Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
(٦) - بَابُ مَعْنَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ) ... إلخ - حديث رقم (٦٧٤٥)
بلفظ الجمع، فقيل: أنصاريّ. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: وإلى جواز النسبة إلى الجمع إذا أُجري مُجرى
المفرد، كأنصار، أشار ابن مالك تَّتُهُ في ((الخلاصة)) بقوله:
وَالْوَاحِدَ اذْكُرْ نَاسِباً لِلْجَمْعِ
إِنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحِداً بِالْوَضْعِ
(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ طُوبَى لِهَذَا) قال الطيبيّ كَُّهُ: ((طوبى)) فُعلى من
الطيب، قُلبت الياء واواً للضمة قبلها، قيل: معنى طوبى له: أظْيب المعيشة
له. وقيل: معناه: أُصيب خيراً، على الكناية؛ لأن إصابة الخير مستلزم لطِيب
العيش له، فأطلق اللازم، وأراد الملزوم. انتهى(٢).
وقال ابن منظور كَّتُهُ: طُوبَى فُعلَى من الطِّيب، كأنّ أصله ◌ُيْبَى، فقلبوا
الياء واواً للضمّة قبلها. وفي ((التهذيب)): والعرب تقول: طُوبَى لكَ، ولا
تقول: طوباك، وهذا قول أكثر النحويين، إلا الأخفش، فإنه قال: من العرب
مَن يُضيفها، فيقول: طوباك. وقال أبو بكر: طوباك إن فعلتَ كذا، قال: هذا
مما يَلْحَن فيه العوامّ، والصواب: طوبى لك إن فعلتَ كذا وكذا.
وطوبَى شجرة في الجنّة، وفي التنزيل العزيز: ﴿طُوبَ لَهُمْ وَحُسْنُ
مَثَابٍ ﴾ [الرعد: ٢٩]، وذهب سيبويه بالآية مذهب الدعاء، قال: هو في
موضع رفع، يدلّك على رفعه رفعُ: ﴿وَحُسْنُ مَثَابٍ﴾. قال ثعلب: وقرئ:
(طوبى لهم وحُسْنَ مآب) - أي: بالنصب - فجَعَل طوبى مصدراً، كقولك:
سَقْياً له، ونظيرُهُ من المصادر: الرُّجعَى، واستَدَلَّ على أن موضعه نَصْبٌ
بقوله: ﴿وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾.
قال الزجّاج: جاء في التفسير عن النبيّ وَِّ، أن طُوبَى شجرة في الجنّة.
وقيل: طوبى لهم: حُسنَى لهم. وقيل: خَيرٌ لهم. وقيل: خِيرَةٌ لهم. وقيل:
طوبى اسم الجنّة بالهندية. وفي ((الصحاح)): طوبى اسم شجرة في الجنّة. قال
أبو إسحاق: طُوبى فُعلَى من الطّيبِ؛ والمعنى: أن العيش الطيّب لهم، وكلّ ما
(١) ((لسان العرب)) ٢١٠/٥.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥٣٦/٢.

٥٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
قيل من التفسير يُسدِّد قول النحويين: إنها فُعلَى من الطَّيب. ورُوي عن سعيد بن
جبير أنه قال: طوبى اسم الجنّة بالحبشيّة. وقال عكرمة: طوبى لهم: معناه
الحسنى لهم. وقال قتادة: طوبى كلمة عربيّة، تقول العرب: طوبى لك إن
فعلت كذا وكذا؛ وأنشد [من الطويل]:
طُوبَى لِمَنْ يَسْتَبْدِلُ الطَّوْدَ بِالْقُرَى
وَرِسْلاً بِيَقْطِيْنِ الْعِرَاقِ وَفُومِهَا
((الرِّسْلُ)): اللَّبَن، و((الظَّوْدُ)): الجبلُ، و((اليَقْطِينُ)): القَرْعُ، وقال أبو
عبيدة: كلّ ورقة اتّسعت، وسترت فهي يَقْطِين. و((الْفُومُ)): الخبز، والحنطة،
ويقال: هو الثُّوم. وفي الحديث: ((بدأ الإسلام غريباً، وسيعود كما بدأ
غريباً، فطوبى للغرباء))(١). طوبى اسم الجنّة، وقيل: شجرة فيها، وأصلها
فُعْلَى من الطيب، فلما ضُمَّت الطاء، انقلبت الياء واواً. وفي الحديث:
((طوبى للشام؛ لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها))(٢). والمراد بها
ههنا: فُعلَى من الطّيب، لا الجنّة، ولا الشجرة. انتهى كلام ابن منظور
ببعض اختصار(٣).
(عُصْفُورٌ) خبر لمحذوف؛ أي: هو عصفور؛ أي: طير صغير، والعصفور
بضم العين المهملة، على المشهور، وقد تُفتح، وأنكر الفتح بعضهم، طائر
معروف، ذَكَر، والأنثى بالهاء، قيل: سُمّي بذلك لأنه عصى، وفَرّ(٤).
(مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ)؛ أي: هو مثلها، من حيث إنه لا ذَنْب عليه، وينزل
في الجنة حيث يشاء. قال ابن الملك: شبّهته بالعصفور كما هو صغير، إما
بالنسبة إلى ما هو أكبر منه من الطيور، وإما لكونه خالياً من الذنوب من عدم
كونه مکلّفاً. انتهى.
قال القاريّ: والأظهر الثاني، فهو تشبيه بليغ، وما قيل: من أن هذا ليس
(١) أخرجه مسلم في ((الإيمان))، رقم الحديث (١٤٥).
(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد، والترمذي، والحاكم، من حديث زيد بن
ثابت ۆژاته .
(٣) (لسان العرب)) في مادة: (طيب).
(٤) راجع: (تاج العروس من جواهر القاموس)) ٤٠٨/٣.

