Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ (٧) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الأَجَالَ، وَالأَرْزَاقَ، وَغَيْرَهَا ... إلخ - حديث رقم (٦٧٤٧) وقال ابن الجوزيّ كَُّهُ: في الحديث دليل على أن الذين مُسخوا لم يَبْقَوا، ولم ينسلوا، وقد كان ابن قتيبة يقول: أنا أظنّ أن هذه القردة والخنازير هي المسوخ بأعيانها، توالدت، ثم قال: إلا أن يصحّ حديث أم حبيبة، وقد صح حديثها، فلا يُلتفت إلى ظنّ ابن قتيبة. انتهى (١). وقال النوويّ تَكْثُ: هذا الحديث صريح في أن الآجال والأرزاق مقدرةٌ، لا تتغير عما قدّره الله تعالى، وعَلِمه في الأزل، فيستحيل زيادتها ونقصها حقيقةً عن ذلك، وأما ما ورد في حديث: ((صلة الرحم تزيد في العمر))، ونظائره فقد سبق تأويله في ((باب صلة الأرحام)) واضحاً. وقال المازريّ هنا: قد تقرر بالدلائل القطعية أن الله تعالى أعلمُ بالآجال والأرزاق وغيرها، وحقيقة العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه، فإذا علم الله تعالى أن زيداً يموت سنة خمسمائة استحال أن يموت قبلها، أو بعدها؛ لئلا ينقلب العلم جهلاً، فاستحال أن الآجال التي عَلِمها الله تعالى تزيد وتنقص، فيتعيَّن تأويل الزيادة أنها بالنسبة إلى ملك الموت، أو غيره ممن وكّله الله بقبض الأرواح، وأمَره فيها بآجال ممدودة، فإنه بعد أن يأمره بذلك، أو يُثْبته في اللوح المحفوظ ينقص منه، ويزيد على حَسَب ما سَبَق به عِلمه في الأزل، وهو معنى قوله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتٌ﴾ [الرعد: ٣٩]، وعلى ما ذكرناه يُحْمَل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَقَ أَجَلٌ وَأَجَلٌ مُسَمَّى عِندَهُ﴾ [الأنعام: ٢]. (واعلم): أن مذهب أهل الحقّ أن المقتول مات بأجله، وقالت المعتزلة: قُطع أجله، والله أعلم. [فإن قيل]: ما الحكمة في نهيها عن الدعاء بالزيادة في الأجل؛ لأنه مفروغ منه، ونَذْبها إلى الدعاء بالاستعاذة من العذاب، مع أنه مفروغ منه أيضاً کالأجل؟. [فالجواب]: أن الجميع مفروغ منه، لكن الدعاء بالنجاة من عذاب النار، ومن عذاب القبر ونحوهما عبادة، وقد أمر الشرع بالعبادات، فقيل: أفلا نتكل على كتابنا، وما سبق لنا من القدر؟ فقال: ((اعملوا، فكلُّ ميسَّر لِمَا خُلق له))، (١) ((كشف المشكل من حديث الصحيحين)) ص٢٢٥. ٥٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر وأما الدعاء بطول الأجل، فليس عبادة، وكما لا يحسن ترك الصلاة، والصوم، والذكر؛ اتكالاً على القدر، فكذا الدعاء بالنجاة من النار، ونحوه، والله تعالى أعلم (١). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود نظراته هذا من أفراد المصنّف تَخْدَّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٤٧/٧ و٦٧٤٨ و٦٧٤٩ و٦٧٥٠] (٢٦٦٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٧٤/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩٠/١ و٤١٣ و٤٣٣ و٤٤٥ و٤٦٦)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٦٨/١)، و(الطبريّ) في ((تهذيب الآثار)) (٢٩٦/١)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٣٠٧/١٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٠/٣) وفي ((مسنده)) (٥٩٩/١)، و(البزّار) في (مسنده)) (٤٥٦/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤٥٧/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الآجال مضروبة محدودة، لا يتعدّاها أحد، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخُرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]. ٢ - (ومنها): أن الأرزاق مقسومة، لا تزيد، ولا تنقص، ولا يموت العبد حتى يستوفيها، فينبغي الرفق في طلبها، كما قال وَالرّ: ((أيها الناس اتقوا الله، وأجملوا في الطلب، فإن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها، وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب، خُذوا ما حَلّ، ودعوا ما حُرِّم))، رواه ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله ﴾ (٢). وأخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) من حديث أبي أمامة حظوته، ولفظه: ((إن رُوح القُدس نفث في رُوعي، أن نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها، (١) ((شرح النوويّ)) ٢١٣/١٦ - ٢١٤. (٢) حديث صحيح، رواه ابن ماجه في ((سننه)) ٧٢٥/٢. ٥٤٣ (٧) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْآجَالَ، وَالأَرْزَاقَ، وَغَيْرَهَا ... إلخ - حديث رقم (٦٧٤٨) وتستوعب رزقها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب، ولا يحملنّ أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا يُنال ما عنده إلا بطاعته))(١). قال أبو العتاهية [من الطويل]: لِأَعْلَمَ مَا فِي النَّاسِ وَالْقَلْبُ يَنْقَلِبْ أُقَلِّبُ طَرْفِي مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَأَنْ يُجْمِلَ الإِنْسَانُ مَا عَاشَ فِي الطَّلَبْ(٢) فَلَمْ أَرَ عِزّاً كَالْقُنُوعِ لِأَهْلِهِ ٣ - (ومنها): ما قاله السهيليّ كَّهُ: في الحديث ردّ على زعم ابن قتبية أن ((أل)) في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَاْخَازِيَرَ﴾ [المائدة: ٦٠] يدلّ على أن القردة والخنازير من نَسْل أولئك الذين مُسخوا. [تنبيه]: قال ابن العربيّ: قوله: ((الممسوخ لا ينسل)) دعوى، وهذا أمر لا يُعلم بالعقل، وإنما طريق معرفته الشرع، وليس في ذلك أثر يُعَوّل عليه. انتھی . قال المناويّ: وهو غُفول عُجاب مع ثبوته في أصح كتاب؛ يعني: ((صحيح مسلم)). [فائدة]: قال الحافظ الزين العراقيّ: لو تحقق أن آدمياً مُسخ في صورة ما يؤكل لحمه، فهل يحرم، أو يحلّ؟ لم أر لأصحابنا فيه كلاماً، وقد قال ابن العربيّ: بحلّه؛ لأن كونه آدميّاً زال. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٤٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِ، عَنِ ابْنِ بِشْرٍ، وَوَكِيعٍ، جَمِيعاً: ((مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ، وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ)). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (ابْنُ بِشْرٍ) هو: محمد بن بشر العبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٧/١. (١) حديث صحيح. راجع: ((صحيح الجامع)) للشيخ الألبانيّ، حديث رقم (٢٠٨٥). (٣) ((فيض القدير)) ٢٥٤/٢. (٢) ((الاستذكار)» ٢٧٢/٨. ٥٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية ابن بشر عن مسعر هذه لم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٤٩] (.) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ - وَاللَّفْظُ لِحَجَّاجِ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ حَجَّاجْ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا النَّوْرُِّ، عَنْ عَّلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْيَشْكُرِيِّ، عَنْ مَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: اللَّهُمَّ مَتِّعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللهِ وَِّ، وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ وَّتٍ: (إِنَّكِ سَأَلْتِ اللهَ لَآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَآثَارٍ مَوْطُوءَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَفْسُومَةٍ، لَا يُعَجِّلُ شَيْئاً مِنْهَا قَبْلَ حِلُّهِ، وَلَا يُؤَخِّرُ مِنْهَا شَيْئاً بَعْدَ حِلِّهِ، وَلَوْ سَأَلْتِ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ، وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ لَكَانَ خَيْراً لَكِ))، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ الْقِرَدَةُ، وَالْخَنَازِيرُ، هِيَ مِمَّا مُسِخَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ بَّهِ: ((إِنَّ اللهَ رَتْ لَمْ يُهْلِكْ قَوْماً، أَوْ يُعَذِّبْ قَوْماً، فَيَجْعَلَ لَهُمْ نَسْلاً، وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) هو ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٢ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٥٩) (مد) تقدم في ((المقدمة)) ٤٠/٦. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (وَآثَارٍ مَوْطُوءَةٍ)؛ أي: في أثر الأقدام، يقال: فلان مشى على آثار موطوءة؛ أي: لم يأت بشيء جديد، وإنما سلك مسلك من سبقه، والحاصل: أنكِ إذا دعوت لزيادة في العمر لم يحدث بذلك شيء جديد فيما قضاه الله تعالى في قضائه المبرم(١). (١) ((تكملة فتح الملهم)) ٥٠٩/٥. ٥٤٥ (٧) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الآَجَالَ، وَالأَرْزَاقَ، وَغَيْرَهَا ... إلخ - حديث رقم (٦٧٥٠) وقوله: (فَقَالَ رَجُلٌ) لم يُسمَّ ذلك الرجل. وقوله: (هِيَ مِمَّا مُسِخَ؟) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أهي من الحيوان الذي مسخه الله رَك؟. وقوله: ((لَمْ يُهْلِكْ قَوْماً، أَوْ يُعَذِّبْ قَوْماً) ((أو)) للشكّ من الراوي. وقوله: (فَيَجْعَلَ لَهُمْ نَسْلاً) بنصب ((يجعل)) بـ((أن)) مضمرة وجوباً بعد الفاء السببيّة، كما قال في ((الخلاصة)): وَبَعْدَ فَا جَوَابٍ نَفْي أَوْ طَلَبْ مَحْضَيْنِ ((أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ وقوله: (وَإِنَّ الْقِرَدَّةُ وَالْخَنَازِيرَ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ)))؛ أي: قبل مسخ بني إسرائيل، فدلّ على أنها ليست من المسخ، وجاء ((كانوا)) بضمير العقلاء مجازاً، لكونه جرى في الكلام ما يقتضي مشاركتها للعقلاء، كما في قوله تعالى: ﴿رَيْنُهُمْ لِ سَجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، و﴿كُلُّ فِ فَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]، قاله النوويّ ◌َقْذُهُ(١). والحديث من أفراد المصنّف تَّلُ، وقد مضى تمام البحث فيه قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٥٠] ( .. ) - (حَدَّثَنِيهِ أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((وَآثَارٍ مَبْلُوْغَةٍ))، قَالَ ابْنُ مَعْبَدٍ: وَرَوَى بَعْضُهُمْ: ((قَبْلَ حِلِّهِ)؛ أَيْ: نُزُولِهِ). رجال هذا الإسناد: وكلّهم ذُكروا في الباب الماضي، و((سفيان)) هو: الثوريّ. وقوله: ((وَآَثَّارٍ مَبْلُوغَةٍ)))؛ أي: بلغ الماشي فيها نهايتها . [تنبيه]: رواية الحسين بن حفص عن سفيان الثوريّ هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١) ((شرح