Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
(٢) - بَابٌ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَفَضْلِ مَنْ أَحْصَاهَا - حديث رقم (٦٧٨٥)
توقيفيّة، تُعلم من طريق الكتاب والسُّنَّة، ولم يكن لنا أن نتصرّف فيها بما
نهتدي إليه بمبلغ علمنا، ومنتهى عقولنا، وقد مُنعنا عن إطلاق ما لم يَرد به
التوقيف من ذلك، وإن جوّزه العقل، وحكم به القياس، كأن الخَطْب في ذلك
غير هيّن، والمخطئ فيه غير معذور، والنقصان عنه كالزيادة فيه غير مرضيّ،
وكان الاحتمال في رسم الخطّ واقعاً باشتباه تسعة وتسعين في زلّة الكاتب،
وهفوة القلم بسبعة وتسعين، أو سبعة وسبعين، أو تسعة وسبعين، فينشأ
الاختلاف في المسموع من المسطور، فأكّده به حسماً لمادّة الخلاف، وإرشاداً
إلى الاحتياط في هذا الباب. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة السادسة): استُدِلّ بهذا الحديث على صحة استثناء القليل من
الكثير، وهو متفق عليه، وأبعدَ من استَدَلّ به على جواز الاستثناء مطلقاً، حتى
يدخل استثناء الكثير حتى لا يبقى إلا القليل.
وأغرب الداوديّ فيما حكاه عنه ابن التين، فنقل الاتفاق على الجواز،
وأن من أقرّ، ثم استثنى عُمل باستثنائه، حتى لو قال: له عليّ ألف إلا تسعمائة
وتسعة وتسعين، أنه لا يلزمه إلا واحد.
وتعَقّبه ابن التين، فقال: ذهب إلى هذا في الإقرار جماعة، وأما نَقْل
الاتفاق فمردود، فالخلاف ثابت، حتى في مذهب مالك، وقد قال أبو الحسن
اللَّخْميّ منهم: لو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثنتين، وقع عليه ثلاث، ونقل
عبد الوهاب وغيره عن عبد الملك وغيره أنه لا يصح استثناء الكثير من
القليل،، ومن لطيف أدلتهم أن من قال: صمت الشهر إلا تسعاً وعشرين يوماً،
يُستهجن؛ لأنه لم يصم إلا يوماً، واليوم لا يسمى شهراً، وكذا من قال: لقيت
القوم جميعاً إلا بعضهم، ويكون ما لقي إلا واحداً.
قال الحافظ: والمسألة مشهورة، فلا يُحتاج إلى الإطالة فيها. انتهى (٢)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم هل هذا العدد للحصر، أو لا؟:
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٧٦٦/٦.
(٢) ((الفتح)) ٤٧٤/١٤، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٤١٠).

٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
(اعلم): أنهم اختلفوا في هذا العدد: هل المراد به حصر الأسماء
الحسنى في هذه العدّة، أو أنها أكثر من ذلك، ولكن اختصت هذه بأن من
أحصاها دخل الجنة؟ فذهب الجمهور إلى الثاني، ونَقَل النوويّ اتفاق العلماء
عليه، فقال: ليس في الحديث حصر أسماء الله تعالى، وليس معناه أنه ليس له
اسم غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث: أن هذه الأسماء من
أحصاها دخل الجنة، فالمراد: الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار
بحصر الأسماء، ويؤيده قوله 18ّ في حديث ابن مسعود وته الذي أخرجه
أحمد، وصححه ابن حبان: ((أسألك بكلّ اسم هو لك، سمَّيت به نفسك، أو
أنزلته في كتابك، أو علّمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب
عندك))، وعند مالك، عن كعب الأحبار في دعاء: ((وأسألك بأسمائك
الحسنى، ما علمتُ منها وما لم أعلم))، وأورد الطبريّ عن قتادة نحوه، ومن
حديث عائشة أنها دعت بحضرة النبيّ ◌َل و بنحو ذلك.
وقال الخطابيّ تَخَُّهُ: في هذا الحديث إثبات هذه الأسماء المخصوصة
بهذا العدد، وليس فيه مَنْع ما عداها من الزيادة، وإنما التخصيص؛ لكونها أكثر
الأسماء، وأبْبينها معاني، وخبر المبتدأ في الحديث هو قوله: ((من أحصاها)) لا
قوله: (الله))، وهو كقولك: لزيد ألف درهم، أعدّها للصدقة، أو لعمرو مائة
ثوب، من زاره ألبسه إياها .
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: لا قوله: (لله))، فيه نظر لا يخفى، بل
الصواب أن الخبر (الله))، وأما جملة: ((من أحصاها دخل الجنّة)): فإما خبر بعد
خير، وإما نعت للعدد المذكور، فيكون قيداً فيه، فيكون المعنى: أن تلك
الأسماء الموصوفة بهذا كائنة لله، فلا يكون مانعاً من ثبوت أسماء أخرى لله رم
غير موصوفة بما ذُكر، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ في ((المفهم)) نحو ذلك، ونقل ابن بطال عن القاضي
أبي بكر بن الطيب قال: ليس في الحديث دليل على أنه ليس لله من الأسماء
إلا هذه العدة، وإنما معنى الحديث: أن من أحصاها دخل الجنة، ويدلّ على
عدم الحصر أن أكثرها صفات، وصفات الله لا تتناهى.
وقيل: إن المراد: الدعاء بهذه الأسماء؛ لأن الحديث مبني على قوله:

٢٣
(٢) - بَابٌ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَفَضْلِ مَنْ أَخْصَاهَا - حديث رقم (٦٧٨٥)
﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فذكر النبيّ ◌َلّ أنها تسعة
وتسعون، فيُدعَى بها، ولا يدعى بغيرها، حكاه ابن بطال عن المهلّب، وفيه
نظر؛ لأنه ثبت في أخبار صحيحة الدعاء بكثير من الأسماء التي لم تَرِد في
القرآن، كما في حديث ابن عباس في قيام الليل: ((أنت المقدّم، وأنت
المؤخر)»، وغير ذلك.
وقال الفخر الرازيّ: لمّا كانت الأسماء من الصفات، وهي إما ثبوتية
حقيقية؛ كالحيّ، أو إضافية؛ كالعظيم، وإما سلبية؛ كالقدوس، وإما من حقيقية
وإضافية؛ كالقدير، أو من سلبية إضافية؛ كالأول، والآخر، وإما من حقيقية
وإضافية سلبية؛ كالمَلِك، والسُّلوب غير متناهية؛ لأنه عالم بلا نهاية، قادر على
ما لا نهاية له، فلا يمتنع أن يكون له من ذلك اسم، فيلزم أن لا نهاية
لأسمائه.
وحَكَى القاضي أبو بكر ابن العربيّ عن بعضهم: أن الله ألف اسم، قال
ابن العربيّ: وهذا قليل فيها .
ونقل الفخر الرازيّ عن بعضهم: أن لله أربعة آلاف اسم، استأثر بعلم
ألف منها، وأعْلَم الملائكة بالبقية، والأنبياء بألفين منها، وسائر الناس بألف.
قال الجامع عفا الله عنه: هذه - كما قال الحافظ كَّلُ ـ دعوى تحتاج إلى
دليل، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
واستدلّ بعضهم لهذا القول بأنه ثبت في نفس حديث الباب: ((وهو وتر،
يحب الوتر))، والرواية التي سُردت فيها الأسماء لم يُعَدّ فيها الوتر، فدلّ على
أن له اسماً آخر غير التسعة والتسعين.
وتعقبه من ذهب إلى الحصر في التسعة والتسعين؛ كابن حزم: بأن الخبر
الوارد لم يثبت رَفْعه، وإنما هو مُدْرَج.
واستدلّ أيضاً على عدم الحصر بأنه مفهوم عدد، وهو ضعيف، وابن حزم
ممن ذهب إلى الحصر في العدد المذكور، وهو لا يقول بالمفهوم أصلاً، ولكنه
احتجّ بالتأكيد في قوله وَله: ((مائة إلا واحدٌ)). قال: لأنه لو جاز أن يكون له
اسم زائد على العدد المذكور، لَزِم أن يكون له مائة اسم، فيبطل قوله: ((مائة
إلا واحدٌ)، وهذا الذي قاله ليس بحجة؛ لأن الحصر المذكور عندهم باعتبار

٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
الوعد الحاصل لمن أحصاها، فمن اذَّعَى على أن الوعد وقع لمن أحصى زائداً
على ذلك أخطأ، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون هناك اسم زائد.
واحتَجّ بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْمُسْفَى فَادْعُوهُ بِهِّ وَذَرُواْ أَلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىّ
أَسْمَّبِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقد قال أهل التفسير: من الإلحاد في أسمائه تسميته
بما لم يَرِد في الكتاب، أو السُّنَّة الصحيحة، وقد ذَكَر منها في آخر ((سورة
الحشر)) عدّةً، وخَتَم ذلك بأن قال: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤]، قال:
وما يُتخيل من الزيادة في العدة المذكور لعله مكرر معنى، وإن تغاير لفظاً؛
كالغافر، والغفار، والغفور، مثلاً، فيكون المعدود من ذلك واحداً فقط، فإذا
اعتُبر ذلك، وجُمعت الأسماء الواردة نصّاً في القرآن، وفي ((الصحيح) من
الحديث لم تزد على العدد المذكور.
وقال غيره: المراد بالأسماء الحسنى في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ اَلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى
فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] ما جاء في الحديث: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً))،
فإن ثبت الخبر الوارد في تعيينها وجب المصير إليه، وإلا فليتتبع من الكتاب
العزيز والسُّنَّة الصحيحة، فإن التعريف في الأسماء للعهد، فلا بدّ من المعهود،
فإنه أمَر بالدعاء بها، ونَهَى عن الدعاء بغيرها، فلا بدّ من وجود المأمور به.
قال الحافظ: والحوالة على الكتاب العزيز أقرب، وقد حَصَل بحمد الله
تتبّعها، وبقي أن يُعْمَد إلى ما تكرر لفظاً ومعنى من القرآن، فيُقتصر عليه،
ويتتبع من الأحاديث الصحيحة تكملة العدة المذكورة، فهو نمط آخر من التتبع،
عسى الله أن يُعِين عليه بحوله، وقوته، آمين.
[فصل]: وأما الحكمة في القَصْر على العدد المخصوص، فذكَرَ الفخر
الرازيّ عن الأكثر أنه تعبُّد لا يُعقل معناه، كما قيل في عدد الصلوات وغيرها،
ونُقل عن أبي خلف محمد بن عبد الملك الطبريّ السلميّ قال: إنما خَصّ هذا
العدد إشارةً إلى أن الأسماء لا تؤخذ قياساً.
وقيل: الحكمة فيه أن معاني الأسماء، ولو كانت كثيرة جدّاً موجودة في
التسعة والتسعين المذكورة.
وقيل: الحكمة فيه أن العدد زوج وفرد، والفرد أفضل من الزوج، ومنتهى
الإفراد من غير تكرار تسعة وتسعون؛ لأن مائة وواحداً يتكرر فيه الواحد، وإنما

٢٥
(٢) - بَابٌ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَفَضْلِ مَنْ أَخْصَاهَا - حديث رقم (٦٧٨٥)
كان الفرد أفضل من الزوج؛ لأن الوتر أفضل من الشفع؛ لأن الوتر من صفة
الخالق، والشفع من صفة المخلوق، والشفع يحتاج للوتر من غير عكس.
وقيل: الكمال في العدد حاصل في المائة؛ لأن الأعداد ثلاثة أجناس:
آحاد، وعشرات، ومئات، والألف مبتدأ لآحاد آخر، فأسماء الله مائة استأثر الله
منها بواحد، وهو الاسم الأعظم، فلم يُطلِعِ عليه أحداً، فكأنه قيل: مائة، لكن
واحد منها عند الله.
وقال غيره: ليس الاسم الذي يكمل المائة مخفيّاً، بل هو الجلالة،
وممن جزم بذلك السهيليّ، فقال: الأسماء الحسنى مائة على عدد درجات
الجنة، والذي يكمل المائة: ((الله))، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى
فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فالتسعة والتسعون لله، فهي زائدة عليه، وبه تكمل
المائة. انتهى كلام الحافظ تَظَّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأَولى في هذا أن يردّ إلى العليم
الخبير، فلا داعي للاختلاف في تعيين وجه الحكمة، وليست معرفته من
التكليفيّات، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في معنى: ((من أحصاها ...
إلخ)»:
قال الخطابيّ تَخْثُهُ: الإحصاء في مثل هذا يَحْتَمِل وجوهاً:
أحدها: أن يعُدّها حتى يستوفيها، يريد أنه لا يقتصر على بعضها، لكن
يدعو الله بها كلّها، ويُثني عليه بجميعها، فيستوجب الموعود عليها من الثواب.
ثانيها: المراد بالإحصاء: الإطاقة، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن لَّنْ تُخُصُوهُ﴾
[المزمل: ٢٠]، ومنه حديث: ((استقيموا، ولن تحصوا))؛ أي: لن تبلغوا كنه
الاستقامة، والمعنى: من أطاق القيام بحقّ هذه الأسماء، والعمل بمقتضاها،
وهو أن يعتبر معانيها، فيُلزم نفسه بواجبها، فإذا قال: الرزاق، وَثِق بالرزق،
وكذا سائر الأسماء.
ثالثها: المراد بالإحصاء: الإحاطة بمعانيها، من قول العرب: فلان ذو
(١) ((الفتح)) ٤٧٥/١٤ - ٤٧٧، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٤١٠).

٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
حصاة؛ أي: ذو عقل ومعرفة. انتهى ملخّصاً(١).
وقال القرطبيّ: المرجوّ من كرم الله تعالى أن من حصل له إحصاء هذه
الأسماء على إحدى هذه المراتب، مع صحة النية أن يُدخله الله الجنة، وهذه
المراتب الثلاثة للسابقين، والصدّيقين، وأصحاب اليمين.
وقال غيره: معنى أحصاها: عَرَفها؛ لأن العارف بها لا يكون إلا مؤمناً،
والمؤمن يدخل الجنة.
وقيل: معناه: عدّها معتقداً؛ لأن الدهريّ لا يعترف بالخالق، والفلسفيّ
لا يعترف بالقادر.
وقيل: أحصاها، يريد بها وجه الله، وإعظامه.
وقيل: معنى أحصاها: عَمِل بها، فإذا قال: الحكيم مثلاً سَلّم جميع
أوامره؛ لأن جميعها على مقتضى الحكمة، وإذا قال: القدوس استحضر كونه
منزهاً عن جميع النقائص، وهذا اختيار أبي الوفا بن عقيل.
وقال ابن بطال: طريق العمل بها أن الذي يسوغ الاقتداء به فيها؛
كالرحيم، والكريم، فإن الله يحب أن يرى حلاها على عبده، فَلْيُمَرِّن العبد
نفسه على أن يصح له الاتصاف بها، وما كان يختص بالله تعالى؛ كالجبار،
والعظيم، فيجب على العبد الإقرار بها، والخضوع لها، وعدم التحلي بصفة
منها، وما كان فيه معنى الوعد نقف منه عند الطمع والرغبة، وما كان فيه معنى
الوعيد نقف منه عند الخشية والرهبة، فهذا معنى أحصاها، وحفظها، ويؤيّده
أن من حفظها عدّاً، وأحصاها سرداً، ولم يعمل بها يكون كمن حَفِظ القرآن،
ولم يعمل بما فيه، وقد ثبت الخبر في الخوارج أنهم يقرؤون القرآن، ولا
يجاوز حناجرهم.
قال الحافظ: والذي ذكره مقام الكمال، ولا يلزم من ذلك أن لا يَرِد
الثواب لمن حفظها، وتعبّد بتلاوتها، والدعاء بها، وإن كان متلبساً بالمعاصي،
كما يقع مثل ذلك في قارئ القرآن سواءً، فإن القارئ، ولو كان متلبساً بمعصية
غير ما يتعلق بالقراءة، يثاب على تلاوته عند أهل السُّنَّة، فليس ما بحثه ابن
(١) ((الأعلام)) ١٣٤٢/٣، و((الفتح)) ٤٧٤/١٤، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٤١٠).

٢٧
(٢) - بَابٌ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَفَضْلِ مَنْ أَحْصَاهَا - حديث رقم (٦٧٨٥)
بطال بدافع لقول من قال: إن المراد حِفْظها سرداً، والله أعلم.
وقال النوويّ: قال البخاريّ وغيره من المحققين: معناه: حَفِظها، وهذا
هو الأظهر؛ لثبوته نصّاً في الخبر، وقال في ((الأذكار)): هو قول الأكثرين.
وقال ابن الجوزيّ: لمّا ثبت في بعض طرُق الحديث ((من حفظها)) بدل:
((أحصاها)) اخترنا أن المراد: العدّ؛ أي: من عدّها؛ ليستوفيها حفظاً.
وتعقّبه الحافظ، فقال: وفيه نظر؛ لأنه لا يلزم من مجيئه بلفظ: ((حفظها))
تعيّن السرد عن ظهر قلب، بل يَحْتَمِل الحفظ المعنويّ.
وقيل: المراد بالحفظ: حفظ القرآن؛ لكونه مستوفياً لها، فمن تلاه،
ودعا بما فيه من الأسماء حصل المقصود، قال النوويّ: وهذا ضعيف.
وقيل: المراد: مَنْ تتّعها من القرآن.
وقال ابن عطية: معنى أحصاها: عدّها، وحفظها، ويتضمن ذلك الإيمان
بها، والتعظيم لها، والرغبة فيها، والاعتبار بمعانيها .
وقال الأصيليّ: ليس المراد بالإحصاء عدّها فقط؛ لأنه قد يعدّها
الفاجر، وإنما المراد: العمل بها .
وقال أبو نعيم الأصبهانيّ: الإحصاء المذكور في الحديث ليس هو
التعداد، وإنما هو العمل، والتعقل بمعاني الأسماء، والإيمان بها.
وقال أبو عمر الطلمنكيّ: من تمام المعرفة بأسماء الله تعالى، وصفاته
التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قال رسول الله وَله: المعرفة بالأسماء
والصفات، وما تتضمن من الفوائد، وتدلّ عليه من الحقائق، ومن لم يعلم
ذلك، لم يكن عالِماً لمعاني الأسماء، ولا مستفيداً بذكرها ما تدلّ عليه من
المعاني.
وقال أبو العباس بن معد: يَحْتَمِل الإحصاء معنيين:
أحدهما: أن المراد: تتبّعها من الكتاب والسُّنَّة، حتى يحصل عليها .
والثاني: أن المراد: أن يحفظها بعد أن يجدها محصاةً، قال: ويؤيده أنه
ورد في بعض طرقه: ((من حفظها))، قال: ويَحْتَمِل أن يكونِ وَله أطلق أوّلاً
قوله: ((من أحصاها دخل الجنة))، ووَكَل العلماء إلى البحث عنها، ثم يسَّر على
الأمة الأمر، فألقاها إليهم محصاةً، وقال: ((من حفظها دخل الجنة)).

٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
وتعقّبه الحافظ بأنه احتمال بعيد جدّاً؛ لأنه يَتَوقف على أن النبيّ وَّلـ
حدّث بهذا الحديث مرتين، إحداهما قبل الأخرى، ومن أين يُثبت ذلك،
ومخرج اللفظين واحد؟ وهو عن أبي هريرة، والاختلاف عن بعض الرواة عنه
في أيّ اللفظين قاله. انتهى.
قال: وللإحصاء معانٍ أخرى، منها الإحصاء الفقهيّ، وهو العلم بمعانيها
من اللغة، وتنزيلها على الوجوه التي تحتملها الشريعة(١)، ومنها: الإحصاء
النظريّ، وهو أن يعلم معنى كل اسم بالنظر في الصيغة، ويستدلّ عليه بأثره
الساري في الوجود، فلا تمرّ على موجود إلا ويظهر لك فيه معنى من معاني
الأسماء، وتعرف خواصّ بعضها، وموقع القيد، ومقتضى كل اسم، قال: وهذا
أرفع مراتب الإحصاء، قال: وتمام ذلك أن يتوجه إلى الله تعالى من العمل
الظاهر والباطن بما يقتضيه كلّ اسم من الأسماء، فيعبد الله بما يستحقه من
الصفات المقدسة التي وجبت لذاته، قال: فمن حصلت له جميع مراتب
الإحصاء، حصل على الغاية، ومن مُنح مَنحّى من مناحيها، فثوابه بقدر ما
قال، والله أعلم.
[تنبيه]: وقع في ((تفسير ابن مردويه))، وعند أبي نعيم من طريق ابن
سيرين، عن أبي هريرة بدل قوله: ((من أحصاها دخل الجنة)): ((من دعا بها
دخل الجنة))، وفي سنده حصين بن مخارق، وهو ضعيف، وزاد خُليد بن دُعْلج
في روايته التي تقدمت الإشارة إليها: ((وكلّها في القرآن))، وكذا وقع من قول
سعيد بن عبد العزيز، وكذا وقع في حديث ابن عباس، وابن عمر معاً بلفظ:
((من أحصاها دخل الجنة، وهي في القرآن))، قاله في ((الفتح))(٢)، وهو بحث
نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(المسألة التاسعة): قيل: استُدِلّ بهذا الحديث على أن الاسم هو
المسمى، حكاه أبو القاسم القشيريّ في ((شرح أسماء الله الحسنى))، فقال: في
(١) وقع في نسخة ((الفتح))، بلفظ: وتنزيهها على الوجوه التي تحملها الشريعة، ولا
يخفی ما فيه.
(٢) ((الفتح)) ١٤/ ٤٨٣ - ٤٨٦.

٢٩
(٢) - بَابٌ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَفَضْلٍ مَنْ أَخْصَاهَا - حديث رقم (٦٧٨٥)
هذا الحديث دليل على أن الاسم هو المسمى؛ إذ لو كان غيره كانت الأسماء
غيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] ثم قال:
والمَخْلَص من ذلك أن المراد بالاسم هنا: التسمية.
وقال الفخر الرازيّ: المشهور من قول أصحابنا: أن الاسم نفس
المسمى، وغير التسمية، وعند المعتزلة: الاسم نفس التسمية، وغير المسمى،
واختار الغزاليّ أن الثلاثة أمور متباينة، وهو الحقّ عندي؛ لأن الاسم إن كان
عبارة عن اللفظ الدال على الشيء بالوضع، وكان المسمى عبارة عن نفس ذلك
الشيء المسمى، فالعلم الضروري حاصل بأن الاسم غير المسمى، وهذا مما
لا یمکن وقوع النزاع فیه.
وقال أبو العباس القرطبيّ في ((المفهم)): الاسم في العرف العامّ هو
الكلمة الدالة على شيء مفرد، وبهذا الاعتبار لا فرق بين الاسم والفعل
والحرف؛ إذ كلّ واحد منها يصدق عليه ذلك، وإنما التفرقة بينها باصطلاح
النحاة، وليس ذلك من غرض المبحث هنا .
وإذا تقرر هذا عُرف غلط من قال: إن الاسم هو المسمى حقيقةً، كما
زعم بعض الجهلة، فألزم أن من قال: نار احتَرَق، فلم يقدر على التخلص
من ذلك، وأما النحاة فمرادهم بأن الاسم هو المسمى: أنه من حيث إنه لا
يدلّ إلا عليه، ولا يُقصد إلا هو، فإن كان ذلك الاسم من الأسماء الدالة
على ذات المسمى، دلّ عليها من غير مزيد أمر آخر، وإن كان من الأسماء
الدالة على معنى زائد، دلّ على أن تلك الذات منسوبة إلى ذلك الزائد خاصّة
دون غيره.
وبيان ذلك أنك إذا قلت: زيد مثلاً، فهو يدل على ذات متشخصة في
الوجود، من غير زيادة ولا نقصان، فإن قلت: العالم، دلّ على أن تلك الذات
منسوبة للعلم، ومن هذا صحّ عقلاً أن تتكثر الأسماء المختلفة على ذات
واحدة، ولا توجب تعدداً فيها، ولا تكثيراً، قال: وقد خفي هذا على بعضهم،
ففرّ منه هرباً من لزوم تعدّد في ذات الله تعالى، فقال: إن المراد بالاسم:
التسمية، ورأى أن هذا يخلصه من التكثر، وهذا فرار من غير مفرّ إلى مفرّ،
وذلك أن التسمية إنما هي وَضْع الاسم، وذكر الاسم فهي نسبة الاسم إلى

٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
مسماه، فإذا قلنا: لفلان تسميتان، اقتضى أن له اسمين ننسبهما إليه، فبقي
الإلزام على حاله، من ارتكاب التعسف.
ثم قال القرطبيّ: وقد يقال: الاسم هو المسمى على إرادة أن هذه
الكلمة التي هي الاسم تُطلق، ويراد بها المسمى، كما قيل ذلك في قوله
﴾ [الأعلى: ١]؛ أي: سبِّح ربك، فأُريدَ بالاسم
تعالى: ﴿َبِعِ أَسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى (
المسمى.
وقال غيره: التحقيق في ذلك أنك إذا سمّيت شيئاً باسم، فالنظر في ثلاثة
أشياء: ذلك الاسم، وهو اللفظ، ومعناه قبل التسمية، ومعناه بعدها، وهو
الذات التي أُطلق عليها اللفظ، والذات واللفظ متغايران قطعاً، والنحاة إنما
يُطلقونه على اللفظ؛ لأنهم إنما يتكلمون في الألفاظ، وهو غير مسمى قطعاً،
والذات هي المسمى قطعاً، وليست هي الاسم قطعاً، والخلاف في الأمر
الثالث، وهو معنى اللفظ قبل التلقيب، فالمتكلمون يطلقون الاسم عليه، ثم
يختلفون في أنه الثالث، أو لا، فالخلاف حينئذ إنما هو في الاسم المعنويّ،
هل هو المسمى، أو لا؟، لا في الاسم اللفظيّ، والنحويُّ لا يطلق الاسم
على غير اللفظ؛ لأنه محطّ صناعته، والمتكلم لا ينازعه في ذلك، ولا يمنع
إطلاق اسم المدلول على الدال، وإنما يزيد عليه شيئاً آخر، دعاه إلى تحقيقه
ذِكر الأسماء والصفات، وإطلاقها على الله تعالى، قال: ومثال ذلك أنك إذا
قلت: جعفر لقبه أنف الناقة، فالنحويّ يريد باللقب لَفْظ: أنف الناقة، والمتكلم
يريد معناه، وهو ما يُفهم منه من مدح، أو ذمّ، ولا يمنع ذلك قول النحويّ:
اللقب لفظ يُشعر بِضَعَة أو رِفْعَة؛ لأن اللفظ يُشعر بذلك؛ لدلالته على المعنى،
والمعنى في الحقيقة هو المقتضِي للضَّعَة والرِّفْعة، وذات جعفر هي الملقبة عند
الفريقين، وبهذا يظهر أن الخلاف في أن الاسم هو المسمى، أو غير المسمى
خاصّ بأسماء الأعلام المشتقة.
ثم قال القرطبيّ: فأسماء الله، وإن تعددت، فلا تعدُّد في ذاته، ولا
تركيب، لا محسوساً كالجسميات، ولا عقليّاً كالمحدودات، وإنما تعددت
الأسماء بحسب الاعتبارات الزائدة على الذات، ثم هي من جهة دلالتها على
أربعة أضرب:

٣١
(٢) - بَابٌ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَفَضْلِ مَنْ أَخْصَاهَا - حديث رقم (٦٧٨٥)
الأول: ما يدل على الذات مجردة؛ كالجلالة، فإنه يدل عليه دلالة
مطلقة، غير مقيدة، وبه يُعرف جميع أسمائه، فيقال: الرحمن مثلاً من
أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الرحمن، ولهذا كان الأصحّ أنه اسم عَلَمٌ
غير مشتقّ، وليس بصفة.
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن ((الله)) مشتقّ، وقد استوفيت بحثه في
((شرح المقدّمة))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
قال: الثاني: ما يدلّ على الصفات الثابتة للذات؛ كالعليم، والقدير،
والسميع، والبصير.
الثالث: ما يدلّ على إضافة أمرٍ مّا إليه؛ كالخالق، والرازق.
الرابع: ما يدلّ على سلب شيء عنه؛ كالعليّ، والقدوس.
وهذه الأقسام الأربعة منحصرة في النفي والإثبات، ذكره في ((الفتح)) (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الكلام في كون الاسم هو المسمّى، أو
غيره من فضول البحث الذي لا يعني المكلّف الخوض فيه، وقد أشبع الكلام
فيه شيخ الإسلام ابن تيميّة كَذَلُ وحقّقه تحقيقاً، لا تجده محرّراً عند غيره،
ثمّ قال: إن النزاع اشتَهَر في ذلك بعد الأئمّة: أحمد، وغيره، ونَقَل عن أبي
جعفر الطبريّ أن القول في الاسم والمسمّى من الحماقات المبتدعة التي لا
يُعرف فيها قولٌ لأحد من الأئمّة، وإنّ حَسْبَ الإنسان أن ينتهي إلى قوله
تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وهذا هو القول بأن الاسم
للمسمّى، وهذا الإطلاق اختيار أكثر المنتسبين إلى السُّنَّة، من أصحاب الإمام
أحمد، وغيره ... إلى آخر ما قاله رحمه الله تعالى. انظر: ((مجموع الفتاوى))
١٨٥/٦ - ٢١٢ تستفد علوماً جَمَّة.
والحاصل: أن الخوض في هذه المسألة من فضول الكلام، و((من حسن
إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، فالأولى بالمسلم الشحيح على دينه عدم
الخوض في المسائل المبتدَعة إلا للرّدّ عليها، وإن دعت الحاجة إليه، ولا بُدّ
فما عليه الأكثرون من أهل السُّنَّة هو الذي نُرجّحه، والله تعالى أعلم.
(١) «الفتح)) ٤٧٧/١٤ - ٤٧٩، و((المفهم)) ١٥/٧.

٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
(المسألة العاشرة): في اختلاف أهل العلم في الأسماء هل هي توقيفيّة،
أم لا؟:
(اعلم): أنهم اختلفوا فيها، هل هي توقيفية؛ بمعنى: أنه لا يجوز لأحد
أن يشتق من الأفعال الثابتة لله أسماء إلا إذا ورد نصّ، إما في الكتاب، أو
السُّنَّة، فقال الفخر: المشهور عن أصحابنا أنها توقيفية، وقالت المعتزلة،
والكرامية: إذا دلّ العقل على أن معنى اللفظ ثابت في حقّ الله جاز إطلاقه
على الله.
وقال القاضي أبو بكر، والغزاليّ: الأسماء توقيفية، دون الصفات، قال:
وهذا هو المختار، واحتج الغزاليّ بالاتفاق على أنه لا يجوز لنا أن نسمي
رسول الله وَ﴿ باسم لم يسمِّه به أبوه، ولا سمَّى به نفسه، وكذا كل كبير من
الخلق، قال: فإذا امتنع ذلك في حقّ المخلوقين فامتناعه في حقّ الله أَولى،
واتفقوا على أنه لا يجوز أن يُطلق عليه اسم، ولا صفة تُؤْهِم نقصاً، ولو ورد
ذلك نصّاً، فلا يقال: ماهِدٌ، ولا زارٌ، ولا فالقٌ، ولا نحو ذلك، وإن ثبت
في قوله: ﴿فَنِعْمَ الْمَهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨]، ﴿أَمَّ نَحْنُ الَِّعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤]،
﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَّ﴾ [الأنعام: ٩٥]، ونحوها، ولا يقال له: ماكر، ولا بنّاء،
وإن ورد: ﴿وَمَكَرَ اَللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَهَا﴾ [الذاريات: ٤٧].
وقال أبو القاسم القشيريّ: الأسماء تؤخذ توقيفاً من الكتاب والسُّنَّة
والإجماع، فكل اسم وَرَدَ فيها وجب إطلاقه في وَصْفه، وما لم يَرِدْ لا يجوز،
ولو صحّ معناه.
وقال أبو إسحاق الزجاج: لا يجوز لأحد أن يدعو الله بما لم يصف به
نفسه، والضابط: أن كل ما أذن الشرع أن يُدعى به، سواء كان مشتقّاً، أو غير
مشتقّ، فهو من أسمائه، وكل ما جاز أن يُنسب إليه، سواء كان مما يدخله
التأويل أو لا، فهو من صفاته، ويُطلق عليه اسماً أيضاً.
وقال الْحَلِيميّ: الأسماء الحسنى تنقسم إلى العقائد الخمس:
الأولى: إثبات الباري ردّاً على المعطّلين، وهي الحيّ والباقي والوارث،
وما في معناها .