٥٢٣
(٦) - بَابُ مَعْنَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» ... إلخ - حديث رقم (٦٧٤٥)
من باب التشبيه؛ لأنه لا عصفور في الجنة، فممنوع؛ لِمَا ورد في الحديث:
((إن في الجنّة طيراً كأمثال الْبُخْت تأتي الرَّجل، فيُصيب منها، ثم تذهب كأن لم
[الواقعة:
ينقص منها شيء))، وقد قال الله رَك: ﴿وَمِ طَيْرٍ مِّمَا يَشْتَهُونَ
٢١]. وأما ما ذكره ابن حجر - يعني: الهيتمي - من حديث: ((أرواح الشهداء
في أجواف طيور خُضْر ... ))(١)، وخبر: ((إنما نسمة المؤمن - أي: روحه -
طائر في شجر الجنة ... )) (٢)، فليس يصلح سنداً للمنع، كما لا يخفى (٣).
(٤)
انتھی
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي قال: إنه ليس من باب التشبيه، هو
الطيبيّ، ونصّ عبارته في ((الكاشف)):
[فإن قلت]: هذا فيه إشكال؛ لأنه ليس من باب التشبيه، كما تقول: هذا
كعصفور من عصافير الجنة؛ إذ ليس المراد أن ثمة عصفوراً، وهذا مشبَّه به،
ولا من باب الاستعارة؛ لأنّ المشبّه والمشبَّه به مذكوران؛ لأن التقدير هو
عصفور، والمقدّر كالملفوظ.
(١) حديث أخرجه مسلم في ((صحيحه))، ولفظه: عن مسروق قال: سألنا عبد الله عن
هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَّا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
[آل عمران: ١٦٩] قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: ((أرواحهم في
جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم
تأوي إلى تلك القناديل، فاطّلع إليهم ربهم اطّلاعة، فقال: هل تشتهون شيئاً؟
قالوا: أيَّ شيء نشتهي، ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث
مرات: فلما رأوا أنهم لن يُتركوا من أن يُسألوا، قالوا: يا رب نريد أن تردّ
أرواحنا في أجسادنا، حتى نُقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم
حاجة تُرکوا)).
(٢) حديث صحيح، أخرجه النسائيّ في ((المجتبى)) ١٠٨/٤، رقم الحديث (٢٠٧٣).
ولفظه: ((إنما نَسَمَة المؤمن طائر، في شجر الجنة، حتى يبعثه الله مَك إلى جسده
يوم القيامة)).
(٣) قال الجامع: الظاهر أنه صالح للمنع، فتأمّل.
(٤) راجع: ((المرقاة)) ٢٦٩/١ - ٢٧٠.

٥٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
[قلت]: هو من باب الادّعاء، كقولهم: تحيّة بينهم ضربٌ وجيعٌ،
وقولهم: القلم أحد اللسانين، جُعل بالادّعاء التحيّة والقلم ضربين: أحدهما
المتعارف من الضرب واللسان، والآخر غير المتعارف من الضرب واللسان،
فبيّن في الأول بقوله: ضرب وجيعٌ أن المراد غير المتعارف، كما بيّن في
الثاني بقوله: أحد اللسانين أن المراد منه غير المتعارف، جَعَلت ◌ُّ العصفور
صنفين: أحدهما: المتعارف، وثانيهما: الأطفال من أهل الجنّة، وعيّنت
بقولها: ((من عصافير الجنة)) أن المراد الثاني. وقولها: ((لم يعمل السوء)) بيان
لإلحاق الطفل بالعصفور، وجَعْله منه، كما جَعَل القائل القلمَ لساناً بواسطة
إفصاحهما عن الأمر المضمر. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا قرّر الطيبيّ أنه لا تشبيه هنا، لكن
الحقّ أنه من باب التشبيه، وقد عرفت تحقيقه في كلام القاري المذكور قبله،
فتفطّن، ولا تكن أسير التقليد، والله الهادي إلى سواء السبيل.
(لَمْ يَعْمَل) بفتح أولهِ، وثالثه، من باب تَعِبَ، (السُّوءَ) بضم السين
المهملة، وتُفتَح؛ أي: الذُّنْب، قال المظهر: أي: لم يعمل ذنباً يتعلّق
بحقوق الله، وأما حقوق العباد، كإتلاف مال مسلم، وقَتْل نفس، فيؤخذ منه
الغُرْم والدية، وإذا سرق يؤخذ منه المال، ولا تُقطع يده؛ لأنه من حقوق الله.
انتهى، قال القاريّ: لا تُسمّى هذه الأفعال منه ذنوباً. فتأمل(٢).
والحاصل: أنه لم يَجرِ عليه القلمُ بسبب سوء عمله، لكونه مرفوع القلم،
لقوله وَله: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ،
وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبيّ حتى يحتلم))، حديث صحيح، أخرجه
أحمد، وأبو داود، والحاكم.
(وَلَمْ يُدْرِكْهُ)؛ أي: لم يُدْرك وقت السوء، وهو ما بعد البلوغ، وقال
القاري: أي: لم يَلحقه السوء، فيكون تأكيداً، أو لم يُدرك هو السوء؛ أي:
(١) ((الكاشف)) ٥٣٦/٢.
(٢) ((المرقاة)) ٢٧٠/١.

٥٢٥
(٦) - بَابُ مَعْتَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» ... إلخ - حديث رقم (٦٧٤٥)
وقته؛ لموته قبل التكليف، فضلاً عن عمله، والتأسيس أولى، ومع إفادة
المبالغة أحرى. قاله القاري.
قال العلامة القرطبيّ كَّلُهُ: إنما قالت عائشة لهذا؛ لأنها بَنَت الأمرَ على
أن كلّ مولود يولد على فطرة الإسلام، وأن الله تعالى لا يعذّب حتى يبعث
رسولاً، فحَكَمَت بذلك، فأجابها النبيّ وَّر بما ذكر. انتهى (١).
(قَالَ) بَّرِ ((أَوَ غَيْرَ ذَلِك؟) بفتح الواو، ورفع ((غيرُ))، وكسر الكاف، قال
القاري: هو الصحيح المشهور من الروايات، والتقدير: أتعتقدين ما قلتٍ؟،
والحقّ غيرُ ذلكِ، وهو عدم الجزم بكونه من أهل الجنّة، فالواو للحال.
وفي ((الفائق)) للزمخشريّ: الهمزة للاستفهام؛ أي: الإنكاريّ، والواو
عاطفة على محذوف، و((غيرُ)) مرفوع بعامل مضمر، تقديره: أقلتِ هذا؟ ووقع
غير ذلك. ويجوز أن تكون ((أو)) بسكون الواو التي هي لأحد الأمرين؛ أي:
الواقع هذا أو غيرُ ذلك. وقيل: التقدير: أو هو غير ذلك. ورُوي بنصب
((غيرَ))؛ أي: أو يكون غيرَ ذلك، أو التقدير: أو غير ما قلتٍ. قاله القاري(٢).
وقال الطيبيّ: ويجوز أن تكون ((أو)) بمعنى ((بل))، أنشد الجوهريّ [من
الطويل]:
وَصُورَتُهَا أَوْ أَنْتِ فِي الْعَيْنِ أَمْلَحُ
بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ فِي رَوْنَقِ الضُّحَى
يريد: بل أنت، وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِئَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ
١٤٧
[الصافات: ١٤٧]؛ أي: بل يزيدون، كأنه وَ﴿ لم يَرتَضِ قولها ﴿ّا، فأضرب
عنه، وأثبت ما يُخالفه؛ لِمَا فيه من الحكم بالغيب، والجزم بتعيين إيمان أبوي
الصبيّ، أو أحدهما؛ إذ هو تبعٌ لهما، ومرجع معنى الاستفهام إلى هذا؛ لأنه
لإنكار الجزم، وتقرير لعدم التعيين.
ولعلّ الرّدّ كان قبل إنزال ما أُنزل عليه في ولدان المؤمنين. انتهى.
[فائدة مهمّة]: ذكر القاضي عياض ◌َخْثُ في ((المشارق)) بحثاً مهمّاً يتعلّق
بـ((أَوْ))، و((أَوَ))، فقال:
[فصل]: في ((أَوْ كذا)) بالإسكان، ((وأَوَ كذا)» بالفتح.
(١) المفهم ٦٧٩/٦.
(٢) ((المرقاة)) ٢٧٠/١.