النوويّ)) ٢١٤/١٦. ٥٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر (٨) - (بَابٌ فِي الأَمْرِ بِالْقُوَّةِ، وَتَرْكِ الْعَجْزِ، وَالاِسْتِعَانَةِ بِاللهِ تَعَالَى، وَتَفْوِيضِ الْمَقَادِيرِ اللهِ رَّ) [٦٧٥١] (٢٦٦٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّنَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ، وَأَحَبُّ إِلَى اللّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلُّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعَُ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ، وَمَا شَاءَ(١) فَعَلَ، فَإِنَّ (لَوْ)) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأَوْديّ - بسكون الواو - أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابد [٨] (ت١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٢ - (رَبِيعَةُ بْنُ عُثْمَانَ) بن ربيعة بن عبد الله بن الْهُدير التيميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ، له أوهام [٦]. أرسل عن سهل بن سعد، وروى عن زيد بن أسلم، وعامر بن عبد الله بن الزبير، ومحمد بن يحيى بن حبان، وابن المنكدر، ونافع، وهشام بن عروة. وروى عنه ابن عجلان، وهو من أقرانه، وابن المبارك، وابن إدريس، وابن أبي نُديك، ووكيع، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو زرعة: إلى الصدق ما هو، وليس بذاك القويّ، وقال أبو حاتم: منگر الحدیث، يُکتب حديثه، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن سعد عن الواقديّ: وكان ثقةً، قليل الحديث، وكان فيه عسر، وقال ابن وضاح: سمعت ابن نمير يقول: ربيعة بن (١) وفي نسخة: ((وما شاء الله)). ٥٤٧ (٨) - بَابٌ فِي الأَمْرِ بِالْقُوَّةِ، وَتَرْكِ الْعَجْزِ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِاللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٦٧٥١) عثمان ثقةٌ، وقال مسعود السجزيّ عن الحاكم: كان من ثقات أهل المدينة، ممن يُجمع حديثه، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال الواقديّ: مات سنة (١٥٤) وهو ابن سبع وسبعين سنةً، وكذا أرّخه ابن حبان في ((الثقات)). أخرج له المصنّف، والنسائيّ في ((اليوم والليلة))، وابن ماجه، وله عندهم هذا الحديث الواحد فقط، قال الحافظ: ووقع له ذِكر في البخاريّ ضمناً في إثر علّقه. انتهى. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّنَ) - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة - ابن مُنقِذ الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٤] (١٢١) وهو ابن أربع وسبعين سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٠/ ١٥٠. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف كَذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من ربيعة، والباقون كوفيّون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: محمد بن يحيى عن الأعرج، وفيه أبو هريرة ربه أحفظ من روى الحديث في عصره، روى (٥٣٧٤) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ)؛ أي: القادر على تكثير الطاعة، وهو مبتدأ خبره قوله: (خَيْرٌ)، وقوله: (وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ) عَظْف تفسير لـ((خير))، (مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ) متعلّق بـ(«أحبّ))؛ أي: العاجز عن تكثير الطاعة، (وَفِي كُلُّ خَيْرٌ)؛ أي: أصل الخير موجود في كل منهما . وقال النوويّ ◌َُّهُ: القوة هنا يراد بها عزيمة النفس في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا أكثر إقداماً على الغزو، والجهاد، وأسرع خروجاً وذهاباً في طلبه، وأشدَ عزيمةً في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاقّ في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة، والصوم، والأذكار، وسائر العبادات، وأنشط طلباً لها، ومحافظةً عليها، ونحو ذلك. ٥٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر وقوله: ((وفي كل خيرٌ)) معناه: في كل من القويّ والضعيف خير؛ لاشتراكهما في الإيمان، مع ما يأتي به الضعيف من العبادات. انتهى (١). وقال القرطبيّ تَخَُّهُ: قوله: ((المؤمن القويّ خيرٌ إلخ))؛ أي: القويّ البدن، والنفس، الماضي العزيمةِ، الذي يَصلح للقيام بوظائف العبادات، من الصوم، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على ما يُصيبه في ذلك، وغير ذلك مما يقوم به الدِّين، وتنهض به كلمة المسلمين، فهذا هو الأفضل، والأكمل، وأما من لم يكن كذلك من المؤمنين، ففيه خيرٌ من حيث كونه مؤمناً، قائماً بالصلوات، مكثّراً لسواد المسلمين، ولذلك قال ◌َله: ((وفي كل خيرٌ))، لكنه قد فاته الحظ الأكبر، والمقام الأفخر. انتھی(٢) . وقال الطيبيّ تَّلهُ: قيل: أراد بالمؤمن القويّ: الذي قوي في إيمانه، وصَلُب في إيقانه بحيث لا يرى الأسباب، ووَثِق بمسبِّب الأسباب، والمؤمن الضعيف بخلافه، وهو أدنى مراتب الإيمان. قال: ويمكن أن يُذهَب إلى اللفّ والنشر، فيكون قوله: ((احرص على ما ينفعك)) بياناً للقويّ، وقوله: ((ولا تعجز)) بياناً للضعيف. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((لا يرى الأسباب)) إن أراد أنه لا يعتمد على الأسباب، فمسلّم، وإن أراد أنه لا يأخذ بالأسباب أصلاً، فهذا لا مدح فيه؛ لأنه خلاف هدي النبيّ وَّر، فإنه ◌َّ كان يأخذ بالأسباب، ويحثّ عليها، وهو سيّد المتوكلين. وبالجملة فالواجب على العبد أن يأخذ بالأسباب، ولا يعتمد عليها، بل يعتمد على الله وَل، والله تعالى أعلم. وقال القاري تَخْثُهُ: قيل: المراد بالمؤمن القويّ: الصابر على مخالطة الناس، وتحمّل أذيّتهم، وتعليمهم الخير، وإرشادهم إلى الهدى، ويؤيّده ما أخرجه أحمد وغيره، عن ابن عمر تها مرفوعاً: ((المؤمن الذي يُخالط الناس، (١) ((شرح مسلم)) ٢١٥/١٦. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٣٣٤/١٠. (٢) ((المفهم)) ٦/ ٦٨٢. ٥٤٩ (٨) - بَابٌ فِي الأَمْرِ بِالْقُوَّةِ، وَتَرْكِ الْعَجْزِ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِاللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٦٧٥١) ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يُخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم))(١). (احْرِصْ) بكسر الراء، ومنه قوله تعالى: ﴿إِن تَحْرِصِ عَلَى هُدَنهُمْ﴾ [النحل: ٣٧]، ويجوز فتحها، ففي القاموس: الْحِرْصَ بالكسر: الْجَشَعُ، وقد حَرَصَ، كضرب، وسَمِع، فهو حريص، وزاد في ((التاج)) ضبطاً ثالثاً، وهو كنصر. [تنبيه]: اختُلِف في اشتقاق الحْرِصْ - بكسر، فسكون - وهو الْجَشَعُ، فقيل: مشتقّ من حَرَصَ القصّارُ الثوبَ: إذا قشره بدقّة، وهذا قول الراغب، وقال الأزهريّ: أصلُ الحرص: الشقّ، وقيل للشَّرِهِ: حريصٌ؛ لأنه يَقشِر بحرصه وجوه الناس. وقيل: هو مأخوذ من السحابة الحارصة التي تقشر وجه الأرض، كأن الحارص ينال من نفسه بشدّة اهتمامه بتحصيل ما هو حريصٌ عليه، وهذا قول صاحب ((الاقتطاف))، وقد نقله محمد بن الطيب الفاسي في شرح ((القاموس))، واستبعده(٢). والمعنى: كن حريصاً (عَلَى مَا يَنْفَعُكَ)؛ أي: من أمور الدين والدنيا، (وَاسْتَعِنْ بِاللهِ)؛ أي: على فِعلك، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، (وَلَا تَعْجِزْ) بكسر الجيم، ومنه قوله رَكْ: ﴿أَعَجَزْتُ﴾ [المائدة: ٣١]، ويجوز فتحها على قلّة، ففي (القاموس)): عَجَز كضرب، وسَمِع(٣)؛ أي: ولا تعجز عن الحرص، والاستعانة، فإن الله ◌ُعَلَ قادر على أن يعطيك قوّة على طاعته، إذا استقمت على استعانته، وقيل: معناه: لا تعجز عن العمل بما أُمرت، ولا تتركه مقتصراً على الاستعانة به، فإن كمال الإيمان أن يُجمَع بينهما. قال الطيبيّ ◌َخُّْهُ: يمكن أن يُذهب إلى اللفّ والنشر، فيكون قوله: ((احرص على ما ينفعك))؛ أي: لا تترك الجهد بياناً للقويّ، وقوله: (ولا تعجز)) بياناً للضعيف(٤). (١) حديث صحيح، رواه أحمد في ((المسند)) رقم (٥٠٢٢ و٢٣١٥٩). (٢) راجع: ((تاج العروس في شرح القاموس)) ٣٧٨/٤. (٣) كونه كسمع لغة رديئة، كما في ((التاج)). (٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٣٣٤/١٠. ٥٥٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر وقال النوويّ: معناه: احرص على طاعة الله تعالى، والرغبة فيما عنده، واطلب الإعانة من الله تعالى على ذلك، ولا تعجز، ولا تَكْسِل عن طلب الطاعة، ولا عن طلب الإعانة. انتهى(١). وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((احرص على ما ينفعك إلخ))؛ أي: استعمل الحرص، والاجتهاد في تحصيل ما تنتفع به في أمر دينك ودنياك التي تستعين بها على صيانة دينك، وصيانة عيالك، ومكارم أخلاقك، ولا تفرّط في طلب ذلك، ولا تتعاجز عنه متّكلاً على القدر، فتُنْسَب للتقصير، وتلام على التفريط شرعاً وعادةً، ومع إنهاء الاجتهاد نهايته، وإبلاغ الحرص غايته، فلا بدّ من الاستعانة بالله تعالى، والتوكّل عليه، والالتجاء في كل الأمور إليه، فمن سلك هذين الطريقين حصل على خير الدارين. انتهى (٢). (وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ)؛ أي: من المكروه الدينيّ، أو الدنيويّ، وفي رواية لابن ماجه من طريق ابن عجلان، عن الأعرج: ((فإن غلبك أمرٌ))، (فَلَا تَقُلْ: لَوْ) شرطيّة، وجوابها ((كان كذا وكذا))، (أَنِّي فَعَلْتُ) مفعوله محذوف؛ أي: كذا وكذا، (كَانَ)؛ أي: لصار (كَذَا وَكَذَا)؛ أي: لا تقل هذا القول متأسّفاً على ما فات، فإن هذا القول غير سديد، ومع هذا غير مفيد، فقد قال تعالى جل شأنه: ﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، وقد قال: ﴿ِلِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]، وقال رَّ: ((ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك)). وقال الطيبيّ تَخُّهُ: أي: لو كان الأمر لي، وكنت مستبدّاً بالفعل والترك كان كذا وكذا، وفيه تأسّف على الفائت، ومنازعة للقدر، وإيهام بأن ما يفعله باستبداده، ومقتضى رأيه خير مما ساقه القدر إليه، من حيث إن ((لو)) تدلّ على انتفاء الشيء لانتفاء غيره فيما مضى، ولذلك استكرهه، وجعله يفتح عمل (٣) . الشيطان. انتهى (وَلَكِنْ قُلْ)؛ أي: بلسان القال، أو لسان الحال، قاله القاري، والأول (١) ((شرف النوويّ)) ٢١٥/١٦. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٣٣٥/١٠. (٢) ((المفهم)) ٦/ ٦٨٢ - ٦٨٣. ٥٥١ (٨) - بَابٌ فِي الأَمْرِ بِالْقُوَّةِ، وَتَرْكِ الْعَجْزِ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِلّهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٦٧٥١) أظهر. (قَدَرُ اللهِ) يَحْتَمِل أن يكون اسماً بمعنى التقدير، مضافاً إلى الجلالة، وهو خبرٌ لمحذوف؛ أي: هذا الأمر الذي أصابني قَدَرُ الله تعالى؛ أي: تقدير منه ◌ّ﴾، أو هو مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: قَدَرُ الله تعالى أصابني. ويَحْتَمل أن يكون فعلاً ماضياً بتشديد الدال، وتخفيفها، ورفع الجلالة على الفاعليّة؛ أي: قدّر الله عليّ هذا الأمر، وقع ذلك بمقتضى قضائه، وعلى وفِقٍ قَدَره، ويؤيّد هذا الوجه ليتناسب مع قوله: ((وما شاء فعل)). (وَمَا شَاءَ) وفي نسخة: ((وما شاء الله))، (فَعَلَ) بحذف العائد؛ أي: فعله، فإنه فعّال لِمَا يريد، ولا راد لقضائه، ولا معقّب لحكمه. وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((وإن أصابك شيء فلا تقل إلخ))؛ يعني: أن الذي يتعيّن بعد وقوع المقدور التسليمُ لأمر الله تعالى، والرضا بما قدّره، والإعراض عن الالتفات لِمَا مضى وفات، فإن افتكر فيما فاته من ذلك، وقال: لو أني فعلت كذا لكان كذا، جاءته وساوس الشيطان، ولا تزال به حتى تُفضي به إلى الخسران؛ لِتعارُض توهّم التدبير سابق المقادير، وهذا هو عمل الشيطان الذي نَهَى عنه النبيّ وَّهِ بقوله: ((فلا تقل: لو ... فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان))، ولا يُفهم من هذا: أنَّه لا يجوز النطق بـ ((لو)) مطلقاً؛ إذ قد نطق بها النبيّ وَّ، فقال: ((لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت، لم أَسُق الهدي، ولجعلتها عمرة))(١)، و((لو كنت راجماً أحداً بغير بيّنة لرجمت هذه))(٢). وقال أبو بكر : «لو أنّ أحدهم نظرٍ إلى رجليه لرآنا))، ومثله كثير؛ لأنَّ محل النهي عن إطلاقها إنما هو فيما إذا أُطلقت في معارضة القدر، أو مع اعتقاد أن ذلك المانع لو ارتفع لوقع خلاف المقدور، فأمَّا لو أخبر بالمانع على جهة أن تتعلّق به فائدة في المستقبل، فلا يُختلَف في جواز إطلاقه؛ إذ ليس في ذلك فتحٌ لعمل الشيطان، ولا شيء يُفضي إلى ممنوع، ولا حرام، والله تعالى أعلم. (٣) انتھی . (فَإِنَّ) الفاء للتعليل؛ أي: لأن (لَوْ)؛ أي: كلمة ((لو)) الشرطيّة، (تَفْتَحُ (١) متّفقٌ عليه. (٣) («المفهم)) ٦٨٣/٦. (٢) متّفقٌ عليه. ٥٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر عَمَلَ الشَّيْطَانِ))) وفي رواية ابن ماجه المذكورة: ((وإيّاك واللّوّ، فإن اللَّوّ تفتح عمل الشيطان))، قال الشاطبيّ تَكْثُهُ: ((لِمَ))، و(لو))، و(ليت)) تورث القلب انفلاقاً . وقال بعض شراح ((المصابيح))؛ أي: إن قول ((لو))، واعتقاد معناها يُفضي بالعبد إلى التكذيب بالقدر، أو عدم الرضا بصنع الله تعالى؛ لأن القدر إذا ظهر بما يَكره العبد قال: لو فعلت كذا لم يكن كذا، وقد قَدَّر في علم الله أنه لا يفعل إلا الذي فَعَل، ولا يكون إلا الذي كان، وقد أشار بقوله قبل ذلك: ((ولكن قدّر الله، وما شاء فعل))، ولم يُرد كراهة التلفظ بـ(لو)) في جميع الأحوال، وسائر الصور، وإنما عني الإتيان بها في صيغة تكون فيها منازعة القدر، والتأسف على ما فاته من أمور الدنيا، وإلا فقد ورد في القرآن، مثل: ﴿قُل لَّوْ كُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَّ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وفي الحديث: ((لو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ))؛ لأنه لم يُرد به منازعة القدر. وقال القاضي كَثِّثُهُ: قوله: ((فإن لو تفتح))؛ أي: لو كان الأمر لي، وكنت مستبدّاً بالفعل والترك، كان كذا وكذا، وفيه تأسّف على الفائت، ومنازعة للقدر، وإيهام بأن ما كان يفعله باستبداده، ومقتضى رأيه خير مما ساقه القدر إليه، من حيث إن (لو)) تدلّ على انتفاء الشيء لانتفاء غيره فيما مضى، ولذلك استكرهه، وجعله مما يفتح عمل الشيطان، وقوله في حديث فسخ الحج إلى العمرة: ((ولو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ))، ليس من هذا القبيل، وإنما هو كلام قُصد به تطييب قلوبهم، وتحريضهم على التحلل بأعمال العمرة. وقال القاضي عياض تَكْتُ: قال بعض العلماء: هذا النهي إنما هو لمن قاله معتقداً ذلك حتماً، وأنه لو فَعَل ذلك لم تُصبه قطعاً، فأما من رَدّ ذلك إلى مشيئة الله تعالى بأنه لن يصيبه إلا ما شاء الله، فليس من هذا، واستَدَلَّ بقول أبي بكر الصديق ظه في الغار: (لو أن أحدهم رفع رأسه لرآنًا)). قال القاضي: وهذا لا حجة فيه؛ لأنه إنما أخبر عن مُستَقْبَلٍ، وليس فيه دعوى لردّ قدر بعد وقوعه، قال: وكذا جميع ما ذكره البخاري في ((باب ما يجوز من اللَّ))، كحديث: ((لولا حِدْثانُ عهد قومك بالكفر، لأتممت البيت ٥٥٣ (٨) - بَابٌ فِي الأَمْرِ بِالْقُوَّةِ، وَتَرْكِ الْعَجْزِ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِاللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٦٧٥١) على قواعد إبراهيم))، و((لو كنت راجماً بغير بيِّنة لرجمت هذه))، و((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك))، وشِبْه ذلك، فكله مستقبل لا اعتراض فيه على قدر، فلا كراهة فيه؛ لأنه إنما أخبر عن اعتقاده فيما كان يَفعَل لولا المانع، وعما هو في قدرته، فأما ما ذهب فليس في قدرته. قال القاضي: فالذي عندي في معنى الحديث أن النهي على ظاهره وعمومه، لكنه