Indexed OCR Text
Pages 681-700
٦٨١ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٧٥) شرح الحديث: (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ)؛ أنه (قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌َّا: (بَا ابْنَ أُخْتِي)؛ أي: لأنه وَلَدُ أسماء بنت أبي بكر الصديق ﴿ه، (بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو) بن العاص ﴿ّ (مَارِّ بِنَا)؛ أي: بالمدينة النبويّة، قادماً من مصر (إِلَى الْحَجِّ، فَالْقَهُ) بوصل الهمزة، وفتح القاف أمْر مِن لقي يلقى، كرضيَ يرضَى، (فَسَائِلْهُ) أمْر من المساءلة، وهو أن يسأل أحدهما الآخر، وبالعكس، لكن المراد هنا أن يسأل عروة، ويجيب عبد الله ظه، فيكون السؤال من جانب، والجواب من جانب، والله تعالى أعلم. (فَإِنَّهُ) الفاء تعليّليّة؛ أي: لأنه (قَدْ حَمَلَ عَنِ النَّبِيِّ وَ عِلْماً كَثِيراً) فينبغي أن تستفيد من عِلمه بالسؤال. (قَالَ) عروة: (فَلَقِيتُهُ) بكسر القاف، كما أشرت إليه آنفاً. (فَسَاءَلْتُهُ عَنْ أَشْيَاءَ) مما يحتاج إليه من أمور الدين التي تلقّاها عبد الله عن النبيّ وَ*، كما بيّنه بقوله: (يَذْكُرُهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَل18) جملة (يذكرها)) صفة لـ((أشياء)). (قَالَ عُرْوَةُ: فَكَانَ فِيمَا ذَكَرَ) عبد الله: (أَنَّ النَّبِيَّ وَلِّ قَالَ: (إِنَّ اللهَ لَا يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ انْتِزَاعاً) وفي رواية البخاريّ: ((إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه))، وفي لفظ: ((أعطاهموه)) بالهاء ضمير الغيبة بدل الكاف، وفي رواية له في ((كتاب العلم)) من طريق مالك عنه: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد))، وفي رواية: ((من قلوب العباد)). أخرجه الحميديّ في ((مسنده)) عنه، والوارد في أكثر الروايات لفظ: ((من الناس))، وفي رواية للطبرانيّ: ((إن الله لا ينزع العلم انتزاعاً ينتزعه منهم، بعد أن أعطاهم))، ولم يذكر على من يعود الضمير، وفي رواية للطبرانيّ أيضاً: ((إن الله لا ينزع العلم من صدور الناس بعد أن يعطيهم إياه)). قال الحافظ: وأظن عبد الله بن عمرو إنما حدَّث بهذا جواباً عن سؤال مَن سأله عن الحديث الذي رواه أبو أمامة، قال: لما كان في حجة الوداع قام رسول الله * على جملٍ آدم، فقال: ((يا أيها الناس خُذوا من العلم قبل أن يُقبض، وقبل أن يرفع من الأرض ... )) الحديث، وفي آخره: ((إلا أن ذهاب العلم ذهاب حَمَلَتِهِ)) ثلاث مرات، أخرجه أحمد، والطبرانيّ، والدارميّ، فبيّن عبد الله بن عمرو أن الذي وَرَدَ في قبض العلم، ورَفْع العلم، إنما هو على ٦٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم الكيفية التي ذكرها، وكذلك أخرج قاسم بن أصبغ، ومن طريقه ابن عبد البرّ أن عمر سمع أبا هريرة يحدّث بحديث: ((يُقْبَض العلم)) فقال: إن قبض العلم ليس شيئاً يُنزع من صدور الرجال، ولكنه فناء العلماء، وهو عند أحمد، والبزار، من هذا الوجه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((وأظنّ عبد الله بن عمرو إلخ)) في هذا الظنّ نظر، فتأمله بإمعان، والله تعالى أعلم. (وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ، فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ) ببناء الفعل للفاعل، و((العلم)) منصوب على المفعوليّة، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول، و((العلم)) نائب فاعله، وفي رواية للبخاريّ: ((ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم))، قال في ((الفتح)): كذا فيه، والتقدير: ينتزعه بقبض العلماء مع علمهم، ففيه بعض قلب، وفي رواية هشام: ((ولكن يقبض العلم بقبض العلماء))، وفي رواية معمر: ((ولكن ذهابهم قبض العلم))، ومعانيها متقاربة. (وَيُبْقِي) بضمّ أوله، من الإبقاء رباعيّاً؛ أي: يُبقي الله رَك (فِي النَّاسِ رُؤُوساً) قال النوويّ كَُّهُ: قوله: ((رؤوساً)) ضبطناه في البخاريّ: ((رؤوساً)) بضم الهمزة، وبالتنوين، جمع رأس، وضبطوه في مسلم هنا بوجهين: أحدهما هذا، والثاني رؤساء، بالمدّ جمع رئيس، وكلاهما صحيح، والاول أشهر. انتهى(١). وفي رواية للبخاريّ: ((فيبقى ناسٌ جهالٌ)). قال في ((الفتح): هو بفتح أول ((يَبقَى))، وفي رواية حرملة: ((ويُبقي في الناس رؤوساً جهالاً))، وهو بضم أول (يُبقي))، قال: ولفظة ((رؤوساء)) هي رواية الأكثر، وفي رواية هشام: ((حتى إذا لم يَبقَ عالم))، وفي لفظ: ((لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤوسا جهالاً))، وفي لفظ: ((حتى إذا لم يترك عالماً))، وعند الطبرانيّ: ((فيصير للناس رؤوس جهالٌ))، وفي رواية عنده: ((بعد أن يعطيهم إياه، ولكن يذهب العلماء، كلما ذهب عالم ذهب بما معه من العلم، حتى يَبقَى من لا يعلم)). (جُهَّالاً) بضمّ الجيم: جمع جاهل، كما قال في ((الخلاصة)): وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ وَصْفَيْنٍ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ (١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٤/١٦. ٦٨٣ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٧٥) وَمِثْلُهُ الْفُغَالُ فِيمَا ذُكِّرًا وَذَانٍ فِي الْمُعَلِّ لَاماً نَدَرَا (يُقْتُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم) بضم حرف المضارعة، من الإفتاء، وهو بيان الحكم، يقال: أفتى العالمّ: إذا بَيْنَ الحكم (١). (فَيَضِلُّونَ) بفتح الياء ثلاثيّاً من الضلال؛ أي: يضلّون في أنفسهم، (وَيُضِلُّونَ))) بضم الياء، من الإضلال؛ أي: يُضلّون غيره، وفي رواية للبخاريّ: ((يُستَقْتَون، فيفتون برأيهم، فيَضلون، ويُضلون))، وفي رواية محمد بن عجلان: ((يستفتونهم، فيفتونهم)، وفي رواية هشام بن عروة: ((فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضَلّوا، وأضلّوا))، قال في ((الفتح)): وهي رواية الأكثر، وخالف الجميع قيسُ بن الربيع، وهو صدوقٌ، ضُعِّف من قِبَل حفظه، فرواه عن هشام بلفظ: ((لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلاً، حتى نشأ فيهم أبناء سبايا الأمم، فأفتوا بالرأي، فضلوا، وأضلوا))، أخرجه البزار، وقال تفرّد به قيس، قال: والمحفوظ بهذا اللفظ ما رواه غيره عن هشام، فأرسله. قال الحافظ: والمرسل المذكور أخرجه الحميديّ في ((النوادر))، والبيهقي في ((المدخل)) من طريقه، عن ابن عيينة، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، فذكره كرواية قيس سواءً. انتهى (٢). (قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا حَدَّثْتُ عَائِشَةَ) ﴿ُّنَا (بِذَلِكَ)؛ أي: بحديث عبد الله بن عمرو ﴿ّ المذكور، (أَعْظَمَتْ ذَلِكَ)؛ أي: رأته عظيماً (وَأَنْكَرَتْهُ) الظاهر أن إنكارها ليس تكذيباً لعبد الله، ولا لعروة، وإنما ظنّاً منها في إمكان الخطأ، بالزيادة، أو النقص، أو نحو ذلك؛ لأن الإنسان عُرضة للنسيان، والله تعالى أعلم. (قَالَتْ: أَحَدَّثَكَ) عبد الله (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َهِ يَقُولُ هَذَا؟)؛ أي: النصّ المذكور، (قَالَ عُرْوَةُ: حَتَّى إِذَا كَانَ قَابِلٌ) ((كان)) هنا تامّة؛ أي: حتى إذا جاء العام القابل، (قَالَتْ) عائشة (لَهُ)؛ أي: لعروة: (إِنَّ ابْنَ عَمْرٍو) ﴿هَا (قَدْ قَدِمَ) بكسر الدال؛ أي: أتى من مصر للحجّ، (فَالْقَهُ) تقدّم ضبطه. (ثُمَّ فَاتِحْهُ)؛ أي: افتح الكلام معه (حَتَّى تَسْأَلَهُ عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ لَكَ فِي الْعِلْمِ)؛ أي: لتتأكّد من ضبطه. (قَالَ) عروة: (فَلَقِيتُهُ، فَسَاءَلْتُهُ) وفي رواية البخاريّ: ((ثم إن (١) ((المصباح المنير)) ٤٦٢١/٢. (٢) ((الفتح)) ١٨٦/١٧. ٦٨٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم عبد الله بن عمرو حجّ بعدُ، فقالت: يا ابن أختي انطلق إلى عبد الله، فاستثبت لي منه الذي حدّثتني عنه، فسألته، فحدّثني به كنحو ما حدّثني)). (فَذَكَرَهُ لِي نَحْوَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ فِي مَرَّتِهِ الأُولَى)؛ أي: في العام الماضي، ووقع في رواية سفيان بن عيينة: ((قال عروة: ثم لبثت سنةً، ثم لقيت عبد الله بن عمرو في الطواف، فسألته، فأخبرني به))، فأفاد أن لقاءه إياه في المرة الثانية كان بمكة، وكأنّ عروة كان حجّ في تلك السنة من المدينة، وحج عبد الله من مصر، فبلغ عائشة، ويكون قولها: ((قد قَدِم))؛ أي: من مصر طالباً لمكة، لا أنه قَدِم المدينة؛ إذ لو دخلها لَلَقِيه عروة بها، ويَحْتَمِل أن تكون عائشة حجَّت تلك السنة، وحجَّ معها عروة، فقَدِم عبد الله بعدُ فلقيه عروة بأمر عائشة رضيوثقا، قاله في ((الفتح)(١). (بِذَلِكَ، قَالَتْ: مَا) نافية، (قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا أَخْبَرْتُهَا)؛ أي: عائشة ◌َّا (أَحْسِبُهُ) بكسر السين، وفتحها، يقال: حَسِبْتُ زيداً قائماً أَحْسَبُهُ، من باب تَعِب، في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضاً، على غير قياس حِسْبَاناً، بالكسر: بمعنى ظننت، قاله الفيوميّ ◌َّتُهُ(٢) . (إِلَّا قَدْ صَدَقَ، أَرَاهُ) بضمّ الهمزة، وفتحها؛ أي: أظنّه (لَمْ يَزِدْ فِيهِ)؛ أي: في الحديث (شَيْئاً)؛ أي: خطأ، (وَلَمْ يَنْقُصْ) منه شيئاً، وفي رواية البخاريّ: ((فأتيت عائشة، فأخبرتها، فعجِبت، فقالت: والله لقد حَفِظ عبد الله بن عمرو)). قال الحافظ: هذه الرواية تَحْتَمِل أن عائشة كان عندها علم من الحديث، وظنّت أنه زاد فيه، أو نقص، فلما حدّث به ثانياً كما حدّث به أولاً تذكرت أنه على وفق ما كانت سمعت، ولكن رواية حرملة - يعني: رواية مسلم هذه - التي ذَكَر فيها أنها أنكرت ذلك، وأعظمته ظاهرة في أنه لم يكن عندها من الحديث علم، ويؤيد ذلك أنها لم تستدلّ على أنه حَفِظه إلا لكونه حدّث به بعد سنة كما حدّث به أوّلاً، لم يَزد، ولم ينقص. (١) ((الفتح)) ١٨٦/١٧. (٢) ((المصباح المنير)) ١٣٤/١. ٦٨٥ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٧٥) قال عياض: لم تتهم عائشة عبد الله ﴿يا، ولكن لعلها نسبت إليه أنه مما قرأه من الكتب القديمة؛ لأنه كان قد طالع كثيراً منها، ومن ثَمّ قالت: أحدّثك أنه سمع النبيّ وَّ يقول هذا؟ انتهى. وعلى هذا فرواية معمر له عن الزهريّ عن عروة، عن عبد الله بن عمرو هي المعتمَدة، وهي في ((مصنّف عبد الرزاق))، وعند أحمد، والنسائيّ، والطبرانيّ من طريقه، ولكن الترمذيّ لمّا أخرجه من رواية عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة قال: روى الزهري هذا الحديث عن عروة، عن عبد الله بن عمرو، وعن عروة عن عائشة، وهذه الرواية التي أشار إليها رواية يونس بن يزيد، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، أخرجه أبو عوانة في ((صحيحه))، والبزار من طريق شبيب بن سعيد، عن يونس، وشبيب في حفظه شيء، وقد شذّ بذلك. ولمّا أخرجه عبد الرزاق من رواية الزهريّ، أردفه برواية معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عبد الله بن عمرو، قال: أشهد أن رسول الله ﴿ قال: ((لا يرفع الله العلم بقبضه، ولكن يقبض العلماء ... )) الحديث. وقال ابن عبد البرّ في ((بيان العلم)): رواه عبد الرزاق أيضاً عن معمر، عن هشام بن عروة، بمعنى حديث مالك، قال الحافظ: ورواية يحيى أخرجها الطيالسيّ عن هشام الدستوائيّ عنه. ووجدت عن الزهريّ فيه سنداً آخر، أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط)» من طريق العلاء بن سليمان الرقيّ، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكر مثل رواية هشام سواءً، لكن زاد بعد قوله: ((وأضلوا عن سواء السبيل))، والعلاء بن سليمان ضعّفه ابن عديّ، وأورده من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ رواية حرملة التي مضت، وسنده ضعيف، ومن حديث أبي سعيد الخدريّ بلفظ: ((يقبض الله العلماء، ويقبض العلم معهم، فتنشأ أحداث ينزو بعضهم على بعض نَزْو العير على العير، ويكون الشيخ فيهم مستضعفاً))، وسنده ضعیف . وأخرج الدارميّ من حديث أبي الدرداء قولَهُ: ((رَفْعُ العلم ذهابُ ٦٨٦ = البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم العلماء))، وعن حذيفة: ((قَبْض العلم قَبْض العلماء))، وعند أحمد عن ابن مسعود قال: ((هل تدرون ما ذهاب العلم؟ ذهاب العلماء))، وأفاد حديث أبي أمامة الذي أشرت إليه أوّلاً وقت تحديث النبيّ وَّه بهذا الحديث، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه، وبقيّة مسائله قبل حديثين، فأذكر هنا مسألتين لم تُذكرا هناك، فأقول: (المسألة الأولى): أخرج البخاريّ تَّثُ هذا الحديث في ((صحيحه))، فقال: (٦٨٧٧) - حدّثنا سَعِيدُ بن تَلِيدٍ، حدّثني ابن وَهْبٍ، حدّثني عبد الرحمن بن شُرَيْح، وَغَيْرُهُ، عن أبي الْأَسْوَدِ، عن عُرْوَةَ، قال: حَجَّ عَلَيْنَا عبد اللهِ بن عَمْرٍوَ، فَسَمِعْتُهُ يقول: سمعت النبيِّ نَّهِ يقول: ((إِنَّ اللهَ لَا يَنْزِعُ الْعِلْمَ بَعْدَ أَنْ أعطاهموه انْتِزَاعاً، وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ منهم مع قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ، فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ، يُسْتَفْتَوْنَ، فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ، فَيُضِلُّونَ، وَيَضِلُّونَ))، فَحَدَّثْتُ بِهِ عَائِشَةَ زَوْجَ النبيّ وَّهِ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللهِ بن عَمْرٍو حَجَّ بَعْدُ، فقالت: يا ابن أُخْتِي انْطَلِقْ إلى عبد اللهِ، فَاسْتَثْبِتْ لي منه الذي حَدَّثْتَنِي عنه، فَجِثْتُهُ، فَسَأَلْتُهُ، فَحَدَّثَنِي بِهِ، كَنَحْوِ ما حدّثني، فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ، فَأَخْبَرْتُهَا، فَعَجِبَتْ، فقالت: والله لقد حَفِظَ عبد اللهِ بن (١) عَمْرٍو. انتهى (١). قال في ((الفتح)): قوله: ((وغيره)) هو ابن لهيعة أبهمه البخاريّ؛ لِضَعفه، وجَعَل الاعتماد على رواية عبد الرحمن، لكن ذكر الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر في الجزء الذي جَمَعه في الكلام على حديث معاذ بن جبل في القياس: إن عبد الله بن وهب حدّث بهذا الحديث عن أبي شُريح وابن لهيعة جميعاً، لكنه قدّم لفظ ابن لهيعة، وهو مثل اللفظ الذي هنا، ثم عَطَّف عليه رواية أبي شریح، فقال بذلك. قلت(٢): وكذلك أخرجه ابن عبد البر في باب العلم من رواية سحنون، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، فساقه، ثم قال ابن وهب: وأخبرني عبد الرحمن بن شُريح، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عبد الله بن عمرو بذلك، قال ابن طاهر: ما كنا ندري هل أراد بقوله بذلك اللفظ والمعنى، أو (١) ((صحيح البخاريّ)) ٦/ ٢٦٦٥. (٢) القائل هو: صاحب ((الفتح)). ٦٨٧ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٧٥) المعنى فقط؟ حتى وجدنا مسلماً أخرجه عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن شُريح وحده، فساقه بلفظ مغاير للفظ الذي أخرجه البخاريّ، قال: فعُرف أن اللفظ الذي حذفه البخاريّ هو لفظ عبد الرحمن بن شُريح الذي أبرزه هنا، والذي أورده هو لفظ الغير الذي أبهمه. انتهى. قال: وكنت أظنّ أن مسلماً حَذَف ذكر ابن لهيعة عمداً؛ لضعفه، واقتصر على عبد الرحمن بن شريح، حتى وجدت الإسماعيليّ أخرجه من طريق حرملة بغير ذكر ابن لهيعة، فعرفت أن ابن وهب هو الذي كان يجمعهما تارةً، ويُفرد ابن شريح تارةً، وعند ابن وهب فيه شيخان آخران بسند آخر، أخرجه ابن عبد البرّ في ((بيان العلم)) من طريق سحنون: حدّثنا ابن وهب، حدّثنا مالك، وسعيد بن عبد الرحمن، كلاهما عن هشام بن عروة، باللفظ المشهور. قال: وهذا الحديث مشهور عن هشام بن عروة، عن أبيه، سرد أبو القاسم عبد الرحمن بن الحافظ أبي عبد الله بن منده في كتاب ((التذكرة)) أسماء الذين رووه عن هشام، فزادوا على أربعمائة نفس وسبعين نفساً، منهم: من الكبار شعبة، ومالك، وسفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، وابن جريج، ومسعر، وأبو حنيفة، وسعيد بن أبي عروبة، والحمادان، ومعمر، بل أكبر منهم، مثل يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وموسى بن عقبة، والأعمش، ومحمد بن عجلان، وأيوب، وبكير بن عبد الله بن الأشج، وصفوان بن سليم، وأبو معشر، ويحيى بن أبي كثير، وعمارة بن غزيّة، وهؤلاء العشرة كلهم من صغار التابعين، وهم من أقرانه، ووافق هشاماً على روايته عن عروة أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن النوفلي، المعروف بيتيم عروة، وهو الذي رواه عنه ابن لهيعة، وأبو شريح، ورواه عن عروة أيضاً ولداه: يحيى، وعثمان، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهو من أقرانه، والزهريّ، ووافق عروة على روايته عن عبد الله بن عمرو بن العاص: عُمر بن الحكم بن ثوبان، أخرجه مسلم من طريقه، ولم يَسُق لفظه، لكن قال: بمثل حديث هشام بن عروة، وكأنه ساقه من رواية جرير بن عبد الحميد، عن هشام. انتهى(١). (١) ((الفتح)) ١٨٣/١٧ - ١٨٤، كتاب ((الاعتصام)) رقم (٧٣٠٧). ٦٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم (المسألة الثانية): في ذكر الفوائد الزائدة في هذه الرواية(١): ١ - (منها): أن في حديث أبي أمامة وبه من الفائدة الزائدة أن بقاء الكتب بعد رفع العلم بموت العلماء، لا يغني من ليس بعالم شيئاً، فإن في بقيته: ((فسأله أعرابيّ، فقال: يا نبيّ الله كيف يُرفع العلم منا، وبين أظهرنا المصاحف، وقد تعلمنا ما فيها، وعلّمناها أبناءنا، ونساءنا، وخَدَمنا؟ فرفع إليه رأسه، وهو مغضب، فقال: وهذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف، لم يتعلقوا منها بحرف فيما جاءهم به أنبياؤهم))، قال الحافظ: ولهذه الزيادة شواهد من حديث عوف بن مالك، وابن عمرو، وصفوان بن عَسّال، وغيرهم، وهي عند الترمذيّ، والطبرانيّ، والدارميّ، والبزار، بألفاظ مختلفة، وفي جميعها هذا المعنى. وقد فَسّر عمر قبض العلم بما وقع تفسيره به في حديث عبد الله بن عمرو، وذلك فيما أخرجه أحمد من طريق يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، فذكر الحديث، وفيه: ((ويُرفع العلم، فسمعه عمر، فقال: أما إنه ليس ينزع من صدور العلماء، ولكن بذهاب العلماء))، وهذا يَحْتَمِل أن يكون عند عمر مرفوعاً، فيكون شاهداً قويّاً لحديث عبد الله بن عمرو. ٢ - (ومنها): أن فيه الزجرَ عن ترئيس الجاهل؛ لِمَا يترتب عليه من المفسدة، وقد يَتَمَسّك به من لا يجيز تولية الجاهل بالحكم، ولو كان عاقلاً عفيفاً، لكن إذا دار الأمر بين العالم الفاسق، والجاهل العفيف، فالجاهل العفيف أَولى؛ لأن وَرَعه يمنعه عن الحكم بغير علم، فيحمله على البحث والسؤال. ٣ - (ومنها): أن فيه حضَّ أهل العلم، وطَلَبَته على أخذ بعضهم عن بعض، وشهادة بعضهم لبعض بالحفظ والفضل. ٤ - (ومنها): أن فيه حضّ العالم طالبه على الأخذ عن غيره؛ ليستفيد ما ليس عنده. ٥ - (ومنها): التثبت فيما يحدّث به المحدّث إذا قامت قرينة الذهول، ومراعاة الفاضل من جهة قول عائشة ظهرًا: اذهب إليه، ففاتحه، حتى تسأله عن الحديث، ولم تقل له: سله عنه ابتداءً؛ خشيةً من استيحاشه. (١) المراد: الرواية التي ساقها مسلم هنا، والروايات التي ذُكرت في الشرح أيضاً. ٦٨٩ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٧٥) ٦ - (ومنها): ما قاله ابن بطال كَّلُ: التوفيق بين الآية والحديث في ذم العمل بالرأي، وبين ما فعله السلف من استنباط الأحكام أن نص الآية ذمّ القول بغير علم، فُخَصّ به من تكلم برأي مجرد عن استناد إلى أصل، ومعنى الحديث: ذمّ من أفتى مع الجهل، ولذلك وَصَفهم بالضلال، والإضلال، وإلا فقد مَدَح من استنبط من الأصل بقوله تعالى: ﴿لَعَلِّمَهُ الَّذِينَ يَسْتَخْبِطُونَهُ مِنْهُمّ﴾ [النساء: ٨٣]، فالرأي إذا كان مستنداً إلى أصل من الكتاب، أو السُّنَّة، أو الإجماع، فهو المحمود، وإذا كان لا يستند إلى شيء منها، فهو المذموم، قال: وحديث سهل بن حُنيف، وعمر بن الخطاب، وإن كان يدلّ على ذمّ الرأي، لكنه مخصوص بما إذا كان معارضاً للنصّ، فكأنه قال: اتهموا الرأي إذا خالف السُّنَّة، كما وقع لنا حيث أَمَرنا رسول الله وَّه بالتحلل، فأحببنا الاستمرار إلى الإحرام، وأَرَدْنا القتال؛ لنكمل نسكنا، ونقهر عدونا، وخفي عنا حينئذ ما ظهر للنبيّ وَّ، مما حُمدت عقباه، وعمر هو الذي كتب إلى شُريح: ((انظر ما تبيّن لك من كتاب الله، فلا تسأل عنه أحداً، فإن لم يتبيّن لك من كتاب الله، فاتّبع فيه سنة رسول الله وَ له، وما لم يتبيّن لك من السُّنَّة، فاجتهد فيه رأيك))، هذه رواية سيّار، عن الشعبيّ، وفي رواية الشيبانيّ عن الشعبيّ، عن شريح: أن عمر كتب إليه نحوه، وقال في آخره: ((اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن، فبما في سنة رسول الله وَر، فإن لم يكن، فبما قضى به الصالحون، فإن لم يكن، فإن شئت فتقدّم، وإن شئت فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيراً لك))، فهذا عمر أمَر بالاجتهاد، فدلّ على أن الرأي الذي ذمّه: ما خالف الكتاب، أو السُّنَّة. وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح، عن ابن مسعود، نحو حديث عمر، من رواية الشيبانيّ، وقال في آخره: ((فإن جاءه ما ليس في ذلك، فليجتهد رأيه، فإن الحلال بَيِّن، والحرام بَيِّن، فَدَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾. (١) ((الفتح)) ١٩٠/١٧ - ١٩١، كتاب ((الاعتصام)) رقم (٧٣٠٧). ٦٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم (٦) - (بَابُ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، أَوْ سَيِّئَةً، وَمَنْ دَعَا إِلَى هُدَّى، أَوْ ضَلَالَةٍ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٧٦] (١٠١٧) (١) _ (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْد الْحَمِيدِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، وَأَبِي الصُّحَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالِ الْعَبْسِيِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وََّ، عَلَيْهِمُ الصُّوفُ، فَرَأَى سُوءَ حَالِهِمْ، قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَةٌ، فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَأَبْطَؤُوا عَنْهُ، حَتَّى رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ جَاءَ بِصُرَّةٍ مِنْ وَرِقٍ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، ثُمَّ تَتَابَعُوا، حَتَّى عُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرٍ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرٍ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ)»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ) الْخَطْميّ - بفتح الخاء المعجمة، وسكون الطاء المهملة - الكوفيّ، ثقة [٤] (م د تم ق) تقدم في (الزكاة)) ٢٣٥٤/٢١. ٢ - (أَبُو الضُّحَى) مسلم بن صُبيح - بالتصغير - الْهَمْدانيّ الكوفيّ العطار، مشهور بكنيته، ثقةٌ فاضلٌ [٤] (ت١٠٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٥/٢٢. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هِلَالٍ الْعَبْسِيُّ) - بالموحّدة - الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (بخ م د س ق) تقدم في ((الزكاة) ٢٢٩٨/٨. [تنبيه]: قوله: ((الْعَبْسيّ)) بفتح العين المهملة، وسكون الموحّدة، بعدها (١) هذا الرقم تقدّم. ٦٩١ (٦) - بَابُ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، أَوْ سَيَِّةً، وَمَنْ دَعَا إِلَى هُدَّى، أَوْ ضَلَالَةٍ - حديث رقم (٦٧٧٦) سين مهملة: نسبة إلى عبْس بن بَغِيض بن ريث بن غَطَفان بن سعد بن قيس عيلان بن مُضر بن نزار بن مَعَدّ بن عدنان، قاله في ((اللباب))(١). ٤ - (جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن جابر الْبَجَليّ الصحابيّ المشهور مات سنة إحدى وخمسين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٧/٢٥. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه زهير، فنسائيّ، ثم بغداديّ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، موسى بن عبد الله وأبي الضحى، عن عبد الرحمن بن هلال، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﴿م، وكان جميلاً طويلاً، وقال جرير: ما جحبني رسول الله وَ﴿ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسّم في وجهي، وقال عبد الملك بن عُمير: رأيت جرير بن عبد الله، وكأن وجهه شقة قمر، وقال له عمر بن الخطاب: يرحمك الله، نِعم السيّد كنت في الجاهليّة، ونِعم السيّد أنت في الإسلام(٢). شرح الحديث: (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الْبَجليّ ◌َبه؛ أنه (قَالَ: جَاءَ نَاسٌ) تقدّم أنه اسم وُضع للجمع، كالقوم، والرهط، وواحده إِنْسَانٌ، من غير لفظه، مشتقّ من نَاسَ يَنُوسُ: إذا تَدَلَّى، وتحرّك، فيُطلق على الجنّ والإنس، قال تعالى: ﴿الَّذِى يُؤَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴾﴾، ثم فَسَّر النّاس بالجنّ والإنس، فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ﴾﴾، وسُمّي الجنّ نَاساً كما سُمُّوا رجالاً، قال تعالى: ﴿وَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنّ﴾ [الجن: ٦]، وكانت العرب تقول: رأيت نَاساً من الجنّ، لكن غلب استعماله في الإنس، ويُصَغَّر النَّاسُ على نُوَيْسٍ، قاله الفيوميّ ◌َُّ(٣) . (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣١٥/٢. (٢) ((تهذيب التهذيب)) ٢٩٦/١. (٣) ((المصباح المنير)) ٦٣٠/٢. ٦٩٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم (مِنَ الأَعْرَابِ) بفتح الهمزة: أهل البدو من العرب، الواحد أَعْرَابِيُّ بالفتح أيضاً، وهو الذي يكون صاحب نُجْعَة، وارتياد للكلإِ، وزاد الأزهريّ، فقال: سواء كان من العرب، أو من مواليهم، فمن نزل البادية، وجاور البادين، وظَعَن بِظَعْنهم، فهم أَغْرَابٌ، ومن نزل بلاد الرِّف، واستوطن المدُن، والقرى العربية وغيرها، ممن ينتمي إلى العرب، فهم عَرَبٌ، وإن لم يكونوا فصحاء، ويقال: سُمُّوا عَرباً؛ لأن البلاد التي سكنوها تُسَمَّى العَرَبَاتَ، ويقال: العَرَبُ العَارِبَةُ: هم الذين تكلموا بلسان يَعْرُب بن قَحْطان، وهو اللسان القديم، والعَرَبُ المُسْتَعْرِبَةُ: هم الذين تكلموا بلسان إسماعيل بن إبراهيم - عليهما الصلاة والسلام - وهي لغات الحجاز، وما والاها، والعُرْبُ، وزانُ قُفْل لغة في العَرَب، ويُجمعِ العَرَبُ على أَعْرُبِ، مثلُ زَمَن وأَزْمُن، وعلى عُرُبٍ بضمتين، مثل أَسَد وأُسُد، قاله الفيوميّ تَذْهُ(١). وتقدّم حديث جرير ◌ُه هذا في ((كتاب الزكاة)) مطوّلاً، وأوله: ((كنّا في صدر النهار عند رسول الله بَّه، فجاء قوم عُراةٌ، مُجتابي النِّمار، أو العباء، متقلّدي السوف، عامّتهم من مضر، بل كلّهم من مضر، فتمعّر وجه رسول الله وَل ... )) الحديث. (إِلَى رَسُولِ اللهِ وََّ، عَلَيْهِمُ الصُّوفُ) جملة في محلّ نصب على الحال من («ناس))، أو صفة بعد صفة، (فَرَأَى) وَ (سُوءَ حَالِهِمْ، قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَةٌ)؛ أي: احتياج إلى المساعدة، (فَحَثَّ)؛ أي: حرّض وَِّ (النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ)؛ أي: على أن يتصدّقوا عليهم، (فَأَبْطَؤُوا)؛ أي: تأخّر الناس (عَنْهُ)؛ أي: عن تنفيذ ما أمرهم به، (حَتَّى رُئِيَ) بالبناء للمفعول، (ذَلِكَ)؛ أي: كراهة إبطائهم (فِي وَجْهِهِ) وََّ. (قَالَ) جرير رَُّه: (ثُمَّ) بعد إبطائهم، ورؤية كراهة ذلك في وجه النبيّ ◌َ﴿ه، (إِنَّ رَجُلاً) بكسر ((إنّ) لوقوعها في الابتداء، ولم يُسمَّ هذا الرجل، كما سبق في ((الزكاة)). (مِنَ الأَنَّصَارِ جَاءَ بِصُرَّةٍ) بضمّ الصاد المهملة، وتشديد الراء: وعاء الدراهم، والدنانير، جمعها صُرَرٌ، مثل غرفة وغُرَف، وقوله: (مِنْ وَرِقٍ) بيان لـ((صُرّة))، و((الورق)) بفتح الواو، وكسر الراء، وتسكّن (١) ((المصباح المنير)) ٤٠٠/٢. ٦٩٣ (٦) - بَابُ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، أَوْ سَيِّئَةً، وَمَنْ دَهَا إِلَى هُدَّى، أَوْ ضَلَالَةٍ - حديث رقم (٦٧٧٦) للتخفيف: الثُّقرة المضروبة، ومنهم يقول: النقرة مضروبة كانت، أو غير مضروبة، وقال الفارابيّ: الورق: المال من الدراهم، ويُجمع على أوراق(١). (ثُمَّ جَاءَ آخَرُ) لا يُعرف، (ثُمَّ تَتَابَعُوا)؛ أي: تبع بعضهم بعضاً في المجيء بشيء من المال، (حَتَّى عُرِفَ) بالبناء للمفعول، (السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ) وَ﴿، وفي الرواية السابقة: ((حتى رأيت وجه رسول