٥٢٦
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
فاعلم أنه متى جاءت هذه الصيغة على التقرير، أو التوبيخ، أو الردّ، أو
الإنكار، أو الاستفهام كانت مفتوحة الواو، وإذا جاءت على الشكّ، أو
التقسيم، أو الإبهام، أو التسوية، أو التخيير، أو بمعنى الواو، على رأي
بعضهم، أو بمعنى ((بل))، أو بمعنى ((حتى))، أو بمعنى ((إلى))، وكيف كانت
عاطفة فهي ساكنة.
فمما يُشكل من ذلك في هذه الأصول قوله في حديث سعد بن أبي
وقّاص ◌ُه حين قال: إني لأراه مؤمناً، فقال ◌َله: ((أو مسلماً))، هذه بسكون
الواو، على معنى الإضراب عن قوله، والحكم بالظاهر، كأنه قال: بل قل:
مسلماً، ولا تقطع بإيمانه، فإن حقيقة الإيمان، وباطن الخَلْق لا يعلمه إلا الله،
وإنما تَعْلم الظاهر، وهو الإسلام، وقد تكون بمعنى التي للشك؛ أي: لا تقطع
بأحدهما دون الآخر، ولا يصحّ فتح الواو هنا جملةً.
ومثله قوله لعائشة ينا حين قالت: عصفور من عصافير الجنة: ((أو غير
ذلك)) بالسكون؛ أي: لا تقطعي على ذلك، فقد يكون غير ما تعتقديه، فعِلمه
إلى الله تعالى، ومن فَتَح الواو في هذا ومثله أحال المعنى، وأفسده.
قال الجامع عفا الله عنه: لا إحالة للمعنى، ولا إفساد في الفتح، كما
تقدّم تحقيقه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال: ومثله قول المرأة: إنه لأسحر الناس، أوْ إنه لرسول الله حقّاً، على
طريق الشكّ، وكذلك قوله في لحوم الحمر: ((واكسروا القدور))، فقالوا: نهريق
ما فيها، ونغسلها؟، فقال: ((أو ذلك)) بالسكون على الإباحة، والتسوية.
وأما قوله في حديث: ((ما يفتح من زهرة الدنيا، أَوَ خيرٌ هو؟)) فهذا بفتح
الواو؛ لأنه على جهة التقرير، والردّ، وهي واو الابتداء، قبلها ألف
الاستفهام .
ومثله قوله في الحديث الآخر: ((أَوَ في شكّ أنت يابن الخطاب؟)) على
جهة التوبيخ والتقرير، وكذلك: ((أوَ ما طُفتِ بالبيت؟)) على جهة الاستفهام،
وكذلك في الأشربة: ((أَوَ مسكر هو؟)) على الاستفهام، وكذلك: ((أَوَ تعلم ما
النقير؟)) كله على الاستفهام، وكذلك قوله: (أَوَ قد فعلوها؟))، وقوله: ((أَوَ
أملك أن نزع الله منك الرحمة؟)) على طريق التوبيخ، ورواه مسلم: ((وأملك))

٥٢٧
(٦) - بَابُ مَعْنَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» ... إلخ - حديث رقم (٦٧٤٥)
بغير ألف الاستفهام، ومثله: ((أَوَ لم يعلم أبو القاسم، أول زمرة تدخل الجنة؟»
على التقرير، ومثله قوله: ((أَوَ قد كان ذلك؟))، ((أَوَ فتح هو؟)) على الاستفهام،
وفي حديث الصلاة في الكعبة: ((أو في زواياها؟)) كذا رواه العذري بهذا
اللفظ، والضبط على الاستفهام، وكذلك قوله: ((أوَ هبلتٍ، أَوَ جنة واحدة
هي؟)) الأُولى على التوبيخ، والثانية على التقرير والإنكار، كل هذا بفتح الواو،
ومن روى مُنبِّهاً من الرواة شيئاً بالسكون، فهو خطأ مفسد للمعنى، مغيِّر له،
وقد رواه بعضهم ((أو هبلتٍ))، وليس بشيء.
وقوله: ((تبكين، أَوْ لا تبكين، فما زالت الملائكة تظله)) الحديث،
بسكون الواو، وقد يكون هذا شكّاً من الراوي، في أي الكلمتين قال؟، أو
يكون على طريق التسوية للحالين؛ أي: سواء حالاكٍ في ذلك، كحالة هو كذا،
والأول أظهر. انتهى كلام القاضي عياض كَُّهُ(١)، وهو تحقيقٌ مهمّ جدّاً، والله
تعالى أعلم.
(يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلاً)؛ أي: يدخلونها، ويتنعّمون بها،
(خَلَقَهُمْ لَهَا) قال الطيبيّ كَُّ: كرّر ((خلق)) لإناطة أمر زائد عليه، وهو قوله:
((وهم في أصلاب آبائهم)) اهتماماً بشأنه، كما قال زهير [من البسيط]:
مَنْ يَلْقَ يَوْماً عَلَى عِلَّاتِهِ هَرِماً يَلْقَ السَّمَاحَةَ مِنْهُ وَالنَّدَى خُلِقًا
عِلَّاته بكسر العين؛ أي: على كلّ حال، و((هرماً)) اسم رجل، وكرّر
(يَلْقَ))، وعلّق به السماحة والندى اهتماماً به.
وقوله: (وَهُمْ فِي أَصْلَابٍ آبَائِهِمْ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي:
قبل أن يولدوا، ويخرجوا إلى دار التكليف، قيل: عيّن في الأزل من سيكون
من أهل الجنّة، ومن سيكون من أهل النار، فعبّر عن الأزل بأصلاب الآباء
تقريباً لأفهام العامّة. وقال الطيبيّ: ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله: ((وهم في
أصلاب آبائهم): خَلْق الذرّيّة في ظهر آدم لعلّها، وإخراجها ذرّيّةً بعد ذُرّيّة من
صُلب كل والد إلى انقراض العالم(٢).
(١) ((مشارق الأنوار)) ٥٣/١ - ٥٤.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥٣٧/٢.

