظاهر عبارته تقتضي عدم الغفران لمن كره الموت مطلقاً، وليس كذلك، فالصواب في معنى الحديث ما فسره به قائله وَله . (١) انتھی وقال في ((الفتح)): قال الكرمانيّ(٢): ليس الشرط سبباً للجزاء، بل الأمر بالعكس، ولكنه على تأويل الخبر؛ أي: من أحب لقاء الله أَخْبِرِه بأن الله أحب لقاءه، وكذا الكراهة، وقال غيره فيما نقله ابن عبد البرّ وغيره: ((مَنْ)) هنا خبرية، وليست شرطية، فليس معناه أن سبب حب الله لقاء العبد حب العبد لقاءه، ولا الكراهة، ولكنه صفة حال الطائفتين في أنفسهم عند ربهم، والتقدير: من أحب لقاء الله فهو الذي أحب الله لقاءه، وكذا الكراهة. وتعقّبهم الحافظ - وقد أجاد في ذلك - فقال: ولا حاجة إلى دعوى نفي (١) ((طرح التثريب)) ٢٦٣/٣ - ٢٦٤. (٢) ((شرح صحيح البخاريّ)) للكرمانيّ ٢٥/٢٣. ٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة الشرطية، فسيأتي في ((التوحيد)) من حديث أبي هريرة نظابه رفعه: ((قال الله ريحمن: إذا أحب عبدي لقائي، أحببت لقاءه ... )) الحديث، فيتعين أن ((مَنْ)) في حديث الباب شرطية (١) . وقال ابن الأثير الجزريّ تَخُّْ في ((النهاية)): المراد بلقاء الله هنا: المصير إلى الدار الآخرة، وطلب ما عند الله، وليس الغرض به الموت؛ لأن كُلّاّ يكرهه، فمن ترك الدنيا، وأبغضها أحبّ لقاء الله، ومن آثرها، ورَكِن إليها کَرِه لقاء الله؛ لأنه إنما يصل إليه بالموت. قال: وقول عائشة ﴿يا: ((والموت دون لقاء الله) يبيّن أن الموت غير اللقاء، ولكنه مُعترِضٌ دون الغرض المطلوب، فيجب أن يصبر عليه، ويَحْتَمِلَ مشاقّه حتى يصل إلى الفوز باللقاء(٢). قال الطيبيّ تَخْتُهُ: يريد أن قول عائشة ﴿يَّا: ((إنا لنكره الموت)) يوهم أن المراد بلقاء الله في الحديث: الموت، وليس كذلك؛ لأن لقاء الله غير الموت، بدليل قوله في الرواية الأخرى: ((والموت دون لقاء الله))، لكن لمّا كان الموت سبباً إلى لقاء الله عبّر عنه بلقاء الله. قال الحافظ: وقد سبق ابن الأثير إلى تأويل لقاء الله بغير الموت الإمام أبو عبيد القاسم بن سلّام، فقال: ليس وجهه عندي كراهة الموت، وشدّته؛ لأن هذا لا يكاد يخلو عنه أحد، ولكن المذموم من ذلك إيثار الدنيا، والركون إليها، وكراهية أن يصير إلى الله، وإلى الدار الآخرة، قال: ومما يُبيّن ذلك أن الله تعالى عاب قوماً بحبّ الحياة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرَجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَوَةِ الدُّنْيَا وَأَطْمَأَنُواْ بِهَا﴾ الآية [يونس: ٧]. انتهى. وقال الخطابيّ: معنى محبّة العبد للقاء الله: إيثاره الآخرة على الدنيا، فلا يحبّ استمرار الإقامة فيها، بل يستعدّ للارتحال عنها، والكراهةُ بضدّ ذلك. انتهى. وقال النوويّ: معنى الحديث: أن المحبّة والكراهة التي تُعتبر شرعاً هي التي تقع عند النزع في الحالة التي لا تُقبل فيها التوبة، حين ينكشف الحال للمُحتَضِر، ويظهر له ما هو صائر إليه. انتهى (٣). (١) ((الفتح)) ٦٩٨/١٤. (٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ٢٦٦/٤. (٣) راجع: ((الفتح)) ٧٠١/١٤، ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٥٠٧).