نهي تنزيه، ويدل عليه قوله وير: ((فإن (لو)) تفتح عمل الشيطان)). انتھی. قال النوويّ بعد نقل كلام القاضي ما نصّه: وقد جاء من استعمال (لو)) في الماضي قوله وَّهِ: ((لو استقبلتُ من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي))، وغير ذلك، فالظاهر أن النهي إنما هو عن إطلاق ذلك فيما لا فائدة فيه، فيكون نهيَ تنزيه لا تحريم، فأما من قاله تأسفاً على ما فات من طاعة الله تعالى، أو ما هو متعذر عليه من ذلك، ونحو هذا، فلا بأس به، وعليه يُحمَل أكثر الاستعمال الموجود في الأحاديث. انتهى كلام النوويّ كَُّهُ(١). وهو بحثٌ نفيس جدّاً، والله تعالى أعلم. [فائدة مهمّة]: إنما دخلت ((ال)) على (لو)) في رواية ابن ماجه المتقدّمة؛ لأنها أُريد لفظها، فاستُعملت استعمال الأسماء، وهذه قاعدة عامّة في كل ما أريد لفظه، سواء كان حرفاً، أو غيره، قال ابن مالك تَخُّْ في ((شرح الكافية)): وإذا نُسب إلى حرف أو غيره حكمٌ هو للفظه دون معناه جاز أن يُحكى، وجاز أن يُعرب بما يقتضيه العوامل، فمن الحكاية قول النبيّ وقليقول: ((إياك و«لو))، فإن (لو)) تفتح عمل الشيطان))، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: بُثَيْنُ الْزَمِي ((لا)) إِنَّ ((لا)) إِنْ لَزِمْتِهِ عَلَى كَثْرَةِ الْوَاشِينَ أيُّ مَعُونٍ ومن الإعراب قول الشاعر [من الخفيف]: لَيْتَ شِعْرِي وَأَيْنَ مِنِّي ((لَيْتٌ)) إِنَّ ((لَوّا)) وَإِنَّ ((لَيْتاً» عَنَاءُ وفي حديث رسول الله وَله: ((ونهاكم عن قِيلَ وقَالَ)) على الحكاية، و((عن قيلٍ وقالٍ)) على الإعراب. (١) (شرح مسلم)) ٢١٦/١٦. ٥٥٤ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر وإذا كانت الكلمة على حرفين ثانيهما حرف لِيْن، وجُعلت اسماً ضُعِّف ثانيهما، فقيل في (لَو)): (لَؤُ))، وفي ((في)): فِيٌّ، وفي ((ما)): ((ماءٌ))، فُعِل بألف ((ما)) من التضعيف ما فُعِل بواو (لو))، وياء ((في))، فاجتمعت ألِفان، فقُلبت الثانية همزةً. ثم إنّ الأداة التي يُحكم لها بالاسميّة في هذا الاستعمال إن أُوّلت بـ(كلمة)) مُنِعَ الصرف، وجاز أيضاً إن كانت ثلاثيّة ساكنة الوسط، وإن أُوّلت بـ((لفظ)) صُرِفت قولاً واحداً. وإلى هذا أشار في ((الكافية)) بقوله: فَابْنٍ أَوَ اعْرِبْ وَاجْعَلَنَّهَا اسْمَا وَإِنْ نَسَبْتَ لأَدَاةٍ حُكْمَا وِشِبْهِهَا وَإِنْ نَوَيْتَ الْكَلِمَا وَضَعِّفَنْ ثَانِيَ (فِي)) و(لَو)) و((مَا)) وَصَرْفٌ اوْ مَنْعٌ عَلَى ذَيْنٍ يَرِدْ فَأَنْثَنْ وَذَكِّرٍ إِنْ نَفْظٌ قُصِدْ ١ انتهى كلام ابن مالك رحمه الله تعالى(١). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٦٧٥١] (٢٦٦٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٠٤٥٧ و١٠٤٦١)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (٧٩) وفي ((الزهد)) (٤١٦٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٦٦/٢ و٣٧٠)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٤٧٤/٢)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (١١١٢٤ و٢٣٠)، و(ابن حبّان)) في ((صحيحه)) (٥٧٢١ و٥٧٢٢) وابن أبي عاصم في «السُّنَّة)) (٣٥٦)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٢٥٩ و٢٦٠ و٢٦١ و٢٦٢)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٢٩٦/١٠)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (١٠٢٨)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (٣٥٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨٩/١٠) وفي ((الأسماء والصفات)) (٢٦٣/١) وفي ((شُعب الإيمان)) (٢١٦/١) وفي (الاعتقاد)) (١٥٩/١)، والله تعالى أعلم. (١) ((شرح الكافية الشافية)) ١٧١٦/٤ - ١٧٢٤ في ((باب الحكاية)). ٥٥٥ (٨) - بَابٌ فِي الأَمْرِ بِالْقُوَّةِ، وَتَرْكِ الْعَجْزِ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِاللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٦٧٥١) (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب الإيمان بالقدر. ٢ - (ومنها): بيان فضل المؤمن القويّ على غير القويّ؛ لأنه ينفع نفسه، وينفع المؤمنين. ٣ - (ومنها): بيان فضل الإيمان، وإن كان صاحبه ضعيفاً. ٤ - (ومنها): الحثّ على الحرص على تحصيل ما ينفع المؤمن من خير الدنيا والآخرة، وعدم التواني في طلب ذلك. ٥ - (ومنها): الحثّ على الاستعانة بالله وَلَ في تحقيق ما يريده؛ لأن مجرّد الحرص لا يُجدي شيئاً إلا بعون من الله تعالى على حصوله، بل يكون حرصه وبالاً عليه، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال [من الطويل]: إِذَا كَانَ عَوْنُ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مُسْعِفَاً تَهَيَّا لَهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ مُرَادُهُ فَأَوَّلُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ اللَّهِ لِلْفَتَى ٦ - (ومنها): ذمّ العجز، والتواني في طلب المنافع. ٧ - (ومنها): أنه إذا وقع بعد حرصه على طلب ما ينفعه خلاف مطلوبه، لا ينبغي له التأسّف، وقول: ((لو أني فعلتُ كذا كان كذا)) تسخّطاً لقدر الله تعالى، بل الواجب أن يستسلم لقضائه وقدره، ولا يتسخّط؛ لأن الله ◌ُعَرَ أعلمُ بمصالح عباده، فربما يكون عكس ما حرص عليه خيراً إما في الدنيا، وإما في