٥٢٨
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
(وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلاً) فيه إيماء إلى أنه لا اعتراض، فإنهم أهل لها أهليّة لا
يعلمها إلا خالقها. (خَلَقَهُمْ لَهَا، وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ))) ولفظ النسائيّ: ((يَا
عَائِشَةُ، خَلَقَ اللهُ وَ الْجَنَّةَ، وَخَلَقَ لَهَا أَهْلاً، وَخَلَقَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ،
وَخَلَقَ النَّارَ، وَخَلَقَ لَهَا أَهْلاً، وَخَلَقَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ)).
قال الإمام ابن حبّان كَُّ في ((صحيحه)) بعد إخراج الحديث: أراد
النبيّ وَله بقوله هذا: تَرْك التزكية لأحد مات على الإسلام، ولئلا يُشهد بالجنة
لأحد، وإن عُرف منه إتيان الطاعات، والانتهاء عن المزجورات؛ ليكون القوم
أحرص على الخير، وأخوف من الربّ، لا أن الصبيّ الطفل من المسلمين
يخاف عليه النار. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَخُّْ: هذا لا يُعارِض ما تقدّم من قوله: إنه يُكتب، وهو
في بطن أمّه شقيّ، أو سعيد؛ لِمَا قدّمناه من أن قضاء الله، وقَدَره راجع إلى
عِلمه، وقُدرته، وهما أزليّان، لا أول لهما، ومقصود هذه الأحاديث كلها أنّ
قدَّر الله سبق على حدوث المخلوقات، وأن الله تعالى يُظهر من ذلك ما شاء،
لمن شاء، متى شاء، قبل وجود الأشياء. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: حديث عائشة ﴿ّا هذا من أفراد المصنّف ◌َظّتُهُ .
المسألة الثانية: في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦ /٦٧٤٤ و٦٧٤٥ و٦٧٤٦] (٢٦٦٢)، و(أبو
داود) في ((السُّنَّة)) (٤٧١٣)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (١٩٤٧) وفي ((الكبرى))
(٢٠٧٤)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (٨٢)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده))
(١٥٧٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٦١ و٢٥٢١٤)، و(الحميديّ) في ((مسنده))
(٢٦٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٣٨ و٦١٧٣)، و(الآجرّيّ) في
((الشريعة)) (ص١٩٥ - ١٩٦)، والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
(١) ((صحيح ابن حبان)) ٣٤٩/١.
(٢) المفهم ٦ / ٦٨٠.

٥٢٩
(٦) - بَابُ مَعْتَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» ... إلخ - حديث رقم (٦٧٤٥)
١ - (منها): إثبات القَدَر، وأن الله ◌ُعَلَ قدّر الأشياء، وعِلمها قبل أن
يخلقها، ثم يخلقها على طِبق علمه، وتقديره، وأن الإيمان بذلك واجب.
٢ - (ومنها): عدم القطع لأحد بالجنّة، ولو صغيراً، تأدباً مع الله تعالى،
فإنه الذي يعلم من هو أهل الجنة.
٣ - (ومنها): بيان أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، وأن لهما أهلاً، لا
يعلمهم إلا الله تعالى.
٤ - (ومنها): بيان مشروعية الصلاة على أطفال المسلمين.
٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ◌َل18 من شدّة العناية بأمور
المسلمين، ولو كانوا صغاراً، فكان يعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم، ويُعِين
فقيرهم .
٥ - (ومنها): مشروعية إعلام أهل الفضل حتى يصلّوا على موتى
المسلمين، وليس ذلك من النعي المنھيّ عنه.
٦ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض تَّلهُ: في هذا الحديث إشارة إلى
أن الثواب والعقاب لا لأجل الأعمال، وإلا لكان ذراريّ المسلمين والكافرين
لا من أهل الجنّة، ولا من أهل النار، بل الموجب هو اللطف الربّانيّ،
والخذلان الإلهيّ المقدّر لهم، وهم في أصلاب الآباء، فالواجب التوقّف،
وعدم الجزم.
وقال النوويّ كَّتُهُ: أجمع من يُعتدّ به من علماء المسلمين على أن من
مات من أطفال المسلمين، فهو من أهل الجنّة؛ لأنه ليس مكلّفاً، وتوقّف فيه
بعض من لا يُعتدّ به؛ لحديث عائشة ◌ّا هذا، وأجاب العلماء بأنه لعله نهاها
عن المسارعة إلى القطع من غير دليل قاطع، كما أنكر على سعد بن أبي وقّاص
في قوله: إني لأراه مؤمناً، فقال: ((أو مسلماً))، ويَحْتَمل أنه وَّه قال هذا قبل
أن يَعلَم أن أطفال المسلمين في الجنّة، فلما عَلِم قال في ذلك قوله وَلاغير: «ما
من مسلم يموت له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث، إلا أدخله الله الجنة
بفضل رحمته إياهم))، وغير ذلك من الأحاديث، والله أعلم. انتهى (١).
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٧/١٦.

٥٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
وقال السنديّ تَخْتُ: قلت: وقد صرّح كثير من أهل التحقيق أن التوقّف
في مثله أحوط؛ إذ ليست المسألة مما يتعلّق بها عمل، ولا عليها إجماع، وهي
خارجة عن محلّ الإجماع على قواعد الأصول، إذ محلّ الإجماع هو ما يُدرك
بالاجتهاد، دون الأمور المغيّبة، فلا اعتداد بالإجماع في مثله لو تمّ على
قواعدهم، فالتوقّف أسلم، على أن الإجماع لو تمّ، وثبت لا يصحّ الجزم في
مخصوص؛ لأن إيمان الأبوين تحقيقاً غيب، وهو المناط عند الله تعالى، والله
تعالى أعلم. انتهى(١).
وقال القاري كَّتُهُ: والأصحّ ما تقدّم من أنه لم يرتض هذا القول منها؛
لِمَا فيه من الحكم بالغيب، والجزم بإيمان أصل الولد؛ لأنها أشارت إلى طفل
معيّن، فالحكم على شخص معيّن بأنه من أهل الجنة لا يجوز من غير ورود
النصّ؛ لأنه من علم الغيب. وقد يقال: التبعيّة في الدنيا من الإيمان والكفر،
وحُكمها من أمور الآخرة.
ففيه إرشاد للأمة إلى التوقّف في الأمور المبهمة، والسكوت عما لا علم
لهم به، وحُسن الأدب بين يدي علام الغيوب.
وقال ابن حجر الهيتميّ الفقيه: ولعل هذا كان قبل ما نزل عليه في ولدان
المؤمنين والكفّار؛ إذ هم في الجنة إجماعاً في الأول، وعلى الأصحّ في
الثاني. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن حجر الهيتميّ ◌َظُّهُ هو
الحقّ، كما تقدّم البحث فيه مستوفّى قريباً، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الصلاة على الصبيان:
قال الإمام ابن المنذر تَّتُهُ: أجمع أهل العلم على أن الطفل إذا عُرفت
حياته، واستهلّ، صلّ عليه. واختلفوا في الصلاة على الطفل الذي لم يُعرف
له حياة، فروينا عن ابن عمر، وابن عباس، وجابر أنهم قالوا: إذا استهلّ
المولود صُلي عليه. وبه قال النخعيّ، والحسن، وعطاء، والزهريّ. وقال
(١) ((شرح السنديّ)) ٥٨/٣.
(٢) راجع: ((المرقاة شرح المشكاة)) للقاري ٢٧١/١.