٣٣
(٢) - بَابٌ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَفَضْلِ مَنْ أَحْصَاهَا - حديث رقم (٦٧٨٥)
والثانية: توحيده ردّاً على المشركين، وهي الكافي والعليّ والقادر
ونحوها .
والثالثة: تنزيهه ردّاً على المشبهة، وهي القدوس والمجيد والمحيط
وغيرها .
والرابعة: اعتقاد أن كل موجود من اختراعه ردّاً على القول بالعلّة
والمعلول، وهي الخالق والبارئ والمصور والقويّ وما يلحق بها .
والخامسة: أنه مدبِّر لِمَا اخترع، ومصرِّفه على ما شاء، وهو القيوم
والعلیم والحكيم وشبهها .
وقال أبو العباس بن معد: من الأسماء ما يدل على الذات عيناً،
وهو الله، وعلى الذات مع سلب؛ كالقدوس والسلام، ومع إضافة كالعليّ
العظيم، ومع سلب وإضافة؛ كالملِك والعزيز، ومنها ما يرجع إلى صفة؛
كالعليم والقدير، ومع إضافة؛ كالحليم والخبير، أو إلى القدرة مع إضافة؛
كالقهار، وإلى الإرادة مع فعل، وإضافة؛ كالرحمن الرحيم، وما يرجع إلى
صفة فعل؛ كالخالق والبارئ، ومع دلالة على الفعل؛ كالكريم واللطيف.
قال: فالاسماء كلها لا تخرج عن هذه العشرة، وليس فيها شيء
مترادف؛ إذ لكل اسم خصوصية ما، وإن اتفق بعضها مع بعض في أصل
المعنى. انتهى كلامه.
قال الحافظ: ثم وقفت عليه منتزَعاً من كلام الفخر الرازيّ في ((شرح
الأسماء الحسنى))، وقال الفخر أيضاً: الألفاظ الدالة على الصفات ثلاثة: ثابتة
في حقّ الله قطعاً، وممتنعة قطعاً، وثابتة لكن مقرونة بكيفية.
فالقسم الأول: منه ما يجوز ذِكره مفرداً، ومضافاً، وهو كثير جدّاً؛
كالقادر والقاهر، ومنه ما يجوز مفرداً، ولا يجوز مضافاً إلا بشرط؛ كالخالق،
فيجوز خالق، ويجوز خالق كل شيء مثلاً، ولا يجوز خالق القِرَدة، ومنه
عكسه، يجوز مضافاً، ولا يجوز مفرداً؛ كالمنشئ، يجوز منشئ الخلق، ولا
يجوز منشئ فقط .
والقسم الثاني: إن وَرَدَ السمع بشيء منه أُطلق، وحُمل على ما يليق به.
والقسم الثالث: إن وَرَدَ السمع بشيء منه أُطلق ما وَرَدَ منه، ولا يقاس

٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
عليه، ولا يُتصرف فيه بالاشتقاق؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]
[البقرة: ١٥] فلا يجوز ماكر، ومستهزئ.
﴿يَسْتَهْزِئُ؟
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول في المسألة: أنهم اختلفوا في
كون أسمائه تعالى وصفاته توقيفيّة، أم لا على أقوال: أحدها: أنها توقيفيّة،
وهو الراجح، والثاني: أنه يجوز إطلاق كلّ ما يليق به تعالى من الأسماء
والصفات، والثالث: يجوز في الوصف، دون الاسم، والصواب عندي
المذهب الأول، كما أشرت إليه، وحجته قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى
فَادْعُوهُ بِهِاْ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فقد أمَر الله ◌ُعَلَ بدعائه بأسمائه الحسنى، ولا
يُعرف أنها حسنى، إلا إذا أثبتها النصّ الصحيح، فلا يجوز دعاؤه بغير ما ثبت
فيه، وهذا بالنسبة للدعاء، وأما التسمية، فأمرها واسع، فإذا ورد فعل، أو
مصدر جاز أن نُطلق الوصف منهما عليه تعالى، كما قال الشافعيّ كَظُّ في
((الرسالة))، فقد قال في خطبتها: ((الجاعلنا من خير أمة))، وكإطلاق لفظ الشارع
أخذاً من قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الذِينِ﴾ [الشورى: ١٣]، فتبصّر، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الحادية عشرة): في اختلاف أهل العلم في الاسم الأعظم:
(اعلم): أنه قد أنكره قوم؛ كأبي جعفر الطبريّ، وأبي الحسن الأشعريّ،
وجماعة بعدهما؛ كأبي حاتم بن حبان، والقاضي أبي بكر الباقلّانيّ فقالوا: لا
يجوز تفضيل بعض الأسماء على بعض، ونَسَبَ ذلك بعضهم لمالك؛ لكراهيته
أن تُعادَ سورة، أو تُردَّد دون غيرها من السور؛ لئلا يُظَنّ أن بعض القرآن أفضل
من بعض، فيؤذِن ذلك باعتقاد نقصان المفضول عن الأفضل، وحملوا ما ورد
من ذلك على أن المراد بالأعظم: العظيم، وأن أسماء الله كلها عظيمة.
وعبارة أبي جعفر الطبريّ: اختَلَفت الآثار في تعيين الاسم الأعظم،
والذي عندي أن الأقوال كلها صحيحة؛ إذ لم يَرِد في خبر منها أنه الاسم
الأعظم، ولا شيء أعظم منه، فكأنه يقول: كل اسم من أسمائه تعالى يجوز
وَصْفه بكونه أعظم، فيرجع إلى معنى عظيم، كما تقدم.
وقال ابن حبان: الأعظمية الواردة في الأخبار إنما يراد بها: مزيد ثواب
الداعي بذلك، كما أُطلق ذلك في القرآن، والمراد به: مزيد ثواب القارئ،

٣٥
(٢) - بَابٌ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَفَضْلِ مَنْ أَحْصَاهَا - حديث رقم (٦٧٨٥)
وقيل: المراد بالاسم الأعظم: كلّ اسم من أسماء الله تعالى دعا العبد به
مستغرقاً، بحيث لا يكون في فكره حالتئذ غير الله تعالى، فإن من تأتّى له ذلك
استجيب له، ونُقل معنى هذا عن جعفر الصادق، وعن الجنيد، وعن غيرهما.
وقال آخرون: استأثر الله تعالى بعلم الاسم الأعظم، ولم يُطلع عليه
أحداً من خلقه، وأثبته آخرون معيَّناً، واضطربوا في ذلك.
قال الحافظ تَّلُ: وجملة ما وقفت عليه من ذلك أربعة عشر قولاً:
الأول: الاسم الأعظم: ((هو))، نقله الفخر الرازيّ عن بعض أهل
الكشف، واحتَجّ له بأن من أراد أن يعبّر عن كلام معظّم بحضرته لم يقل له:
أنت قلت كذا، وإنما يقول: هو يقول؛ تأدباً معه.
الثاني: ((الله))؛ لأنه اسم لم يُطلق على غيره، ولأنه الأصل في الأسماء
الحسنى، ومن ثم أضيفت إلیه.
الثالث: ((الله الرحمن الرحيم))، ولعل مستنَده ما أخرجه ابن ماجه عن
عائشة ﴿ّا؛ أنها سألت النبيّ ◌َ﴿ أن يعلّمها الاسم الأعظم، فلم يفعل،
فصلّت، ودعت: ((اللَّهُمَّ إني أدعوك الله، وأدعوك الرحمن، وأدعوك الرحيم،
وأدعوك بأسمائك الحسنى كلها، ما علمت منها وما لم أعلم ... )) الحديث،
وفيه أنه وَ﴾ قال لها: ((إنه لفي الأسماء التي دعوتِ بها)).
قلت(١): وسنده ضعيف، وفي الاستدلال به نظر لا يخفى.
الرابع: ((الرحمن الرحيم الحي القيوم))؛ لِمَا أخرج الترمذيّ من حديث
أسماء بنت يزيد؛ أن النبيّ وَ﴾ قال: ((اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين:
[البقرة: ١٦٣]، وفاتحة
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ
، أخرجه أصحاب
٢
(سورة آل عمران)): ﴿الَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُومُ
((السنن)) إلا النسائيّ، وحسّنه الترمذيّ، وفي نسخة صححه، وفيه نظر؛ لأنه من
روایة شهر بن حوشب.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا طَعَن الحافظ في هذا الحديث بسبب
شهر بن حوشب، وفيه نظر؛ لأنه ثقةٌ، وأقلّ أحواله أن يكون حسن الحديث،
(١) القائل هو: الحافظ تَذْلمُ.

٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
كما حقّقته في ((شرح المقدّمة)) لهذا الكتاب، فإن كان طعنه في تحسين الترمذيّ
له، فالحقّ مع الترمذيّ، وإن كان في تصحيحه، فعسى، والله تعالى أعلم.
الخامس: ((الحي القيوم))، أخرج ابن ماجه من حديث أبي أمامة: ((الاسم
الأعظم في ثلاث سور: البقرة، وآل عمران، وطه))، قال القاسم الراوي عن
أبي أمامة: التمسته منها، فعرفت أنه ((الحي القيوم))، وقوّاه الفخر الرازيّ،
واحتَجّ بأنهما يدلّان من صفات العظمة بالربوبية ما لا يدل على ذلك غيرهما
كدلا لتهما .
السادس: ((الحنان المنان بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام
الحي القيوم))، وَرَدَ ذلك مجموعاً في حديث أنس، عند أحمد، والحاكم،
وأصله عند أبي داود، والنسائيّ، وصححه ابن حبان.
السابع: ((بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام))، أخرجه أبو
يعلى، من طريق السريّ بن يحيى، عن رجل من طيّء، وأثنى عليه، قال: كنت
أسأل الله أن يريني الاسم الأعظم، فأريته مكتوباً في الكواكب في السماء.
الثامن: ((ذو الجلال والإكرام))، أخرج الترمذيّ من حديث معاذ بن جبل،
قال: سمع النبيّ ◌َ ﴿ه رجلاً يقول: يا ذا الجلال والإكرام، فقال: ((قد استجيب
لك، فَسَلْ))، واحتَجّ له الفخر بأنه يشمل جميع الصفات المعتبرة في الإلهية؛
لأن في الجلال إشارة إلى جميع السلوب، وفي الإكرام إشارة إلى جميع
الإضافات.
التاسع: ((الله لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن
له كفواً أحد»، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وابن حبان،
والحاكم، من حديث بُريدة ظُه، وهو أرجح من حيث السند من جميع ما ورد
في ذلك.
العاشر: ((رب رب))، أخرجه الحاكم من حديث أبي الدرداء، وابن
عباس، بلفظ: ((اسم الله الأكبر رب رب))، وأخرج ابن أبي الدنيا عن
عائشة رؤيتنا: ((إذا قال العبد: يا رب يا رب! قال الله تعالى: لبيك عبدي، سَلْ
تُعْطَ))، رواه مرفوعاً وموقوفاً.

٣٧
(٢) - بَابٌ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَفَضْلِ مَنْ أَحْصَاهَا - حديث رقم (٦٧٨٥)
الحادي عشر: دعوة ذي النون، أخرج النسائيّ، والحاكم، عن فَضَالة بن
عُبيد رفعه: ((دعوة ذي النون في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني
كنت من الظالمين، لم يَدْعُ بها رجل مسلم قطّ، إلا استجاب الله له)).
الثاني عشر: نَقَل الفخر الرازيّ عن زين العابدين أنه سأل الله أن يعلمه
الاسم الأعظم، فرأى في النوم: ((هو الله الله الله الذي لا إله إلا هو رب
العرش العظيم)).
الثالث عشر: هو مخفيّ في الأسماء الحسنى، ويؤيده حديث عائشة
المتقدم لَمّا دعت ببعض الأسماء، وبالأسماء الحسنى، فقال لها وَّ: «إنه لفي
الأسماء التي دعوت بها)).
الرابع عشر: كلمة التوحيد، نَقَّله عياض كما تقدم قبل هذا، ذكره في
((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي عدم تعيينه بِاسْم خاصّ؛ لعدم
نصّ صريح بذلك، وإنما هو في مضمون كلام، كما تقدّمت النصوص المشيرة
إليه، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: استُدِلّ بحديث الباب على انعقاد اليمين بكل اسم ورد في
القرآن، أو الحديث الثابت، قال الحافظ: وهو وجه غريب، حكاه ابن كجّ من
الشافعية، ومَنَع الأكثر؛ لقوله وَلّى: ((من كان حالفاً فليحلف بالله))، وأجيب بأن
المراد: الذات، لا خصوص هذا اللفظ، وإلى هذا الإطلاق ذهب الحنفية،
والمالكية، وابن حزم، وحكاه ابن كجّ أيضاً.
والمعروف عند الشافعية والحنابلة وغيرهم من العلماء أن الأسماء ثلاثة
أقسام:
أحدها: ما يختص بالله؛ كالجلالة، والرحمن، ورب العالمين، فهذا
ينعقد به اليمين إذا أُطلق، ولو نوى به غير الله.
ثانيها: ما يُطلق عليه، وعلى غيره، لكن الغالب إطلاقه عليه، وأنه يقيّد
(١) ((الفتح)) ١٤ / ٤٨١ - ٤٨٢.

٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
في حقّ غيره بضرب من التقييد؛ كالجبار، والحقّ، والربّ، ونحوها، فالحلف
به یمین، فإن نوی به غیر الله، فلیس بیمین.
ثالثها: ما يُطلق في حقّ الله، وفي حق غيره على حدّ سواء؛ كالحيّ،
والمؤمن، فإن نوى به غير الله، أو أَطلق فليس بيمين، وإن نوى الله تعالى،
فوجهان، صحح النوويّ أنه يمين، وكذا في ((المحرر))، وخالف في الشرحين،
فصحح أنه ليس بیمین.
واختلف الحنابلة، فقال القاضي أبو يعلى: ليس بيمين، وقال المجد ابن
تيمية في ((المحرر)): إنها يمين. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح ما ذهب إليه الشافعيّة،
والحنابلة، وغيرهم من تقسيم الاسم ثلاثة أقسام ... إلخ، فهو أقرب، كما لا
يخفى على من تأمّله، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية عشرة): قد ذكر الإمام ابن القيّم ◌َّهُ في كتابه ((بدائع
الفوائد)) بحثاً نفيساً يتعلّق بأسماء الله تعالى، وصفاته، أحببت إيراده هنا؛
لنفاسته، قال رَحْذَتْهُ:
إن أسماءه تعالى منها: ما يُطلق عليه مفرداً ومقترناً بغيره، وهو غالب
الأسماء؛ كالقدير، والسميع، والبصير، والعزيز، والحكيم، وهذا يسوغ أن
يُدْعَى به مفرداً ومقترناً بغيره، فتقول: يا عزيز، يا حليم، يا غفور، يا رحيم،
وأن يُفرَد كلّ اسم، وكذلك في الثناء عليه، والخبر عنه بما يَسُوْغُ لك الإفراد
والجمع.
ومنها: ما لا يُطلق عليه بمفرده، بل مقروناً بمقابله؛ كالمانع، والضارّ،
والمنتقم، فلا يجوز أن يُفرد هذا عن مقابله، فإنه مقرون بالمعطي، والنافع،
والعفوّ، فهو المعطي المانع، الضارّ النافع، المنتقم العفوّ، المعزّ المذلّ؛ لأن
الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله؛ لأنه يراد به أنه المنفرد
بالربوبية، وتدبير الخلق، والتصرف فيهم عطاءً ومنعاً، ونفعاً وضرّاً، وعَفْواً
وانتقاماً، وأما أن يثنى عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار، فلا يسوغ، فهذه
(١) ((الفتح)) ١٤/ ٤٨٢ - ٤٨٣.

٣٩
(٢) - بَابٌ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَفَضْلٍ مَنْ أَخْصَاهَا - حديث رقم (٦٧٨٥)
الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل
بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعددت جارية مجرى الاسم الواحد، ولذلك
لم تجئ مفردة، ولم تطلق عليه إلا مقترنة، فاعلمه.
فلو قلت: يا مذلّ، يا ضارّ، يا مانع، وأخبرت بذلك لم تكن مثنياً عليه،
ولا حامداً له، حتى تذكر مقابلها .
قال: وإن الصفات ثلاثة أنواع: صفات كمال، وصفات نقص، وصفات
لا تقتضي كمالاً ولا نقصاً، وإن كانت القسمة التقديرية تقتضي قسماً رابعاً،
وهو ما يكون كمالاً ونقصاً باعتبارين، والرب تعالى منزه عن الأقسام الثلاثة،
وموصوف بالقسم الأول، وصفاته كلها صفات كمال محض، فهو موصوف من
الصفات بأكملها، وله من الكمال أكمله، وهكذا أسماؤه الدالة على صفاته،
هي أحسن الأسماء، وأكملها، فليس في الأسماء أحسن منها، ولا يقوم غيرها
مقامها، ولا يؤدي معناها، وتفسيرُ الاسم منها بغيره ليس تفسيراً بمرادف
محض، بل هو على سبيل التقريب والتفهيم.
وإذا عرفت هذا، فله من كل صفة كمال أحسن اسم، وأكمله، وأتمّه
معنى، وأبعده وأنزهه عن شائبة عيب، أو نقص، فله من صفة الإدراكات:
العليم الخبير، دون العاقل الفقيه، والسميع البصير، دون السامع والباصر
والناظر.
ومن صفات الإحسان: البرّ الرحيم الودود، دون الرفيق والشفوق،
ونحوهما، وكذلك العلي العظيم، دون الرفيع الشريف، وكذلك الكريم دون
السخي، والخالق البارئ المصور، دون الفاعل الصانع المشكِّل، والغفور
العفوّ، دون الصفوح الساتر، وكذلك سائر أسمائه تعالى يجري على نفسه،
منها أكملها، وأحسنها، وما لا يقوم غيره مقامه.
فأسماؤه أحسن الأسماء، كما أن صفاته أكمل الصفات، فلا تعدِل عما
سمى به نفسه إلى غيره، كما لا تتجاوز ما وصف به نفسه، ووَصَفه به
رسوله ◌ّله إلى ما وَصَفه به المُبْطِلون والمعطّلون.
قال: ومن أسمائه الحسنى ما يكون دالّاً على عدة صفات، ويكون ذلك
الاسم متناولاً لجميعها تناوُلَ الاسم الدال على الصفة الواحدة لها، كما تقدم

٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
بيانه؛ كاسمه العظيم والمجيد والصمد، كما قال ابن عباس فيما رواه عنه ابن
أبي حاتم في ((تفسيره)): الصمد: السيد الذي قد كَمَل في سؤدده، والشريف
الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد
كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في
حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع شرفه وسؤدده، وهو الله سبحانه، هذه
صفته، لا تنبغي إلا له، ليس له كفواً أحد، وليس كمثله شيء، سبحان الله
الواحد القهار (١).
وهذا مما خَفِي على كثير ممن تعاطى الكلام في تفسير الأسماء الحسنى،
ففسَّر الاسم بدون معناه، ونَقَصَه من حيث لا يعلم، فمن لم يُحِظْ بهذا علماً
بَخَس الاسم الأعظم حقّه، وهَضَمه معناه، فتدبره.
ثم ذكر قاعدة جامعة لِمَا تقدم من الوجوه، وهي معرفة الإلحاد في
أسمائه، حتى لا يقع فيه:
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ اَلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهِّ وَذَرُواْ الَّذِينَ يُّلْسِدُونَ فِيَّ أَسْمَيٍّ.
سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٨)﴾ [الأعراف: ١٨٠]، والإلحاد في أسمائه هو العدول
بها، وبحقائقها، ومعانيها عن الحقّ الثابت لها، وهو مأخوذ من الميل، كما
يدل عليه مادته (ل ح د)، فمنه اللحد، وهو الشق في جانب القبر الذي قد مال
عن الوسط، ومنه الملحد في الدين المائل عن الحقّ إلى الباطل، قال ابن
السِّكّيت: الملحد: المائل عن الحقّ المُدْخِل فيه ما ليس منه، ومنه الملتحَد،
وهو مُفتعَل من ذلك، وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ، مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٧]؛
أي: من تعدل إليه، وتهرب إليه، وتلتجئ إليه، وتبتهل، فتميل إليه عن غيره،
تقول العرب: التحد فلان إلى فلان: إذا عدل إليه.
إذا عُرف هذا، فالإلحاد في أسمائه تعالى أنواع:
أحدها: أن يسمى الأصنام بها؛ كتسميتهم اللات من الإلهية، والعزى من
العزيز، وتسميتهم الصنم إلهاً، وهذا إلحاد حقيقة، فإنهم عدلوا بأسمائه إلى
أوثانهم، وآلهتهم الباطلة.
(١) إسناده ضعيف.