الآخرة، قال الله رَك: ﴿وَعَسَىَّ أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمٌّ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرِّ لَّكُمُّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. وقال: ﴿فَسَىّ أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرً كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]، بل الواجب عليه حينئذ أن يقول: ((قدّر الله، وما شاء فعل)). والحاصل: أن نزول المكروه الدنيوي على العبد المؤمن خير له؛ لأنه إنما أصابه بما كسب من المخالفات، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَّا أَصَبَكُم مِّن [الشورى: ٣٠]، ثم إن هذا مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ ( الذي أصابه إما أن يكون تكفيراً لِمَا اقترفه من السيئات، وهذا مطلب عظيم، وإما أن يكون رفعاً لدرجاته، وهذا أعلى وأغلى، والله تعالى أعلم. ٨ - (ومنها): أن قول العبد: ((لو فعلت كذا)) يفتح عليه باب الشيطان؛ إذ ٥٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر يحمله على تسخّط ما قدّر الله تعالى عليه، والتبرّم منه، وعدم الرضا بالقضاء، وسوء الظنّ بربه نفعل، وكلها من نزغات الشيطان، فلا ينبغي للعبد أن يفتح بابها؛ إذ يخسر دنياه وآخرته، نسأل الله أن يجعلنا من عباده الذين قال فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ الآية [الحجر: ٤٢]، وقال: ﴿إِنَّهُ، لَيْسَ ﴾ [النحل: ٩٩]، والله تعالى ٩٩ لَهُ سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَيْهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . ٥٥٧ (٤٩) - كتاب العلم (٤٩) - (كِتَابُ الْعِلْمِ) (١) - (جَابُ الَّهْي عَنِ اتُبَاعِ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُتَّبِعِيهِ، وَالتَّهْىٍ عَنِ الِاِخْتِلَافِ فِي الْقُرْآنِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٥٢] (٢٦٦٥) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ثَلَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ مِنْهُ مَايَتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمّ الْكِتَبٍ وَأَخَرُ مُتَشَبِهَتٌّ فَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ زَيْخُ فَيَتَبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْغَاءَ الْفِتْنَةِ وَأَبْتِغََّ تَأْوِيلِهُ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّ اللَّهُ وَالزَّسِخُونَ فِي أَلْمِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ، كُلُّ مِنْ عِنْدِ دَيْنَأُ وَمَا [آل عمران: ٧]، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((إِذَا رَأَيْتُمُ ٧ يَذَكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ الَّذِينَ يَتَِّعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى الله(١)، فَاحْذَرُوهُمْ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) الحارثيّ القعنبيّ البصريّ، مدنيّ الأصل، تقدّم قبل بابين. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ) نزيل البصرة، أبو سعيد، ثقةٌ ثبتٌ، إلا في روايته عن قتادة، ففيها لين، من كبار [٧] (ت١٦٣) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٥٠/٨٤. [تنبيه]: قوله: ((التُّسْتَريّ)) بضم المثناة، وسكون السين المهملة، وفتح (١) وفي نسخة: ((الذين سمّاهم الله)). ٥٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم المثناة، ثم راء: نسبة إلى تُسْتَر بلدة من كُور الأهواز، من خوزستان، يقولها الناس: ششتر، بها قبر البراء بن مالك رضيبه، قاله في ((اللباب))(١). وقال النوويّ كَّلُهُ: ((التستريّ)): بضم التاء الأولى، وأما التاء الثانية فالصحيح المشهور فتحها، ولم يذكر السمعانيّ في كتابه ((الأنساب))، والحازميّ في ((المؤتلف))، وغيرهما من المحققين والأكثرون غيره، وذكر القاضي في ((المشارق)) أنها مضمومة كالأُولى، قال: وضبطها الباجيّ بالفتح، قال السمعانيّ: هي بلدة من كُور الأهواز، من بلاد خوزستان، يقول لها الناس ششتر، بها قبر البراء بن مالك الصحابيّ أخي أنس ◌ًَّا. انتهى (٢). ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زُهير بن عبد الله بن جُدْعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، أبو بكر، ويقال: أبو محمد التيمي المكي، كان قاضياً لابن الزبير، ومؤذّناً له، ثقة فقيه [٣] تقدم في ((المقدمة)) ٢٢/٤. ٤ - (الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكر الصّدّيق التيميّ، ثقة أحد الفقهاء بالمدينة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، من كبار [٣] (ت١٠٦) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٣/ ٦٩٥. ٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌ُنا تقدّمت قبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّتُهُ؛ وفيه روايةُ تابعيّ عن تابعيّ: ابنُ أبي مليكة عن القاسم، والقاسم أحد الفقهاء السبعة، الذين جمعهم القائل بقوله: مَقَالَتُهُ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةٌ قَاسِمٌ وأن عائشة مؤثّنا من المكثرين السبعة، المجموعين في قولي: مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَابِرِ الْغُرَرْ الْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الأَثَرْ (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢١٦/١. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢١٦/١٦ - ٢١٧. ٥٥٩ (١) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ اتِّبَاعٍ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُتَّبِعِيهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٥٢) فَأَنَسٌ فَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبَرّ أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ ثُمَّ ابنُ عَبَّاسٍ يَلِيهِ جَابِرُ فَبَعْدَهُ الْخُدْرِيُّ فَهْوَ آخِرُ وقد تقدّم هذا كلّه غير مرّة، وإنما أعدته تذكيراً؛ لطول العهد به، وبالله تعالى التوفيق. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﴿ّا؛ أنها (قَالَتْ: ثَلَا)؛ أي: قرأ (رَسُولُ اللهِ وَلي:) زاد في رواية ابن ماجه: ((هذه الآية))، فاسم الإشارة مفعول (تلا))، وعلى هذه الرواية يكون المفعول قوله: ﴿هُوَ اَلَّذِىّ أَنْزَلَ﴾ الآية؛ لأن المراد لفظه. ((﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ ءَايَلتُ تُحُكَمَهُ﴾) قال الإمام ابن كثير كَّلُهُ: يُخبر الله وَلَ أن في القرآن آيات محكمات، هُنَّ أم الكتاب؛ أي: بيناتٌ واضحاتُ الدلالة، لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أُخَر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس، أو بعضهم، فمَن رَدَّ ما اشتبه إلى الواضح منه، وحگّمَ مُحْگمه علی متشابهه عنده، فقد اهتدى، ومن عکس انعكس، ولهذا قال تعالى: (﴿هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ﴾)؛ أي: أصله الذي يُرْجَع إليه عند الاشتباه. وقال الطيبيّ تَخُّْهُ: سُمّيت أم الكتاب لأنها بيّنة في نفسها، مبيّنة لِمَا عداها من المتشابهات، فهي كالأصل لهما، كما سُمّت مكة أم القرى لدَحْوِ الأرض منها. انتهى (١). (﴿وَأَخَرُ مُتَشَبِهَةٌ﴾)؛ أي: تَحْتَمِل دلالتها موافقة المحكم، وقد تَحتَمِل شيئاً آخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد. وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه على أقوال، سيأتي بيانها في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى. [فائدة]: قوله: إنما لم تُصرَف ((أُخَرُ))؛ لكونها عُدِلت عن الألف واللام؛ لأن أصلها أن تكون صفة بالألف واللام، كالكُبَر والصُّغَر، فلمّا عُدلت عن مجرى الألف واللام، مُنِعت الصرف. وقال أبو عبيد: لم يَصرفوها؛ لأن (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٦١٨/٢. ٥٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم واحدها لا يَنصرف في معرفة ولا نكرة. وأنكر ذلك المبرد، وقال: يجب على هذا ألا يَنصرِف غِضَاب وعِطاشٌ. وقال الكسائيّ: لم تنصرف؛ لأنها صفة. وأنكره ذلك المبرد أيضاً، وقال: إن لُبَداً وحُطَماً صفتان، وهما منصرفان. وقال سيبويه: لا يجوز أن تكون ((أُخَر)) معدولة عن الألف واللام؛ لأنها لو كانت معدولة عن الألف واللام لكانت معرفة، ألا ترى أنّ ((سَحَرَ)) معرفة في جميع الأقاويل لَمَّا كانت معدولةً عن ((السَّحَرِ))، و(أَمْسٍ)) في قول من قال: ذهب أَمْسٍ معدولاً عن ((الأمس))، فلو كان ((أُخَر)) معدولاً أيضاً عن الألف واللام، لكان معرفةً، وقد وصفه الله تعالى بالنكرة. ذكره القرطبيّ(١). وقال أبو البقاء تَخَّلهُ: أصل المتشابه أن يكون بين اثنين، فإذا اجتمعت الأشياء المتشابهة، كان كل منها مشابهاً للآخر، فصح وصفها بأنها متشابهة، وليس المراد أن الآية وحدها متشابهة في نفسها . وحاصله: أنه ليس من شرط صحة الوصف في الجمع، صحة انبساط مفردات الأوصاف على مفردات الموصوفات، وإن كان الأصل ذلك. ذكره في ((الفتح))(٢). وقال البخاريّ في ((صحيحه)): ﴿مِنْهُ ءَايَةٌ تُحْكَمَكُ﴾ قال مجاهد: ما فيه من الحلال والحرام، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَبِهٌَ﴾ يُصَدِّق بعضه بعضاً، هو مثل قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِةَ إِلَّا الْفَسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]، وكقوله جلَّ ذِكره: ﴿وَيَجْعَلُ الرّْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠]، وكقوله: ﴿وَالَّذِينَ أُهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَّى ﴾ [محمد: ١٧]، ﴿َزَيْغٌ﴾ شكّ، ﴿أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ المشتبهات، ١٧) وَءَانَلُهُمْ تَقْوَّهُمْ ﴿وَالرَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ﴾ يعلمون، ﴿يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ،﴾ . قال في ((الفتح)): قوله: ﴿أَبْتِغَاءَ اٌلْفِتْنَةِ﴾: المشتبهات، هو تفسير مجاهد أيضاً، وصله عبد بن حميد، ولفظه: ﴿فَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ زَيْغُ﴾ قال: شك، ﴿فَيَتَبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ المشتبهات: الباب الذي ضلّوا منه، وبه هلكوا . وقال في ((الفتح)) أيضاً: قوله: ﴿وَالزَّسِخُونَ فِى الْعِلْمِ﴾ يعلمون، و﴿يَقُولُونَ (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٣/٤. (٢) ٧٣/٩.