٥٣١
(٦) - بَابُ مَعْنَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» ... إلخ - حديث رقم (٦٧٤٥)
أحمد(١)، والحكم، وحماد، ومالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ: إذا لم يستهلّ لم
يصلّ عليه، وبه قال أصحاب الرأي.
وقالت طائفة: يصلى عليه، وإن لم يستهلّ، يروى ذلك عن ابن عمر.
وبه قال محمد بن سيرين، وسعيد بن المسيّب، وقال أحمد بن حنبل: إذا عُلم
أنه ولد يغسل، ويصلّى عليه، وقال إسحاق: كما نُفخ فيه الروح صلي عليه،
وكذلك قال أحمد، قال: إذا تمّت أربعة أشهر يصلى عليه؛ لأنه قد نُفخ فيه
الروح، وقال إسحاق: مضت السُّنَّة في أصحاب النبيّ وَّه في الصبيّ إذا سقط
من بطن أمه ميتاً، بعد تمام خَلْقه، ونُفِخَ فيه الروح، وهو أن يمضي أربعة أشهر
وعشرٌ، أنه يصلّى عليه، إنما الميراث في الاستهلال، وأما ما يُبعث يوم القيامة
نسمةً تامّةً، وقد كُتب عليه الشقاء والسعادة، فلأيّ شيء يُترك الصلاة عليه؟،
وقد ذُكر عن النبيّ وَّر: ((والطفل يصلَّى عليه))، رواه المغيرة بن شعبة
،
وهو حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، وثبت أن ابن عمر .
صلى على مولود، ذَكّر نافع أنه لم يكن استهلّ، وصلى أبو هريرة رَظُته على
المنقوص الذي لم يعمل خطيئة، وقال: ((اللَّهُمَّ أعذه من عذاب القبر)). انتهى
كلام ابن المنذر تَُّ باختصار(٢).
وقد رجّح المجد ابن تيميّة في ((المنتقى)) قول أحمد، وإسحاق، حيث
قال: وإنما يُصلّى عليه إذا نُفخت فيه الروح، وهو أن يستكمل أربعة أشهر،
فأما إن سَقَط لدونها فلا؛ لأنه ليس بميت، إذ لم يُنفخ فيه روح، وأصل ذلك
حديث ابن مسعود نظرته، قال: حدثنا رسول الله صل*، وهو الصادق المصدوق:
((إن خلق أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون عَلَقَة مثل ذلك، ثم
يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات، بكتب رزقه،
وأجله، وشقيّ، أو سعيد، ثم يُنفخ فيه الروح)). متفق عليه. انتهى.
قال الشوكاني بعد ذِكر كلام ابن تيمية هذا: ومحلّ الخلاف فيمن سقط
(١) لعل أحمد كثّفُ له قولان، وإلا فسيأتي أنه ممن يرى الصلاة، وإن لم يستهلّ،
فتأمل.
(٢) ((الأوسط)) ٤٠٣/٥ - ٤٠٦.

٥٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
بعد أربعة أشهر، ولم يستهلّ، وظاهر حديث الاستهلال أنه لا يُصَلّى عليه،
وهو الحقّ؛ لأن الاستهلال يدلّ على وجود الحياة قبل خروج السقط، كما يدلّ
على وجودها بعده، فاعتبار الاستهلال من الشارع دليل على أن الحياة بعد
الخروج من البطن معتبرة في مشروعية الصلاة على الطفل، وأنه لا يكتفى
بمجرّد العلم بحياته في البطن فقط. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح مذهب القائلين بالصلاة
على المولود مطلقاً، سواء استهلّ، أو لم يستهلّ، بعد نفخ الروح فيه، وذلك
أن يتمّ له أربعة أشهر، كما هو مذهب أحمد، وإسحاق، ورجّحه المجد ابن
تيمية رحمهم الله تعالى، لحديث المغيرة بن شعبة: ((والطفل يصلّى عليه)) لفظ
النسائيّ، ولفظ أبي داود: ((السِّقْط يصلّى عليه))، وهو حديث صحيح.
وأما حديث الاستهلال الذي رجح به الشوكانيّ عدم الصلاة إذا لم
يستهلّ، وهو ما أخرجه الترمذيّ، من حديث جابر ظُه أن النبيّ وَّ قال:
((الطفل لا يصلى عليه، ولا يَرِث، ولا يورث، حتى يستهلّ (٢))، ورواه ابن
ماجه أيضاً، ولكنه لم يذكر: ((ولا يورث))، فلا يصحّ الاحتجاج به؛ لأن في
إسناد الترمذيّ: إسماعيل بن مسلم المكيّ، عن أبي الزبير، وإسماعيل ضعيف،
وفي إسناد ابن ماجه: الربيع بن بدر، عن أبي الزبير، والربيع متروك أيضاً.
والصحيح أنه موقوف على جابر ظه، فقد رواه ابن جريج وغيره،
موقوفاً عليه.
فتبيّن بهذا أن اشتراط الاستهلال للصلاة على الطفل مما لا دليل عليه،
بل الدليل الصحيح هو حديث المغيرة به المذكور، بلفظ: ((والطفل يُصلّى
عليه))، وبلفظ: ((والسقط يُصلّى عليه))، وهو على إطلاقه يعمّ المستهلّ، وغيره.
والحاصل: أن المذهب الراجح هو القول بالصلاة على الطفل مطلقاً،
والله تعالى أعلم.
(١) ((نيل الأوطار)) ٥٧/٤ - ٥٨.
(٢) استهلال الصبي: تصويته عند ولادته، والمراد به: أن يوجد ما يُعلم به حياته، من
صياح، أو اختلاج، أو نَفَس، أو حركة، أو عُطاس. أفاده في ((مجمع البحار)).