الله وَله يتهلّل كأنه مُذْهَبَةٌ)). (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾ حينما رأى ذلك: ((مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً)؛ أي: من أتى بطريقة مرضيّة، يُقتدى به فيها، (فَعُمِلَ بِهَا) بَالبناء للمفعول؛ أي: عمل الناس بتلك السُّنَّة (بَعْدَهُ)؛ أي: بعد إتيانه بها، سواء كان في حياته، أو بعد مماته، (كُتِبَ لَهُ) بالبناء للمفعول، (مِثْلُ أَجْرٍ مَنْ عَمِلَ) بفتح، فكسر، (بِهَا) وقوله: (وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ) ((لا)) نافية، و((ينقص)) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من باب نصر، والجارّ والمجرور متعلّق به، و((شيء)) مرفوع على الفاعليّة؛ لأن ((ينقُص)) هنا لازم، وهو مما يُستعمل لازماً، ومتعدّياً، يقال: نَقَصَ نَقْصاً، من باب قَتَلَ، ونُقْصَاناً، وانْتَقَصَ: ذهب منه شيءٌ بعد تمامه، ونَقَصْتُهُ، يتعدَّى، ولا يتعدَّى، هذه اللغة الفصيحة، وبها جاء القرآن في قوله: ﴿نَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]، و﴿غَيِّرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]، وفي لغة ضعيفة يتعدى بالهمزة، والتضعيف، ولم يأت في كلام فصيح، ويتعدى أيضاً بنفسه إلى مفعولين، فيقال: نَقَصْتُ زيداً حقَّه، وانْتَقَصْتُهُ مثله، قاله الفيوميّ كَذَتْهُ(٢). وفي رواية النسائيّ: بنصب ((شيئاً))، فيكون من المتعديّ، والله تعالى أعلم. (وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً)؛ أي: من فعل فعلاً قبيحاً، والسُّنَّة السيّئة هي الطريقة المذمومة، وهي التي تُبتدع بعد تمام الدين على أنها منه، وهي الْمَعنيّة بقوله: وَ لِ: ((كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار))، (فَعُمِلَ) بالبناء للمفعول، (بِهَا بَعْدَهُ)؛ أي: فاقتدى الناس به في تلك السُّنَّة السيّئة، (كُتِبَ) بالبناء للمفعول، (عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ) بكسر، فسكون؛ أي: إثم (مَنْ عَمِلَ) بفتح، فكسر، (بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ») بالرفع على الفاعليّة، (١) ((المصباح المنير)) ٦٥٥/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٦٢١/٢. ٦٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم والمعنى: أنهم يتحمّلون أوزار عملهم السيّئ كاملةً، وهو يتحمّل وزر تسبّبه في ذلك، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث من أفراد المصنّف تَخْلُهُ، وقد تقدّم في (كتاب الزكاة)) برقم [٢٣٥١/٢١] (١٠١٧) وقد استوفيت البحث فيه هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َغْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٧٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبِ، جَمِيعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَحَثَّ عَلَى الصَّدَقَةِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ جَرِيرٍ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبله، و((مسلم)) هو: ابن صُبيح، أبو الضحى. [تنبيه]: رواية أبي معاوية عن الأعمش هذه ساقها ابن أبي شيبة دَّثُ في ((مصنّفه))، فقال: (٩٨٠٢) - حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن عبد الرحمن بن هلال العبسيّ، عن جرير، قال: خطبنا رسول الله وَّ، فَحَثّنا على الصدقة، فأبطأوا، حتى رُئي في وجهه الغضب، ثم إن رجلاً من الأنصار، جاء بصُرّة، فأعطاها، فتتابع الناس، حتى رئي في وجهه السرور، فقال رسول الله وَله: ((من سنّ سُنَّة حسنةً، كان له أجرها، ومثل أجر من عمل بها، من غير أن ينتقص من أجورهم شيئاً، ومن سنّ سُنَّة سيئة، كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها، من غير أن ينتقص من أوزارهم شيئاً)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َعْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٧٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هِلَالِ الْعَبْسِيُّ، (١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢/ ٣٥٠. ٦٩٥ (٦) - بَابُ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، أَوْ سَيِّئَةً، وَمَنْ دَعَا إِلَى هُدَّى، أَوْ ضَلَالَةٍ - حديث رقم (٦٧٧٩) قَالَ: قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (لَا يَسُنُّ عَبْدٌ سُنَّةً صَالِحَةً، يُعْمَلُ بِهَا بَعْدَهُ))، ثُمَّ ذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي إِسْمَاعِيلَ) راشد السلميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت١٤٢) (م د س) تقدم في ((الزكاة)) ٢٢٩٨/٨. والباقون ذكروا في الباب، وقبله. [تنبيه]: رواية محمد بن أبي إسماعيل، عن عبد الرحمن بن هلال الْعَبْسيّ هذه ساقها الطبرانيّ كَّثُ في ((المعجم الكبير))، فقال: (٢٤٤١) - حدّثنا معاذ بن المثنى، ثنا مسدّد، ثنا يحيى بن سعيد (ح) وحدّثنا أبو حصين القاضي، ثنا يحيى الْحِمّانيّ، ثنا عليّ بن مُسهر، قالا: ثنا محمد بن أبي إسماعيل، ثنا عبد الرحمن بن هلال الْعَبْسيّ، قال: قال جرير بن عبد الله: قال رسول الله وَ له: ((لا يَسُنّ العبد سُنَّة صالحة، يُعمل بها بعده، إلا كان له مثل أجر من يعمل بها، لا ينقص من أجورهم شيءٌ، ولا يستنّ عبد سُنَّة سيئة، يُعمل بها بعده، إلا كان عليه مثل وزر من يعمل بها، لا ينقص من أوزارهم شيءٌ))، وأتى ناس من الأعراب، فقالوا: يأتينا مُصَدِّقوك، فيظلموننا، قال: ((أَرْضُوا مصدِّقيكم)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٧٩] ( .. ) - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبِرِيُّ، وَأَبُو حَامِلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأُمَوِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالُوا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَوْنٍ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ). (١) ((المعجم الكبير)) ٣٤٤/٢. ٦٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم رجال هذا الإسناد: سبعة عشر: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) هو: عبيد الله بن عمر بن ميسرة، أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٥) على الأصحّ، وله خمس وثمانون سنةً (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧٥/٦. ٢ - (أَبُو كَامِلٍ) فضيل بن حسين الْجَحْدريّ البصريّ، تقدّم قريباً. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنٌّ عَبْدِ الْمَلِكِ الأُمَوِيُّ) هو: محمد بن عبد الملك بن أبي الشوَارب الأمويّ البصريّ، واسم أبي الشوارب: محمد بن عبد الرحمن بن أبي عثمان، صدوقٌ، من كبار [١٠] (ت٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٥١٦/٩٦. ٤ - (أَبُو عَوَانَةً) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، تقدّم قريباً. ٥ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) بن سُويد اللَّخْميّ، حليف بني عديّ الكوفيُّ، ويقال له: الْفَرَسيّ - بفتح الفاء، والراء، ثم سين مهملة - نسبة إلى فَرَس له سابقٍ، كان يقال له الْقَبطيّ - بكسر القاف، وسكون الموحّدة -، وربما قيل ذلك أيضاً لعبد الملك، ثقةٌ، فصيحٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه، وربما دَلَّس [٤] (ت١٣٦) وله مائة وثلاث سنين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٦/٤٦. ٦ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذِ) بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبَريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة) ٣/ ٧. ٧ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/ ٧. ٨ - (عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ) وهبِ بنِ عبد الله السُّوائيّ - بضم السين المهملة - الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (١١٦) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١١٢٤/٤٨. ٩ - (الْمُنْذِرُ بْنُ جَرِيرٍ) بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، ثقة (١) [٣] (م د س ق) تقدم في ((الزكاة)) ٢٣٥١/٢١. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. (١) هو الأَولى مما قاله في ((التقريب)): مقبول؛ لأنه روى عنه جماعة، وأخرج له مسلم، ووثقه ابن حبّان، والذهبيّ في ((الكاشف))، ولا يُعلم فيه جرح لأحد، فتنبه . ٦٩٧ (٦) - بَابُ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، أَوْ سَيِّئَةً، وَمَنْ دَعَا إِلَى هُدَّى، أَوْ ضَلَالَةٍ - حديث رقم (٦٧٨٠) [تنبيه]: أما رواية عبد الملك بن عُمير، عن المنذر بن جرير عن أبيه، فقد قدّمت من ساقها في ((كتاب الزكاة)) برقم [٢٣٥١/٢١] (١٠١٧). وأما رواية عون بن أبي جُحيفة عن المنذر بن جرير، فقد ساقها أحمد تَخْتُ في ((مسنده))، فقال: (١٩١٩٧) - حدّثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، عن المنذر بن جرير، عن أبيه، قال: كنا عند رسول الله وَّفي في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حُفاة عُراة، مُجتابي النمار، أو العباء، متقلدي السيوف، عامّتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتغيَّر وجه رسول الله وٍَّ لِمَا رأى بهم من الفاقة، قال: فدخل، ثم خرج، فأمر بلالاً، فأَذَّن، وأقام، فصلى، ثم خطب، فقال: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَّكُمْ الَّذِى خَلَقَّكُم مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةِ﴾ [النساء: ١] - إلى آخر الآية - ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِبًا﴾ [النساء: ١]، وقرأ الآية التي في الحشر: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]، تَصَدَّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع برّه، من صاع تمره - حتى قال - ولو بشق تمرة))، قال فجاء رجل من الأنصار بصُرّة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس، حتى رأيت كُومين من طعام، وثياب، حتى رأيت رسول الله وَله يتهلل وجهه، يعني كأنه مُذهبة، فقال رسول الله وَّه: ((من سنّ في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينتقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سُنَّة سيئة، كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها بعده، من غير أن ينتقص من أوزارهم شيء)). انتهى (١). [تنبيه]: قد تقدّم في ((الزكاة)) أن قلت في هذه الرواية: لم أجد من ساقها بتمامها، والآن - بحمد الله تعالى وفضله - وجدت ذلك، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٨٠] (٢٦٧٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٥٨/٤. ٦٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((مَنْ دَعَا إِلَى هُدَّى، كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ اِإِثْمِ مِثْلُ أَنَامٍ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئاً)). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم هذا الإسناد نفسه في الباب الماضي. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) تَظُهُ؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((مَنْ دَعَا إِلَى هُدَّى)؛ أي: إلى ما يُهتدى به من الأعمال الصالحة، ونَكَّره؛ ليشيع، فيتناول الحقير، كإماطة الأذى عن الطريق(١). قال الطيبيّ تَخْتُهُ: الْهُدَى: إما الدلالة الموصلة إلى البُغية، أو مطلق الإرشاد، والمراد في هذا الحديث: ما يُهْتَدَى به من الأعمال الصالحة، وهو بحسب التنكير مطلقٌ شائعٌ في جنس ما يقال له: هُدًى، يُطلق على القليل والكثير، والعظيم، والحقير، فأعظمه هُدَى مَن دعا إلى الله، وعَمِل صالِحاً، وقال: إني من المسلمين، وأدناه هُدَى من دعا إلى إماطة الأذى عن طريق المسلمين، ومن ثَمّ عَظُم شأن الفقيه الداعي المنذر حتى فُضّل واحد منهم على ألف عابد؛ لأن نَفْعه يعمّ الأشخاص والأعصار إلى يوم الدين، ونرجو من رحمة الله وكرمه أن يكون سعينا في هذا الكتاب منتظماً في هذا السلك، ويرحم الله عبداً قال: آمين. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: آمين آمين آمين. (كَانَ لَهُ)؛ أي: لذلك الداعي (مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورٍ مَنْ تَبِعَهُ) فعمل بدلالته، أو امتثل أمره، (لَا يَنْقُصُ) بضمّ القاف، من باب نصر، (ذَلِكَ) قال القاري تَخْتُهُ: إشارة إلى مصدر ((كان))، كذا قيل: والأظهر أنه راجع إلى الأجر. (مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً) قال ابن الملك: هو مفعول به، أو تمييز؛ بناءً على أن النقص يأتي لازماً، ومتعدّياً. انتهى، وتعقّبه القاري، فقال: والظاهر أن ((شيئاً)) مفعول به؛ أي: شيئاً من أجورهم، أو مفعول مطلقٌ؛ أي: من النقص. انتهى(٢). وهذا دَفع لِمَا يُتَوهَّم أن أجر الداعي إنما يكون مِثْلاً بالتنقيص من أجر (١) ((شرح الزرقانيّ على الموطأ)) ٦١/٢. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٣٩٤/١. ٦٩٩ (٦) - بَابُ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، أَوْ سَيِّئَةً، وَمَنْ دَعَا إِلَى هُدَّى، أَوْ ضَلَالَةٍ - حديث رقم (٦٧٨٠) التابع، وبضم أجر التابع إلى أجر الداعي، وضمير الجمع في ((أجورهم)) راجع إلى ((مَنْ)) باعتبار المعنى. وإنما استَحَقَّ الداعي إلى الهدى ذلك الأجر؛ لكون الدعاء إلى الهدى خَصْلة من خصال الأنبياء (وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ)؛ أي: من أرشد غيره إلى فعل إثم، وإن قلّ، أو أمَرِه به، أو أعانه عليه، (كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامٍ مَنْ تَبِعَهُ) لتولّده عن فعله الذي هو من خصال الشيطان، والعبد يستحقّ العقوبة على السبب، وما تولّد منه، كما يعاقب السكران على جنايته حال سُكره؛ لِمَنْع السبب، فلم يُعذَر السكران، فإن الله يعاقب على الأسباب المحرّمة، وما تولّد منها، كما يثيب على الأسباب المأمور بها، وما تولّد منها، ولذا كان على قابيل القاتل لأخيه كِفْل من ذَنْب كل قاتل؛ لأنه أول من سنّ القتل، كما في الحديث(٢). (لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئاً)) قال القاضي البيضاويّ: أفعال العباد، وإن لم تكن موجبة للثواب والعقاب، إلا أن عادة الله ثم جرت بربطها بها ارتباط المسبَّبات بالأسباب، وفِعل العبد ما له تأثير في صدوره بوجه، فكما يترتب الثواب والعقاب على ما يباشره يترتب أيضاً على ما هو مسبَّب عن فعله، كالإشارة إليه، والحثّ عليه، وَلَمّا كانت الجهة التي استوجب بها المتسبّب الأجر غير الجهة التي استوجب بها المباشِر، لم ينقص أجره من أجره شيئاً. انتھی . قال القاري: وبهذا يُعلم أن للنبيّ وَ﴿ من مضاعفة الثواب بحَسَب تضاعف أعمال أمته مما لا يُعَدّ، ولا يُحَدّ، وكذا السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وكذا بقية السلف بالنسبة إلى الخلف، وكذا العلماء المجتهدون بالنسبة إلى أتباعهم، وبه يُعرف فضل المتقدمين على المتأخرين في كل طبقة وحین. [تنبيه]: قال ابن حجر: لو تاب الداعي للإثم، وبقي العمل به، فهل (١) ((عون المعبود)) ٢٣٦/١٢. (٢) (شرح الزرقانيّ على الموطأ)) ٦١/٢. ٧٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم ينقطع إثم دلالته بتوبته؛ لأن التوبة تجبّ ما قبلها، أو لا؟ لأن شرطها ردّ الظلامة، والإقلاعُ، وما دام العمل بدلالته موجوداً فالفعل منسوب إليه، فكأنه لم يردّ، ولم يُقلع، كلٌّ مُحْتَمِلٌ، ولم أر في ذلك نقلاً، والمنقدح الآن الثاني. انتھی . وتعقّبه القاري، فقال: والأظهر الأول، وإلا فيلزم أن نقول بعدم صحة توبته، وهذا لم يقل به أحد، ثم ردّ المظالم مقيدٌ بالممكن، وإقلاع كل شيء بحسبه حتماً، وأيضاً استمرار ثواب الأتباع مبنيّ على استدامة رضا المتبوع به، فإذا تاب، ونَدِم انقطع، كما أن الداعي إلى الهدى إن وقع في الردى - نعوذ بالله منه - انقطع ثواب المتابعة له، وأيضاً كان كثير من الكفار دُعاةً إلى الضلالة، وقُبِل منهم الإسلام؛ لِمَا أن الإسلام يَجُبّ ما قبله، فالتوبة كذلك، بل أقوى، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله القاري هو الذي يظهر لي؛ لوضوح حجّته، واستنار محجّته. وخلاصته: أن من تاب من الدعاء إلى الإثم، وحَسُنت توبته، لا يُشترط ترك المدعوّين تلك الضلالة، ولكن ينبغي له أن يقوم بدعوتهم إلى الهدى، كما دعاهم إلى الضلالة، إن استطاع ذلك، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف دخّلُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٨٠/٦] (٢٦٧٤)، و(أبو داود) في ((السُّنَّة)) (٤٦٠٩)، و(الترمذيّ) في ((العلم)) (٢٦٧٤)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (٢٠٦)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٩٧/٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٣٠/١ و١٣١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١١٢)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٠٩)، والله تعالى أعلم. (١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٢٧/٢.