٥٣٣
(٦) - بَابُ مَعْنَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» ... إلخ - حديث رقم (٦٧٤٦)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٤٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِبَّاءَ،
عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى (ح) وَحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ
(ح) وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ
ء
القَّوْرِيِّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْتَى، بِإِسْنَادٍ وَكِيعِ نَحْوَ حَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) البزّاز الدُّولابِيّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقةٌ حافظ
[١٠] (ت٢٢٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن مُرّة الْخُلْقانيّ، أبو زياد الكوفيّ، لقبه
شَقُوصاً - بفتح المعجمة، وضم القاف الخفيفة، وبالمهملة - صدوقٌ، يخطئ
قليلاً [٨] (ت١٩٤) وقيل: قبلها (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ٢٧/٥.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ) بن كُوسجان - بمهملة، ثم جيم - المروزيّ، أبو
داود السِّنْجِيّ - بكسر المهملة، بعدها نون ساكنة، ثم جيم - ثقةٌ صاحب
حديث، رحّالٌ، أَدِيبٌ [١١] (ت٢٥٧) (م ت س) تقدم في ((صلاة المسافرين
وقصرها)) ١٤/ ١٦٧٤.
٤ - (الْحُسَيْنُ بْنُ حَقْصٍ) بن الفضل بن يحيى بن ذكوان الْهَمْدانيّ - بفتح
الهاء، وسكون الميم - أبو محمد الأصبهانيّ القاضي - أصله من الكوفة، وهو
الذي نَقَل علم أهل الكوفة إلى أصبهان، وكان إليه القضاء، والفتوى، والرياسة
بها، قاله أبو نعيم - صدوقٌ، من كبار [١٠].
روى عن إبراهيم بن طهمان، والسفيانين، وإسرائيل، وابن أبي روّاد،
وفضيل بن عياض، وأبي يوسف القاضي، ومروان بن معاوية، ووكيع،
وغيرهم.
وروى عنه أبو داود السِّنجيّ، وعبد الله بن إسحاق الجوهريّ، وأبو قلابة
الرَّقَاشيّ، ويحيى بن حكيم، والفلاس، ويونس بن حبيب، وعمر بن شَبّة، وغيرهم.
قال أبو حاتم: محله الصدق، وقال الحافظ أبو نعيم: وكان دَخْلُه كل
سنة مائة ألف درهم، ما وجبت عليه زكاة قطّ، وقال أبو عاصم النبيل: ما أرى

٥٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
بأصبهان ممن يُنتفع به مثله، وقال ابن حبان في ((الثقات)): مات سنة (١ أو ٢١١).
تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا حديثان،
هذا برقم (٢٦٦٢)، والحديث التالي برقم (٢٦٦٣).
٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسج المروزيّ الحافظ، تقدّم في الباب
الماضي.
٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقد بن عثمان الضّبّيّ مولاهم، الْفِرْيابي
- بكسر الفاء، وسكون الراء، بعدها تحتانية، وبعد الألف موحّدة ـــ نزيل
قَيْسارية، من ساحل الشام، ثقةٌ فاضلٌ، يقال: أخطأ في شيء من حديث
سفيان، وهو مُقَدَّم فيه مع ذلك عندهم على عبد الرزاق [٩] (ت٢١٢) (ع) تقدم
في ((القسامة)) ٤٣٤٩/٢.
٧ - (سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ) تقدّم قبل باب.
و(طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى)) ذُكر قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ) الضمير للحسين بن حفص،
ومحمد بن يوسف الفريابيّ؛ يعني: أنهما رويا هذا الحديث عن سفيان الثوريّ،
عن طلحة بن يحيى، عن عمّته عائشة بنت طلحة، عن عائشة أمّ المؤمنين
[تنبيه]: أما رواية إسماعيل بن زكريّاء عن طلحة بن يحيى فساقها ابن
حبّان تَخْلُ في ((صحيحه))، فقال:
(٦١٧٣) - أخبرنا زكريا بن يحيى الساجيّ، حدّثنا أبو الربيع الزَّهْرانيّ،
حدّثنا إسماعيل بن زكريا، عن طلحة بن يحيى، عن عائشة بنت طلحة، عن
عائشة أمّ المؤمنين، أن رسول الله وَل﴿ أَتِي بصبيّ من الأنصار، يصلي عليه،
فقلت: يا رسول الله، عصفور من عصافير الجنة، قال ◌َله: ((أوَ لا تدرين أن الله
خَلَق للجنة خَلْقاً، فجعلهم لها أهلاً، وهم في أصلاب آبائهم، وخَلَق النار،
وخلق لها أهلاً، وهم في أصلاب آبائهم؟)). انتهى (١).
وأما رواية الثوريّ عن طلحة، فقد ساقها البيهقيّ ◌َّتُهُ في ((الاعتقاد))،
فقال :
(١) ((صحيح ابن حبان)) ١٤ / ٤٧.

٥٣٥
(٧) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الآجَالَ، وَالأَرْزَاقَ، وَغَيْرَهَا ... إلخ - حديث رقم (٦٧٤٧)
أخبرنا(١) أبو ذرّ محمد بن أبي الحسين بن أبي القاسم المذكّر، قال: أنا
أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفّار الزاهد، قال: أنا أبو عبد الله محمد بن
إبراهيم المؤدّب، قال: أنا الحسين بن حفص، عن سفيان، عن طلحة بن
يحيى بن طلحة بن عبيد الله، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين ﴿يّ
أنها قالت: أُتِي النبيّ وَلّ بصبيّ من الأنصار ليصلي عليه، قالت: فقلت: يا
رسول الله طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل سوءاً، ولم يدره،
فقال: ((أو غير ذلكِ، يا عائشة إن الله خلق الجنة، وخلق لها أهلاً، خلقها لهم
وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار، وخلق لها أهلاً، خلقها لهم، وهم في
أصلاب آبائهم)). انتهى(٢).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٧) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْآجَالَ، وَالأَرْزَاقَ، وَغَيْرَهَا، لَا تَزِيدُ،
وَلَا تَنْقُصُ عَمَّا سَبَقَ بِهِ الْقَدَرُ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٤٧] (٢٦٦٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبِ - وَاللَّفْظُ
لأَبِي بَكْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ
ءِ
عَبْدِ اللهِ الْيَشْكُرِيِّ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ
الشَّبِيِّ ◌َّهِ: اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللهِهِ، وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ،
قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: (قَدْ سَأَلْتِ اللهَ لَآَجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَأَرْزَاقٍ
مَقْسُومَةٍ، لَنْ يُعَجِّلَ(٣) شَيْئاً قَبْلَ حِلِّهِ، أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئاً عَنْ حِلِّهِ، وَلُّوْ كُنْتٍ سَأَلْتِ اللهَ
أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ، أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ، كَانَ خَيْراً، وَأَفْضَلَ»، قَالَ:
وَذُكِرَتْ عِنْدَهُ الْقِرَدَةُ، قَالَ مِسْعَرٌ: وَأُرَاهُ قَالَ: وَالْخَنَازِيرُ مِنْ مَسْخِ، فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ
لَمْ يَجْعَلْ لِمَسْخِ نَسْلاً، وَلَا عَقِباً، وَقَدْ كَانَتِ الْقِرَدَةُ، وَالْخَنَازِيرُ قَبْلَّ ذَلِكَ))).
(١) هكذا النسخة دون أيّ رقم !!!.
(٣) وفي نسخة: ((إن يعجّل الله)).
(٢) ((الاعتقاد)) للبيهقيّ ١٦٥/١.

٥٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مِسْعَرُ) بن كِدام الكوفيّ الحافظ، تقدّم قريباً.
٢ - (عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْئَدٍ) - بفتح الميم، وسكون الراء، بعدها مثلّثة -
الحضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٨/٢٥.
٣ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْيَشْكُرِيُّ) هو: المغيرة بن عبد الله بن أبي عَقِيل
الكوفيّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أبيه، والمغيرة بن شعبة، وبلال بن الحارث، والمعرور بن
سُويد، وقَزَعة بن يحيى، وابن المنتفق، وغيرهم.
وروى عنه أبو صخرة جامع بن شدّاد، وعلقمة بن مرثد، وزُبيد اليماميّ،
ومحمد بن جُحادة، وأبو إسحاق السَّبيعيّ، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وغيرهم.
قال العجليّ: كوفيّ، ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ في ((الشمائل))، والنسائيّ،
وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده.
[تنبيه]: قوله: ((اليشكريّ)) بفتح الياء، وسكون الشين، وضمّ الكاف،
وبعدها راء: نسبة إلى يشكُّر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن
جَدِيلة بن أسد بن ربيعة، وهو أخو بكر، وتغلب ابني وائل، وقيل: هو يشكر بن
بكر بن وائل، وهو أصحّ، قاله ابن الكلبيّ، وأبو عبيد، والمبرّد، ذكره في
((اللباب))(١) .
٤ - (الْمَعْرُورُ بْنُ سُوَيْدٍ) الأسديّ، أبو أمية الكوفيّ، ثقةٌ [٢] عاش مائة
وعشرين سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧٩/٤٢.
٥ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود الصحابيّ الشهير رَظُه، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُباعيّات المصنّف تَظُّْ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٤١٣/٣.

٥٣٧
(٧) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الآجَالَ، وَالأَرْزَاقَ، وَغَيْرَهَا ... إلخ - حديث رقم (٦٧٤٧)
آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ((عبد الله)) مهملاً، وهو ابن
مسعود ربه؛ لأن السند كوفيّ، وقد سبق غير مرّة بيان ما يُميّز به عبد الله
ـّ، فلا تنس نصيبك، والله تعالى وليّ التوفيق.
المهمل في الصحابة
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ◌َُّه؛ أنه (قَالَ: قَالَتْ أُّ حَبِيبَةَ) هي: رَمْلة بنت
أبي سفيان بن حرب الأمويّة، أمّ المؤمنين، مشهورة بكنيتها، ماتت ضوثقا سنة
اثنتين، أو أربع، وقيل: سنة تسع وأربعين، وقيل: وخمسين، تقدّمت في
((المساجد ومواضع الصلاة)) ١١٨٦/٣.
وقوله: (زَوْجُ النَّبِيِّ ◌َّ) هكذا ((زوج)) بلا هاء للأنثى، وهي اللغة
الفصحى، ويقال أيضاً: ((زوجة)) بالهاء، قال الفيّوميّ تَّلُ: الرجل زَوْجُ
المرأة، وهي زَوْجُهُ أيضاً، هذه هي اللغة العالية، وبها جاء القرآن، نحو:
﴿أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، والجمع فيهما: أَزْوَاجٌ، قاله أبو حاتم،
وأهل نجد يقولون في المرأة: زَوْجَةٌ بالهاء، وأهل الحرم يتكلمون بها، وعَگَس
ابن السِّكِيت، فقال: وأهل الحجاز يقولون للمرأة: زَوْجٌ بغير هاء، وسائر
العرب: زَوْجَةٌ، بالهاء، وجَمْعها: زَوْجَاتٌ، والفقهاء يقتصرون في الاستعمال
عليها؛ للإيضاح، وخَوْف لَيْس الذكر بالأنثى؛ إذ لو قيل: تَرِكة فيها زَوْجٌ، وابن
لم يُعْلَم أذكرٌ، هو أم أنثى؟. انتهى(١).
(اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللهِ وَ﴿) بجرّ ((رسول)) بدلاً من ((زوجي))،
(وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأمويّ
الصحابي الشهير، أسلم عام الفتح، ومات رواه سنة اثنتين وثلاثين، وقيل:
بعدها، تقدمت ترجمته في ((الزكاة)) ٢٤٤٣/٤٤.
(وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأمويّ، أبو
عبد الرحمن، الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿مّ الخليفة المشهور، أسلم قبل الفتح،
وكَتَب الوحي، ومات ◌َظ ◌ُه في رجب سنة ستين، وقد قارب الثمانين، تقدّمت
ترجمته في ((الصلاة)) ٨٥٨/٨.
(١) ((المصباح المنير)) ٢٥٩/١.

٥٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
وغَرَضُ أم حبيبة ◌َؤُها أن تطول أعمار هؤلاء الثلاثة، وتزيد، حتى يعيشوا
دهراً طويلاً، وتستمع بهم.
(قَالَ) عبد الله تَظُهُ: (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ِ: ((قَدْ سَأَلْتِ اللهَ لَآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ)؛
أي: مقدّرة بما لا مزيد فيه، ولا نقصان، (وَأَيَّامِ مَعْدُودَةٍ)؛ أي: معلوم عددها،
وهي الأيام التي يعيشونها في علم الله تَعَلَ، (وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ) لهم بما لا مزيد
فيه، ولا نقصان، (لَنْ يُعَجِّلَ) وفي بعض النسخ: ((إن يُعجّلُ الله))، وعليها،
فـ((إِن)) بكسر، فسكون نافية، والفعل مرفوع بعدها، فهي بمعنى ما يعجّل الله،
و(يُعجّل)) بضم أوله، وتشديد الجيم، من التعجيل. (شَيْئاً) من الآجال، (قَبْلَ
حِلِّهِ)؛ أي: قبل حلول وقته.
قال النوويّ تَظّتُ: أما ((حِلّه)) فضبطناه بوجهين: فتح الحاء، وكسرها، في
المواضع الخمسة، من هذه الروايات، وذكر القاضي أن جميع الرواة على
الفتح، ومراده: رواة بلادهم، وإلا فالأشهر عند رواة بلادنا الكسر، وهما
لغتان، ومعناه: وجوبه، وحينه، يقال: حَلَّ الأجل يَحُلّ - من باب ضرب -
حِلّاً، وحَلّاً. انتهى (١).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((حَلّه)) كذا الرواية بفتح الحاء في الموضعين،
وهو مصدر حَلّ الشيءُ يَحِلّ حَلّاً، وحُلولاً، ومحلّاً، والمحلّ أيضاً: الموضع
الذي يُحَلّ فيه؛ أي: يُنزل. انتهى(٢).
وقال المرتضى كَذَتُهُ: حَلَّ المَكانَ، وحَلّ به يَحُلّ، ويَحِلّ، مِن بابِي نَصَرَ،
وضَرَبَ، وهو ممّا جاء بالوَجْهين، كما ذكره الشيخ ابنُ مالكٍ أيضاً، حَلّاً،
وحُلُولاً، وحَلَلاً مُحرَّكةً بفَكّ التضعيف، وهو نادِرٌ؛ أي: نَزَل به. وقال الراغب:
[طه: ٢٧]،
أَصْلُ الحَلِّ: حَلُّ العُقْدة، ومنه: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن ◌ِّسَانِ
وحَلَلْتُ: نَزَلْتُ مِن حَلِّ الأَحْمالِ عندَ النزول، ثم جُرِّد استعمالُه للنّزولِ، فقيل:
حَلَّ حُلُولاً: نَزَل. وفي ((المِصباح)): حَلَّ العَذابُ يَحُلّ، ويَحِلُّ حُلُولاً، هذه
وحدَها بالضمِّ والكسرِ، والباقي بالكسر فقط، فتأمَّلْ، كاحْتَلَّهُ، واحْتَلَّ به، قال
(١) ((شرح النوويّ)) ٢١٣/١٦.
(٢) ((المفهم)) ٦/ ٦٨١.

٥٣٩
(٧) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الآجَالَ، وَالأَرْزَاقَ، وَغَيْرَهَا ... إلخ - حديث رقم (٦٧٤٧)
ابنُ سِيدَه: وكذا حَلَّ بالقَوم، وحَلَّهُم، واخْتَلَّ بهم، واحْتَلْهم. انتهى
باختصار(١).
(أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئاً عَنْ حِلِّهِ)؛ أي: وقت حلوله، (وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللهَ) ◌َ
(أَنْ يُعِيذَكِ)؛ أي: يُجيرك، ويَعصمك (مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ، أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ،
كَانَ خَيْراً) لك (وَأَفْضَلَ))) مما سألت من الزيادة في آجال محتمة، وأرزاق
مقسومة، لا تزيد، ولا تنقص.
قال القرطبيّ تَخْلُّ: قد أررد بعض علمائنا على هذا سؤالاً، فقال: ما
معنى صَرْفه لها عن الدعاء بطول الأجل، وحَضّه لها على العياذ من عذاب
القبر، وكل ذلك مقدّرٌ، لا يدفعه أحدٌ، ولا يردّه سبب؟.
فالجواب: أنه وَ ﴿ لم ينهها عن الأول، وإنَّما أرشدها إلى ما هو الأَولى
والأفضل، كما نصّ عليه، ووجهه كون الثاني أولى وأفضل، أنه قيام بعبادة
الاستعاذة من عذاب النار، والقبر، فإنَّه قد تَعَبّدنا بها في غير ما حديث، ولم
يَتَعبّدنا بشيء من القِسْم الذي دعت هي به، فافترقا. وأيضاً: فإنَّ التعوذ من
عذاب القبر والنار تذكير بهما، فيخافهما المؤمن، فيحذرهما، ويتقيهما، فيجعل
من المتقين الفائزين بخير الدنيا والآخرة. انتهى كلام القرطبيّ تَّتُهُ .
وعبارة الأبيّ كَّثُ: قوله: ((ولو كنت سألت إلخ)) صَرَفها وَل فو عن الدعاء
بالزيادة في العمر إلى الدعاء بالمعافاة من عذاب القبر والنار؛ إرشاداً لها لِمَا
هو الأفضل؛ لأنه كالصلاة والصوم من جملة العبادات، فكما لا يَحْسُن تركها
اتكالاً على ما سَبَق من القدر، فكذلك لا يُترك الدعاء بالمعافاة. انتهى
بتصرّف(٢).
وقال ابن الجوزيّ ◌َّلُهُ:
[فإن قيل]: كيف ردّها عن سؤال، وعَلّل بالقَدَر، وأمَرها بسؤال، وهو
داخل في باب القدر أيضاً؟.
[فالجواب]: أن سؤال ما يجلب نفعاً في الآخرة، ويُظهِر عبوديةً من
(١) ((تاج العروس)) ص ٦٩٨٥.
(٢) ((شرح الأبيّ)) ٧/ ٩٤ - ٩٥.

٥٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
السائل أولى مما يجتلب به مجرد النفع في الدنيا، فأراد منها التشاغل بأمور
الآخرة. انتهى(١).
(قَالَ) عبد الله ◌َظُهُ: (وَذُكِرَتْ) بالبناء للمفعول، (عِنْدَهُ) نَّهِ (الْقِرَدَةُ) بكسر
القاف، وفتح الراء: حيوان خبيث، والأنثى قِرَدةٌ، قاله الجوهريّ، والصغانيّ،
ويُجمع الذّكر على قُرُود، وأقراد، مثلُ حِمْل وحُمُول، وأحمال، وعلى قِرَدة
أيضاً، مثالُ عِنَبة، وجَمْع الأنثى قِرَدٌ، مثلُ سِدْرة وسِدَر، قاله الفيّوميّ(٢).
(قَالَ مِسْعَرٌ) الراوي عن علقمة: (وَأُرَاهُ) بضمّ الهمزة؛ أي: أظنّ علقمة
(قَالَ: وَالْخَنَازِيرُ)؛ أي: زاد ذكر الخنازير على القِرَدة، و((الخنزير)) فِنْعِيلٌ:
حيوان خبيث، ويقال: إنه حُرّم على لسان كلّ نبيّ(٣)، وقوله: (مِنْ مَسْخ)؛
أي: أهي من ممسوخ بني إسرائيل، أم لا؟، وفي رواية الثوريّ التالية: ((فَقَّال
رجل: يا رسول الله القردة والخنازير، هل هي مما مُسِخ؟ وحاصل سؤاله أن
القردة والخنازير الموجودة الآن هل هي مما تناسل من الأمم الممسوخة من
بني إسرائل أم لا؟ (فَقَالَ) بَّهِ: ((إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ لِمَسْخ)؛ أي: للمسوخ،
ففيه إطلاق المصدر، وإرادة المفعول؛ يعني: أنه تعالَى لم يجعل الآدمي
ممسوخ قرداً، أو خنزيراً (نَسْلاً)؛ أي: ذرّيّة في حياته، (وَلَا عَقِباً)؛ أي: يعقبه
بعد موته، (وَقَدْ كَانَتِ الْقِرَدَةُ، وَالْخَنَازِيرُ قَبْلَ ذَلِكَ)))؛ يعني: القردة والخنازير
كانت موجودة قبل حادثة المسخ.
وقال المناويّ كَّلُ: قوله: ((إن الله تعالى لم يجعل لمسخ إلخ)): يَحْتَمل
أنه لا يولد له أصلاً، أو يولد له، لكن ينقرض في حياته؛ يعني: فليس هؤلاء
القردة والخنازير من أعقاب مَن مُسِخ من بني إسرائيل، كما توهّمه بعض
الناس، ثم استظهر على دفعه بقوله: ((وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك))؛
أي: قَبْل مَسْخِ مَن مُسخ من الإسرائيليين، فأنى لكم في أن هذه القردة
والخنازير الموجودة الآن من نسل الممسوخ؟ هذا رجم بالغيب. انتهى(٤).
(١) ((کشف المشکل من حديث الصحیحین)» ص٢٢٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٩٦/٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٦٨/١.
(٤) ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) للمناويّ ٢٥٥/٢.